الحب طبقاً لوجيه غالي

رسائل مختارة

وائل عشري وائل عشري
وجيه غالي

وجيه غالي

تأتي المختارات المنشورة هنا، احتفاءً بذكرى ميلاد وجيه غالي في 25 فبراير 1 ، من رسائل كتبها غالي أثناء إقامته في ألمانيا الغربية، وتعرض تطورات علاقة أقامها مع امرأة تُدعَى إديث سيمان Edith Seaman في نهايات 1963 وبدايات 1964. حينها، كانت أوديسة غالي بين فرنسا وإنجلترا والسويد قد ألقت به في رايت Rheydt، وهي بلدة صغيرة تقع بالقرب من مدينة مونشنجلادباخ وجدها مضجرة وغير ملهمة. رغم هذا، بدت حظوظ غالية مواتية إلى حد ما؛ إذ تحسَّن وضعه المالي في أكتوبر 1963 حين تمكَّن من الحصول على وظيفة مستقرة في “قسم الرواتب” بأحد مقرات الجيش البريطاني بالقرب من رايت. وقد وفر هذا العمل المكتبي لغالي دخلاً شهرياً ثابتاً، وجنبه الإفلاس التام، والأعمال اليدوية الشاقة التي كان يقوم بها لكسب نقوده القليلة.

مُستقبِلة الرسائل هي ديانا أتهيل (1917-2019)، صديقة غالي التي قابلها للمرة الأولى في صيف 1963 بعد مراسلات مطولة أثناء تحريرها لروايته “بيرة في نادي البلياردو” (1964). في تلك الرسائل التي بعث بها غالي من ألمانيا الغربية، تظهر أتهيل كشخصية جوهرية لتوازنه النفسي والشعوري الهش. لقد أصبحت، في الواقع، أكثر من صديقة. إذ رغم غرامها المبكِّر به (ذلك الغرام الذي سيساهم في تسميم علاقتهما حين ينتقل إلى لندن في منتصف 1966، ويقيم معها في شقتها)، يبدو أنها تقلَّدت دوراً أمومياً مرغوباً فيه من الطرفين: يكتب غالي إليها عن اكتئابه، إفراطه في الشرب، رغبته الحارقة في المقامرة، خلافاته مع الناشرين، شعوره بالوحدة، محاولاته المتكررة أن يستجمع قواه ويتغلب على مشاكله عبر اتخاذ قرارات جذرية ووضع خطط طموحة يلتزم بها لفترات قصيرة جداً، بالإضافة إلى الحديث عن كُتَّابه المفضلين، والتعبير عن آراءه في الكتب التي يقرأها حينها، والشكوى مراراً وتكراراً من الحياة المملة التي يعيشها في رايت. بدورها، تدعمه أتهيل شعورياً ومادياً. تواسيه. ترحب برسائله. ترغب فيها (“لما يقارب العام الأول بأكمله من معرفتي به، كان في وسع رؤية أحد رسائله على ممسحة الباب [الأمامي] أن تجعل قلبي يقفز على النحو الذي يحدث فقط لواحدة في الحب …” 2 ). في الرسائل الثلاث المتوفرة لدينا منها إليه خلال تلك الفترة، تكتب إليه عن تفاصيل حياتها بالإضافة إلى كلماتها المواسية. تُرسِل إليه بالكثير من الهدايا: كتب، مكسرات مملحة، معطف شتوي ثقيل، وقروض لا يبدو أن أياً منهما ظن أنها ستُرد قريباً. بالإضافة إلى كل هذا، يبدو أن أتهيل كانت تبذل أيضاً محاولات جادة كي تجد له عملاً في لندن – وهو أمر فكَّر فيه غالي، باِطِّراد، كالحل الوحيد لمشاكله المتزايدة.

After a Funeral book cover غلاف كتاب بعد جنازة

غلاف كتاب بعد جنازة

أما عن إديث سيمان فكانت جارة تسكن الطابق العلوي في نفس البيت الذي شغل غالي إحدى غرفه. بدت علاقتهما خفيفة وعابرة في البداية، بدون أي تورطات عاطفية، لكنها سرعان ما أخذته إلى نوبة اكتئاب حادة.

في كتابها “بعد جنازة” (1986) الذي تتناول فيه علاقتها بغالي، تعطي أتهيل معلومات عن سيمان أكثر من تلك الموجودة في الرسائل المتاحة:

انتقلت [إديث] إلى غرفة فوقه. كانت نادلة في بار، و”نادلات البارات في ألمانيا”، قال [لي غالي]، “لسن مثل نظائرهن في إنجلترا. هن إلى هذا الحد أو ذاك عادة عاهرات. لقد نامت تقريباً مع كل رجل في البلدة حينها، ومن الطبيعي أنها كانت ستنام معي قريباً.” [كان هذا] ترتيباً ملائماً: فقط سلالم طابق واحد كي يصعدها، وكان لديها غرفة جيدة بموقد للطبخ، حيث كان بوسعه أن يُغذَّى ويكون دافئاً لأمسية. سرعان ما أصبح يقضي أغلب وقته في الأعلى هناك، واندرجا في نمط منزلي؛ غير إن ديدي 3 [غالي] لم يكن ليأخذها أبداً إلى الخارج كي تقابل أصدقائه. (ص. 22-23)

بصرف النظر عن تحليل أتهيل الشخصي لانتهازية غالي (وهو تحليل متأثر إلى حد ما بضغائن كثيرة حملتها ضده حتى بعد موته)، تتبقى حقيقة أنه، في البداية على الأقل، لم يكن يكترث كثيراً بسيمان؛ لم يكن يحترمها حتى، أو يجدها جميلة أو جذابة بما يكفي كي يخرج معها برفقة أصدقائه. هكذا لم يكن الأمر يتعدَّى الجنس، بالإضافة، ربما، إلى المزايا المادية الصغيرة التي كان في استطاعة سيمان توفيرها لغالي المفلس دائماً. فقط حينما تبدأ سيمان في إظهار رغبات عاطفية، يبدأ غالي في التباعد عنها. حين ترُدّ سيمان بفعل المثل وتبدأ في مقابلة رجال آخرين، يشعر غالي بالحب، والغيرة، تجاهها. حسب غالي، تستمر هذه الدورة لأربع مرات قبل أن تتزوج سيمان في النهاية ويتداعى غالي تماماً.

النمط هذا هو الغالب في حياة غالي العاطفية، وهو كذلك المفتتح الدائم لنوبات اكتئابه الحادة. يسقط غالي في الحب بسهولة وسرعة تثيران الدهشة (“أقع في الحب بكل يسر – غريب جداً. أي واحدة مقبولة جسدياً بالنسبة لي هي مرشحة لحبي.” 4 )، وحين يُقابَل حبه بحب، يشعر بالنفور والتقزز من الطرف الآخر، وحينها يبدأ إما في التباعد عنها، وإما إساءة معاملتها. حين تضجر الشريكة أو تبتعد عنه، يهيم بها غالي على نحو أكثر توقداً وإلحاحاً، ويبدأ في محاولة التودد إليها من جديد. إن تجددت العلاقة، تتكرر الدورة. إن لم يحدث ذلك، وأصرت المرأة على إنهاءها، تتبع نوبة من الاكتئاب الحاد: يبدأ غالي في الهوس بحبه المفترض لتلك المرأة، ودائماً ما يُصاحب ذلك أفكارٌ انتحارية.

هكذا، لم يكن غالي “دون چوان” كما يوحي التصور الشائع عنه، ربما بتأثير من الخلط بينه وبينه رام، بطل روايته.

غلاف كتاب بيرة في نادي البلياردة - وجيه غالي

غلاف كتاب بيرة في نادي البلياردة – وجيه غالي

رغم عنصر السيرة الذاتية الواضح في تكوين شخصية رام، يبقى هذا الأخير نسخة روائية من مؤلفه، ويظل غالي أكثر تعقيداً ومأساوية من بطله. غالي هو رام في أفضل أيامه؛ غالي مُعذَّبٌ بالحب – التماسه، والنفور منه حين يجده، والانتقال الخاطف من حب إلى آخر؛ تحديداً من عذابات حب إلى عذابات حب آخر. بعد أن يجتاز غالي تقلبات علاقته مع سيمان، بما تشتمل عليه من تعقيدات تسم الكثير من علاقاته (الخفة في البداية. دوائر النفور والانجذاب. تباعد الشريكة وهوس غالي بها. نوبة الاكتئاب الختامية)، بعد فترة قصيرة من كل هذا، نجد غالي

واقعاً، بنفس الدرجة، في حب امرأة أخرى. يبدو الأمر أحياناً كأن رغبة غالي في الحب هي رغبة صافية، لا تتجه إلى أي أحد على نحو خاص، ويحبطها إمكانية إشباعها. كأنها، مثل الضجر، رغبة في السعادة مهجورة في حالتها النقية.  

في عيد فصح عام 1964، قابل غالي أتهيل في مدينة بروچ البلجيكية وهو ما زال يعاني من تبعات انتهاء علاقته بسيمان، وهكذا تصف أتهيل مظهره في بعد جنازة“: “[بدا] نحيفاً جداً، جلده أصفر وذابل مع دوائر عميقة من الظلال تحت عينيه. كان مريضاً …” (ص. 24). بعدها بعدة أسابيع، يبدأ غالي في كتابة يومياته. في الرابع والعشرين من مايو 1964، يفتتحها بهذه الفقرة القصيرة: “نحو الجنون، كما يبدو أني أمضي، ربما من الأفضل أن أكتب يومياتي، وإن كان فقط من أجل لمحة من العقل.” (الدفتر الأول). مع بداية غالي ليومياته، يكون محط حبه ورغباته، وآلامه بالتالي، امرأة أخرى. عن إديث سيمان نفسها، يكتب في نهاية الشهر: “نهاية أسبوع كئيب أمامي. أعرف أني لن أقابل ليزالوتا Liselotte ولا حتى صدفة.منذ أربعة أشهر كنت يائساً مرة أخرى حين تركتني إديث كي تتزوج. لا أستطيع الحياة بدون حب، وحين أحب أكون في الحب تماماً وكلياً إلى درجة إني أصبح مضجراً. لا أعرف ما أفعل.” (الدفتر الأول، 30 مايو 1964).

في سبتمبر من العام التالي، وبعد أن يكون قد مر بعدة تجارب شبيهة، وإن كانت أقل حدة، يكتب في يومياته: “خلال العام ونصف السابقين، شعرت بالبؤس بسبب: إديث سيمان، ليزالوتا ناب، إريكا أولمر، والآن ب. ما هذا بحق الجحيم القذر؟ … […] تطوري الشعوري والعاطفي ما زال في سن البلوغ … البلوغ.” (الدفتر الثاني، 13 سبتمبر [1965])

هذا الجحيم القذرهو، ربما، الحب طبقاً لوجيه غالي.  

إشارات:

      • – هذه المختارات من ترجمة تصدر قريباً لمخطوطات رسائل وجيه غالي إلى ديانا أتهيل.
      • – الكلمات والعبارات الواردة بين “[ ]” تدخلات تحريرية. “[…]” تعني وجود عبارات أو فقرات محذوفة لغرض النشر الحالي. أما ما بين “{ }” فيرد بالفرنسية في الأصل.
      • – حافظت على طرق غالي في التوكيد بوضع خط تحت الكلمات حيثما فعل، وكذلك في استخدامه لـ نقاط الإضمارسواء كانت ثلاثاً “…” أو اثنتين “..” حيثما كتب غالي كلمات متفرقة الحروف أ ع ر ف، استخدمت التشديد أعرف، نظراً لصعوبة الحفاظ على ذلك في الكتابة العربية.

رسالة بخط يد وجيه غالي

[1]

[دون تاريخ]

[…]

أمُر بمشاكل عاطفية رهيبة مرة أخرى مع [إديث سيمان،] تلك الشرموطة في الدور العلوي التي أخبرتكِ عنها من قبل. هناك، أصعد من وقت إلى آخر وأقضي الليلة حين أريد وفقط أتجاهلها معظم الوقت. بدأت في النوم مع رجل آخر مؤخراً .. وهذا يقتلني .. فقط يميتني أن أعرف أن جسدها القبيح يلمسه شخصٌ آخر. ورغم هذا لا أود أن أُرَى معها في الخارج حتى، لكني أقضي ليالٍ وأنا أُجنّ، جنوناً جامحاً بسبب ما تفعله. اللعنة عليها [وعلى] تفاهة الأمر بأكمله، أنا نفسي أضحك من الأمر ضحكات من النوع الممتعض الساخر. هناك، أدس قطعاً صغيرة من الورق في بابها كي أرى إن كانت قد عادت ليلاً أم لا. (تسقط حين تفتح بابها، لهذا أدس الورق ليلاً وقبل أن أذهب إلى العمل في اليوم التالي أصعد وأرى إن كانت قد سقطت أم لا. فظيع جداً الاستمرار في فعل هذا. {بيني وبينك}، استمتع بكل هذا على نحوٍ مازوخي. (إن كان الورق ما زال في مكانه يعني هذا أنها قضت الليل مع شخص آخر.) أخبرتها أنها إن جاءت به مرة أخرى إلى غرفتها، سوف أضربها وأضرب وجهه … وهي تصدقني الشرموطة الغبية. (ضربتها فعلاً مرة، ضرباً شديداً في الحقيقة. هل بوسعكِ تخيُّل ذلك؟ يجري الأمر على نحو شبيه بهذا:

ما شأنك أنت إن أحضرت رجلاً إلى هنا؟

لن أسمح بهذا.

هل تحبني؟وتنظر إليَّ، نصف هازئة.

أنا فقط لن أسمح بهذا.

أحضرت أنت نساءً هنا.وهذا صحيح بالطبع. مرة في العام الماضي، حين كانت تتصرف بحماقة مرة أخرى؛ طلبت من صديقتي الوفية بريندا وودجيت Brenda Woodgate، التي أنقذت حياتي ذات مرة في هامبورج حين كنت في المستشفى (أخبرتكِ بهذا، أنا متأكد)، طلبت من بريندا أن تأتي إلى غرفتي، وقد فعلت، ليتبارك وفائها. إنها جميلة جداً وجذابة (رغم إننا تباعدنا جسدياً عن أحدنا الآخر)، وأتت في [سيارتها] الموريس ماينر وأقامت معي أسبوعاً في غرفتي. وقت لطيف حقاً، أقرأ وهي تنام في شنطة نومها ليلة وأنا التالية، ونضحك ونطبخ .. ونسيت كل ما يخص تلك الشرموطة في الدور العلوي. سوى إنها هي (شرموطة الدور العلوي) بدا أنها تشحب كثيراً وقتما أقابلها مصادفة على السلالم. ثم أخبرتني فراو […]، المالكة، أن فراو سيمان لم تعد تذهب إلى العمل و[سألتني] ماذا حدث لها؟ قدنا بريندا وأنا إلى ميونخ لقضاء أسبوع مع هيلجا وقضينا وقتاً لطيفاً آخر إلى أن تشاجرنا (دائماً ما تحدث بينا شجارات حقيقية رائعة، وهي ما تُعمِّق فقط من صداقتنا،) وعدت أنا إلى رايت. وحين عدت، أفهمتني فراو سيمان أنها متيمة بي، تعبدني، وسوف تموت من أجلي … لكنني لم أعد أكترث بها .. إلى أن خرجت مع شخص آخر. ومرة أخرى تظاهرت بأن بريندا تقيم معي ومرة أخرى انقلبت الطاولة. هذه المرة هي الرابعة من تلك الدورات، والآن أنا من يعاني.

[…]

أعود إلى البيت حوالي 5:30؛ أنام قيلولة لساعة أو نحو هذا ثم أصحو وأتسكع لساعتين. أنظف غرفتي إلخ. رسائل ربما وبعض الراديو؛ وبعدها أذهب إلى الحانة من أجل عدة بيرات أوه لا، أنا أيضاً أدس الورق في باب إديث سيمان، نسيت، هكذا، بعد أن أدسه، أخرج على نفس المنوال إلى الحانة؛ ثم إلى البيت الساعة 11 – 11:30، في الفراش وأقرأ حتى الساعة 2 أو 2:30 ولا نوم. أيام الجمعة أذهب كي ألعب الكرات (بولينج) مع كل الشباب الذين قلت إني لا أريد أن أراهم مرة أخرى، وفي حوالي الواحدة صباحاً نكون جميعاً مخمورين جداً وأكون قد مررت بمشاجرتين أو ثلاثٍ مع أناس مختلفين. السبت، لدي صداع رهيب حتى منتصف اليوم ثم عادة ما أقابل هاينز […] وهاينز وأنا وفتاتان غبيتان نذهب إلى دوسلدورف ربما لقضاء المساء. في يوم الأحد .. أوه، مجرد التفكير في الطريقة الغبية التي أقضي بها وقتي سوف تبدأ في إصابتي بالاكتئاب.

[…]

حان وقت العودة إلى البيت. حبي لكِ و[…] ولكل أحد آخر يروق لي.

وجيه

* * *

[2]

الأربعاء، 6 نوفمبر 63[19]

الأعز د[يانا،] لن أبدأ على سطر جديد لأنني في “المكتب” وأعز د[ديانا] واضحة في أعلى الصفحة في سطر بمفردها ستجعل من الواضح أني أكتب رسالة. لم أسمع منكِ منذ ما يقارب الأسبوع الآن. أتمنى أن يكون ذلك لأنكِ تذهبين إلى كثيرٍ من الحفلات وتستمتعين على أقصى قدر ممكن. مر أسبوع هادئ يخلو من الأحداث. الشرموطة في الدور العلوي تطاردني الآن مرة أخرى، وأنا فقط لم أعد أستطيع تحمُّل رؤيتها وكنتيجة لذلك كان في هذا الأسبوع الماضي مسحة من الملل. لا أستطيع فعلاً أن أفهم أمر المشاعر هذا على الإطلاق. توصلت، لعدة سنوات الآن، إلى استنتاج مؤكد بأن “الحب” أمرٌ يخص الحساب ويمكن التعامل معه على نفس النحو الذي يمكن التعامل به مع الأرقام كي تناسب معادلات مُعدَّة مسبقاً أُعطيت لنا من حيث يعلم الرب. أعني أن ستة ناقص اثنين دائماً أربعة، وهذه المعادلة موجودة في كل الأزمنة، وهذا ما أعني حين أقول إنها أُعطيت. للحب أيضاً معادلة مثل هذه، ربما أكثر تعقيداً قليلاً، مثلما تكون عمليات الضرب أكثر تعقيداً من الجمع البسيط أو يكون تحديد الجذر المربع أكثر تعقيداً من القسمة … لكن مع وضع الأرقام في أماكنها الصحيحة، و”استعمالها” كما أقول، على نحو صحيح، دائماً ما سيكون الناتج هو نفسه؛ بما إنه أُعطى لنا على هذا النحو. بشكل شبيه، بعض التوجهات، السلوكيات، الأفعال، مثل الأرقام، مع وضعها في مكانها الصحيح من معادلة الحب-الحساب، تتطور أيضاً إلى (بالنسبة لي) ناتج هو الأكثر توقُّعاً … الأكثر توقعاً كما أن [ناتج] ستة ناقص اثنين يمكن توقعه بدون تجريب ذلك فعلاً، بمعنى، أخذ، في الممارسة الفعلية، تفاحتين من ست تفاحات، واكتشاف، بدون دهشة كبيرة، أنه يتبقى أربع لديكِ. (السبب الذي يجعل التفاح الفاكهة المفضلة للحساب هو لغز طبعاً. خصوصاً في مصر، حيث لا ينمو التفاح، وحيث كثيرون لم يروا التفاح في حياتهم، وحيث التفاح فيما يخص الجمع والطرح دائماً ما جعل تلاميذ المدارس يشعرون أن الحساب يحتاج إلى خيال مجرد أكثر مما يحتاج في الحقيقة). لا يعني هذا، بالطبع، أن أي أحد، حين يتصرف على هذا النحو أو ذاك، مضيفاً الفتنة هنا، طارحاً التَهذُّب هناك، ضارباً وجبات العشاء هنا، على نحو صحيح وملتزم بالمعادلة، سوف بالتأكيد يدفع شخصاً ما إلى أن “يحبه”، لا. على المسألة أن توجد أولاً. أعني يتعين على شخصين بدايةً أن يكونا في موقف حيث أرقامهما ليست صفراً. يمكن لرجل متعدد الأرقام أن يُحدِث واحداً أو اثنين في امرأة صفر عبر اهتمام طويل المدى (أو بالأحرى سحبه على نحو مفاجئ تماماً)، لكن ما إن يحدث هذا الإحداث لرقم موجب (أو سالب)، حينها يمكن على الفور لصيغة الحب-الحساب أن تُحلّ حسابياً بشكل يُرضِي الطرف الذي يحلها، إن كان يعرف أو تعرف طريقة حلها (أنا أعرف) وبشرط أنه يكون لديه أو لديها القدرة وقوة الإرادة على حلها. أي أحمق مغرور أكون أحياناً، الحقيقة هي، الأسبوع الماضي كنت أعرف.

[…]

[…] هذه هي ليلة خمر منتصف الأسبوع بالنسبة لي. سوف أعود إلى البيت، آكل شيئاً، آخذ قيلولة. ثم أقوم، اغتسال، وإلى الحانة. أشعر برغبة في البيرة اليوم. بلطف وبطء واقفاً عند البار وأصبها [في حلقي].

الكثير من الحب،

وجيه

* * *

[3]

28 يناير 64[19]

الأعز ديانا،

إنها لراحة كبيرة أن يكون بمقدوري الكتابة إليكِ – وأن تكتبي أنتِ إليَّ. مرت عشرة أيام هي الأكثر بؤساً – {شأنٌ من شئون القلب} – حب ضائع – أرق – التقلُّب طيلة الليل وبؤس مواجهة يوم جديد. هذا الخواء الذي يشعر به المرء، ثقل القلب كأنه مُغلَّف برصاص. الزفرة المفاجئة. لا شيء يثير الاهتمام، كل شيء مبتذل وبدون جدوى. لا شيء، لا شيء – {على الإطلاق}، يستحق آلية العيش بعد الآن. أصبح حنوناً – مع نفسي – أربِّت على نفسي بيدي أنا، يدٌ تربِّت على الأخرى – أعرف ما تمر به، يا وجيه، أُخبِر نفسي. لا تقلق. أنا معك، أُخبِر نفسي أنا أتفهم.

الآن سوف أنام. أذهب إلى الفراش. لا. لا أستطيع. لا، سوف أذهب وأتناول مشروباً. أذهب إلى الحانة. أطلب بيرة لأني هناك. لا، اسمع، سوف أعود إلى الفراش وأقرأ. أعود إلى البيت وأذهب إلى الفراش مرة أخرى مع كتاب. لا، ليس مسلياً. الأحداث، القصص، وما يجري للآخرين، لا تثير فيَّ أي قدر من الاهتمام. آه نعم، سيجارة. أُشعِل واحدة، آخذ نفساً. لا. لا أشعر برغبة في التدخين. أطفئها. لا ينبغي أن أطفئها، أنا متأكد أن سيجارة ستفيدني. أنا متأكد أني سأستمتع بها. أشعل أخرى. ما الوقت؟ أنظر. ما زال لدي وقت. أذهب إلى السينما. قصة حب. أخرج. نعم، جولة بالسيارة، جولة طويلة أثناء الليل. المحرك يموء، كل شيء مظلم، وحدي. أغادر. بعيداً. بعيداً جداً. أبدأ. أنا على طريقي. لكن لا. أُسحب عائداً إلى البلدة لأنها تعيش هناك. هي الآن مع رجل آخر. هي الآن ترقد في الفراش معه هامسة بالكلمات ذاتها التي سمعتها تُهمس لك. أن لا تفكِّر. أن لا تفكِّر. نعم، هي مع الرجل الآخر. سيارته هناك. نورها مطفأ …

رثاء الذات، أربت على نفسي برقة. أحاول أن أبكي لكن الدموع لا تأتي. القلب ثقيل جداً، ثقيل جداً جداً. تتمنى له أن يتوقف. فجأة هكذا بدون دراما أو مسرح. فقط توقف واحد.

عودة إلى الحانة، زوجان يجلسان ممسكين بيد أحدهما الآخر، تسارع بالخروج مرة أخرى إلى حانة أخرى، لكنهم يغلقون. كل أحد يغلق. إنها الساعة الثانية بعد منتصف الليل. ثلاثة أقراص نومٍ.

الوقت مبكر جداً على الذهاب إلى العمل لكني أذهب رغم هذا. أقود حول المكان مرات عديدة. ثم أقود بعيداً إلى محطة القطار وأتناول قهوة وسيجارة بعد أخرى. أوه. الألم. عودة إلى المكتب. الأشياء الصغيرة التافهة التي كانت تضايقك، لا تعد تضايقك. أنت أكبر كثيراً، أكبر سناً من هذا. الحديث المعتاد عن حال الطرق أو أي قسيمة دين ذهبت أين، كل هذا أكثر غباءً من أن تفكِّر فيه. لا تعرف ما تفعل بعد المكتب – لم تعد تطيق غرفتك. تكرهها. تصبح فجأة رقيقاً جداً – مع الجميع. ردودك كلها هادئة ويائسة قليلاً حتى. تيأس بدون أن تكون يائساً. إنه الموت وأنت تراقب نفسك تموت. أن تتوق – التوق وتكرار التوق كما كان نابوكوف ليقول – التوق وتكرار التوق.

لا تريد أن تتحدث مع أي أحد. لا تريد من أي أحد أن يتحدث معك، لكن إن فعلوا، كما قلت، تكون رقيقاً جداً في ردودك.

تبدأ الآن في الندم على أنك لا تؤمن بالرب. تريد أن تؤمن به، أن تتضرع إليه، أن تهتف به كاشفاً ألمك في راحة يدك، مفرودة له كي يريحك منه وسوف تُترك رجل مقدس يشعر بالسكينة – لكنك لا تؤمن.

[…]

اغفري لي هذه الرسالة. لقد أراحتني أكثر من قليلاً.

حبي

وجيه

[…]

* * *

[4]

[دون تاريخ]

رسالة رائعة منكِ أمس، يا عزيزتي. حتى الآن قرأتها مرتين. الأمور حزينة قليلاً كما تعرفين من رسالة أمس. عليَّ أيضاً أن أترك غرفتي لأسباب عديدة – {الخلاصة} أن الأمور محبطة وحزينة في الوقت الحالي، لكنني لا أظن أنها ستستمر هكذا طويلاً. […]

نعم “حياتي” هي أحد أجمل الأشياء في العالم. هل قرأتِ “المنزل ذو العلية”؟ شيء آخر رقيق له جمال حقيقي. أتذكَّر الجملة الأخيرة. “أين أنتِ، يا مانينشكا؟” أنسى اسمها الآن 5 .

[…]

تعرفين من المسئولة عن حالتي الحالية؟ إنها تلك الشرموطة في الطابق العلوي (وحين أقول شرموطة، أعني الكلمة، حرفياً). لم آخذها إلى الخارج في ليلة رأس السنة. ذهبت واستمتعت في تلك الحفلة التي أخبرتكِ عنها. لم آخذها إلى الخارج لأني لا أحبها، أجدها غير جذابة سوى للاتصال الجنسي. كانت غاضبة قليلاً (عن حق تماماً) لأنها تُركت في البيت ليلة رأس السنة. بعدها بأسبوع كنا معاً في شقتها في الدور العلوي حين قلت إني سأنزل وأشتري بعض البيرة. لكني لم أستطع العثور على حذائي، لهذا فقد ذهبت بنفسها. لم تعود – قابلت شخصاً ما في الحانة وغادرت معه. فقط هكذا. شعرت بالقرف. (أنا مقرف بنفس القدر. أعرف. أعرف). لم أرها لأربعة أيام. لكني كنت أعرف أنها في الطابق العلوي. في اليوم الخامس قضت الليلة في الخارج؛ بعد أن نزلت كي تخبرني أنها ستعود مباشرة بعد العمل وتطلب مني أن اشتري بعض الطعام. كما قلت لم تعد على الإطلاق. في اليوم التالي صعدتُ إلى الطابق العلوي و … ضربتها – صفعتان ثلاث أربع صفعات على الوجه. ليس من المجدي قول إن هذا ليس من طبعي – بما إني أفعل ذلك، فهذا أنا. حذرتها أيضاً ألَّا تأتي برجلٍ إلى شقتها. قالت إنها لن تفعل، وتركت الأمر عند ذلك وكانت هذه هي النهاية. بعدها بيومين لاحظت سيارة غريبة في الأسفل وعذاب – ضجيج من الدور العلوي. كان معها رجل فعلاً. خرجت. حين عدت، رأيته يغادر. أسرعت إلى الطابق العلوي. كانت قد أحكمت إغلاق غرفتها وكانت تدفع المناضد بسرعة وراء الباب. فتحته عنوة مع صراخات “النجدة” “النجدة” “النجدة“. أمسكت بها وأعطيتها لكمة هائلة. المالكة، هر وفراو بوستيل، والبيت بأسره هرعوا إلى أعلى. لم تعد، سوى كي تأخذ بعض الأشياء وتغير [ملابسها]، على ما أفترض. (أعرف مِن دس الورق في بابها) للأيام الثمانية الأخيرة. أعطتني مالكة البيت إشعاراً بأن عليَّ أن أغادر.

ماذا بوسعي أن أقول؟ ليس لدي أي عذر. لا أحبها، أنا مجنون، أنا غير منصف، أناني، فظ، هتلر النساء، نفاية.

لكني أعاني.

[…]

سوف أرسل هذا الآن لأن عليَّ أن أقوم ببعض العمل المكتبي.

حب وشكراً، […]

وجيه

[…]

* * *

[5]

الخميس 5 مارس [1964]

الأعز ديانا،

هذه رسالة حزينة ويائسة التي سوف أكتبها إليكِ … أنتِ أيتها المرأة المسكينة التي عليها أن تتحمَّل كل هذه الشكوى. لكن يتعين عليَّ أن أكتب إليكِ بدافع الأنانية الصافية، لأن التشارك معكِ في كربي الرهيب سوف، أعرف هذا، يجلب لي بعض الراحة. تعرفين الحال حين يكون المرء في نقطة الانفجار، متورم بالأسى ويموت كي ينخز ذلك الغشاء فيه، ذلك الذي يحمل بإحكام بؤساً فظيعاً. ورغم هذا يبدو أن المزيد من البؤس يدخل في المرء بدون أي راحة من أي نوع وأنتِ مشدودة جداً بالتعاسة حتى إنه من الصعب فعلاً أن تتنفسي، أن تبتلعي، أن تسمعي، أن تري. تلفتين رأسكِ من جانب إلى جانب لأن رؤية كل شيء مُنفِّرة. أقل ضجيج يتسلط على أعصابكِ، حتى ابتلاع ريقكِ يكون مُنفِّراً …

خُطِبت إديث [سيمان] يوم السبت الماضي، ويوم الإثنين عادت إلى غرفها مع رجلها. تسألينني في خطابكِ إن كنت أحبها فعلاً أم لا … هل لهذا أهمية؟ أعرف فقط أني أشعر باليأس، أنه رغم أقراص النوم لا أستطيع أن أنام، أن أقل ضجة من الطابق العلوي تجعلني أقفز من الفراش بعرق كثير، أن الدموع ورَّمت الغدد بالقرب من عيني لكنها ترفض أن تسيل. لا أعرف ماذا أفعل، يا ديانا يا حبي. لا أعرف. الطعام يبدو أنه يرفض أن يدخل جسدي. يجف فجأة في فمي ويكون عليَّ أن أبصقه. ذهبت اليوم إلى شقتي الجديدة وسألت إن كان باستطاعتي أن أنتقل إلى هناك على الفور، أو على الأقل في وقت أقرب من الأول من أبريل … لكن هذا مستحيل. الحل الوحيد هو أن أذهب إلى فندق … لكن سيكون هذا رهيباً مالياً، فقط وأنا على وشك أن أقف على قدمي.

مالكة البيت تحولت إلى شيطانة، تحولت إلى شيء يبدو أنه فقط مميز للشعب الألماني. إنها تدخل وتخرج من غرفتي … “لقد أحضرا زجاجتي شمبانيا” .. “النور في الطابق العلوي مطفأ … رغم إنهما في الداخل”.

“عليك ألَّا تكترث بالضجيج من الطابق العلوي هذا الأسبوع … على أي حال هما مثل زوجين في شهر العسل” … ولديها وقاحة أن تخبرني أني أستطيع الاستمرار في الإقامة بغرفتي لأي مدة أريدها. أخبرتها أني سأقتلها إن تفوهت بكلمة أخرى. ضحكت. فجأة بدأت في تنظيف غرفتي وترتيب أشيائي … وهو شيء لم تفعله منذ شهور.

“إنه رائع،” قالت حين انتهت، “أن يحب شخصان أحدهما الآخر وأن يكونا معاً في الفراش.” وأصبحتُ خائفاً جداً، إذ أدركتُ أني قادر على القتل. لا بد أنها أدركت هذا هي أيضاً، لأنها غادرت سريعاً. هاينز لا يستطيع أن يساعدني في موقف مثل هذا. إنه وضع لا يستطيع هو أن يفهمه.

[…]

حب؟ لا أعرف. أعرف أني كنت لأحرق كل شيء لدي، أمحو نشر كتابي 6 ، أحرق كل الكتب، أتزوجها عل الفور … إن استطعت أن أستعيدها. أن ندعو هذا التوق حباً أو لا يبدو لي غير ذي صلة بالموضوع على الإطلاق وليس له أي أهمية.

لا أعرف ماذا أفعل يا حبي. لا أعرف. فكرة العودة إلى غرفتي (أنا في الخارج، أشرب قهوة … الوقت ظهراً. أنا غير حليق الذقن وقذر، وبالأمس قدت سيارتي بقدم واحدة ونمت فيها) هي فكرة كريهة. عزيزتي، ماذا سأفعل؟ بسبب قدمي، أنا مربوط برايت في الوقت الحالي 7 . يأس مطلق، يا حبي. جبان كما أنا، ركعت وصلَّيت بالأمس، على أمل أن الرب موجود بالفعل وأنه سيشفق عليَّ. الكثير من الناس يتعذبون وتعذبوا أكثر كثيراً جداً جداً من عذابي في الوقت الحالي. عليَّ فقط أن أفكِّر في اليهود المساكين في معسكرات الاعتقال … لكن هذا لا يفيد. إن كنت في لندن، كنت لآتي إليكِ وكنتِ ستعتنين بي، أعرف هذا. ببطء كنت سأبدأ في التعافي. لكنني لا أتعافى على الإطلاق في الوقت الحالي. أنزف باستمرار مع ألم متزايد. لا أعرف ماذا أفعل. لا أعرف.

[…]

حبي ديانا. أرجوكِ لا تُعلِّقي على هذا الخطاب أو تردي عليه بدون تعاطف. أرجوكِ لا تفعلي. لقد كتبته من أجل نفسي. سبيلٌ للارتياح. الأمر أسهل حين يتشارك المرء في هذا، وأعتذر عن الإثقال عليكِ به. اقبليه كما هو وانسيه، أرجوكِ. تحدثي معي عن كتابي إلخ وليس عن إديث، أرجوكِ.

[…]

أتمنى لو لم يكن كل شيء أسود جداً في الوقت الحالي. عليَّ أن أستجمع نفسي وأذهب إلى غرفتي الآن.

مع حبي … وألتمس مغفرتكِ على هذا الغباء.

وجيه