يوميات الكورونا: كل الذين أصيبوا نجوا من الخوف بأعجوبة

يوميات الكورونا: كل الذين أصيبوا نجوا من الخوف بأعجوبة

بلا نوم، فاقدًا الإحساس بطعم الأيام، يغيب عني في أي الأيام نحن؟ الأحد؟ الإثنين؟ تتشابه كل أيام الأسبوع، لم يعد حتى مهمًا أن أتذكر هل اليوم 10 أو 11، هل ما زلنا في مارس أم وصلنا إلى يونيو!
بمرور الوقت صارت الحياة باهتة ومملة يتحكم فيها الخوف والأرق والرغبة في مرور الأيام بأقصى سرعة. ولا نريد أكثر من ذلك، بات علينا أن نستعد لحياة أخرى، ونودع تلك التي عشناها في السابق، حياة لا مظاهر اجتماعية فيها ولا أمان، يسودها الخوف والأرق. كل من عاش
2020 أصبح موقنًا تمامًا أنه عام للنجاة لا للعمل ولا للعلاقات الاجتماعية ولا أي شيء، من ينجو منه ومعه من يحب فقد فاز.

خلال الـ 90 يومًا الأخيرة غاب النوم تمامًا. لم يمنح عقلي جسدي تصريحًا بالنوم قبل السادسة صباحًا، ولا يطمئن قلبي إلا حين أرى ضوء النهار من شرفتي، قبل أن أذهب في النوم أسخر من تلك السذاجة المفرطة التي أصبحت عليها، هل الكورونا لا تأتي بالنهار؟ لم أعرف كيف يمكن أن أضبط نومي من جديد، ولم ألجأ إلى أي أدوية أو منومات، لم أشأ في بعض الأوقات أن أنام من الأساس بسبب القلق.

من الثانية صباحًا حتى السادسة بعد الفجر أضع جسدي على سريري. يحاصرني الأرق والقلق والخوف، ألصق وجهي بشاشة هاتفي أتحدث مع الأصدقاء، أستمع للأغاني، أو لمقاطع على يوتيوب، أقفز من سريري إلى الحمام، أغسل وجهي؛ لا أعرف سببًا يدفع شخص يقتله الإرهاق ويرغب في النوم لغسل وجهه بماء بارد، أعود لأصنع كوبًا من الشاي، أفتح الثلاجة، أتناول بعض الفاكهة أو الطعام المتبقي من العشاء، أعود إلى السرير ما بين رغبة ملحة في النوم وخوف منه، أشعر بكل أعراض الإصابة توزع على الساعات الـ 4 التي تسبق نومي؛ تبدأ بارتفاع وهمي في الحرارة، تنتهي بعد أن أصرخ في جسدي طالبًا منه أن يتوقف عن المزاح، ثم تأتي مرحلة الكحة وضيق التنفس، أفتح كل شبابيك غرفتي أراقب النهار وهو يمحو ظلام الليل، وفي السادسة أضع على كمامة على عيني، وأذهب في نوم ليس عميقًا.

قبل تلك الفترة لم أكن أحب النوم كثيرًا؛ كان يكفيني 5 ساعات. أراه مضيعة للوقت، أريد الاستفادة قدر الإمكان بكل ساعات اليوم ما بين العمل والكتابة والقراءة ومشاهدة الأفلام الجديدة والحديث مع الأصدقاء والإطلاع على المواقع الإخبارية، المهم ألا أنام أطول عدد ممكن من الساعات، حتى لو لم أفعل أي شيء أشعر بأن شيئًا مهمًا يفوتني، الأن أبحث عن النوم لينقذني من الآثار المدمرة للقلق، لكنه لا يأتي، ألتمس له العذر، اليوم باتت لديه فرصة للانتقام مني وتصفية الحسابات.

كل يوم يمر لا نعرف قيمته بسبب الخوف الذي يطاردنا أقول بسخرية لا تخلو أحيانًا من الحسد كل الذين أصيبوا نجوا لم يعودوا خائفين من شيء، لا تشغلهم قلة النوم ولا متى يأتي دورهم، لا يسألون هل من الممكن أن ينجوا أم لا.. عرفوا مصيرهم أخيرًا.. بينما ما زلنا نحن على شفا السقوط ضحايا للأرق والخوف، والكوابيس التي تطاردنا بشكل يومي دون توقف.

حتى نهارنا لم يعد عاديًّا؛ لا عمل حقيقي، ولو هناك فأنت تعمل من البيت لا أعرف أي دراسة قام بها شخص عاقل تنصح بالعمل من البيت، إنه أحد أسوأ القرارات على الإطلاق؛ قيمة العمل بالخروج بالاختلاط بالناس، بالضحك وتكوين علاقات اجتماعية ومعرفة ثقافات مختلفة. أي عمل ذلك الذي تستيقظ من نومك تحصل على حمام دافئ، تتناول إفطارك، تفتح اللاب توب، ثم تبدأ عملاً، وتنتهي الساعات وأنت بلا حركة! العمل من البيت روتين قاتل، أما أوقاتنا التي نقضيها على فيس بوك فتبدأ بـألف سلامة عليك البقاء لله ربنا يطمنكم، عشرات التعازي والتمنيات بالشفاء يوميًّا على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يختلف الأمر كثيرًا وأنا خارج مصر أو داخلها، في النهاية كان عليَّ أن أضع حدًّا لكل ذلك، فمن لم يمت بالكورونا سيموت من الخوف من القلق ومن قلة النوم، كان عليَّ أن أتعامل مع الموقف؛ أن أغيِّر أسلوب حياتي بما يتناسب مع مواعيد النوم الجديدة، أن افرغ طاقتي وأقنع نفسي دائمًا بأن الموت أو المرض أو أي نائبة قد تقع طالما قدر الله ذلك فلا مفر، لن يمنع الخوف قوع الكارثة على العكس سيزيد آثارها، ثم ما الجديد على أمثالنا من المشتتين في المدن، الناجين دائمًا لا لشئ إلا لأن الحياة لم تنته منهم بعد لأنهم مسلون على ما يبدو، وهي أنانية إلى حد أنها قد تمنحهم فرصًا كثيرة للحياة وفرصًا أقل لضحكة متقطعة.. إذن لا مجال للخوف وعلينا مواجهة الأرق.

بمرور الوقت لم تعد الإصابة بـالكورونا هي الهاجس الذي يحاصرني،  لكن تبعاته كانت حزينة وبائسة، فبعد عودة من السفر لم أكن قادرًا على حمل ابنتي أو احتضان زوجتي إلا بعد 14 يومًا، في المرة الأولى التي التقيت بهم لأخذ مفاتيح شقتي اكتفينا بأن تلقيها زوجتي إلى من بعيد، ثم ذهبت لاستكمال الحجر المنزلي. وبعد الخروج لم أصافح أي صديق في مشوار سريع لنقابة الصحفيين؛ اكتفينا بسلامات من بعيد وحديث مقتضب، لا يوجد مكان يمكن أن تجلس فيه؛ لا مقاه ولا مطاعم، مللنا من الوقفة الطويلة، وكل منا ذهب إلى حالة دون سلام، لم نتمكن من الاتفاق على يوم للخروج ولا السهر، لم أفعل كما يفعل العائدون من السفر الراغبون في حميمة ومحبة يفتقدونها لأن الظروف تجبرنا على ذلك.

في أحد الأيام اتصل بي صديق أخبرني بوفاة والد أحد أقرب أصدقائه إليه، وبأنه لم يتمكن من الذهاب لتعزيته أو حمل الجثمان معه وتقديم الواجب الذي تفرضه الصداقة عليه، أخبرني بأن صديقة ذاك سافر لأكثر من 13 ساعة ليساعده في دفن أمه حين توفيت، والآن لا يستطيع هو أن يخرج من بيته ليقدم واجب العزاء حتى، طلبت منه ألا يذهب وأن ما فعله صحيح، ربما ابنه نفسه لن يتمكن من دفنه أو الوقوف في أثناء غسله.. كان ذلك قاسيًا، لكنها حقائق نعيشها وعلينا تقبلها لأن أي منا قد يختبرها يومًا ما.

بات نمط الحياة التي نعشيها حزينًا وبائسًا، وضعنا الخوف في مشكلات أكثر قسوة من الإصابة؛ أزمات في العمل والحياة الاجتماعية والنوم والصحة، ولم تكن المشكلة فينا فقط كانت المشكلة فيمن نخاف عليهم، وفي الموت الذي بات يحاصرنا، في كل يوم خلال 90 يومًا كنت أدوِّن ما أفكر فيه من هواجس الموت والخوف والكورونا، ومع كل الإجراءات الوقائية إلا أنها وصلت حتى منازلنا.

خلال ثلاثة أشهر حاصرنا أنفسنا بهواجس كثيرها لم يكن صحيحًا، أن علينا الالتزام فقط، وأن نحاول التعايش ونقلل من توترنا والخوف الذي لازمنا، فلن يحمينا الخوف ولا قلة النوم ولا التوقف عن ممارسة حياتنا، وإن كان ذلك فإلى متى سنظل في منازلنا، محاصرين بالخوف والقلق ورائحة الكحول والأدوية التي ترفع المناعة، في زمن جائحة لا نعرف إلى متى ستستمر.

هذه الحياة لا تشبه حياتنا التي نحبها واعتدنا عليها بكل عشوائيتها، لقاءات الأصدقاء، السهرات والمقاهي وأماكن العمل والتنقل والأحداث التي أظهرنا عشرات المرات مللنا منها وضيقنا، كل الأحداث التي مررنا بها بحلوها ومرها، عرفت الآن أنها القيمة الحقيقية للحياة.. ما أهمية أن يعيش الإنسان محبوسًا بين جدران شقته، لا يخرج، ولا يمارس حياته حتى لو توفرت له كل سبل الراحة والحياة، لا شيء، ما أهمية أن تكون حرًا دون أن تكون قادرًا على أن تصرح بذلك!