مارادونا ونجيب محفوظ:آلهة الوقت

1

مارادونا لايريد للحفل أن ينتهي، الكاميرا كانت تلاحقه في مقعهد الفخم بالمدرجات في روسيا ٢٠١٨

عبد الشافي عامل يومية بمصلحة البريد المصري، لم يسافر مع منتخب مصر إلي مونديال إيطاليا 1934، وكذلك المهاجم المجري جيورجي ساروسي لم يلعب مع فريقه أمام مصر. كان عامل البريد مدافعًا بارزًا في فريق السكة الحديد، وشارك مع المنتخب المصري (مارس 1934) في المباراة التي أقيمت في تل أبيب، وصعد بها إلى المونديال بعد فوزه بأربعة أهداف مقابل هدف واحد لفريق فلسطين. لكن عبد الشافي امتنع، أو مُنع من السفر، لأنه لم يكن يجيد “إتيكيت” مثل هذه المحافل الدولية. لم يتعرض جيورجي المجري لمثل هذه الأزمة الطبقية، لكنه لم يستطع ترك عمله في مكتب المحاماة، والسفر بالسفينة إلي إيطاليا، ثم حدث أن فاته القطار، ولم يلحق إلا بمباراة فريقه مع النمسا. لم يستطع جيورجي الحصول على وقت أطول من آلة العمل في المجر عندما كانت مملكة تتصارع حولها الرأسمالية والاشتراكية.

وقتها، لم تكن الكرة عملاً صافيًا، تراوحت بين الهواية والاحتراف؛ بين متعة الموهوب وعمله في تروس الماكينات الصاعدة بنزعات الخلاص من الفاشية والنازية، وهما الحركتان التي تناثرت حولهما طبقات جديدة في بلاد الرأسمالية المتأخرة مثل مصر؛ حيث كانت البرجوازية الوطنية تقود المسار الشاق للتحرر من الاستعمار، وفي خيالها انسجام تتشابه فيه مع “المستعمر”، وتطبق فيه عاداته وأشكاله. لذا كان طبيعيًّا إذًا أن يستبعد عبد الشافي من الواجهة أمام العالم؛ فالمونديال معرض أكبر من اللعبة. لكنه لا يستمر دون اللعب.

غاب عبد الشافي غاب في فلتر “الإتيكيت”، لم يكن مناسبًا لصورة “برجوازية” تقنع العالم أنها قادرة على وراثة الاستعمار، وكانت هذه هي إحدى موجات صعودها القوية. بعدها بعام (1935) اشتعلت انتفاضة منسية في التاريخ السياسي، أعادت دستور 1923 وأوقفت تضخم سلطات الملك (فؤاد الأول)، ومهدت لمعاهدة 1936 التي كانت خطوة الاستقلال النسبي عن بريطانيا. وهذا ما جعل وصول منتخب مصري إلى المونديال إعلان وجود، بعدما كان من الطبيعي والرسمي أن يشارك اللاعب المصري الموهوب حسين حجازي في المنتخب البريطاني.

أما الدوتشي الإيطالي موسوليني، بقامته القصيرة فقد كان يريد أن يعلو الجميع، ويجعل من المونديال استعراضًا لقوة الفاشية؛ الشوارع تملؤها ملصقات ترسم البطل الروماني القديم هرقل يمد يده بالتحية الفاشية والكرة بين قدميه، والمدرجات مشحونة بجمهور من أصحاب القمصان السوداء. وفي مباراة النهائي ترك موسوليني مقعده في مقصورة ملعب “الوطني الفاشي” ليحذر اللاعب الأرجنتيني لويس مونتي من تضييع الفرص أمام المرمى. كان مونتي لاعبًا في الفريق الإيطالي متخطيًا قانون “الفيفا” الذي يشترط أن تمر ثلاث سنوات حتى يعتمد انتقال لاعب من منتخب بلد إلي منتخب بلد آخر ؛ لكنها “نزعة” الدوتشي في تحطيم أي شيء يقف عائقًا في طريق “انتصار الفاشية”، بما في ذلك قوانين تنظيم اللعبة، أو الضعف الإنساني الذي يجعل الهزيمة والانتصار احتمالات واردة في اللعب. وأصبحت الكأس، التي سميت باسم الفرنسي جول ريميه صاحب فكرة المونديال، هدفًا في حرب البروباجندا، يهدد موسوليني لاعبي فريقه بالقتل إذا ضاع منهم الكأس، ويرفع الفريقان الألماني والإيطالي عندما يعزف النشيد الوطني أياديهم إلى أعلى وإلى الأمام، وهي تحيات ورثتها الفاشية والنازية من الجيوش الرومانية. والمدهش أن فرقًا أخرى كررت التحية نفسها. إنها لحظات ولادة الكتالوج الأول للدولة القومية؛ والكرة ملعب من ملاعبها، دائمًا تحاول (الدولة) السيطرة عليه، لكن دائمًا كذلك هناك مصادفات هي سر الكرة وطفولتها. 

من بين هذه المصادفات، يظهر لاعب في الملعب، ويفسد مراسم الخضوع التام.

2

كنت أتمنى أن أرى لقاءً بين مارادونا ونجيب محفوظ .

قال مارادونا، أمام جمهور خرافي جاء إلي ملعب بونبونيرا ليودعه في 2001 “أتمنى ألا ينتهي كل هذا…لا اللعب ولا الكرة ولا كل هذا العشق..أتمنى ألا ينتهي هذا الحفل أبدًا”.هكذاكلما ظهر مارادونا يعبر عن شيء خاص وسحري من اكتشافه هو، يجعل الكاميرا تلاحقه، حتى وهو يجلس على كرسي النجوم المتقاعدين في ملاعب روسيا، يبتهل للفوز، ويمعن في النبيذ الأبيض، ويصيبه الإفراط بنوبة قلبية عابرة، بعد أن رقص مع امرأة من مشجعي الخصم النيجيري، وهلل وابتهل ونظر إلى السماء كالقديسين، ورفع أصبعه الوسطى مثل أطفال العصابات المستمتعين بتجريب النزق للمرة الأولى، وفي منتصف وقت المباراة، وبعد أن أحرزت الأرجنتين هدفًا، نام في غفوة كالعجائز. كل هذا والكاميرات لا تقاوم متابعته، تصطاد انتقالاته بين الأزمان والأفعال، كما كانت تصوره في الظلام والضوء، في الملعب والسجن، طائرًا في الهواء بجسده القصير وفخذيه السمينين، وهو نائم على سرير طبي منتفخًا. هو المفرط المتطرف الذي يكسر العلبة ويخرج منها منتقمًا .

في الملعب الذي شهد ولادة نجوميته، يضع على جسده قميص بلده الأرجنتين وقميص ناديه بوكاجونيورز، وتلمع الدموع في عينيه وعيون مئات الآلاف من المتورطين في لعبته، وكلما تصاعد كريشندو النهاية كان مارادونا يلقي بنفسه من أعلى بناية إلي سيارة عابرة تقوده إلى عالم جديد. هارب كبير، كلما هرب أكثر أقام أكثر في تاريخ عاطفي قائم على التواطؤ بينه وبين جمهور يطبق المواصفات القياسية على أي نجم ولاعب، لكن عنده.. عند مارادونا يجعل الجمهور من نزق القديس دينًا جديدًا. كانت الكرة تلتصق بجسم مارادونا، وترفرف روحه على كل الملاعب، كأن اللعبة بعده لم تعد تلك التي بدأت بأصلها الحائر، ولا التي أدخلها الإنجليز إلي عالمنا الحديث.

مارادونا إله من آلهة الكرة، جاء ليثبت أنها ليست لعبة الآلهة الأبدية. إنها لعبة البشر؛ يكسر اللاعب قانون الألوهية ويفتت إطلاقها أو ديمومتها. يجعلها بنت الوقت، مثل آلهة العجوة التي كان يلتهمها الناس بعد الصلاة لها. الألوهية الوقتية هي سحر اللعبة. وكلما اقتربت من البشرية أكثر كلما استمرت الألوهية؛ لهذا غادر بيليه مبكرًا، بأسطورته الملائكية الطيبة المتصالحة، وهبط في روسيا على كرسي متحرك، لا يستثير سوى مشاعر تسير في اتجاه التعاطف. وتحوَّل مارادونا إلى إله ذي كنيسة يصلي فيها كل أسبوع مجانينه الذين لم يراقبوا أخلاقه واندماجه في طقس الطاعة والامتثال الاجتماعي، ولم ترعبهم بدانته، ولا هزهم فشله كمدرب، ولا تطرفه في المنشطات، ولا قصة هدفه الذي استعان فيه بيد الله… كل هذا عجنته موهبة خارقة لا تفسير لاختراقها حاجز الوقت، لتشرخ الزمن والواقع وعبودية الفضيلة إلى مصاف المغامرين المقيمين عند الحواف، يبهرون الناس بما تطمره تعاليم وكتالوجات الحياة الرشيدة.

كنت أريد اللقاء، على الرغم من أن نجيب محفوظ كان معجبًا بطاحونة هولندا في الملاعب، لكنني أردت تخيل كيف يلتقي نجيب محفوظ مع اللاعب الذي بداخله.

3

فريق مدرسة فؤاد الأول الذي كان يلعب له نجيب محفوظ

مارادونا لا وعي نائم عند محفوظ.. شريك رواياته أو على الأقل قرين تلك السبيكة التي اختار نجيب الإقامة في نصفها المنضبط كالساعة، وهو الذي أسماه الأصدقاء “رجل الساعة”.
 كان أول أحلام نجيب محفوظ أن يكون لاعب كرة لامعًا في شوارع العباسية؛ سريعًا.. ومراوغًا.. ومناورًا.. وساحرًا بمقاييس تلك السنوات. وقد اكتشف مهارته الأولى حين هزم فريق مصري الفريق الإنجليزي، فلم يكن يتخيل أن الإنجليز يمكن أن يهزموا حتى في الرياضة؛ هنا انشغل باللعبة، وكما يحكي لرجاء النقاش “رجعت يومئذ إلى البيت وذهني كله معلق بكرة القدم، وبأسماء الفريق المصري الذي هزم الإنجليز، وخاصة كابتن الفريق حسين حجازي نجم مصر ذائع الصيت في ذلك الوقت “بعدها طلب من أبيه كرة لعب بها وحده في فناء البيت، وقلَّد كل الحركات التي رآها في الملعب، وبعد سنوات أصبح كابتن فريق “قلب الأسد ” الذي كوَّنه مع شلة العباسية، وظلت عيناه على حسين حجازي الذي ظل يلعب حتى وصل إلى الأربعين؛ فتابع حركاته في الملعب، وتسديداته على المرمى من منتصف الملعب، وقيادته الفريق كمايسترو قدير، واستمع إلى الحكايات الأسطورية التي نسجها جمهوره الكبير، وعندما اعتزل انقطعت صلة نجيب بكرة القدم تمامًا. حسين حجازي إذًا أولى أساطير حياة نجيب الكبيرة، لكن لم يصبح نجيب نجمًا في المنتخب الوطني، ولم يشارك في الأولمبياد، كما كان يتوقع المحيطون به، وسارت حياته، كما نعرف، على عكس المتوقع.