يي لِيّ : غرفة نوم امرأة عزباء

يارا المصري يارا المصري ترجمة

وُلِدت الشاعرة يي ليّ عام 1951 في تيانجين. بدأت في نشر أعمالها عام 1974، وتُعد من أهم شاعرات الثمانينات في الصين. 

أحدث نصها الشعري “غرفة نوم امرأة عزباء”، وهو سلسلة من القصائد، ضجة في الدوائر الشعرية حين نُشر في نهايات عام 1986. توفيت يي ليّ في الثالث عشر من يوليو 2018 إثر نوبة قلبية مفاجئة. كتبت الكاتبة والصحفية وو أنغ في رثائها: كانت دائمًا تبتسم لي وتقول إنَّ الإشارة السرية بيننا نحن الذين نكتب الشعر هي “أننا نكتب الشعر”.

سحرُ المرآة

خَمِّن مَن أعرف

إنها واحدة، إنها كثيرات

تظهرُ في كلِّ وِجهةٍ فجأة

وتختفي في لمحِ البصر

نظراتُها مُصوبةٌ إلى الأمام

لا يبدو عليها أثرُ السعادة

تناجي نفسها، ليس لها صوت

جسدُها قويٌّ رشيقٌّ، لكنه ليسَ دافئًا

هي مُجسَّمةٌ، ومُسطَّحة

أيُّ شيءٍ تمنحه لكَ لا يمكنك قبوله

ليس بوسعها أن تكون مُلك أي شخص

هي أنا في المرآة

هذا العالمُ مقسومٌ بكاملِه على اثنين

ولم يتبقَ إلَّا الأعداد الفردية

مُفردٌ مستقلٌ حر

كيانٌ روحانيٌّ مبدع

هي أنا في المرآة

مرآتي المؤطَّرة بالخشبِ موضوعةٌ عندَ قائمِ السرير

تفعلُ هذا السحر مئةَ مرةٍ في اليوم.

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

الحمَّامُ التركي

ثمة الكثيرُ من الرسوماتِ العاريةِ في هذه الغرفةِ الصغيرة

دفعَ رجلٌ البابَ صدفة

وهتف “الحمَّامُ التركي”

وهو لا يعلمُ أنَّني أوصدُ البابَ في الصيف

وأنَّني زبونةٌ معروفةٌ في هذا الحمَّام

أنظرُ إلى صورتي في المرآة وأُعجبُ بها:

يدان وساقان طويلة، جسدٌ ممشوق

ردفان مشدودان، كتفان متهدلان

نهدان مدوَّران يهتزَّان بخفة

كلُّ جزءٍ فيَّ مُفعمٌ بالعاطفة

أنا موديلي الخاص

لقد خلقتُ الفن، وخلقني الفن

على السرير كومةٌ من ألبوماتِ الصور

جواربي وسروالي الداخلي على الطاولة

زهورُ الياسمين الشتوي ذابلةٌ في القنِّينة

على الأرض انتشرَ لونٌ أصفر باهت

الوسائدُ ومساندُ الظَّهر مُلقاةٌ في الأرجاء

بوسعك أن تنام نومًا عميقًا في كلِّ زاوية

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

سرُّ الستارة

أُسدلُ الستائرَ دائمًا في النهار

لأتخيَّلَ الشَّرَ تحت الشمس

أو لأدخلَ مملكةَ المشاعر

يغمرني شعورٌ بالأمانِ لا مثيل له

يغمرني شعورٌ لا مثيلَ له بالحرية

بعدها يخرجُ الإلهامُ من مكمنِه كالأطياف

أنسجمُ مع الأطيافِ لأصلَ إلى النشوة

فيولدُ طفلٌ في الحال

أنا شديدةُ الذكاء

إذا كنتُ بحاجةٍ إلى السعادةِ أُسدلُ الستائر

فيتحولُ الألم إلى متعة

إذا فكرتُ في الانتحار أُسدلُ الستائر

فيتدفقُ التوقُ إلى الحياة

حين أُسدلُ الستائر

أسمعُ سيمفونية

ويملأُ الحبُّ الزوايا

أنتَ لا تأتي وتعيش معي

بورتريه ذاتي

أكونُ قبيحةً في كلِّ الصور

وفي البورتريه الذاتي أعبِّرُ عمَّا أطمحُ إليه

أمزجُ اثني عشرَ لونًا

وأسميه اللون (بي)

أكثرُ ما أحبُّ هو تصفيفةُ الشعرِ الغامضة

وقصة جبين منفوشة مثل ابنة أخي

أرسمُ على الوجهِ حاجبين فقط

وأتمنى ألَّا أشيخَ أبدًا كهذين الحاجبين

الحاجبُ عظيمٌ مُفعمٌ بالحكمة

لا يظنُّ أنَّ ثمة ما هو صحيحٌ وما هو خاطئ

ليس ذا كبرياءٍ، ليس مَخْزاة

ليس عفيفًا، ليس ماجنًا

ليس حيًّا، ليس ميتًا

علَّقتُ البورتريه على السورِ المنخفض

لأرى كلَّ يومٍ معبودي الوحيد

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

حفلةٌ صغيرة

ثمة مفرشٌ ملوَّنٌ بُسِطَ على الطاولة

وضوءُ المصباحِ الباهتُ يغمرُ الجبينَ المُضبَّب

رشفتُ رشفةً من النبيذِ الأحمر

كنتُ أرقصُ مع عدةِ أصدقاءٍ قُدامى

رقصنا كفتياتٍ وفتية في قاعةِ رقص

لم نبتسم، بل كنا صامتين

بدونا دائخينَ وسُكارى

وقتُ المرأةِ العزباءِ كقطعةِ لحمِ خنزير

لكن لا يمكنك أن تُقطِّعَه وتأكلَه

تلوتُ تعويذةً خِلسة

كي ينخلعَ كعبُ الحذاءِ العالي

آه! هذا العالم لا أنتمي إليه

بدا وكأنَّني وُلِدتُ منذ قرن

وجهي مُتفسخٌ، قدماي مُتغضِّنتان

لا سمعةٌ طيبةٌ للمرأةِ العزباءِ

فقط لأنها لا تظلُّ شابةً كما كانت

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

دعوة

دعوةٌ تبعثُ في نفسي الراحةَ وكأنَّ حِملاً ثقيلاً قد أُزيح

أجلسُ على كرسي الخيزران شاردة  

وافقتُ على مقابلته لأجل بحثه

نحن صديقان مقربان، صديقان مقربان، صديقان مقربان فحسب

لماذا لا يسألني عن أي شيء

كلما نلتقي يتحدثُ عن الحداثة، عن الكوميديا السوداء

لكنه لا يُطبق عمليًّا ما يعرفه

هو ذكيٌّ، واسعُ الخبرة

لكنه، رغم كل شيء، طفل

هو ودودٌ، ظريفٌ ولطيف

لكن ليس بوسعه إلَّا أن يكون طفلاً

هو دَمثٌ، ومهذب

سيظلُ إلى الأبد طفلاً، طفلاً

ـــ لا يمكنني إثبات أنَّني امرأة

هل حفلُ الزواجِ نقطةُ تحوُّل

أو هل بوسعِ الناس إنقاذ أنفسهم أو إنقاذ بعضهم البعض

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

غناء منفرد يوم الأحد

لم يصحبني أحدٌ في نزهة يوم الأحد

الحديقةُ العامةُ الأشدُّ فظاعةً، لا أجرؤ على الذهاب إليها

غنيتُ كل أغنية في دفتر الأغاني

مضيتُ متجولة في الحمامِ التركي

من بعد وجبة الإفطار أغني حتى المغيب

غنيتُ الشعر كـ 1

غنيتُ العينين كـ 2

غنيتُ الأذنين كـ 3

غنيتُ الأنف كـ 4

غنيتُ الوجه كـ 5

غنيتُ الفم كـ 6

غنيتُ الجسد كله كـ 7

يحيا شعار ابن عمي الشهير –

الغناءُ هو أنينُ الروحِ

والموسيقى تجعل الألمَ مُحتملاً

الوحدةُ عظيمة

(لستُ بحاجة لأن أكون عظيمة)

العينانِ المتعبتانِ تستريحان على الجدران

الشَّعرُ يحلق أسفل السقف كخفاشٍ أسود

أنتِ لا تأتي وتعيش معي.


مناقشات فلسفية

أقرأُ عن الفلسفة المادية بصوتٍ مسموع

المادةُ أولاً

لا أصنعُ أي مادةٍ

مْن بحاجةٍ لي في هذا العالم

حتى أنني لم أنجب أطفالاً

أيّ لم أتحمل المسئولية الأساسية للبشرية

قربَ كومة مسوداتٍ باليةٍ

أتناقشُ في الفن وأتناقش في الفلسفةِ

أولاً، الوجودية

ثانيًا، الدادائية

ثالثًا، الفلسفة الوضعية

رابعًا، السوريالية

وفي النهاية اكتشفتُ سر البشرية

أن تعيش لأجل العيش

ما إذا كان ثمة معنى للحياة

وما هو المعنى الأسمى

أنا نفعٌ عديم الفائدة

أنفاسي في كل مكان

عزمت على أن أتزوجَ زواجًا بلا معنى

أنتَ لا تأتي وتعيش معي

ليلةٌ عاصفة

العاصفةُ الممطرةُ كرجلٍ يجلدُ الأرض

الاضطرابُ يخفتُ في لحظةٍ إلى سكونٍ عميق

ستُّ رغبات مختلفة اجتمعت مع بعضها

في هذه اللحظة أريد كلَّ شيءٍ ولا شيء

العاصفةُ الممطرةُ سدَّت كل الطرق

كم هو مبهج أن تكونَ مدفوعًا لليأس

تخليتُ عن كل الخطط المملة  

سأدع الحياةَ تمضي

عطّلت العاصفةُ الممطرة الساعةَ البيولوجيةَ لفترةٍ قصيرة

آه، فرحةُ التوقفِ عميقة

توقفي إذًا

أُفضِّلُ الموتَ على الأرض

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

حلمٌ رمزي

أنا بمفردي أشغلُ هذه الجدران الأربعة

تحولتُ إلى مستطيلٍ باهت

حلمتُ حلمًا مستطيلاً

السماءُ المستطيلة تحولت إلى برج الأسد

تارةًّ يلمع رأسه

تارةًّ يلمع ذيله

وفجأة يتحولُ إلى خيولٍ بريةٍ دون رسن

تعدو إلى الكون الشاسع

التفَّ اللجام بوهن وتدلى

الكونُ قاتمٌ وبلا دروب

كلُّ خطوةٍ مثل هوةٍ سحيقة

الروحُ الحرة اختفت دونِ أثر

ربما ماتت شابة ذات يوم

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

شمعة عيد الميلاد

شمعةُ عيد الميلاد مثل كومة نجوم

سقفُ الغرفةِ نظامٌ شمسيٌّ مغلق

الفضاءُ شاسع

خلقَ الكونُ الإنسانَ دون قصد

ميلادنا محض مصادفةٍ

هل ينبغي تقديرُ الحياةِ أم تبديدها

كبحُ جماحها أم تركها حرةً

أمْرُ الإله: عيدُ ميلادٍ سعيد!

ضَحِك كلُّ رافعي الكؤوس

مرحبين بعامٍ آخر يقتربُ من الموت

لأنَّه خوفُ البشرِ كلهم

لذلك لا يخاف الكل

للشباب أن يكون أقصرَ من الشمعة

اللهب على وشك أن يخمد  

هذا ألمي، أنا

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

سجائر النساء

أُدخنها لأنها رفيعة وظريفة

تُشعل رغبتي في أن أكون امرأة

أحب وضعية تدخيني

بها لمسةٌ جماليةٌ عالمية

خَلَق دخانُ السجائرِ حالةَ فوضى

وأصبحت الوحدة حلوة جدًّا

تصفحتُ هذه الجريدة

تُنفَذُ حملات الإقلاع عن التدخين على نطاق واسع

وتحصل على دعم كبير

يدعمونها بدون تنفيذ

أو لا يدعمونها فضلاً عن التضحيةِ من أجلها

من بوسعه المقارنة بين مزايا وأضرار التدخين

يجب على التدخين والإقلاع عنه أن يكونا متآلفين

كلٌّ يأخذ حاجته

من الذي وضع قاعدة عدم الإقلاع عن التدخين

فأصبحت الطبقة العليا لذلك أكثر سحرًا

وأصبحت الطبقة الدنيا مُجرَّمة

أريدُ أن أكون بريئةً الليلة

أنت لا تأتي وتعيش معي.

تفكير

جمعتُ كل الوقت المتبقي لأفكر

ومنحت التفكير شكلاً: التجول في الغرفة

عمَّقتُ ما مررت به من خبرات

غيرتُ كل ما لم أحصل عليه إلى ما حصلتُ عليه

حوّلتُ كل ما لم يحدث إلى أوهام

فكرتُ في كل ما لم أستطِع فعله

فكرتُ في كل ما أخشى قوله لك

النظامُ مشوَّشٌ باضطرابِه في خفاءِ الأرض

أنظرُ إلى الأعلى باستسلامٍ وأفكِّر

الشبكة والسهم فقدتا الهدف

أطلقتُ العنان لتفكيري

أريد الحصول على فيزا للذهاب إلى المملكةِ المثالية

لكني قلقة أن تكون مزدحمةً بالسكان

أنت لا تأتي وتعيش معي.

أملٌ ميؤوس منه

هذه المدينةُ الصاخبةُ شديدةُ الخواء

الهدفُ مكشوفٌ في الغرفةِ الصغيرة

وثمة حراس على مدار الساعة

آتي وأذهب بمفردي، يملؤني الرعب

لا يمكنني البقاءُ دونِ أذى

عيون الناس حادة وتدميني

أتضرع إلى الإله أن يمنحَ العامة

نصف ثمرة جوز الهند دون فتحات

سُدت الدروب بعواقبٍ غير مرئية

بأملٍ ميوؤسٍ منه أنتظرك كل ليلة

هل ستندلعُ حرب عالمية إن جئت؟

هل سيتصدعُ سدُّ النهرِ الأصفر إن جئت؟

هل سيسوء الطقسُ إن جئت؟

هل سيؤثر مجيئك على حصادِ القمح؟

لا يوجد شيء يمكنني القيام به في مواجهة ما أكرهه

وأكثر ما أكرهه هو نفسي

أنتَ لا تأتي وتعيش معي.

*نشرت المختارات ضمن باقة أدبية: اختارها وحررها وائل عشري