سلمان رشدي: الحياة في ظل فتوى

كيف يعمل خيال الهارب من القتل؟

أسماء يس أسماء يس ترجمة

  • في 14 فبراير 1989، في يوم عيد الحب العالمي، أصدر القائد الروحي الإيراني آية الله الخميني فتوى تعتبر الكاتب الهندي/ الباكستاني الإنجليزي سلمان رشدي مرتدًا عن دين الإسلام، وتبيح قتله!
    فتحت تلك الفتوى باب دمويًّا تسبب في اغتيال عدد من الكتاب في مختلف أنحاء العالم، بزعم الإساءة إلى الدين. ومن وقت لآخر كانت تتجدد عندما يحدث ما يستفزها، مثلما حدث في 2005 على سبيل المثال، حين صرح علي خامنئي أن الفتوى لا تزال قائمة، وأن سلمان لا يزال مهدر الدم ومن يجده فليقتله.. وفي 2012 عندما صدر الفيلم الأمريكي ” براءة المسلمين”، اعتبرته السلطات الإيرانية مسيئًا للنبي محمد تجددت الفتوى مرة أخرى، وقال المتشددون في إيران إن مثل هذه الأفلام التي تهين الإسلام لم تكن لتصدر لو نفذت الفتوى وقُتل الكاتب الكافر!
    وفي 14 فبراير 2005 أيضًا، وبالمصادفة البحتة، بعد 16 عامًا بالتحديد، أجريت هذه المقابلة، التي حررها جاك ليفنجز على حلقتين. وهي واحدة من اللقاءات الموسعة، التي تعتبر سردًا لمشوار حياة كاملة توثقها مجلة باريس ريفيو مع الروائيين المؤثرين تحت عنوان “فن الرواية”!

    ظل سلمان رشدي يعيش متخفيًّا لسنوات، في ظل حراسة مشددة، يتجنب الظهور العلني، ويعتذر عن حضور الفاعليات الثقافية- وهو ما اعتبره مازحًا، في مسلسل تليفزيوني، إحدى مزايا الفتوى- وفي عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي، ولأسباب قد يكون لها كواليس سياسية، أعلن خاتمي أن قضية رشدي قد أغلقت، وأن الفتوى لم تعد قائمة. لكن يبدو أن الكراهية في هذه المنطقة المظلمة من العالم لا تسقط بالتقادم، إذ بعد ما يزيد عن ثلاثين عامًا، في 12 أغسطس 2022، طعن شاب أمريكي، في العشرينيات من عمره ومن أصول لبنانية، سلمان رشدي، عدة طعنات، فشلت لحسن الحظ في إنهاء حياته.

    يجيب الحوار بشكل كبير، وغير مباشر على هذا السؤال: كيف عاش سلمان في ظل تلك الفتوى المخيفة كل هذه الأعوام؟
    حين صدرت الرواية تصور البعض ممن حوله أنها ربما تكون مستفزة لمشاعر المسلمين المتطرفين- إدوارد سعيد على سبيل المثال- لكن سلمان لم يتخيل أن تصل الرواية التي صدرت بالإنجليزية إلى كل مكان، وأنها ستلقى رد الفعل الدامي الغريب ذاك. ويمكن تصور أنه تلقى خبر الفتوى بالدهشة، أكثر من أي مشاعر أخرى، حتى ولو كان الخوف! لكن الإجراءات الاستثنائية وتقييد الحركة لم تمنعه من مواصلة ما يحب أن يفعله، وما يستطيع أن يفعله، لم تمنعه من الكتابة، وبعد توقف قصير إثر الصدمة، عاد ليكتب، وكأن الكتابة سبيل المقاومة الأول، ربما الذي لا يعرف غيره دفاعًا عن حرية التعبير.. فعاد مكملاً طريقه الذي عانى كثيرًا ليمسك بخيط بدايته.

الحوار...

ولد سلمان رشدي في بومباي عام 1947، عشية استقلال الهند. تلقى تعليمه في إنجلترا، حيث أمضى العقود الأولى من حياته ككاتب. يعيش رشدي هذه الأيام بشكل أساسي في نيويورك، حيث أجريت هذه المقابلة في عدة جلسات خلال العام الماضي. وبالمصادفة، جرت المقابلة الثانية يوم عيد الحب 2005، في الذكرى السادسة عشرة لفتوى آية الله الخميني ضد رشدي، والتي أعلنته مرتدًا بعد أن أصدر رواية “آيات شيطانية”، وحُكم عليه بالإعدام بموجب الشريعة الإسلامية. في عام 1998 ندد الرئيس الإيراني محمد خاتمي بالفتوى، ويصر رشدي الآن أن الخطر قد انتهى، لكن المتشددين الإسلاميين يعتبرون الفتاوى غير قابلة للنقض، في حين لا يزال عنوان منزل رشدي سريًّا!
بالنسبة لرجل تسبب في مثل هذا الغضب، تمت الإشادة به وإلقاء اللوم عليه، وتهديده وتقديره، وإحراق دميته وإعلانه رمزًا لحرية التعبير، فإن رشدي يتسم بالهدوء والصراحة بشكل مدهش – لا يبدو ضحية مطاردة ولا بلاء. حين التقيته كان حليقًا، يرتدي جينز وجاكيت، يبدو في الواقع وكأنه نسخة أصغر من الرجل المدان الذي حدق في متهميه في الصورة الشهيرة التي التقطتها له الفوتوغرافي ريتشارد أفيدون عام 1995. وقال ضاحكًا “عائلتي لا تستطيع تحمل تلك الصورة”. ثم سئل عن مكان تخزين الصورة، فابتسم وأجاب “على الحائط”.
قال رشدي إنه عندما يعمل “من غير المعتاد أن أخرج في النهار”. لكنه في أواخر العام الماضي سلَّم مخطوطة روايته التاسعة “شاليمار المهرج”، ولم يبدأ بعد في مشروع جديد. على الرغم من ادعائه أنه استنفد موارده في إنهاء الكتاب، فإنه بدا وكأنه يكتسب الطاقة وهو يتحدث عن ماضيه وكتاباته وسياساته. في اللقاء، يؤدي رشدي نفس الألعاب البهلوانية الذهنية التي يجدها المرء في خياله – استطرادات يمكن أن تلامس عدة قارات وعصور تاريخية قبل العودة إلى النقطة الأصلية.
لقد أكدت الفتوى أن اسم سلمان رشدي معروف في جميع أنحاء العالم أكثر من أي روائي آخر على قيد الحياة. لكن سمعته ككاتب لم تطغَ عليها الاعتداءات السياسية؛ ففي عام 1993، حصل على ميدالية “Booker of Booker” تكريمًا عن روايته “أطفال منتصف الليل” كأفضل كتاب يفوز بجائزة مان بوكر منذ إنشائها قبل خمسة وعشرين عامًا، وهو حاليًا رئيس مركز القلم الأمريكي. وبالإضافة إلى رواياته، فهو مؤلف لخمسة كتب ومجموعة قصصية. في يوم عيد الحب، بينما كان يعدل من جلسته على كرسي مبطن، والثلوج تتساقط خفيفًا، وفيما تطلق مدخنة مبنى على بعد بضع بنايات شرقًا عمودًا من الدخان الأسود في السماء، شرب رشدي كوبًا من الماء وتحدث عن تفكيره في الهدية المناسبة لزوجته قبل أن نبدأ الأسئلة.

‎⁨سلمان رشدي وزوجته الأولى مارين ويجان⁩

المحاور: عندما تكتب، هل يشغلك التفكير فيمن سيقرأ لك؟

سلمان رشدي: لا أعرف حقًا.. عندما كنت صغيرًا، كنت أقول لا، أنا مجرد خادم للعمل.
المحاور: هذا نبيل.
رشدي: نبيل للغاية.. لقد أصبحت أكثر اهتمامًا بالوضوح كفضيلة، وأقل اهتمامًا بفضائل الصعوبة. وأفترض أن هذا يعني أن لدي إحساسًا أوضح بكيفية قراءة الناس، والذي، كما أفترض تكوَّن جزئيًا من خلال معرفتي بكيفية قراءة الناس لما كتبته حتى الآن. لا أحب الكتب التي تُعرض في المكتبات، لكني أصبحت أكثر اهتمامًا برواية القصة بوضوح وجاذبية بقدر ما أستطيع.. هذا ما فكرت به في البداية، عندما كتبت أطفال منتصف الليل. اعتقدت أنه من الغريب أن رواية القصص والأدب تبدو وكأنها مفترق طرق.. يبدو أنه من غير الضروري أن يتم الانفصال. لا يجب أن تكون القصة بسيطة، ولا يجب أن تكون أحادية البعد، ولكن إذا كانت متعددة الأبعاد، فأنت بحاجة إلى إيجاد الطريقة الأكثر وضوحًا وجاذبية لسردها..
أحد الأشياء التي أصبحت، بالنسبة لي، بشكل أكثر وضوحًا وموضوعية الطريقة التي تكون فيها القصص في أي مكان هي أيضًا قصص في كل مكان آخر. إلى حد ما، كنت أعرف ذلك بالفعل لأن بومباي، حيث نشأت، كانت مدينة اختلط فيها الغرب تمامًا بالشرق. لقد منحتني حوادث حياتي القدرة على صنع قصص تجتمع فيها أجزاء مختلفة من العالم معًا، أحيانًا بشكل متناغم، وأحيانًا في حالة صراع، وأحيانًا كلاهما – عادةً كلاهما. تكمن الصعوبة في هذه القصص في أنك إذا كتبت عن كل مكان فلن ينتهي بك الأمر بالكتابة في أي مكان. إنها مشكلة لا يتعين على الكاتب الذي يكتب عن مكان واحد مواجهتها. يواجه هؤلاء الكتاب مشكلات أخرى، ولكن الشيء الذي يمتلكه فوكنر أو والتي [أدورا أليس، كاتبة أمريكية (1909-2001)]، رقعة من الأرض يعرفونها بعمق وينتمون إليها تمامًا بحيث يمكنهم التنقيب عنها طوال حياتهم بشرط ألا يستنفدوها – أنا معجب بذلك، ولكن هذا ليس ما أفعله.

المحاور: كيف تصف ما تفعله؟
رشدي: أعطتني حياتي هذا الوجه الآخر: العوالم المتصارعة.. كيف تجعل الناس يرون أن قصتهم أصبحت الآن جزءًا من قصة الآخرين؟ يمكنك أن تقول شيئًا واحدًا، لكن كيف يمكنك أن تجعل القارئ يشعر أن هذه هي تجربته الحية؟ كانت آخر ثلاث روايات لي محاولات للعثور على إجابات على تلك الأسئلة: الأرض تحت قدميها وغضبها، والرواية الجديدة “شاليمار المهرج”، والتي تبدأ وتنتهي في لوس أنجلوس، لكن منتصفها في كشمير، وبعض أحداثها تدور في مرحلة احتلال النازيين لستراسبورج، وبعضها يدور في إنجلترا في الستينيات. في شاليمار، شخصية ماكس أوفلوس Max Ophuls هي بطل مقاومة خلال الحرب العالمية الثانية. المقاومة، التي نعتقد أنها شيء بطولي الآن، كانت ما نسميه في زمن الاحتلال تمردًا.. نحن نعيش الآن في وقت توجد فيه حركات تمرد أخرى لا نسميها بطولية، بل نسميها إرهابية. لا أرغب في إصدار أحكام أخلاقية، بل أردت أن أقول: لقد حدث ذلك آنذاك، وهذا يحدث الآن، والقصة تتضمن هذين الأمرين، فقط انظر كيف يجلسان معًا. لا أعتقد أنه يجب على الروائي أن يقول إن هذا يعني هذا.
المحاور: هل يجب أن تمنع نفسك من قول هذا يعني هذا؟
رشدي: لا. أنا ضد ذلك في الرواية. إذا كنت أكتب مقالة افتتاحية، فهذا مختلف. لكنني أعتقد أنك تلحق الضرر بالرواية لو أنك وجهت القارئ. شخصية شاليمار، على سبيل المثال، قاتل شرير، أنت مرعوب منه، ولكن في بعض النقاط – مثل المشهد الذي طار فيه من الحائط في سان كوينتين – كنت تدعمه.. أردت أن يحدث ذلك، أردت أن يرى الناس كما يراه، وأن يشعروا كما يشعر، بدلاً من أن يفترضوا أنهم يعرفون أي نوع من الرجال هو.. من بين جميع كتبي، كان هذا هو الكتاب الذي كتبته شخصياته بالكامل. كان لا بد من التخلي عن الكثير من المفاهيم الأصلية للكتابة، لأن الشخصيات أرادت الذهاب إلى طريق آخر.

المحاور: ماذا تعني بذلك؟
رشدي: لحظة بلحظة في أثناء الكتابة كانت تحدث أشياء لم أتوقعها. حدث شيء غريب في هذا الكتاب. شعرت بتملك هؤلاء الناس تمامًا لدرجة أنني وجدت نفسي أبكي على شخصياتي. هناك لحظة في الكتاب، حين يموت والد بوني، في بستان الفاكهة الخاص به. لم أستطع تحمل ذلك. وجدت نفسي جالسًا على مكتبي أبكي. فكرت، ماذا أفعل؟ هذا شخص اختلقته. ثم كانت هناك لحظة عندما كنت أكتب عن تدمير قرية في كشمير. لم أستطع على الإطلاق تحمل فكرة كتابتها. كنت أجلس على مكتبي وأفكر، لا أستطيع كتابة هذه الجمل. العديد من الكتاب الذين اضطروا إلى التعامل مع فظائع لا يمكنهم مواجهتها وجهًا لوجه. لم أشعر قط أنني لا أستطيع تحمل فكرة رواية القصة – إنها مروعة جدًا، ولا أريد أن أحكيها، هل يمكن أن يحدث شيء آخر؟ ثم تعتقد، أوه، لا شيء آخر يمكن أن يحدث، هذا ما يحدث!

المحاور: كشمير هي أرض العائلة بالنسبة لك..
رشدي: عائلتي من كشمير في الأصل، وحتى الآن لم أتعمق في الكتابة عنها مطلقًا. تفتتح رواية “أطفال منتصف الليل” في كشمير، وتعتبر “هارون وبحر الحكايات” قصة خيالية عن كشمير كذلك، لكن في خيالي لم أتطرق مطلقًا إلى كشمير نفسها. كان عام الانفجار الحقيقي في كشمير، 1989، هو العام الذي حدث فيه الانفجار في حياتي. لذلك تشتت انتباهي، و… بالمناسبة اليوم ذكرى الفتوى؛ عيد الحب ليس اليوم المفضل لدي في السنة، وهذا يزعج زوجتي حقًا. على أي حال، كانت شاليمار نوعًا من محاولة كتابة “الفردوس الكشميري المفقود”. فقط الفردوس المفقود هو الذي يدور حول سقوط الإنسان من الجنة التي لا تزال موجودة، إنه فقط ما يتم طردنا منه. شاليمار تدور حول تحطيم الجنة. يبدو الأمر كما لو أن آدم عاد بالقنابل وفجر المكان.
لم أر قط مكانًا في العالم بجمال كشمير، فالوادي صغير جدًا والجبال كبيرة جدًا، لذلك لديك هذا الريف المصغر المحاط بجبال الهيمالايا، وهذا مذهل تمامًا.. والناس أيضًا في غاية الجمال. كشمير مزدهرة للغاية، التربة غنية جدًا، والمحاصيل وفيرة. وهي خصبة، ليست مثل الكثير من الهند.. لكن بالطبع ذهب كل ذلك الآن، وهناك مصاعب كبيرة.. كانت الصناعة الرئيسية في كشمير هي السياحة. ليست سياحة أجنبية، بل سياحة هندية. إذا نظرت إلى الأفلام الهندية، في كل مرة يريدون مكانًا غريبًا، سيكون لديهم أغنية راقصة في كشمير. كانت كشمير أرض الخيال في الهند. يذهب الهنود إلى هناك لأنهم من بلد حار ويحتجون مكانًا باردًا. سيفتنون بمشهد الثلج. سترى أشخاصًا في المطار حيث توجد ثلوج قذرة متراكمة على جوانب الطرق، يقفون هناك كما لو كانوا قد وجدوا منجمًا للماس. كان هناك هذا الشعور بالمساحة المسحورة. لكن كل هذا انتهى الآن، وحتى لو كانت هناك معاهدة سلام غدًا فلن يعود، لأن الشيء الذي تم تحطيمه، هو ما حاولت الكتابة عنه؛ ثقافة كشمير المتسامحة والمختلطة. بعد الطريقة التي طُرد بها الهندوس، والطريقة التي تحول بها المسلمون إلى التطرف والتعذيب، لا يمكنك إعادة تجميعها مرة أخرى. أردت أن أقول: إنها ليست مجرد قصة عن سكان الجبال على بعد خمسة أو ستة آلاف ميل.. إنها قصتنا أيضًا.

 

المحاور: نحن جميعًا متورطون فيها؟
رشدي: أردت أن أتأكد في هذا الكتاب من أن القصة شخصية وليست سياسية. كنت أرغب في أن يقرأها الناس وأن يكوِّنوا ارتباطات حميمية وروائية مع الشخصيات، وإذا فعلت ذلك بشكل صحيح فلن أشعر بأني أكتب كتابة توجيهية، كتاب يهتم بالجميع، كنت أرغب في كتابة كتاب دون شخصيات ثانوية.

المحاور: هل كنت على دراية تامة بالسياسة الكشميرية عندما كنت صغيرًا؟
رشدي: عندما كنت في نحو الثانية عشرة، ذهبنا في رحلة عائلية إلى كشمير. كانت هناك رحلات مشي جميلة يمكنك القيام بها مع المرشدين الصغار في الجبال العالية، على الأنهار الجليدية. وذهبنا جميعًا – أنا وأخواتي ووالداي – وكانت هناك قرى يمكنك أن تقضي فيها الليل في استراحة حكومية، وهي أماكن بسيطة جدًا. وعندما وصلنا إلى استراحتنا، اكتشفت والدتي أن الفتى الذي كان يجب أن يحمل الطعام لا يحمل شيئًا. وكان لديها ثلاثة أطفال، لذلك أرسلت الفتى الصغير إلى القرية ليرى ما يمكن تناوله، لكنه عاد وقال: لا يوجد طعام، لا يوجد شيء يمكن تناوله. ليس لديهم أي شيء. فقالت ماذا تقصد؟ لا يمكن ألا يكون هناك شيء. يجب أن يكون هناك بعض البيض على الأقل.. ماذا تعني بلا شيء؟ قال، لا، لا يوجد شيء. وهكذا قالت، حسنًا، لا يمكننا تناول العشاء، ولن يأكل أحد.. وبعد نحو ساعة، رأينا موكبًا مكونًا من نصف دستة من الناس يخرجون من القرية ويحضرون الطعام، ثم جاء عمدة القرية إلينا وقال: أريد أن أعتذر لكم، لأننا عندما أخبرنا الرجل أنه لا يوجد أي طعام كنا نعتقد أنكم عائلة هندوسية. لكن عندما عرفنا أنكم عائلة مسلمة كان علينا إحضار الطعام.. لن نقبل أي أموال، ونأسف لأننا كنا قليلي التهذيب!
واو! أيحدث هذا في كشمير، التي من المفترض أن تتمتع بروح التسامح. كنت أذهب إلى هناك طوال الوقت، وفي اللحظة التي سمعوا فيها اسم سلمان، وهو اسم مسلم، تحدثوا معي بطريقة تختلف عما قد يفعلون إذا نوديت براجبير على سبيل المثال.. لذلك كنت أجري معهم محادثات طويلة حول حياتهم وما يضايقهم. لكن عندما عدت إلى دلهي أو بومباي وأرسلت هذه المعلومات، كانت هناك رغبة حتى بين المثقفين الهنود في عدم الاعتراف بمدى عمق هذا الاستياء. بل إنهم كانوا يقولون: لا ينبغي أن تتحدث بهذه الطريقة لأنك تبدو شيوعيًا.. أنا الشيوعي المسلم!

هل يمكنك كتابة كتاب غير سياسي؟

رشدي: نعم، لدي اهتمام كبير بذلك، ولا زلت أشعر بالانزعاج لأنني لم أفعل ذلك. أعتقد أن المسافة بين الحياة الخاصة والحياة العامة قد اختفت في عصرنا. كان هناك الكثير من المسافات قبلاً. الأمر يشبه نسيان جين أوستن، أو ذكر حروب نابليون. تتمثل وظيفة الجيش البريطاني في روايات جين أوستن في أن يبدو لطيفًا في الحفلات. ليس لأنها تتجنب شيئًا ما، بل لأنها لا تستطيع شرح حياة شخصياتها بشكل كامل وعميق دون الإشارة إلى المجال العام. لم يعد ذلك ممكنًا، ليس فقط بسبب وجود جهاز تليفزيون في كل غرفة. ذلك لأن أحداث العالم لها تأثير كبير على حياتنا اليومية. هل لدينا عمل أم لا؟ ما حجم ما نملك من مال؟ كل هذا تحدده أشياء خارجة عن سيطرتنا. إنه يتحدى فكرة هيراقليطس بأن الشخصية هي القدر. في بعض الأحيان شخصيتك ليست مصيرك. في بعض الأحيان تكون الطائرة التي تطير إلى مبنى ما هي مصيرك.. العالم الأكبر يدخل في القصة ليس لأنني أريد أن أكتب عن السياسة، ولكن لأنني أريد أن أكتب عن الناس.

لكن في الكتابة الأمريكية يبدو أن هناك نوعًا من الانقسام – السياسة هناك، والخيال هنا – لأن ما يكتبه الروائي الأمريكي لن يؤثر على السياسة في واشنطن.
رشدي: نعم، لكن من يهتم بذلك؟

هل تعتقد أن الرواية في الهند، على سبيل المثال، لها علاقة بالسياسة؟
رشدي: لا.. ولكن ما يحدث هو أن الكتاب المعروفين لا يزالون يعتبرون – بطريقة لا يعتبرها الكتَّاب الأمريكيون – جزءًا من المحادثة؛ ويتم تتبع آرائهم، ويحدث هذا في إنجلترا أيضًا، ويحدث أيضًا في أوروبا.. وحتى في أمريكا كان هذا صحيحًا منذ وقت ليس ببعيد؛ كان هذا صحيحًا في جيل هنري ميلر، وسونتاج، وآرثر ميلر.

ثم ماذا حدث؟
رشدي: لا أعلم. في ذروة الإمبراطورية البريطانية كُتب عدد قليل جدًا من الروايات الإنجليزية التي تناولت التوسع البريطاني. إنه لأمر غير عادي أنه في اللحظة التي كانت فيها إنجلترا القوة العظمى العالمية، أن يبدو موضوع القوة البريطانية غير مثير لاهتمام لمعظم الكتاب. ربما هناك صدى لذلك الآن، عندما تكون أمريكا هي القوة العظمى العالمية.. فخارج هذا البلد، أمريكا تعني القوة، لكن هذا ليس صحيحًا في الولايات المتحدة نفسها. لا يزال هناك كتاب هنا يتعاملون مع السياسة؛ مثل دون ديليلو، وروبرت ستون، وجوان ديديون، وغيرهم. لكني أعتقد أن العديد من الكتاب الأمريكيين غير مهتمين نسبيًا بالطريقة التي يُنظر بها إلى أمريكا في الخارج.. ونتيجة لذلك، هناك القليل نسبيًا من الكتابات حول قوة أمريكا.

 إلى جانب اهتمامك بالسياسة والسلطة، هناك الكثير من الاختراعات الرائعة في عملك. في الواقع، لقد قلت إن ساحر أوز صنع منك كاتبًا
رشدي: بعد أن شاهدت الفيلم، عدت إلى المنزل وكتبت قصة قصيرة بعنوان “Over the Rainbow”. ربما كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري. كانت القصة تدور حول صبي يسير على رصيف في بومباي ويرى بداية قوس قزح، بدلاً من النهاية – هذا الشيء المتلألئ ينطلق بعيدًا عنه. كانت تحتوي على خطوات مقطوعة على درجات بألوان قوس قزح بامتداد الطريق. ويصعد الصبي فوق قوس قزح ويخوض مغامرات خرافية، وعند نقطة ما يلتقي بيانولا.. لكن تلك القصة اختفت.
اعتقدت أنها كانت في محفوظات والدك
رشدي: قال إنه كان محتفظًا بها، لكن عندما نظرنا في أوراقه بعد وفاته، لم نعثر عليها مطلقًا. لذا فإما أنه كان يمزح حين قال ذلك أو أنه فقدها.. لقد مات في عام 87، أي منذ وقت طويل، وبالتأكيد لن يظهر شيء الآن.. لا توجد صناديق في السندرة.. أعتقد أنها اختفت، مع نص كتبته في وقت لاحق؛ أول قطعة كاملة من الكتابة وضعتها عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، وكنت قد تركت للتو لعبة الرجبي بالمدرسة في إنجلترا، وكان لدي إجازة لمدة خمسة أشهر تقريبًا قبل أن أذهب إلى كمبريدج. في تلك الفترة، كتبت نصًا بعنوان “التقرير النهائي” حول الفصل الدراسي أو الفصلين الدراسيين الأخيرين في المدرسة، وهي قصة خيالية.. ثم ذهبت إلى كمبريدج ونسيت الأمر، وبعد نحو عشرين عامًا قالت والدتي إنهم عثروا على هذه المخطوطة.. وكانت بمثابة رسالة من ذاتي البالغة من العمر ثمانية عشر عامًا؛ لكنني لم أكن أحب تلك الذات، التي كانت شديدة المحافظة سياسيًا، وكانت على الجانب الآخر منتجًا قياسيًّا إلى حد ما لتعليم اللغة الإنجليزية في مدرسة داخلية. وكان الاستثناء هو المادة المتعلقة بالعنصرية، والتي كانت معقدة بشكل لا يصدق.. كان ذلك الفتى البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا يعرف كل ما أعرفه الآن، إلا أنه كان يعرفه بعمق لأنه حدث له للتو. ومع ذلك، كان لدي رد فعل سلبي على هذا النص، عندما سألتني والدتي ما إذا كنت أريده، أجبتها أن تحتفظ به. ثم نسيت الأمر، وعندما ماتت، لم نجده.

أتركته لها بدافع اللطف؟
رشدي: ربما.. لقد كان فظيعًا للغاية. لكنني آسف على خسارته لأنه كان مثل اليوميات. وكان ليصبح مفيدًا للغاية ويمنحني مادة خام لم أستطع الحصول عليها بطريقة أخرى إذا رغبت في الكتابة عن تلك الفترة.. والآن أشعر بالغباء حقًا لأنني تركته في المنزل.

هل كانت تجربتك مع لعبة الرجبي سيئة؟
رشدي: لم أتعرض للضرب، لكنني كنت وحيدًا جدًا، وكان هناك عدد قليل من الأشخاص الذين اعتقدت أنهم أصدقاء.. الكثير من ذلك كان له علاقة بالتحيز، لكن ليس من الموظفين، لقد تلقيت تعليمًا جيدًا، وأتذكر اثنين أو ثلاثة معلمين كانوا ملهمين للغاية، من النوع الذي تراه في أفلام روبين ويليامز. كان هناك رجل لطيف ومسن يُدعى السيد ج. ب. هوب. سيمبسون، الذي بالإضافة إلى كونه مدرسًا جيدًا للتاريخ، كان أيضًا الشخص الذي عرفني بسلسلة “سيد الخواتم” عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري. وقد وقعت في حبها تمامًا، إلى حد أثّر على دراستي.. ولا أزال أتذكرها بتفاصيلها الدقيقة.. لقد استجبت حقًا لمشروع اللغة، كل اللغات الخيالية، حتى إنني أصبحت جيدًا في لغة Elvish في مرحلة ما.

 هل لديك أي شخص تتحدث معه إلفيش؟
رشدي: كان لدي واحد أو اثنين من المهووسين بسيد الخواتم..

 ماذا كنت تقرأ أيضًا؟
رشدي: قبل مجيئي إلى إنجلترا، كان المؤلفان المفضلان لديَّ هما ب. ج. وودهاوس، وأجاثا كريستي؛ وكنت ألتهم كتاباتهما.. عاش أجدادي في عليكرة، بالقرب من نيودلهي، حيث كان جدي يعمل في كلية تيبيا في جامعة عليكرة الإسلامية. كان طبيبًا متدربًا في الغرب، وتلقى تدريبًا في أوروبا، لكنه أصبح مهتمًا جدًا بالطب التقليدي الهندي. كان يأخذني على ظهر دراجته إلى مكتبة الجامعة ويتركني.. أتذكر تلك المكتبة كمكان به أكوام عملاقة تختفي في الظلام، مع تلك السلالم الملتوية التي يمكنك تسلقها، وكنت أخرج من الظلام بهذه الأكوام الكبيرة من كتب بي جي وودهاوس وأجاثا كريستي، والتي كان جدي يستعيرها من أجلي. لأقرأها وأعيدها في غضون أسبوع وأعود من أجل المزيد. كان وودهاوس يحظى بشعبية كبيرة في الهند، وأعتقد أنه لا يزال كذلك.

 لماذا؟
رشدي: لأنه خفيف الظل.. لدى وودهاوس شيء مشترك مع حس الدعابة الهندي.. قد يكون الطرافة!

 إذن بين سن العاشرة ووقت مغادرتك لفريق الرجبي، عندما كان عمرك ثلاثة عشر عامًا ونصف العام، هل كنت تكتب القصص؟
رشدي: لا أذكر شيئًا غير “Over the Rainbow”، لكنني كنت جيدًا في اللغة الإنجليزية. أتذكر فصلاً معينًا طُلب منا فيه كتابة قصيدة خماسية الأبيات عن أي شيء.. وإذا تمكنا من واحدة، يجب أن نكتب اثنين. وخلال هذا الفصل، عندما كان الجميع يقاتلون من أجل كتابة قصيدة أو اثنتين معقولتين، كتبت ربما سبعًا وثلاثين قصيدة، لكن المعلم اتهمني بالغش.. لا يزال شعوري بالظلم قائمًا.. كيف يمكنني الغش؟ لم يتصادف أنني كنت أملك نسخة من إدوارد لير فقط، بل لقد أمضيت السنوات الخمس الماضية في حفظ القصائد الفكاهية تحسبًا لهذه المهمة المحتملة.. وكنت أشعر أنه ينبغي الإشادة بي، لكن بدلاً من ذلك تم اتهامي!

 بومباي فيها العديد من اللغات.. ما لغتك الأم؟
رشدي: الأردية.. الأردية، وهي لغة أمي، وأبي أيضًا.. لكن في شمال الهند، كنا نتحدث الهندية أيضًا. في الواقع، ما تحدثناه لم يكن أيًا منهما، أو بالأحرى يشبه كليهما.. أعني، ما يتحدث به الناس في شمال الهند في الواقع ليس لغة حقيقية.. إنه مزيج عامي من الهندية والأردية يسمى هندوستاني.. وهو غير مكتوب.. إنها لغة أفلام بوليوود.. وذاك المزيج من الهندوستانية والإنجليزية هو ما نتحدث به في المنزل.. عندما ذهبت إلى إنجلترا من أجل الدراسة، كنت في الثالثة عشرة والنصف، وكنت سأصبح ثنائي اللغة بشكل أو بآخر؛ إذ كنت جيدًا بنفس القدر في كلتا اللغتين.. ولا أزال أتحدث الهندية والأردية بطلاقة، لكنني لن أفكر في الكتابة بهما.

 هل كنت طالبًا متفوقًا؟
رشدي: لم أكن ذكيًا كما كنت أعتقد.. بشكل عام كانت مدرسة الكاتدرائية في بومباي جيدة.. وعندما أتيت إلى إنجلترا لم أشعر بالتأخر، لكن إذا نظرت إلى تقارير المدرسة، أرى أنني لم أكن جيدًا للغاية.. قبل الرجبي، كان والدي، مثل العديد من الآباء الهنود، يكلفني بأعمال إضافية.. وأتذكر أنني اضطررت إلى كتابة المقالات والأشياء في المنزل وكنت أتضايق منها جدًا.. كان يجعلني أقوم بعمل ملخصات لشكسبير، مع العلم أنه ليس من المألوف في منزل هندي أن يتم الضغط على الأطفال، وخاصة الأبناء الأكبر منهم والوحيدين، بهذه الطريقة. أما لعبة الرجبي، فقد انغمست فيها جزئيًا بسبب التعاسة الاجتماعية.. حينها لم أكن منجذبًا كثيرًا للكتابة الإبداعية؛ بل كنت أكثر انجذابًا للتاريخ.. وفزت بجوائز للأطروحات والمقالات الطويلة.. ولا أعرف لماذا لم يخطر ببالي قط، في ضوء حبي للقراءة، أن أدرس الأدب، سواء في المدرسة أو في الجامعة.. لم يبد لي حقًا أن قراءة الروايات عمل.. في الواقع، لم يعتقد والدي أن التاريخ كان عملاً أيضًا. أراد مني أن أدرس شيئًا معقولاً في كامبريدج، كالاقتصاد.

هل عارضته؟
رشدي: لقد أنقذ مدير الدراسات الدكتور جون برودبنت حياتي، حين ذهبت لرؤيته وقلت: والدي يقول إن التاريخ ليس مفيدًا ويجب أن أتحول إلى الاقتصاد، وإلا فلن يدفع الرسوم. فقال: اتركه لي.. وكتب لأبي رسالة شرسة: عزيزي السيد رشدي، لقد أخبرنا ابنك بهذا. لسوء الحظ، لا نعتقد أنه يتمتع بالمؤهلات لدراسة الاقتصاد في كامبريدج، لذلك إذا أصررت على جعله يتخلى عن دراسة التاريخ، فسيتعين عليَّ أن أطلب منك إخراجه من الجامعة لإفساح المجال لشخص ما مؤهل بشكل صحيح!
كانت تلك لحظة غريبة للغاية، لأنني كنت قد غادرت شبه القارة الهندية إلى كمبريدج وسط حرب – الهند وباكستان، سبتمبر 65. ولم أستطع الاتصال بالهاتف لأن الجيش استولى على جميع الخطوط، وكانت جميع الرسائل تخضع للرقابة ويستغرق وصولها أسابيع، وكنت أسمع عن قصف وغارات جوية. ولكن بعد رسالة برودبنت، لم يقل والدي كلمة واحدة عن الاقتصاد مرة أخرى. وعندما تخرجت وأخبرته أنني أريد كتابة الروايات أصيب بالصدمة، وصرخ في وجهي: ماذا سأقول لأصدقائي؟ ما كان يقصده حقًا هو أن جميع أبناء أصدقائه الأقل ذكاءً كانوا يجنون أموالاً طائلة في وظائف جادة وأنا سأصبح روائيًا مفلسًا؟ كان أمرًا محرجًا له لأنه كان يعتقد أن الكتابة، في أحسن الأحوال، هواية.. ولحسن الحظ أنه عاش طويلاً بما يكفي ليرى أنها ربما لم تكن خيارًا غبيًّا.

هل صرَّح بذلك؟
رشدي: ربما لم يستطع مدح الكتب، لكنه حوصر عاطفيًّا بشكل غريب.. كنت الابن الوحيد، ولذلك كانت لدينا علاقة معقدة.. وقد توفي في عام 87، أي بعد صدور “أطفال منتصف الليل” و”العار”، وقبل صدور “آيات شيطانية”.. لم يقل أبي كلمة طيبة عن كتاباتي إلا قبل أسبوع أو أسبوعين من وفاته، لكنه قرأ كتبي مائة مرة. ربما كان يعرفها أفضل مني. والحقيقة أنه انزعج من رواية”أطفال منتصف الليل” لأنه شعر أن شخصية الأب كانت هجاء له.. وبأسلوب الشاب الغض الغاضب كان ردي هو التجاهل؛ خصوصًا وأن والدي درس الأدب في كامبريدج لذلك كنت أتوقع أن يكون لديه استجابة أكثر تطورًا تجاه الكتاب.. لكن الشخص الذي فعل ذلك كان أمي، بعد أن كنت أعتقد أنه إذا كان أي شخص يشعر بالقلق من أن الأسرة المذكورة في الكتاب هي صدى لعائلتي، فستكون هي.. لكنها فهمت الأمر في الحال على أنه خيال، بينما استغرق والدي بعض الوقت، على حد تعبيره، ليغفر لي، وقد شعرت بالانزعاج من الغفران أكثر مما شعرت به من استيائه.

 لكنه، كما قلت، لم يعش ليقرأ “آيات شيطانية”.
رشدي: أنا متأكد تمامًا من أن والدي كان سيقف إلى جانبي بنسبة خمسمائة بالمائة؛ لقد كان متبحرًا في الإسلام، ومطلعًا جدًا على حياة النبي وأصول الإسلام المبكر، والطريقة التي نزل بها القرآن، وما إلى ذلك، ولكنه لم يكن متدينًا نهائيًّا؛ إذ كنا نذهب إلى المسجد مرة في السنة.. وحتى عندما كان يُحتضر، لم يلجأ إلى الدين أو دعا الله ولا لمرة واحدة، نهائيًّا.. لم يكن يتوهم قط أن الموت ليس سوى النهاية.. كان شخصًا رائعًا.. لذا فإن حقيقة أنني قررت دراسة أصول الإسلام في الجامعة ليست مصادفة. يتعلق الأمر جزئيًا بوجود هذا النوع من الأمثلة في المنزل. وكان قد رأى أن ما كنت أفعله في ذلك الكتاب كان تحقيق شخص غير متدين عن طبيعة الوحي، باستخدام مثال الإسلام لأني أعرف الكثير عنه.

 أين ذهبت بعد كمبريدج؟
رشدي: أولاً، حاولت أن أكون ممثلاً. لقد مارست التمثيل في المرحلة الجامعية، واعتقدت أنني قد أرغب في الاستمرار فيه، خصوصًا وأنني عندما كنت أحاول أن أصبح كاتبًا، لم أجد أنه من السهل على الإطلاق البدء؛ إذ كنت أعيش في غرفة علوية في منزل كنت أشاركه مع أربعة أصدقاء في لندن، لا أفعل شيئًا سوى التجول، لا أعرف ماذا كنت أفعل. كنت أتظاهر بالكتابة، وانتابني نوع من الذعر، مما جعلني شخصًا متوترًا للغاية في ذلك الوقت.. كان لدي بعض الأصدقاء الجامعيين الذين كانوا في لندن، يشاركون في مجموعات مسرحية هامشية. كان هناك الكثير من الكتاب الجيدين الذين يعملون فيها، مثل ديفيد هير، وهوارد برينتون، وتريفور جريفيث، وبعض الممثلين الجيدين كذلك. تعلمت من العمل مع ممثلين جيدين أنني لم أكن جيدًا كما كانوا. الممثل الجيد سيجعلك تبدو أفضل على المسرح، لكنك تعلم أنه الأفضل لا أنت..
لهذا السبب جزئيًا، وجزئيًا لأنني لم أملك مالاً على الإطلاق، قررت بعد فترة وجيزة أنني بحاجة إلى القيام بشيء آخر. حصل أحد أصدقائي المسرحيين الذين كنت معهم في كمبريدج، وهو كاتب يدعى داستي هيوز، على وظيفة في وكالة إعلانات J. Walter Thompson في لندن. وفجأة أصبح موجودًا في ذاك المكتب المطل على ساحة بيركلي، يلتقط الصور للشامبو مع عارضات الأزياء، ولديه أموال وسيارة. وقال: عليك أن تفعل هذا يا سلمان، إنه أمر سهل حقًا.. ثم رتب لي إجراء اختبار في وكالة J. Walter Thompson، وفشلت فيه.
والسؤال الذي أتذكره هو: تخيل أنك قابلت شخصًا من المريخ يتحدث الإنجليزية لكنه لا يعرف ما الخبز، ولديك مئة كلمة لتشرح له كيف تصنع قطعة من الخبز المحمص. في شركة أفلام ساتياجيت راي المحدودة، يتقدم مليون شخص لنفس الوظيفة. بطل الرواية هو واحد من المليون، والمحاورون الذين لا يعرفون كيفية الاختيار بين مليون شخص، يطرحون أسئلة جنونية بشكل متزايد.. السؤال الذي يقضي على فرصه في الحصول على الوظيفة هو: كم وزن القمر؟ كان سؤال المريخ سؤالاً من هذا القبيل..
وفي النهاية حصلت على وظيفة في وكالة أصغر بكثير، هي Sharp McManus، في شارع ألبيمارل. كانت تلك وظيفتي الأولى، ولم يكن لدي أي فكرة عن كيفية التعامل معها. لقد حصلت على مشروع إعلان عن سيجار رخيص من صنع Player . كان عرض عيد الميلاد، الذي ستقدم  فيه الشركة علبة صغيرة من بسكويت عيد الميلاد -هدايا الحفلات البريطانية الكلاسيكية- وداخل كل قطعة بسكويت أنبوب صغير به سيجار، وطُلب مني أن أكتب شيئًا عن هذا، فغضت.. وفي النهاية ذهبت لرؤية المخرج الإبداعي أوليفر نوكس، الذي كتب بنفسه في وقت لاحق ثلاث أو أربع روايات – وقلت: لا أعرف ماذا أفعل. فأجاب على الفور: أوه.. إليك ستة أفكار رائعة من Player لمساعدة عيد الميلاد على الانطلاق بضجة.. كان هذا ما تعلمته في مجال الإعلان.

 هل كنت تكتب الرواية آنذاك؟
رشدي: كنت في بداياتي.. كنت فاشلاً، ولم أعثر بعد على وجهتي ككاتب. كنت أكتب أشياء لم أعرضها على أي شخص، مقاطع اجتمعت في النهاية في أول رواية يكرهها الجميع. كان هذا قبل رواية “جريموس”، أولى رواياتي المنشورة. حاولت أن أكتب الكتاب بأسلوب تيار الوعي مثل جويس، بينما كان في الحقيقة بحاجة إلى أن يكتب بلغة مباشرة ومثيرة. كان يسمى “كتاب القديس”.. وكانت قصة عن بلد شرقي لم يذكر اسمه، حيث يدع أحد الأثرياء وجنرال رجلاً مقدسًا شهيرًا، ويقرران أنهما سيضعانه في السلطة من أجل السيطرة عليه، وعندما يفعلان ذلك، يكتشفون أنه في الواقع أقوى بكثير مما هم عليه. كان الكتاب، بطريقة ما، تنبؤًا بشأن ما حدث بعد ذلك مع الخميني، حول الأساليب التي صعد بها التطرف الإسلامي نتيجة اعتقاد الناس أنه يمكنهم استخدامه كواجهة.
لسوء الحظ، كان الكتاب سيئًا وغير قابل للقراءة حقًا. لا أحد -حتى الأشخاص الذين كانوا يميلون جيدًا نحوي – احتمل قراءته.. لذلك تجاهلته وواصلت العمل في مجال الإعلان.

 يبدو أن جميع الروائيين لديهم كتاب واحد على الأقل في الدرج..
رشدي: لدي ثلاثة.. حتى بدأت في كتابة “أطفال منتصف الليل”، والذي ربما كان من المحتمل أن يكون في أواخر عام 75، وبداية عام 76، كانت هناك فترة من التقلبات. لقد كانت أكثر من مجرد مشكلة فنية؛ فحتى تعرف من أنت حقًا لا يمكنك الكتابة. كانت حياتي مختلطة بين الهند وإنجلترا وباكستان، لم أكن أجيد حقًا التعامل مع نفسي. ونتيجة لذلك، كانت الكتابة عبارة عن قمامة؛ أحيانًا قمامة ذكية، ولكنها تظل قمامة.. وأعتقد أن هذا ينطبق أيضًا على “جريموس” بالنسبة لي، لا أشعر أنها كتابتي.. أو بشكل يجعلني أرغب في الاختباء خلف الأثاث. لكن فات الأوان وهي منشورة بالفعل، ولم أسحبها قط.. إذا أخطأت في نشر شيء ما، عليك تركه.. وقد وجدت بشكل مطرد جمهورًا من القراء، وهناك أشخاص قالوا أشياء جيدة عنها، مما أثار حيرتي!
لكني تخليت عن إحدى الروايات وهي “The Antagonist”، تشبه إلى حد كبير كتابات بينشون [توماس بينشون روائي أمريكي 1937-1990] كتبتها في لندن، احتوت على جرثومة ما أصبح لاحقًا رواية “أطفال منتصف الليل”، شخصية هامشية تدعى سليم سيناء ولد في لحظة استقلال الهند.. هذا هو التفصيل الوحيد الذي نجا. لقد تخلصت من عمل لمدة استغرقت عامًا في وضعه واحتفظت بهذه الجرثومة.
بعد النقد اللاذع الذي تعرضت له رواية “جريموس” أعدت التفكير في كل شيء.. فكرت؛ حسنًا، ينبغي أن أكتب عن شيء أهتم به أكثر من ذلك بكثير. كنت خائفًا جدا طول الوقت.. واعتقدت أن مسيرتي المهنية ككاتب لن تحقق أي تقدم على الإطلاق. في هذه الأثناء، وجد الكثير من الناس في ذلك الجيل الموهوب جدًا الذي كنت جزءًا منه طرقهم ككتّاب في سن أصغر بكثير. كان الأمر كما لو كانوا يتخطونني، على سبيل المثال لا الحصر: مارتن أميس، وإيان ماك إيوان، وجوليان بارنز، وويليام بويد، وكازو إيشيجورو، وتيموثي مو، وأنجيلا كارتر، وبروس شاتوين.. لقد كانت لحظة غير عادية في الأدب الإنجليزي، وكنت أنا الشخص الذي بقي عند بوابة البداية، ولم أكن أعرف إلى أي طريق أسلك، وهذا ما صعب الأمور!

 ماذا عن سليم سيناء الذي أطلق عنانك؟
رشدي: كنت أرغب دائمًا في كتابة شيء من شأنه أن يأتي من تجربتي كطفل في بومباي. كنت بعيدًا عن الهند لفترة وبدأت أخشى ان يتآكل تواصلي به. وكانت الطفولة هي الدافع لفترة طويلة قبل أن أعرف ما القصة وكيف ستنمو.. ولكن إذا كنت ستنجب الطفل في نفس الوقت مع البلد، بحيث يكونا توأمين بطريقة ما، عليك أن تحكي قصة كلا التوأمين. لذلك أجبرتني الرواية على استخدام التاريخ. أحد أسباب استغراقها خمس سنوات أنني لم أكن أعرف كيف أكتبها. افتتحت إحدى النسخ المبكرة بالسطر التالي: “معظم ما يهم في حياتنا يحدث في غيابنا”، وكنت أقصد أن الأطفال لا يأتون إلى العالم عراة، بل مثقلون بالتاريخ المتراكم لعائلاتهم وعوالمهم. لكن ذلك كان فيه من تولستوي، وفكرت، إذا كان هناك شيء واحد غير موجود في هذا الكتاب، فهو آنا كارنينا. ولا تزال تلك الجملة موجودة في الكتاب في مكان ما، لكنني دفنتها.
لم يكن السرد بضمير الغائب ناجحًا، لذلك قررت تجربة سرد الراوي المتكلم، وكان هناك يوم جلست فيه وكتبت بشكل أو بآخر ما هو الآن الصفحة الأولى من “أطفال منتصف الليل”. لقد وصل للتو، صوت سليم: ذكي للغاية، مليء بجميع أنواع الأسرار، مضحك ولكنه سخيف نوعًا ما..
لقد تأثرت بما يخرج من الآلة الكاتبة. كانت إحدى تلك اللحظات التي تعتقد فيها أن الكتابة تأتي من خلالك وليس منك. لقد رأيت كيف أقوم بسحب كل شيء من التقاليد القديمة للهند إلى شكل السرد الشفهي، وقبل كل شيء، الضوضاء والموسيقى في المدينة الهندية. أظهرت لي تلك الفقرة الأولى الكتاب. تمسكت بذيل سليم وتركته يركض. ومع تطور الكتاب، ونمو سليم، كانت هناك لحظات شعرت فيها بالإحباط بسببه.. ومع تقدمه في السن، أصبح سلبيًّا أكثر فأكثر.. وظللت أحاول إجباره على أن يكون أكثر نشاطًا، وأن يتولى مسؤولية الأحداث، لكن الأمر لم ينجح.. بعد ذلك، افترض الناس أن الكتاب هو سيرته الذاتية، لكن بالنسبة لي أشعر أن سليمًا مختلف تمامًا عني، لأنني كنت أواجه نوعًا من الصراع معه، وهو ما خسرته.

 هل كتبت كتابًا آخر يصل فيه الصوت هكذا؟
رشدي: كل كتاب يعلمك كيفية كتابته، ولكن غالبًا ما تكون هناك لحظة اكتشاف مهمة. والشيء الوحيد الذي يمكن مقارنته هو عندما كنت أكتب “هارون وبحر الحكايات” Haroun and the Sea of ​​Stories كانت المشكلة الكبرى هي نبرة الصوت، وكيفية السير في الخط الذي من شأنه أن يسمح للأطفال والبالغين بالخروج منه. كان هناك يوم معين عندما كتبت، بعد بعض البدايات الخاطئة، ما هو الآن بداية الكتاب. وفكرت مرة أخرى، أوه، أرى أنك تفعل ذلك على النحو التالي: “حدث ذات مرة، في بلدة أليفباي…”، كان عليَّ أن أختار صيغة الماضي، إذ أن الكلمات المستخدمة في الحكاية بسيطة للغاية ولكن القصة ليست كذلك. ترى هذا في الخرافات الهندية مثل قصص بانشاتانترا Panchatantra، في أيسوب، وحتى في الخرافات الحديثة، مثل كتب كالفينو.. كأن تكتب شيئًا مثل: ذات مرة كان هناك قطة ترتدي أحذية عالية تصل إلى ركبتيها وتستخدم سيفًا. مقطع واحد، ولكن النتيجة غريبة جدًا.
قال جوزيف هيلر إنه سيجد بين الحين والآخر جملة تحتوي على مائة جملة أخرى. حدث ذلك له عندما بدأ رواية Catch-22، في اللحظة التي كتب فيها الجملة عن وقوع يوسريان في حب القس. وقد أخبرته تلك الجملة إلى أين تذهب ببقية الرواية. حدث هذا لي عندما كتبت بداية “أولاد منتصف الليل” و”هارون”. لقد مررت بلحظة الاستنارة تلك.. لكن عندما كتبت “آيات شيطانية” كان لدي مئات الصفحات قبل أن أكتب المشهد الذي هو الآن بداية الرواية، هؤلاء الناس يسقطون من السماء. عندما كتبت هذا المشهد فكرت، ماذا يفعل هذا هنا؟ هذا ليس مناسبًا هنا!

 وكانت تلك هي البداية..
رشدي: هذا المشهد مضحك.. عندما صدر الكتاب، كره الكثير من الناس ذلك حقًا. كان ذلك عندما بدأت النكتة حول وجود نادي قراء لخمسة عشر صفحة لرشدي؛ وهم الأشخاص الذين لم يتمكنوا من تجاوز الصفحة الخامسة عشرة. اعتقدت بنفسي أنها كانت بداية جيدة ولا أزال أفعل.. تكاد تكتشف دائمًا أن الكتاب الذي تكتبه ليس هو الكتاب الذي قررت كتابته بالضبط.. وعندما تكتشف ذلك، فإنك تحل مشكلة الكتاب. عندما كنت أكتب رواية “الغضب” Fury، تغير العنوان كل يوم، ولم أكن متأكدًا لفترة طويلة من موضوع الكتاب. هل كان عن الدمى أم نيويورك أم عن العنف أم عن الطلاق؟ كل يوم أستيقظ وأرى الأمر بطريقة مختلفة قليلاً. لم أفهم الفكرة المركزية وراء الكتاب إلا بعد أن اكتشفت العنوان. حدث نفس الشيء مع “أطفال منتصف الليل”. لم أكن أعرف ما كان يطلق عليه في البداية. عندما بدأت في كتابته، وضعت “سيناء” على الغلاف. ثم كانت هناك لحظة فكرت فيها، إذا كنت لا أعرف العنوان، فأنا لا أعرف ما موضوع الكتاب، فتوقفت عن الكتابة وبدأت في كتابة العناوين.. وبعد عدة أيام من العبث، انتهى بي الأمر مع عنوانين: “أطفال منتصف الليل” و”أطفال لمنتصف الليل”. وكتبتهما بيدي مرارًا وتكرارًا. وبعد نحو يوم من الكتابة، فكرت فجأة أن الأنسب هو “أطفال لمنتصف الليل” عنوان ممل حقًا، و”أطفال منتصف الليل”، هذا عنوان جيد حقًا. وقد أظهر لي مركز الرواية أن الأمر يتعلق بهؤلاء الأطفال.. بينما في مع آيات شيطانية لم أكن أعرف ما إذا كان كتابًا واحدًا أم ثلاثة. لقد استغرق الأمر بعض الوقت لأكون شجاعًا بما يكفي لأقرر أنه عمل واحد. على الرغم من أنه يجب أن يكون رواية من الانقطاعات، فقد قررت أن هذا هو الكتاب الذي أردت كتابته. لا بد أنني كنت أشعر بثقة كبيرة. كان لدي هذان الكتابان الناجحان للغاية، وقد وضع ذلك الكثير من الوقود في خزانتي، واعتقدت أن في استطاعتي فعل أي شيء.

 مع الشهرة والفتوى تكاد تكون هناك عبادة لرشدي.. هل  يدخل  معك إلى مكتبك؟
رشدي: لا.. الكتَّاب بارعون حقًا في خلق تلك المساحة الهادئة. عندما أكون في غرفتي والباب مغلق، لا أحد يعرف ما أحاول مصارعته. الكتابة صعبة للغاية؛ تتطلب منك الكثير، وفي معظم الأوقات تشعر بالغباء. أعتقد دائمًا أنك تبدأ من النهاية الغبية للكتاب، وإذا كنت محظوظًا، فستنتهي إلى النهاية الذكية. عندما تبدأ، تشعر أنك غير ملائم للمهمة، وأنك حتى لا تفهم المهمة.. إنه أمر صعب للغاية، ليس لديك وقت للقلق بشأن كونك مشهورًا. يبدو أن هذا مجرد هراء يحدث في الخارج.
ما يصعب التعامل معه هو عداء الصحافة. كان شعورًا غريبًا أن يصفني البعض في الصحافة البريطانية بأني شخص كريه.. ولا أعرف ماذا فعلت بالضبط لأستحق ذلك. أتفهم أنه في الحياة الأدبية هناك دورات يحين دورك فيها للثناء ودورك لتتألق. كان من الواضح أنه عندما صدرت “الغضب” جاء دوري لأتألق.. لكني شعرت أن الكثير من المراجعات النقدية لم تكن تتعلق بالكتاب على الإطلاق؛ بل كانت عني شخصيًّا، كان من الغريب أن الكثير من تلك المراجعات النقدية لرواية “الغضب” كانت منشورة مرفقة بصورة لي مع صديقتي آنذاك، زوجتي الحالية.. وقد فكرت كثيرًا، ما علاقة ذلك بها؟ هل توضع صورة زوجة جون أبدايك بجانبه مع أي مراجعة لكتابه؟ أو زوجة شاول بيلو؟

 في رواية “الغضب”، ولد سولانكا في بومباي، وتلقى تعليمه في كمبريدج، ويعيش في مانهاتن. ربما لهذا السبب افترض المراجعون أن الأمر يتعلق بحياتك في نيويورك.

 رشدي: نعم، كنت أقول إنني هنا الآن. شعرت بالخوف من الكتابة عن وقت قريب جدًا من الوقت الحاضر، ومن تجربتي الخاصة، لكن كلاهما كان اختيارًا متعمدًا. أردت أن أكتب عن الوصول. لم أرغب في التظاهر بأنني دون ديليلو أو فيليب روث أو أي شخص نشأ في هذه الشوارع.. أردت أن أكتب عن نيويورك، عن الأشخاص الذين يأتون إلى هنا ويبنون حياة جديدة، وعن السهولة التي يمكن أن تتحول بها القصص من جميع أنحاء العالم إلى قصص في نيويورك. بمجرد أن تأتي تصبح قصتك واحدة من العديد من قصص المدينة؛ لندن ليست كذلك.. صحيح أنه توجد ثقافة هجرة في لندن، تثريها المدينة وتضيف إليها، لكن لندن لديها رواية مهيمنة.. لا توجد رواية سائدة في نيويورك؛ فقط سرديات مجمعة لكل من يظهر، وهذا أحد أسباب انجذابي إليها.. أما بالنسبة لسولانكا، فهو لقيط غاضب. وُضع فيه كل أسباب استياء العالم من أمريكا، ثم أحاطت به كما لو كانت كرنفالاً.. ولما كنت أحب الوجود في نيويورك، فأنا مهتم بالكرنفال بقدر اهتمامي بالغضب. وحتى سولانكا قد يكون شخصًا كثير الكلام عن أمريكا، ولكن جاء إلى أمريكا لينقذ نفسه. وقد اعتقدت أن الطريقة التي يُقرأ بها الكتاب كانت سخيفة، فهو ليس مذكراتي.. يمكنك أن تبدأ بأحداث تشبه حياتك، ولكن هذه مجرد البداية. ويظل السؤال هو: ما الرحلة؟ الرحلة عمل فني.. لكن أين تنتهي؟

لقد عشت في – وبين – أجزاء مختلفة جدًا من العالم. كيف تجيب على سؤال من أين أنت؟
رشدي: لطالما كان لديَّ تقارب مع الأماكن أكثر من الأمم.. وأفترض إذا كنت تسألني رسميًا، فسأعتبر نفسي مواطنًا بريطانيًّا من أصل هندي. لكني أعتبر نفسي كذلك من سكان نيويورك ولندن. ربما أفكر في هذه التعريفات باعتبارها أكثر دقة من جواز السفر أو مكان الميلاد..

 هل ستكتب مذكراتك يومًا ما؟
رشدي: حتى صدرت الفتوى، لم يخطر ببالي قط أن حياتي كانت ممتعة بما فيه الكفاية. كنت فقط أكتب رواياتي وآمل أن تكون مثيرة للاهتمام، لكن من يهتم بحياة الكاتب؟ ثم حدث هذا الشيء غير المعتاد بالنسبة لي، ووجدت نفسي أحتفظ بدفتر يوميات لتذكير نفسي بما كان يحدث. عندما عادت الأمور إلى طبيعتها، خطر لي أن المذكرات ستكون وسيلة لإنجازها.. لن يسألني أحد عنها مرة أخرى. لكن بعد ذلك أدركت أنه سيتعين عليَّ قضاء عام في البحث، وعام على الأقل في كتابتها، وعام على الأقل في الحديث عنها. لذلك سأحكم على نفسي بثلاث أو أربع سنوات أخرى من الشيء الذي كنت قد خرجت منه للتو. وأعتقد أني لم أكن لأستطيع تحمل ذلك.

 هل هزت الفتوى ثقتك بنفسك ككاتب؟

رشدي: جعلتني أتذبذب كثيرًا. بعد ذلك، جعلتني أتنفس بعمق، وبطريقة ما أعيد تكريس نفسي للفن، لأفكر، حسنًا، ليذهب كل ذلك إلى الجحيم. لكن ما شعرت به في البداية كان: استغرق كتابة هذا الكتاب أكثر من خمس سنوات، وهذه خمس سنوات من حياتي أبذل قصارى جهدي لفعل شيء أفضل. أنا أؤمن أن الكتَّاب، أثناء الكتابة، يتسمون بالإيثار؛ ولا يفكرون في المال والشهرة، بل يفكرون فقط في أن يكونوا أفضل كاتب يمكن أن يكونوا، وأن يجعلوا الصفحة جيدة بقدر الإمكان، ويجعلوا الجملة أفضل جملة يمكنك كتابتها، والشخصيات مثيرة للاهتمام، والموضوع الذي تم تطويره. كل ما تفكر فيه ككاتب هو فعل ذلك بشكل صحيح.. الكتابة صعبة للغاية وتتطلب منك مثل هذه المطالب، ساعاها لا يعنيك رد الفعل؛ المبيعات وما إلى ذلك. لذلك أمضيت خمس سنوات على هذا النحو، وما حصلت عليه من ذلك كان تشويهًا عالميًا وتهديدًا لحياتي.. لم يكن الأمر يتعلق بالخطر الجسدي بقدر ما يتعلق بالازدراء الفكري، وتشويه جدية العمل، وفكرة أنني كنت شخصًا لا قيمة له، وفعلت شيئًا لا قيمة له، وأنه، لسوء الحظ، كان هناك عدد معين من الزملاء الغربيين الذين وافقوا. ثم تعود وتفكر، لماذا أفعل ذلك بحق الجحيم؟ لا يستحق كل هذا العناء. لمجرد قضاء خمس سنوات من حياتك في أن تكون جادًا قدر الإمكان، ثم تُتهم بعد ذلك بأنك تافه وانتهازي (لقد فعل ذلك عن قصد) بالطبع فعلت ذلك عن قصد! كيف تقضي خمس سنوات من حياتك تفعل شيئًا مصادفة؟

 عندما قال الناس إنك فعلت ذلك عن قصد، قصدوا أنك بدأت بالاستفزاز، وأنك سعيت إلى ذلك.. هل كنت واعيًا في أثناء تأليف الكتاب أن نظرتك العلمانية للإسلام قد تكون استفزازية؟

رشدي: كنت أعلم أن عملي لم يَرُق لأمثال الملالي المتطرفين.

 ومع ذلك، كانت الفتوى رد فعل مفاجئًا وكبيرًا..
رشدي: حسنًا، كانت بالطبع شيئًا لا يمكن لأحد أن يتوقعه. لا أحد. لم يحدث من قبل، ولم يخطر لي..
وقد اكتشفت بعد مرور بعض الوقت أنه كانت هناك ترجمة غير مصرح بها إلى الفارسية لروايتي السابقة “العار”، لمترجم إيراني، وقد منحوها بعد ذلك جائزة كبرى كأفضل رواية مترجمة في ذاك العام، وهذا يعني أنه عندما نُشرت “آيات شيطانية”، حتى بائعي الكتب الإيرانيين كانوا يعتقدون أنني ربما كنت كاتبًا رائعًا، لأن الملالي قد منحوا كتابي السابق ختم الموافقة، لذلك كانت الفتوى مفاجأة للناس في إيران بقدر ما فاجأتهم في أي مكان آخر.

 لكن هذه الفكرة كانت شائعة آنذاك وربما كان عليك توقعها..
رشدي: بعد الانتهاء من الكتاب، كان هناك واحد أو اثنان من القراء الأوائل، منهم إدوارد سعيد، الذي لاحظ أنني كنت قد أغضبت هؤلاء الرجال، وسألني عما إذا كنت قلقًا بشأنه. وفي تلك الأيام البريئة، قلت لا. أعني، لماذا هم منزعجون؟ إنها رواية أدبية من خمسمائة وخمسين صفحة باللغة الإنجليزية. وقد بدت فكرة أنها ستطفو عبر مجال رؤيتهم غير محتملة، وبصراحة لم أهتم.
لماذا لا يستفز الأدب؟ هو دائما كذلك. وهذه الفكرة القائلة بأن الشخص الذي يتعرض للهجوم مسؤول بشكل ما عن الهجوم هو تحويل لمسار اللوم، وقد بدا ذلك سهلاً في عام 1989.. لكن مؤخرًا، في إنجلترا؛ في أعقاب تفجيرات القاعدة، كان هناك الكثير من التعليقات الصحفية تقول إن كل شيء بدأ مع “آيات شيطانية”، وهناك تعاطف تام الآن مع ما مررت به آنذاك. لا أحد اليوم يقول إن ذلك كان خطأي وأنني فعلت ذلك عن قصد، لأن الناس صاروا يفهمون طبيعة الإسلام الراديكالي بشكل أفضل.

 إذن، ماذا.. نحن جميعًا سلمان رشدي الآن؟
رشدي: نعم. عبارات من هذا القبيل تستخدم في كل وقت الآن في الصحافة الإنجليزية، بينما في عام 1989 كان هناك اعتقاد في صحف التابلويد على نطاق واسع بأنني كنت هذا المشاغب الذي يجب أن تنقذه حكومة كان يعارضها؛ حكومة تاتشر. وبعد ذلك عندما قررت أن أصنع حياة لنفسي في نيويورك، أثبت ذلك جحودي. كما لو أنه كان عليَّ أن أعيش في لندن بقية عمري لكي أكون ممتنًا.

 لكنك ذكرت أنه في البداية، عام 1989، جعلتك الفتوى تتساءل عما إذا كان الأدب يستحق هذا الجهد..
رشدي: جعلني ذلك أفكر، لعدة أشهر، ربما لم أعد أرغب في أن أصبح كاتبًا بعد الآن.. لم يكن الأمر يتعلق بحقيقة أن الفتوى تشكِّل خطرًا “شعرت بالاشمئزاز مما حدث لي، وكنت في حيرة من أمري، ولا أعرف كيفية الاستمرار إذا كانت هذه هي الطريقة التي سيتم بها التعامل مع أعمالي. وفكرت في أنه يمكنني أن أكون سائق حافلة.. أي شيء أفضل من هذا. لقد قلت في كثير من الأحيان – وهذا صحيح – أنني أعتقد أن الشيء الذي أنقذني ككاتب هو أنني وعدت ابني بكتاب.. كانت حياته قد خرجت عن مسارها أيضًا، ليس أنا فقط. هناك كل أنواع الأشياء التي لم أتمكن من القيام بها معه، والأشياء التي كان من الصعب جدًا القيام بها، لذلك كان هذا وعدًا ينبغي عليَّ الوفاء به. وهذا ما جعلني أعود إل الكتابة. عندما اكتشفت صوت هارون وبحر القصص، شعرت بالسعادة مرة أخرى. كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بالسعادة منذ فبراير 1989. لقد أعاد لي ذلك إحساسي لماذا أحب القيام بعملي. ثم فكرت في أنه يمكنني الاستمرار، وسأستمر.
أتذكر في الواقع أنني قرأت ثلاثية بيكيت في ذلك الوقت؛ إن روايته “بلا اسم” Unnamable تكاد تكون صعبة مثل “يقظة فنيجان” Finnegans Wake، لكن هذه الرواقية في ذلك السطر الأخير العظيم، ذات قيمة كبيرة. وقد وجدتني أقرأ كتَّاب عصر التنوير؛ مثل فولتير، وأدركت أنني لست الكاتب الوحيد الذي مر بأوقات عصيبة. قد يبدو الأمر رومانسيًا بشكل يبعث على السخرية، لكنني في الواقع تعززت من خلال تاريخ الأدب؛ أوفيد في المنفى، دوستويفسكي أمام فرقة الإعدام، جينيه في السجن؛ وانظر ماذا أنتجوا: مسخ الكائنات، والجريمة والعقاب، كل ما كتبه جينيه هو أدب السجون. وقد فكرت أنه إذا كان بإمكانهم فعل ذلك، يمكنني أنا أيضًا القيام بذلك. أصبح من الأسهل بالنسبة لي معرفة مكاني في العالم، وكان ذلك جيدًا. وعرفت أني تخلصت للتو من بعض الالتباسات.
لكني لا أزال لا أعرف أبدًا. كيف سيستجيب الناس لكتاب ما، ليس لدي أي فكرة. لقد اعتقدت أن “آيات شيطانية” كانت أقل رواياتي سياسية. ربما بدأ هذا صحيحًا الآن. بعد كل هذه الجلبة، بدأت هذه الرواية أخيرًا تحظى بحياة أدبية؛ خصوصًا في الأكاديمية. يقرأ ليس فقط في دورات مقارنة الأديان أو في دورات السياسة في الشرق الأوسط. وصرت أحصل على رسائل لا تذكر حتى المواد الإسلامية. وأتلقى رسائل من أشخاص يتحدثون عن الكوميديا ​​في الرواية، وهي واحدة من الأشياء التي لم يتحدث عنها أحد من قبل، كيف يمكن أن يكون الأمر مضحكًا عندما يكون ما حدث لها غير مضحك؟
وصرت أفكر: أخيرًا! بطريقة ما، الأمر يستحق خوض المعركة، وأن هذه الرواية نجحت بطريقة ما في البقاء، ويمكن أن يصبح الآن كتابًا بدلاً من أن يكون بطاطس ساخنة، أو فضيحة تحمل شعارًا.. إنها أخيرا رواية.

 في كل من “آيات شيطانية” و”أطفال منتصف الليل”، بالإضافة إلى بعض المقالات، هناك فكرة نسبتها لنفسك ولشخصياتك على حد سواء: الله حفرة.. هل لا تزال هذه العبارة تعبر عنك؟
رشدي: البشر في حاجة إلى شيء غير مادي، شيء روحي.. ونحن جميعًا بحاجة إلى شيء ما يتجاوز كياننا المادي في العالم. نحن بحاجة إلى شيء نمجده. إذا كنت لا تؤمن بالله فلا يزال لديك حاجة من وقت لآخر للشعور بالسمو والعزاء، ولا زلت بحاجة إلى تفسير. وتحتاج إلى ما يمنحك إياه الدين، وهو المجتمع، الإحساس بشيء مشترك، لغة مشتركة، بنية استعارية مشتركة، طريقة لشرح نفسك للناس. اختصارًا، الدين يوفر كل ذلك للأشخاص الذين يؤمنون به. الآن، إذا لم يكن لديك دين، فإنك ستفتقد كل هذا وعليك أن تجده في مكان آخر، وهذه هي الحفرة.
السؤالان الكبيران في الدين هما: من أين أتينا وكيف سنعيش. أنا ككاتب روائي مهتم بالروايات التي صنعناها لشرح أصولنا، لكني لست مهتمًا بها كتفسيرات، ولا أذهب إلى الكهنة للحصول على إجابات على هذه الأسئلة. عندما نفعل ذلك، انظر ماذا يحدث. يحدث الخميني.. يحدث طالبان يحدث.. تحدث محاكم التفتيش!

إذن، أين تذهب؟
رشدي: إلى أي مكان آخر تقريبًا.. السؤال عن كيف نعيش هو سؤال لم تتم الإجابة عليه مطلقًا.. في مجتمع حر، نتجادل حول الطريقة التي سنعيش بها، وهذه هي الطريقة التي نعيش بها. الحجة هي الجواب. إنها الديمقراطية؛ أقل الأنظمة المتاحة سوءًا. القوة التفسيرية للدين هي أسهل شيء يمكن الاستغناء عنه. ما تبقى منها؛ العزاء، والتمجيد، والمجتمع؛ هو الجزء الأصعب. المكان الذي ذهبت إليه في حياتي لتحقيق ذلك هو الأدب، وليس الأدب فقط، بل الأفلام والموسيقى والرسم والفنون عمومًا. ثم هناك الحب؛ حب زوجتك، حب أولادك، حب والديك، حب أصدقائك. أستثمر الكثير في فكرة الصداقة على وجه الخصوص لأن حياتي تمزقت بعيدًا عن مكانها الأصلي وانتشرت في جميع أنحاء العالم، لكن علاقاتي بعائلتي لم تنفصم، مع أنها كانت متوترة من نواح كثيرة. الأصدقاء هم العائلة التي تبنيها، وأنا أعيش بحماس شديد بين الأشخاص الذين اخترت العيش معهم، وهذا يمنحني شعورًا بالانتماء للمجتمع وبأنني أكثر من مجرد آلة. لقد نشأت في بلد حيث كل شخص تقريبًا لديه معتقدات دينية عميقة، بمن في ذلك المثقفون الحضريون، وحيث لا يفكر الناس في الدين فقط على أنه شيء مجرد، بل يعتقدون أن تقديم القرابين للآلهة له تأثير مباشر على سعادتهم وتقدمهم. إنه بلد يعتقد مئات الملايين من الناس فيه أن الآلهة تتدخل بشكل مباشر في حياتهم اليومية، لذا فإن علاقتهم بالآلهة أمر يومي وواقعي. هذا هو عالمي، لذلك يجب أن آخذ الأمر على محمل الجد. كذلك من المهم أن تقرأ عقول الأشخاص الذين يفكرون بطرق مختلفة عنك، والسماح لطريقة التفكير هذه بتحديد مآلات قصصهم.

 هل يمكنك التحدث عن طقوسك عندما تجلس إلى المكتب؟
رشدي: إذا تابعت الصحافة، فقد يتكوَّن لديك انطباع بأن كل ما أفعله هو الذهاب إلى الحفلات. في الواقع، ما أفعله لساعات، كل يوم في حياتي، هو الجلوس في غرفة بمفردي. وعندما أتوقف ليوم واحد أحاول دائمًا أن يكون لدي فكرة عما أريد أن أصل إليه. وإذا فعلت ذلك، يصبح من السهل أن تبدأ، لأنني تمكنت من الجملة أو العبارة الأولى. على الأقل أعرف أين هي في رأسي فأذهب وأبحث عنها. في البداية، يكون الأمر بطيئًا جدًا، وتكون هناك والكثير من البدايات الخاطئة. أكتب فقرة، ثم في اليوم التالي أفكر، لا، لا تعجبني على الإطلاق، أو لا أعرف إلى أين تنتمي، لكنها لا تنتمي إلى هنا. في كثير من الأحيان، يستغرق الأمر شهورًا للانطلاق. عندما كنت أصغر سنًا، كنت أكتب بسهولة أكبر بكثير مما أفعل الآن، لكن ما كتبته يتطلب قدرًا أكبر من إعادة الكتابة. الآن أكتب ببطء أكثر وأراجع كثيرًا كلما تقدمت. وأجد أنه عندما أوشك أن أنتهي أن الأمر يتطلب مراجعة أقل مما كان يحدث من قبل. لقد تغيرت. أنا أبحث فقط عن شيء يعطيني القليل من الاندفاع، وإذا حققت ذلك، سأدون بضع مئات من الكلمات، وهكذا ينقضي اليوم. 

 هل تستيقظ في الصباح وتبدأ في الكتابة أول شيء؟
رشدي: نعم بالتأكيد.. ليس لدي أي ممارسات غامضة غريبة. أنا فقط أستيقظ، وأنزل إلى الطابق السفلي، وأكتب. لقد تعلمت أنني بحاجة إلى منحها الطاقة الأولى في اليوم، لذا قبل أن أقرأ الصحيفة، وقبل أن أفتح البريد، وقبل أن أتصل بأي شخص، غالبًا قبل الاستحمام، أجلس بالبيجامة على المكتب. لا أسمح لنفسي بالاستيقاظ حتى أفعل شيئًا مؤهلاً للعمل. وإذا خرجت لتناول العشاء مع الأصدقاء، فعندما أعود إلى المنزل، أعود إلى المكتب قبل الذهاب إلى الفراش وأقرأ ما كتبته في الصباح. عندما أستيقظ في الصباح، فإن أول شيء أفعله هو قراءة ما كتبته في اليوم السابق. بغض النظر عن مدى اعتقادك أنك أبليت حسنًا في يوم معين، سيكون هناك دائمًا شيء لا يمكن تصوره، بعض الأشياء الصغيرة التي تحتاج إلى إضافتها أو حذفها. ويجب أن أقول الحمد لله على أجهزة اللابتوب لأنها تجعل الأمر أسهل بكثير. إن عملية إعادة قراءة ما فعلته في اليوم السابق بشكل نقدي هي طريقة للعودة إلى داخل غلاف الكتاب. لكن في بعض الأحيان أعرف بالضبط ما أريد أن أفعله وأجلس وأبدأ في ذلك.. لذلك لا توجد قاعدة.

 هل هناك أي شيء خاص تقرأه لمساعدتك في أثناء عملك؟
رشدي: أقرأ الشعر.. عندما تكتب رواية، من السهل جدًا أن يتسلل إليك بعض الكسل؛ والشعر وسيلة لتذكير نفسي بالاهتمام باللغة. لقد كنت أقرأ كثيرًا لتشيسلاف ميلوش مؤخرًا. ومن الجانب الآخر من العالم، كنت أقرأ مذكرات بوب ديلان، وهي رائعة ومكتوبة بشكل جيد، مع لحظات من الكتابة الغامضة حقًا، مختلطة بالكلمات التي يساء استخدامها.. ومن الواضح أن الناشر-أو غيره – يعتقد أن هذا جزء من شخصية بوب ديلان!

 بشكل واضح..

 رشدي: أحب قول راندال جاريل “الرواية سرد ​​نثري طويل به شيء خاطئ “. وأعتقد أن هذا صحيح، إذا كنت ستكتب مئة وخمسين ألف أو ومئتي ألف كلمة، فإن الكمال محض خيال. إذا كنت شكسبير وستكتب ستة عشر سطرًا، يمكنك كتابة شيء مثالي. وأظن أنه إذا كتب شكسبير رواية، فستكون هناك عيوب؛ وإذا سُمح لي أن أقول؛ توجد عيوب في مسرحياته بالفعل، وتوجد أجزاء مملة. إذا كنت تقرأ من أجل حب القراءة، فأنت تبحث عما تمنحك إياه، وليس ما لا تمنحك إياه. إذا كان هناك ما يكفي، فمن السهل أن تغفر الخطأ.. يحدث هذا أيضًا في النقد الأدبي؛ يوجد نقاد يتعاملون من العمل على أساس ما يمكنهم الحصول عليه منه، وآخرون يتعاملون مع ما يمكن أن يجدوه فيه من أخطاء.. بصراحة، يمكنك أن تجد شيئًا خاطئًا في أي كتاب تلتقطه، ولا يهمني كم هو رائع. هناك إثارة رائعة في رواية جوليان بارنز ببغاء فلوبير، في الفصل المعنون “عينا إيما بوفاري”؛ إذ أشار في الكتاب أن لون عينيها يتغير أربع أو خمس مرات.

 في شاليمار المهرج، لماذا سميت الشخصية الرئيسية ماكس أوفلوس تيمنًا بمخرج الفيلم؟
رشدي: أنا فقط أحببت الاسم.. الشيء المثير للاهتمام حول الحدود الفرنسية الألمانية بالقرب من ستراسبورج هو الطريقة التي يتلاعب بها التاريخ باستمرار؛ فتصبح المدينة ألمانية أحيانًا، وفرنسيًا أحيانًا، وقد أردت أن يكون لماكس اسم فرنسي وألماني، لأنني أردت أن يكون تاريخ ستراسبورج موجودًا في الاسم.

 لكن لماذا لا تختلق اسما؟
رشدي: لا أعلم. الأسماء تلتصق.. وقد ظللت أفكر فيه على هذا النحو، وفي النهاية نسيت أمر مخرج الفيلم.

 هل يمكنك قراءة القصص في أثناء عملك على رواية؟
رشدي: ليس كثيرًا. على الأقل، ليس الكثير من الأدب المعاصر. قرأت قصصًا روائية أقل معاصرة والمزيد من الكلاسيكيات. يبدو أنها كانت تخايلني لسبب ما. عندما كتبت “غضب”، على سبيل المثال، قرأت بلزاك، ولا سيما “أوجيني جراندي” Eugénie Grandet،  إذا نظرت إلى افتتاحية أوجيني جراندي ستجد أنها تستخدم تقنية مثل عدسة الزووم السينمائي البطيء؛ الذي يبدأ بتركيز واسع جدًا؛ ها هي المدينة، وهذه هي مبانيها، هذا هو وضعها الاقتصادي، ثم تركز بشكل تدريجي على هذا الحي، وداخل الحي على هذا المنزل الكبير، وداخل هذا المنزل غرفة، وداخل هذه الغرفة امرأة جالسة على كرسي. وحين تتعرف على اسمها، تكون قد سُجنت بالفعل في وصفها ووضعها الاجتماعي ومجتمعها ومدينتها. عندما تبدأ قصتها في التكشف، ستدرك أنها تشتبك مع كل هذه الأشياء. إنها مثل طائر حبيس في ذاك القفص. أعتقد أن هذه تقنية جيدة. 

هل تذهب إلى السينما كثيرًا؟
رشدي: كثيرًا جدًا، نعم. جزء كبير من تفكيري حول الكتابة قد شكله شاب قضى وقتًا في مشاهدة الانفجار الاستثنائي للسينما العالمية في الستينيات والسبعينيات.. وأعتقد أنني تعلمت الكثير من بونويل وبرجمان وجودار وفيلليني، كما تعلمت من الكتب.. من الصعب الآن شرح ما تشعر به عندما يكون فيلم الأسبوع الجديد هو فيلم فيلليني 8 1/2، ويكون الأسبوع التالي هو فيلم جودار الجديد، والأسبوع التالي هو فيلم برجمان الجديد، ثم فيلم ساتيجيت راي الجديد، ثم كوروساوا! كان صانعو الأفلام هؤلاء يبنون بوعي أعمالاً متماسكة، ويستكشفون الموضوعات حتى تستنفد.. كان هناك مشروع فني جاد قيد التنفيذ. الآن، سواء كانت أفلامًا أو كتبًا، فقد أصبحنا ثقافة أكثر كسلاً. يتم شراء صانعي الأفلام بهذه الطريقة؛ تصنع فيلمًا مثيرًا وتقبض أجرك. لقد ولت فكرة بناء مجموعة عمل ذات تماسك فكري وفني. لا أحد مهتم حقًّا.
ماذا تعلمت من مشاهدة هذه الأفلام؟
رشدي: بعض الأشياء التقنية، على سبيل المثال، من الموجة الجديدة حرية التقنية وتحرير اللغة. الشكل الكلاسيكي اعتمد لمونتاج الفيلم لقطة طويلة، لقطة متوسطة، لقطة قريبة، لقطة متوسطة، لقطة طويلة، لقطة متوسطة، لقطة مقربة، لقطة متوسطة، لقطة طويلة، مثل نوع من الرقص. في خطوتين، خطوتان لليمين، ثم خطوتين، ثم خطوتين. يمكن أن تكون مملة جدًا.. إذا نظرت إلى أفلام الخمسينيات التي قُصت بهذه الطريقة، فهي نوعًا ما مثل التحرير بالأرقام. لذا فإن استخدام جودار الكثيف للقطع المفاجئ يجعلك تقفز، كالانتقال من المشهد الواسع، فجأة، إلى وجه بولموندو أو آنا كارينا.. أحد الأسباب، في أفلام جودار أن الشخصية أحيانًا تخاطب الكاميرا مباشرة..

 لأنه لم يكن لديهم المال لتصوير المشهد كاملاً..
رشدي: هذا صحيح. لكنني أحببت فكرة كسر الإطار، حقيقة أن العديد من هذه الأفلام كانت مضحكة وجادة في نفس الوقت. في Alphaville، وهو فيلم كئيب للغاية، هناك هذا المشهد الرائع حيث يصل ليمي كوشن، إلى الفندق حيث يكتشف أن جميع الأبطال الخارقين قد ماتوا: وباتمان؟ مات.. وسوبرمان؟ مات.. وفلاش جوردون؟ مات”. هذا مضحك جدًا. كما أحب استخدام بونويل Buñuel للسوريالية التي لا تمنع الأفلام من الشعور بالواقعية. في فيلم “سحر البرجوازية الخفي” The Secret Charm of the Bourgeoisie، يجلس الناس حول طاولة على مقاعد المرحاض لكنهم يذهبون بهدوء إلى غرفة صغيرة لتناول الطعام. وأنا أحب كلا من بيرجمان؛ بيرجمان الصوفي وبيرجمان النفسي.. ويأخذنا كوروساوا إلى ثقافة منغلقة تمامًا؛ عالم الساموراي. لا أفكر كما كان يفكر الساموراي، ومع ذلك يجب أن تحب توشيرو ميفوني وهو يقتل نفسه، وتصبح على الفور إلى جانبه. إنه أحد الأشياء التي تريد أن يحققها العمل الفني، أن يأخذك إلى عالم لم تعشه، وأن يجعله جزءًا من عالمك. تلك الفترة العظيمة من صناعة الأفلام لديها الكثير لتعلمه للروائيين. ولطالما اعتقدت أنني تلقيت تعليمي في السينما.
هل كنت تتلقى هذا بوعي وتطبقه؟
رشدي: لا، لقد أحببت الذهاب إلى السينما. كنت أقضي وقتًا أفضل في السينما أكثر منه في المكتبة. في الوقت الحاضر، أجد أن الأشخاص الذين يحبون كتبي يميلون إلى القول إنها مرئية للغاية، بينما يميل الأشخاص الذين لا يحبون كتبي إلى القول إنها مرئية للغاية. إذا كنت كاتبًا، فالناس يحبونك بالضبط بسبب الأشياء التي لا يحبك الآخرون بسببها. نقاط قوتك هي نقاط ضعفك. أحيانًا يتم تقديم نفس الجمل كأمثلة على مدى سوء الكتابة ومدى جودة الكتابة. يقول الأشخاص الذين يحبون كتاباتي إنهم يحبون الشخصيات النسائية. يقول الأشخاص الذين لا يحبون كتبي، حسنًا، بالطبع، لا يمكنه الكتابة عن النساء.
كنت تتحدث عن الكيفية التي كان جيلك من الكتاب البريطانيين مليئًا بالموهبة. كيف هو الحال بالنسبة لك هنا في نيويورك؟
رشدي: يوجد في أمريكا جيل شاب لديه طموح حقيقي. ولكن كانت هناك لحظة فقد فيها الأدب الأمريكي روح المغامرة بعض الشيء؛ كان ريموند كارفر كاتبًا طموحًا للغاية، وكانت كتبه متفردة بشكل لا يصدق لأنها تجاوزت حدود كيفية قول الأشياء، وكيفية طرح الأشياء، لكنني أعتقد أن الكثيرين من مدرسة كارفر أصبحوا يتخذون الأمر ذريعة لقول أشياء تافهة بأساليب تافهة.. كما لو كان هذا هو كل ما عليك فعله أن تجعل شخصين يجلسان عبر الطاولة مع زجاجة ويسكي يتحدثان مع بعضهما البعض في الكليشيهات. الآن أعتقد أن هناك، مرة أخرى، محاولات للقيام بأشياء مذهلة، بعضها ينجح والبعض الآخر لا، لكني أحب أن أرى تلك الروح مرة أخرى. الغريب، أننا في إنجلترا في السبعينيات والثمانينيات، قاومنا تسمية الجيل، ولم نكن نعرف بعضنا بعضًا، ولم نر أن لدينا مشروعًا. لم نكن مثل السورياليين الذين لديهم بيان، ولم نناقش كتاباتنا مع بعضنا بعضًا، وكنت أواجه صعوبة كبرى في العثور على طريقي؛ لم أكن أريد عشرة آراء أخرى، اعتقدت أنني يجب أن أجد طريقتي الخاصة.

 هل تكتب الرسائل؟
رشدي: أنا معروف أني كاتب رسائل سيئ.. وهذه أكبر شكوى من زوجتي. هل يمكنني كتابة بعض الرسائل لها من فضلك. ما فائدة الزواج من كاتب إذا لم يكن لديك أي رسائل حب؟ لذا، لا بد لي من القيام بذلك. لكن، لا، ليس لدي مراسلات أدبية رائعة. على الرغم من ذلك، لدي بعض الأشياء. في عام 1984، في المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى أستراليا، بدأت في قراءة باتريك وايت، وسافرت قليلاً مع بروس شاتوين في بعض الرحلات التي أوصلتني إلى سونج لاين وقد صدمتني الصحراء الأسترالية. ثم قرأت كتاب وايت “فوس” وفُتنت به حقًا. كانت واحدة من المرات القليلة في حياتي التي كتبت فيها رسالة معجبين. ورد عليَّ وايت: عزيزي السيد رشدي، فوس هي رواية أصبحت أكرهها.. يمكنني أن أرسل لك بعض كتبي التي لا زلت أشعر ببعض الشعور اللطيف تجاهها، لكن المرء لا يرغب في أن يثقل كاهل الناس بالكتب التي قد لا يرغبون في قراءتها!
اللعنة عليك، لقد كتبت هذه الرسالة الدافئة حقًا لأستعيد هذا الشعور القديم المتهور. وعندما ذهبت إلى أستراليا مرة أخرى، لم أحاول الاتصال به مطلقًا. ثم مات، وكتب إليَّ كاتب سيرته الذاتية ديفيد مار. لقد تخلص وايت من كل شيء، لكن في الدرج العلوي من مكتبه كانت هناك مجموعة صغيرة جدًا من الرسائل، معظمها من مدير مصرفه، وثلاثة أو أربعة خطابات غير تجارية، منها رسالتي إليه. وفكرت، إلى أي مدى يمكن أن تكون غبيًا؟ لقد أسأت فهم رسالته تمامًا، لقد فهمت استنكاره لذاته على أنه غضب.

 كيف تقرر متى تعرض روايتك على أحد؟
رشدي: الإحراج اختبار جيد. عندما تشعر أنك لن تشعر بالحرج من قراءة الأشخاص لما هو موجود على الصفحة، يمكنك السماح للأشخاص بقراءتها. لكن مع شاليمار فعلت شيئًا لم أفعله من قبل: عرضته على عدد قليل من الناس – وكيلي وزوجتي وصديقتي الكاتبة بولين ميلفيل. كما عرضته على محرري، دان فرانكلين في كيب ودان ميناكر هنا في راندوم هاوس. أريتهم أول مائة وخمسين صفحة، ثم أريتهم مجددًا نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة. لا أعرف لماذا فعلت ذلك. لقد فكرت فقط، أنني لم أفعل هذا قط، لذلك سأفعله. أنا أصل إلى النقطة حيث أعتقد أنني لست مضطرًا إلى فعل الأشياء لمجرد أنني كنت أفعلها دائمًا. أحببت أنني تمكنت من مرافقة الناس لرحلة الكتابة ورؤية حماستهم. سواء كان ذلك يعني أنني بحاجة إلى مزيد من الطمأنينة، أو ما إذا كان ذلك يعني أنني كنت أكثر ثقة، لا أعرف حقًا. أعتقد أنهما كلاهما في وقت واحد.

 إلى أي مدى يتدخل المحررون في عملك؟
رشدي: أفضل ما أتذكره هما قطعتين قيّمتين حقًا من عمل التحرير قامت به ليز كالدر في رواية “أطفال منتصف الليل”، أحدهما في نهاية ما أصبح الآن الجزء الثاني وبداية الجزء الثالث؛ عندما كان هناك قفزة زمنية لمدة ست سنوات تقريبًا من نهاية الحرب الهندية الباكستانية عام 1965 إلى لحظة حرب بنجلاديش في عام 1971. ما كان في الأصل قفزة إلى الأمام؛ إلى نهاية حرب بنجلاديش، ثم عودة مرة أخرى إلى البداية، ثم المضي قدمًا مرة أخرى. إذن، كانت هناك سبع سنوات إلى الأمام، وعام واحد إلى الوراء، ثم إلى الأمام مرة أخرى، وكان هذا التسلل في الجدول الزمني هو اللحظة الوحيدة في الكتاب حين قالت ليز إن انتباهها قد انقطع. وكان ذلك ذا قيمة كبيرة. لا تزال هناك قفزة مدتها ست سنوات، لكنني عدت واستعدت التسلسل الزمني، وأزلت تلك الأربعين أو الخمسين صفحة. 
والمرة الأخرى، عندما كانت هناك شخصية ثانية من الجمهور في الرواية. في الكتاب كما تعرفه، يروي سليم قصته لبادما. صانعة المخلل في النسخة السابقة كان يكتب القصة ويرسلها إلى صحفية بقيت خارج الكواليس. لذلك كان السرد الشفوي للمرأة في مصنع المخلل، ثم تم إرسال النسخة المكتوبة إلى هذا الرقم الآخر. وقد اتفق كل من ليز وواحد أو اثنان آخران من القراء الأوائل على أن هذا عنصر زائد تمامًا في الكتاب. قالوا: لديك شخصية جيدة جالسًا في الغرفة معه، ولديه علاقة فعلية به، ولست بحاجة إلى هذا الرقم المجرد الثاني للصحفي الذي يريد إرسال كتاباته إليه. اعتقدت في البداية أنهم كانوا مخطئين، ثم اقتنعت بإزالة تلك الشخصية. وقد سقطت الشخصية من الكتاب بسهولة، أتذكر أن الأمر استغرق نحو يومين، وهذا جعلني أرى بوضوح شديد أن الشخصية التي يمكن إزالتها ببساطة لم تدمج بشكل صحيح في القصة من البداية. لقد أنقذوني حقًا من خطأ فادح. الآن إذا نظرت إلى تلك المادة التي أزيلت أجدها مروعة فعلاً.
كان الكتاب الآخر الذي أعتقد أنه كان هناك تحرير بنّاء حقًا هو كتابي في نيكاراجوا “ابتسامة جوجار” The Jaguar Smile. كانت ريبورتاج، وعدت من نيكاراجوا في عام 1986، وكتبتها في غضون بضعة أشهر. وهي رواية قصيرة إلى حد ما، لكن النسخة الأصلية كانت أقصر قليلاً. وبسبب السرعة التي وضعت بها الرواية، قال سوني ميهتا – الذي كان، في ذلك الوقت، محرر بيكادور Picador في إنجلترا، إن لديه بعض المخاوف بشأن النص، وقد حرر الكتاب بشكل أو بآخر، وطلب مزيدًا من المعلومات، لم يكن الحذف، ودائمًا ما كان يريد المزيد. قال، أنت تفترض قدرًا كبيرًا من المعرفة، أحتاج إلى معرفة من هم هؤلاء الأشخاص، وما هي هذه اللحظة، والخلفية، وما إلى ذلك. لقد جعلني أتجسد في الكتاب أكثر فأكثر، وكان ذلك ذا قيمة.
بالإضافة إلى “ابتسامة جوجار”، كنت قد كتبت أوطانًا متخيلة، وخطوات تعبر هذا الخط، وغير ذلك من الكتب غير الروائية. هل هناك كتاب غير روائي آخر قريبًا؟
رشدي: ليس بعد. في هذه اللحظة أشعر، كيف أصوغها؟، أشعر أن حياتي أصبحت غير خيالية إلى حد كبير. بطريقة ما، هناك الكثير من المواد الواقعية التي تحيط بي، وأشعر بالحاجة إلى الخروج من تحت أنقاض الحقيقة والعودة إلى مجال الكتابة الخيالية. أشعر بأنني مليء بالقصص، وحتى أشعر بأنني نفضت الغبار واستعدت نفسي؛ ربما لم يتم ترميمي، ولكن استكشفت الكثير، يجب أن أروي هذه القصص، وهي قصص مخترعة، لا أريد حقًا العودة للواقع.
أحد الأشياء التي علمتني إياها كتابة “شاليمار المهرج” أنه لا يهم مقدار البحث الذي تقوم به. لقد أجريت بحثًا عن هذا الكتاب أكثر بكثير مما فعلت في أي وقت مضى من أجل رواية، لكنني علمت أن البحث سيساعدك فقط في النهاية، ولجعل الشيء ينجح، ينبغي أن تكون هناك قفزة خيالية جادة. يجب أن تكون قادرًا على الدخول تحت جلد الناس، والشعور بهم وفهم عمليات تفكيرهم ومعرفة ما يريدون فعله بالقصة. لذا، حتى كتابة هذا الكتاب الذي تم بحثه بشكل مكثف عزز اعتقادي بأن ما أنا مهتم به حقًا هو تلك القفزة الخيالية. في الوقت الحالي، كنت أقوم بكتابة هذا العمود في صحيفة نيويورك تايمز مرة واحدة في الشهر، ولدي عقد لهذا العام، ولكن لدي شعور قوي بأنني قد أترك الأمر عند هذا الحد لفترة من الوقت، لأنني أفضل كتابة القصص القصيرة. لذلك لدي دافع خيالي قوي للغاية في الوقت الحالي.

 هل هذه حقيقة؟
رشدي: تمامًا.. يمكن أن أكون كاذبًا بشأن ذلك.. لا تثق أبدًا في كاتب عندما يتحدث عن مستقبل كتاباته.

 حسنًا، ماذا سيكون كتابك القادم؟
رشدي: الكتاب التالي الذي أعتقد أنني سأكتبه هو رواية تتخيل العلاقة المبكرة بين إيطاليا في عصر النهضة وإمبراطورية المغول المبكرة. في الأصل كنت قد خططت لتسميتها “عرافة فلورنسا”. حاليًا، ابني الصغير، ابني الثاني، متحمس من أجل كتاب للأطفال، فهو يحب هارون وبحر الحكايات، لكنه يعلم أنه كتب لأخيه. إذا كان لدي حقًا فترة طويلة من البحث الجاد للقيام به، فقد يكون من الجيد كتابة كتاب للأطفال في أثناء قيامي بذلك. ربما يمكنني أن أقوم بقراءة صغيرة وأن أكتب حكاية خرافية لبضع ساعات في اليوم.
ثم هناك “Parallelville”، وهي فكرة مستقبلية من الخيال العلمي والأفلام السوداء، وهو خليط من فيلم Blade Runner وفيلم Touch of Evil، وأفكر أيضًا في تأليف كتاب بعنوان “Careless Masters” كعنوان مبدئي.. وأتخيلها رواية إنجليزية كبيرة تبدأ كقصة عن مدرسة داخلية ثم تأخذ تلك الشخصيات إلى مرحلة البلوغ، مما يجعلها رواية عن حالة إنجلترا بالكامل. أكثر ما كتبته عن إنجلترا موسعًا هو “آيات شيطانية”، والتي لم يفكر فيها أحد على أنها رواية عن إنجلترا، ولكنها في الواقع، في جزء كبير منها، رواية عن لندن. إنها تدور حول حياة المهاجرين في عهد لندن تاتشر.

 هل تتوتر إذا لم تكتب كل يوم؟

رشدي: أشعر بتحسن كبير عندما أعرف وجهتي. من ناحية أخرى، فإن بعض اللحظات الأكثر إبداعًا بالنسبة لي هي الفترات البينية بين الكتب، عندما لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، وأن حركة رأسي حرة.. ثم تأتي الأشياء إليَّ بشكل غير متوقع، ويمكن أن تتحول شخصية أو فقرة أو مجرد تصور إلى قصص، أو رواية. أعمل بجد عندما لا أكتب كتابًا مثلما هو الأمر حين أكتب كتابًا. أجلس هناك وأدع الأشياء تحدث، غالبًا ما ألقي في اليوم التالي ما كتبته في اليوم السابق. لكن الإبداع الخالص هو مجرد رؤية ما سيظهر، وبمجرد ظهور شيء ما، يصبح أكثر تركيزًا، وأكثر إمتاعًا. لكن هذا الوقت الفاصل هو عندما تحدث أشياء غير متوقعة، أشياء ربما اعتقدت سابقًا أنها خارج قدرتي على التخيل، وفجأة يصبح من الممكن تخيلها، وهذا هو المكان الذي أنا فيه الآن!