السودان :”موكب” الشعب إلى قصر الحكم

مدينة مدينة

“غدًا يوم فاصل” قالت صديقتي السودانية إجابة لسؤالي عن أحوالها. وبالخبرة، هذه واحدة من موجات تداخل الشخصي مع العام؛ إذ ترى الشابة التي تربت وعاشت سنوات ليست قليلة في القاهرة، ثم عادت منذ سنوات إلى الخرطوم، أن ما نسميه “انتفاضة مدن السودان ضد حكم البشير..” أمر شخصي..
أخبرتني الصديقة باختصار أن ما سيحدث غدًا هو الإجابة عن أحوال اليوم. والمقصود هو “الموكب الجماهيري إلى القصر الجمهوري” للمطالبة بتنحي السلطة وإدارة السودان بحكومة انتقالية من “خبراء” لهم مهام محددة ولفترات محددة. يتم الاختيار بشكل توافقي بين “أطياف المجتمع السوداني” كما تقول توجيهات الموكب الذي سيبدأ في الواحدة ظهر غد الثلاثاء.
الداعي إلى الموكب هو “تجمع المهنيين السودانيين”؛ كيان يضم مجموعة من النقابات البديلة، التي تشكلت بعد تأميم نظام البشير لكل النقابات المهنية التي كان لها دور فعال وحيوي في سقوط نظام الجنرال جعفر النميري. تغيرت تفاصيل الموكب مع ارتفاع حدة المواجهة مع “السلطة” وأجهزتها الأمنية، وبعد أن كان مقر البرلمان السوداني هو وجهة الموكب، وكان يقتصر في دعوته على مشاركة المهنيين، لكن يوم الأحد تقرر أن يكون قصر الحكم هو الوجهة، وأن تشمل الدعوة جموع عموم السودانيين..
وعندما سألتها عن “تجمع المهنيين السودانيين” فأخبرتني بعض المعلومات، ثم أحالتني إلى من لديه المزيد: بدأ التجمع منذ أشهر، ولكن الكيانات المكونة له قديمة.. من بينهم مثالاً:

*المفصولون من الصالح العام (الصالح العام هي سياسة ينتهجها النظام منذ 1989 بإحلال المنتسبين إليه محل الكفاءات والخبرات، وهي ما سُميت سياسة التمكين؛ بحيث تمنح الوظائف لأصحاب الولاء الحزبي).

 **متضررون من سياسات الحكومة فيما يخص الأراضي أو بناء السدود.
 ***مزارعون ومهندسون وأطباء وصيادلة وصحفيون كوَّنوا نقابات موازية لنقابات السلطة، وقد نجح التجمع أولاً في تجميع كل الكيانات تحت مظلة واحدة، وفي الأيام الماضية نجح في توحيد الأحزاب لمشاركته في التنسيق مع أكبر كتلتين للمعارضة (التقليدية).

 1(نداء السودان) من جهة كتحالف سياسي، بقيادة الصادق المهدي.

 2(قوى الإجماع) من جهة، وتضم الحزب الشيوعي والبعث والناصري وحركات اتحادية.

كانت الكتلتان على خلاف لكنهما تجاوزتاه مع اتساع وتمدد انتفاضة المدن.. وبدأت التنسيق بينهما، والتنسيق مع التجمع من ناحية أخرى.

 توجيهات الموكب:

  • يهدف الموكب إلى تسليم مذكرة تطالب بتنحي النظام فورًا، وعلى رأسه الرئيس البشير، عن السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية ذات كفاءات بمهام محددة وتوافقية بين كل أطياف المجتمع السوداني.
  • يلتزم الموكب بالسلمية، مع تأكيد التزام تجمع المهنيين السودانيين بالعمل السلمي في جميع خطواته الساعية للتغيير.
  • يبدأ الموكب في تمام الواحدة ظهرًا من يوم الثلاثاء 25 ديسمبر 2018، ويتحرك في شارع القصر من أمام ميدان أبي جنزير (نقطة التجمع الرئيسية) تجاه القصر الجمهوري لتسليم المذكرة المعنونة إلى رئيس الجمهورية.
  • ندعو الجميع إلى رفع اللافتات والشعارات والهتافات والأعلام الوطنية تعبيرًا عن وحدة الصف الوطني تجاه قضية رحيل النظام.
  • لجميع المجموعات المختلفة الحرية في ترتيب نقاط تجمعها المنفصلة، على أن تبدأ جميعًا في الحركة الموحدة تجاه النقطة الرئيسية قبل الساعة 1 ظهرًا بوقت مناسب.
  • سيقوم تجمع المهنيين السودانيين بتوفير غرف للطوارئ الطبية في مسارات الموكب المختلفة.وهذه نقلة في الانتفاضة التي بدأت عفوية، مع ملمح خفيف من وجود قيادات حزبية متخصصة في “الشوارع”، وفي منتصف المسافة بين العفوية شبه الكاملة والموكب، كما ظهر أسلوب “تظاهرات الأحياء” التي يقودها شباب وطلاب، وهو ما يربك السلطة إذ تشتت قواها، ولم تعد تعرف من أين تخرج التظاهرات، مما يفقدها السيطرة في أحيان كثيرة. كما حدث مثالاً عندما خرجت جماهير مباراة كرة القدم من ستاد الهلال بأم درمان بعد مباراة الهلال مع الأفريقي التونسي، وتكررت الدعوة في إحدى مباريات المريخ في الدوري المحلي، كما أن هناك دعوات للتظاهر بعد المباراة..المؤشر هنا أن الانتفاضة تجذب أكثر من طرف يلتقون جميعًا في نقطة مركزية؛ وهي إنهاء حكم البشير بعد 29 سنة (وكأن السنة الثلاثين هي لعنة الديكتاتوريات طويلة العمر!).
    سنجد مثالاً أنه حتى القيادات القديمة لفريقي المريخ والهلال (وهما قطبا الكرة السودانية) تدعو جماهير الرياضة للتظاهر.سينطلق الموكب من ميدان أبي جنزير في قلب مدينة الخرطوم، وعلى بعد أمتار من القصر الجمهوري وعدد من المؤسسات الحيوية، وعلى بعد كيلومترين تقريبًا من القيادة العامة للجيش. ومن المتوقع أن تعتمد خطة الأجهزة الأمنية على خطة “الحصار والشلل” إذ ستحاول إغلاق مداخل الميدان، واعتقال كل شخص يقترب منه، ولكن في المقابل يمكن للتنسيق الجيد أن يُفشل مخططات الشلل..