رسالة من سيد قطب إلى نجيب محفوظ: عقل على البلاج

محمد شعير محمد شعير

في عام 1946 جمع سيد قطب ( 1906- 1966) العديد من مقالاته النقدية المتناثرة  في المجلات في كتاب بعنوان «كتب وشخصيات» صدر عن مطبعة مجلة «الرسالة» التي كانت قد نشرت على صفحاتها الكم الأكبر من هذه المقالات.  وكعادته أرسل قطب نسخا من كتابه الجديد إلى عدد من النقاد والمبدعين الذين تضمن الكتاب دراسات عن أعمالهم، وكان من بينهم نجيب محفوظ، حيث احتوى  الكتاب دراسة كتبها قطب عن رواية «خان الخليلي». كتب قطب على النسخة المرسلة إلى محفوظ هذا الإهداء: «إلى قصاص مصر الأول الأستاذ نجيب محفوظ». وكما احتفظ محفوظ في مكتبته بمئات الكتب المهداة له، احتفظ بكتاب قطب، ولكنه ترك بداخله رسالة أرسلها إليه  قطب من الإسكندرية تتعلق أيضا بالكتاب..يكتب قطب في الرسالة:

أخي الأستاذ نجيب 

تحيتي إليكم وبعد

فلعل نسختك التائهة من كتاب «كتب وشخصيات» قد وصلت إليك. ثم لعل هذه الرسالة تصل إليك في حينها (فقد تكون بالإجازة)  فإذا وصلتك الرسالة وكانت النسخة لاتزال تائهة فأرجو أن تطلبها من «الرسالة» فهي مودعة لك هناك. 

وأنا منتظر رأيك في الكتاب. لا أجد ما أكتبه إليك فأنا على  «البلاج» الآن. وأفكاري لا تحضر في فكرة ولا موضوع، إنها تنساب مع الأمواج المنسابة. فإذا تراجعت الموجة صحبت معها كل ما في رأسي من أفكار!!

تحياتي إليكم والسلام

سيد قطب

منزل الأستاذ العشماوي بشارع جامع سيدي بشر بالأسكندرية

كدت أرسل لك بعنوان«خان الخليلي«!

ولكن ماذا تعني هذه الرسالة المنسية لقطب؟ وهل تكشف شيئا في رحلة تحولاته الفكرية المتعددة والمتناقضة.. والتي بدأها كشاعر .. وانتهت به «فيلسوفا للإرهاب» كما أطلقت عليه الصحف المصرية أثناء محاكمته فيما عرف بتنظيم 1965؟

لم يكتب قطب رسالته إلى محفوظ بهدف النشر، كما فعل في رسائل أخرى أرسلها لعدد من مثقفي جيله أو الجيل السابق عليه، كتب من أمريكا إلى توفيق الحكيم، وأنور المعداوي، وعباس خضر، ومحمد جبر زميله في كلية دار العلوم، وكتب من مصر رسائل إلى أحمد أمين. كل هذه الرسائل كانت بهدف النشر الصحفي، بل إنه لم يرسلها مباشرة لأصحابها، وإنما للجرائد والمجلات التي كان يعمل بها ليقرؤوها مثلهم مثل القراء، حتى رسائله الشخصية لعباس خضر أنهاها برغبته في نشرها، لم يتعامل معها باعتبارها رسائل شخصية لصديق، بقدر ما كانت مانيفستو أو بيان إعلان مواقف. 

في العادة، عندما يكتب الشخص بهدف النشر فإنه يكون مقيدا، لا يترك لنفسه الحرية ليكتب ما يشاء، عينه دائما على قارئ سيقرأ الرسالة في الوقت ذاته الذي سيقراوها المرسل إليه. على العكس من الرسائل الخاص، التي يتعرى فيها الشخص أحيانا، أو يترك نفسه بلا حسابات. 

رسالة قطب لمحفوظ شخصية، من هنا تأتي أهميتها، إذ تكاد على قصرها أن تكون تمثيلا رمزيا لحياة قطب، وتحولاته الفكرية الدائمة، وهي تحولات ليست ناتجة عن «وعي شقي» بالمفهوم الفلسفي حيث لا يرضى المثقف بواقع المجتمع، ومن ثم يحرص على خوض رحلات فكرية مستمرة بحثا عن إجابات للأسئلة التي تؤرقه. على العكس من ذلك اتسمت تحولات قطب بقدر من الانتهازية والهشاشة الفكرية. وكان الخيط الوحيد الذي يجمع كل هذه التحولات المتناقضة العصابية الفكرية والتمترس الأيديولوجي، سواء في مرحلته الليبرالية أو الإسلامية كان لديه يقين بأنه لا يخطئ، دائما على حق، لم يقف مع نفسه شاكا للحظة، ولكن كيف يمكن أن يساوره الشك، وهو يعتبر نفسه نسيجا فريدا لا يأتيه الباطل. ومع كل هذا اليقين الذي يكتب به، كان قطب ينقلب على أفكاره، وكأن الموج يسحبها معه.

كانت حياة قطب، ومواقفه، تمثيلا لذلك التوتر الفكري، والتعالي السلطوي الذي تكشفه الرسالة، تعال يصل إلى عبادة الذات، إذ تصبح ذات قطب هي النقطة التي يدور أو ينبغي أن يدور حولها العالم. ربما لهذا لم تبدأ رحلة التطرف الديني لقطب مع انتقاله إلى جماعة الإخوان، بل بدأت قبل ذلك بكثير، كان أيضا متطرفا، وهو في المعسكر الليبرالي. فمنذ أن بدأ قطب الكتابة فى أواخر العشرينيات لم يكن مهموما سوي بتقديم والدفاع عن الأفكار الهوياتية، التى تقود دائما أصحابها إلي الإرهاب، وهذه الأفكار هي التي قادت قطب إلى نهايته بتكفير المجتمع ..والدعوة حمل السلاح لتغيره!

يري شريف يونس فى كتابه « سيد قطب والأصولية الإسلامية» أن الرومانتيكية كروح وإيديولوجية ونظرة للحياة هي مفتاح لفهم تحولات قطب، إذ تصبح الذات لديه معيار الحقيقية ومصدر المعرفة ومعنى الوجود. لذا كان قطب متطرفا في كل أحواله، عندما يعجب بشخص ما، أو عندما يهجو الشخص ذاته بعد ذلك، لا وسط في الحب والكراهية. عندما أحب فتاة كتب فيها قصائده العاطفية، وعندما عبرت له عن مشاعرها الحقيقية تجاهه كتب رواية كاملة يهجوها فيها، تماما كما كانت علاقته بعباس محمود العقاد،  الذي كان بالنسبة له هو الأديب والشاعر والفيلسوف الذي «لا يساوي كل كتاب العرب بل والعالم شيئا إذا ما قورنوا به»، خاض كل معاركه وهاجم كل خصومه، التحق بحزب الوفد لأن العقاد كان عضوا فيه، وترك الحزب عندما تركه العقاد. كان العقاد هو الشيخ، بينما قطب هو المريد،  فى ارتباطه بصاحب العبقريات كان مثار سخرية العديدين داخل الوسط الثقافي الذين وصفوه بأنه بوق العقاد، أو صدى صوته،  حتى أن صالح جودت كتب يسخر منه: «قد أساء (العقاد) الاختيار عندما اختار من سيد أفندي ستارا له، فالسيد أفندى ضئيل الجسد، لا يستطيع أن يخفى وراءه ماردا كالعقاد«. 

بعد سنوات طويلة من الدوران فى فلك العقاد، انقلب عليه «سيد أفندي» ولم يكن انقلابه بسبب سخرية الوسط الثقافي، ولكن كما قال «هذا الرجل وجيل الأساتذة كله لم يقدموا كلمة تشجيع مكتوبة لهذا المريد المتفانى، حين بدأ ينشر كتبه المتتالية بدءاً من عام 1945.. كلمة انتظرها كثيراً ولم ينلها»..كان هجومه لأسباب شخصية تماما، لا لأسباب فكرية، ولذا لم يكن حتى مبررا فى حدته. وتواصل الهجوم، فكتب قطب مهاجما العقاد، ومعه توفيق الحكيم لأنهما يكتبان في «مواخير بجوار الأفخاذ العارية والموضوعات القذرة» فى إشارة منه إلى مقالاتهما في جريدة أخبار اليوم ، لكن عندما أتيحت له الفرصة ليكتب فى الجريدة ذاتها بعد الثورة، لم يتردد فى الكتابة ، رغم أن ملكية الجريدة لم تتغير، ولا سياستها التحريرية، بل كتب مقالات دعا فيها إلى إعدام خميس والبقري، وهو نفسه الذي كان يكتب فى مجلة «الفكر الجديد» دفاعا عن حقوق العمال ومصالحهم، وحقهم فى الإضراب.

كما دعم قطب  ثورة يوليو، ووصف ضباطها بأنهم «مثل نادر فى تاريخ البشرية كلها لم تقع إلا فى مطالع النبوات ، وتتميز بالطهارة والنقاء»، ودعاهم باسم ملايين الشعب إلى عدم الاصغاء إلى مطالبات البعض بالعودة الى الثكنات، وطالبهم بدكتاتورية عادلة، بل وقبل منصبا فى هيئة التحرير، ولكنه انقلب -كعادته –  علي من كان يمتدحهم من قبل لأنه اعتبر أنهم لم يقدروه حق قدره، ولم يضعوا أفكاره موضع التنفيذ، بل ووصفهم بالطواغيت. هو نفسه الذى دعا بعد الثورة إلى وقف إذاعة أغنيات العديد من المطربين باعتبارهم أصواتا دنسة صدحت بالغناء للملك، متناسيا أن هذا الحكم ينطبق عليه أيضا، إذ كتب العديد من القصائد فى مديح الملك فاروق ونشرها فى مجلة دار العلوم..يقول فى إحداها: 

أنت يا فاروق خير خالص

بينما الخير مشوب فى الزمان

من ضمير الشعب من يقظته

من مناه من أغانيه الحسان

صاغك الله سناء وسني

صانك الله وأعطاك الأمان

  ولكن كان الانقلاب الأكبر فى حياته انتقاله إلى جماعة الإخوان منظرا رئيسيا، بل ومرشدا لها من الباطن، رغم أنه كتب فى عام 1947 مقالا فى  مجلة «الرسالة» اعتبر فيه الجماعات التي تدعو دعوات إسلامية (مثل جماعة الإخوان): «جماعات هزيلة الروح، ناضبة، خامدة، أضعف من أن تنفخ فى الجيل الهابط المنحل». 

فى كل هذا المواقف نحن أمام عقل مراهق لم ينضج أبدا، عقل يترك صاحبه نفسه للموج لكي تلقي به حيثما تشأ، وكأنه لا يملك قدرة على التحديد.

بورتريه عبد الوهاب إسماعيل؛أو الشخصية التي استوحاها نجيب محفوظ من سيد قطب في رواية “المرايا”ورسمها الفنان سيف وانلي عندما نشرت الرواية مسلسلة في مجلة الإذاعة والتليفزيون

بدأت علاقة محفوظ بقطب عن طريق لجنة النشر للجامعين التي أسسها الشقيقان عبد الحميد وسعيد جودة السحار عام 1943 بهدف إيجاد منفذ نشر للأدباء الشبان في تلك الفترة. وكان قطب قد اشترك مع عبد الحميد السحار في كتابة سلسلة قصص دينية للأطفال، اشتملت على 18 قصة من قصص الأنبياء اعتمادا على نصوص القرآن.

استغل قطب علاقته بعائلة السحار وتلاقي أفكارهما فى العديد من القضايا الفكرية ليصبح بمثابة أبا روحيا لأعضاء اللجنة، وخاصة أن كثيرين منهم لم يكونوا قد نشروا عملهم الأولي، باستثناء نجيب محفوظ الذى نشر روايته الأولى «عبث الأقدار». كانت مهمته قطب في اللجنة هى الترويج لأعمال الشباب عبر تقديم عروض نقدية في المجلات التي كان يكتب بها.

المرة الأولى التى كتب فيها قطب عن محفوظ عقب صدور رواية” كفاح طيبة” عام 1944 طالب فيها بطباعة العمل وتوزيعه بالمجان على كل بيت. بعد هذه المقالة كتب قطب ثلاث مقالات أخرى في مديح محفوظ عن روايات “خان الخليلي”، و”القاهرة الجديدة”، وأخيراً “زقاق المدق” ونشرت في مجلة “الفكر الجديد”. كما كتب قطب عن محفوظ في رسالة له أرسلها من أميركا إلى توفيق الحكيم (نشرت في مجلة “الرسالة” عام 1949) مَدح في رسالته تلك يحيى حقي «الذي استلهم أعماق الطبيعة المصرية، وهو يصور الإيمان بكرامات الست أم هاشم، وما يتصل بها من عقائد وأساطير»، كما كتب عن محفوظ «الذي يصور في أعماله سخرية القدر وآمال الناس وأحلامهم».. ويختتم قطب رسالته «أنا واثق أنه سيكون لنا أدب خالد وأنه ستكون لنا حياة فكرية وإنسانية ملحوظة ذلك يوم نؤمن بأنفسنا، يوم نشعر أن لدينا ما نعطيه، يوم نستلهم طبيعتنا الأصلية، يوم نهتدي في ذواتنا إلى النبع العميق».

رغم سعادة محفوظ بكتابات قطب، واعتبارها أنها أول إشارة حقيقية إلى موهبته الصاعدة، إلا أن هذه الكتابات كانت احتفائية تبشيرية ذات طابع دعائي أكثر من كونها نقداً حقيقياً، لم يتخلص فيه قطب من حديثه عن «الهوية» والبحث عن أدب «قوي واضح السمات متميز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية نستطيع أن نقدمه – مع قوميته الخاصة – على المائدة العالمية»، كما لم يتعامل – كناقد- مع الفن من وجه نظر فنية خالصة، وإنما من موقف المتعالي حتى أنه يريد أن يقرع يحي حقي بالسوط، بحجه أنه يمتلك موهبة فنية ولكن يطمرها الكسل والإهمال: « ليتنى أملك سوط الجلاد أيها الموهوب الكسول حتى أقرعك به«!، وفى كل كتاباته النقدية كان قطب يبحث عن ثنائيات داخل العمل، هذه الثنائيات انتهت به في ما بعد إلى تقسيم العالم إلى معسكرين: «مسلمين وكافرين». 

لم يكن مدركا بحساسية الناقد أن الأديب ليس مجرد زعيم سياسي أو داعية، إنما مجرد لاعب، يستمتع وهو يكتب ويمنح الآخرين أيضا متعة اللعب والتأمل معه. فى نقده لم يتعامل مع الفن والأدب وفق وجه نظر فنية، كان ينظر دائما إلى خارج الأدب لذا رأى فيه ناقد مثل محمد مندور مجرد «ناقل ثقافة وشارح آداب، غير قادر على التفريق بين الأصالة والزيف وبين النضج والفجاجة».

لم تكن علاقة محفوظ وقطب علاقة تلميذ بأستاذه، إذ لم يكن عميد الرواية يُخفي أنه تلميذ لاثنين، الشيخ مصطفى عبد الرازق، وسلامة موسى، أخذ من الأول «نظرته المستنيرة إلى التراث العربي والإسلامي»، ومن الثاني «التطلع إلى التجديد الحضاري، والدعوة إلى العدالة الاجتماعية، ورد الاعتبار للجذور القديمة للشخصية المصرية»، لذا يمكن اعتبار علاقته بقطب علاقة احترام لا صداقة أو تلمذة، علاقة «أدبية أكثر من كونها علاقة إنسانية» بتعبير محفوظ نفسه، إذ كان قطب يتردد على ندوة الأوبرا التي كان يقيمها محفوظ كل يوم جمعة. 

وكما كتب قطب عن محفوظ، كتب محفوظ أيضا عن قطب ثلاث مقالات. الأول عندما صدر كتاب قطب «التصوير الفني في القرآن»،  المرة الثانية، عندما صدرت رواية قطب «أشواك» عن (دار سعد عام 1947) وكتب عنها محفوظ مقالا نشره سيد قطب نفسه  في صحيفة «السوادي»  التى كان يعمل بها محررا ثقافيا.   ويثبت مقال محفوظ أن «رواية قطب» هى سيرة ذاتية لقصة حبه، مستشهدًا بالأداء الذى كتب به قطب الرواية، «إلى التى خاضت معى فى الأشواك، فدَميتْ ودميتُ، وشقيتْ وشقيتُ، ثم سارت فى طريق وسرت فى طريق، جريحين بعد المعركة، لا نفسها إلى قرار، ولا نفسى إلى استقرار». لم يثمن محفوظ في مقالته الرواية، رآها «تجربة شخصية، فهي معفاة من ضرورات الخلق في الموضوع والشخوص، كما ينبغي أن نذكر أن القاص لا يستحق هذا الاسم حقا حتى يخرج عن نطاق ذاته، ويكتب عن الآخرين«!

المرة الثالثة التي كتب فيها محفوظ عن قطب، فى روايته “المرايا”.. تحول قطب إلى شخصية خيالية، وكعادة محفوظ وظف خبراته بالشخصيات التى عرفها إلى مصدر من مصادر إبداعه، لكنه لا يسرد حيوات هذه الشخصيات كواقع، وإنما يحاول ترميزها وإثقالها بالمعاني. فى «المرايا» حمل سيد قطب اسم عبد الوهاب إسماعيل راصدا تحولاته: «إنه اليوم أسطورة، وكالأسطورة تختلف فيه التفاسير، وبالرغم من أنني لم ألق منه إلا كل معاملة كريمة أخوية إلا أنني لم أرتح لسحنته ولا لنظرة عينيه الجاحظتين الحادتين..». ويضيف محفوظ: «وبالرغم من أن عبد الوهاب إسماعيل لم يكن يتكلم في الدين، وبالرغم من تظاهره بالعصرية في أفكاره وملابسه وأخذه بالأساليب الإفرنجية في الطعام وارتياده دور السينما، إلا أن تأثره بالدين وإيمانه بل وتعصبه لم يخف عليّ. اذكر كاتباً قبطياً شاباً أهداه كتابا له يحوي مقالات في النقد والاجتماع، فحدثني عنه فقال: إنه كاتب مطلّع حساس وذو أصالة في الأسلوب والتفكير. فسألته ببراءة متى تكتب عنه، فابتسم ابتسامة غامضة وقال: لا ثقة لي في أتباع الأديان الأخرى»!

فقد قطب قدرته على الابتسام، عندما مضى فى طريق آخر يُكفّر فيه المجتمع، كما يصف نجيب محفوظ آخر لقاء جمعه بقطب فى بيته بحلوان بعد خروجه من السجن وقبل عام من إعدامه  «فى تلك الزيارة تحدثنا فى الأدب ومشاكله، ثم تطرق الحديث إلى الدين والمرأة والحياة، وكانت المرة الأولى التى ألمس فيها بعمق مدى التغيير الكبير الذى طرأ على شخصية سيد قطب وأفكاره.. لقد رأيت أمامى إنسانًا آخر.. حاد الفكر.. متطرف الرأى.. يرى أن المجتمع عاد إلى (الجاهلية الأولى) وأنه مجتمع كافر لا بد من تقويمه بتطبيق شرع الله، انطلاقًا من فكرة (الحاكمية) لا حكم إلا لله.. وسمعت منه آراءه، دون الدخول معه فى جدل أو نقاش.. فماذا يفيد الجدل مع رجل وصل إلى تلك المرحلة من الاعتقاد المتعصب؟!». يضيف محفوظ «فى تلك الزيارة كان مع قطب مجموعة من أصحاب الذقون، لم يكن قطب يشبه صديقى القديم الذى عرفته فيه، وأردت أن أكسر حدة الصمت الثقيل، فقلت دعابة عابرة، وافترضت أن أساريرهم ستنفرج وسيضحكون، ولكنهم نظروا إلىَّ شذراً، ولم يضحك أحد حتى سيد نفسه، وعندها غادرت البيت صامتًا، وشعرت بمدى التحول الذى طرأ عليه». لم يضحك قطب على مزحة محفوظ، فأدرك محفوظ أنه أمام شخص آخر غير الذى عرفه..محفوظ وقطب كانا نموذجين مختلفين، كلاهما باحث عن حقيقة ما، لكن قطب كان صاحب مشوار مليء بالانقلابات والتغيرات الحادة، كل مرة يصل إلى طريق يجد أنه طريق مسدود، سواء أكان في أحضان السلطة (أكانت الوفد أو ثورة يوليو التي عمل مستشاراً لها في فتراتها الأولى).. وليس نهاية بإحساسه أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، التي تجيز له أن يُكفِّر المجتمع كله، بينما ظل نجيب محفوظ يقاوم السلطات تارة، وكتّاب التقارير وصناع الطغاة، وسكاكين المتطرفين وكل الصعوبات التي كادت تحول بينه وبين الكتابة تارات وتارات.