صلاح جاهين: أسد يرقص باليه

رسائل إلى أمه

وائل عبد الفتاح

أحيانًا أعتبر كل ما كتبته مُسوَّدة لكتابة مؤجلة، ومنها هذه الكتابة عن صلاح جاهين. لا أعرف على وجه الدقة لماذا اخترت وصف “المتمرد” لأضعه في العنوان على غلاف “أخبار الأدب”.
هل كان تحديًا لصورته التي حيرت الكثيرين عندما كان عمودًا راسخًا في مثلث “العندليبية” الناصرية، مع عبد الحليم حافظ وكمال الطويل؟ أم أنه بعض أصداء حيرة داخلية عن فكرة التمرد بعد أن كنت وقتها في قلب مرحلة من التمرد على أحلام العائلة، واختيار طريق سرتُ فيه منفردًا ضد كل القوانين الجاذبية الاجتماعية؟
عندما نشرتُ رسائل صلاح جاهين إلى أمه في السنة الأخيرة من الألفية الثانية؛ كنت قد أصبحت أبًا وزوجًا بكامل أوصاف “الرجل ذي المسؤوليات المحدودة”؛ وهي ضمان الاستقرار في منظومة الأمان التي تشفط غالبًا كل طاقات التمرد. لكنني كنت محظوظًا، فلم يذهب كل القلق تحت رماد الأمان، وبقي من التمرد سؤال في الوعي، لا مجرد طاقة تستنفذ مع تقدم العمر. كما أن دخولي في تجربة “السلطة الأبوية” تجاوز مجال غريزة مراهق في “قتل الأب” إلى تتبع ألعابنا مع التناقضات الأليفة والغامضة.
كنت أبحث عند صلاح جاهين في فن إدارة التناقض بين التمرد على الأب البيولوجي، والوقوع في غرام الأب السياسي، والغناء له، وهو فن جعل صلاح جاهين في منطقة خاصة به وحده، وفشلت معها كل محاولات استنساخه في العصور التالية.
ربما لأن صلاح جاهين، بكل ما فيه، جاء في موعده مع الزمن، حيث الستينيات الاستثنائية، والرغبة العالمية في التغيير، والرغبة العمومية في إعادة بناء العالم؛ وكسر منظومات القيم والأخلاق والذوق؛ كل شيء كان يتغير، الدول الخارجة من الاستعمار تطلب الصعود والتقدم والندية مع مستعمريها القدامى، الشباب يرفضون حكم العواجيز الذين قادوهم لمأساة الحرب العالمية الثانية؛ كانت طاقة تكسر كل تقليدي وتسرع تجاه جنون رومانتيكي؛ من موسيقى ورسم وشعر إلى علاقات الحب وخيالات التقدم السياسي الرومانتيكي التي كانت تحاول أن تحكم العالم كله.. وأبطالها مثل جيفارا يتجاوزون الحدود والجغرافيا، وقد صلتنا هنا في مصر نسخة من تلك الرومانتيكية، لكنها كانت مصحوبة بتاتشات القومية وسيطرة الأب العسكري العادل، الذي يجمع بين القسوة والحنان، الواحد الذي يختصر الكل.. وهي “العندليبية” التي حكمت تلك المرحلة المعقدة في حياتنا، وفيها صعد المتمرد على عائلته صلاح جاهين ليغني اللحن الحنون.. تاركًا القسوة لرباعيات الشعر ..تفلسف آهاته، فيما يراعي “ظروف المرحلة”..
هذه العندليبية، أو فرض الانسجام الرومانتيكي بقوة أحلام أب الدولة، مرحلة في حياة الشعوب لا يمكن استنساخها،  وقد بقي عبد الحليم عندليب الناصرية، وبقيت أغانيه صالحة للاستخدام، بينما اختفى على سبيل المثال محمد ثروت؛ عندليب مرحلة مبارك بأغانيه الفاترة ورومانتيكيته الباهتة.
“العندليبية” في زهوتها ربما تبقي في مخزن العواطف/تكتشفها في لحظات كأنها سر قديم لا تطلع عليه أحدًا، أو اعترافات تكتشف أنه لا يمكن اختصار التجارب والوعي، أو اختزالها، أو إلغاء مرحلة بعد عبورها.. لأن التراكم يتيح تسرب الرومانتيكا القديمة رغم تجاوزها، وهذا طبعًا غير بقاء العندليبية خارج سياقها/زمنها لتعيد إنتاج عندليب جديد دون زمانه.
فشلت كل محاولات استنساخ صلاح جاهين، الذي ظل يلعب في الثقوب التي صنعها بين الخفة والثقل.. المرح والاكتئاب.. لينحت نفسه بعد كل التجارب، ويصبح المتمرد حكيمًا

غلاف أخبار الأدب، البستان، صلاح جاهين يراسل أمه، تصميم: إسلام الشيخ

مراسلة بالحمام الزاجل

أشعر بالملل دائمًا، أو بمعنى أدق لا أتحمل الأشكال الضيقة والأنماط والقواعد؛ وفي هذا ميزة وعيب.. أستمتع، وأتعذب بهما راضيًا. ولهذا عندما طلب الأستاذ جمال الغيطاني خطة لتطوير أخبار الأدب، وكنت في مرحلة بين الضيف الجديد والمقيم، اقترحت تصورًا؛ وكان أهم وأخطر جزء فيه هو “البستان”؛ وهي الصفحات التي تتوسط الجورنال، ويعتبرها جمال الغيطاني حديقته التي ينشر فيها نصوصًا من التراث.. كان اقتراحي تطويرها بالكامل لتكون موضعًا دائمًا للكتابة التي لا يمكن تصنيفها.. ويكون حجمها متغيرًا (أربع صفحات ومضاعفاتها).
كان بقية زملائي الأكثر خبرة مني في المؤسسة، وفي الأستاذ جمال الغيطاني، شبه متأكدين أنه سيرفض الاستغناء عن حديقته.. لكنني كنت على عكسهم تمامًا؛ وخرجت صفحات البستان بتعريفها الجديد “صور وأطياف من الثقافة الحرة”. وكان البستان الأول عن رسائل صلاح جاهين لأمه، وتتالت البساتين عن جيفارا ونهر النيل (كتابة صنع الله إبراهيم) ومارلين مونرو، وغيرها..
هذه تحية لجمال الغيطاني الذي طلب بعد فترة أن تكون مختاراته التراثية مرة في الشهر.. وتحية لصلاح جاهين الذي صاحبني في كسر مللي. وتمنياتي بدمار شامل لكل ما يميتنا ونحن أحياء.

رسائل صلاح جاهين لأمه

بستان رسائل صلاح جاهين لأمه؛ الصفحة الأولى

سأله المذيع الشهير طاهر أبو زيد “عملت كل حاجة.. لكن نفسك تعمل إيه لسه؟!” أجابه صلاح جاهين بسرعة لافتة “نفسي أرقص باليه!”.
 ارتفعت ضحكات الجميع في الاستوديو إلا صلاح جاهين! لم يكن صلاح جاهين يطلق دعابة من وجهة نظره لكنه ربما يتحدث عن شعور داخلي بخفة الروح يدفعه إلى الطيران. وهو بالفعل كان يحاول التحرر من وزنه الضخم والتعامل مع العالم بإحساس فراشة! وهذه ليست مفارقة أدبية كما أن وصف إحسان عبد القدوس له بالأسد ليس نوعًا من المحاكاة الساخرة، إحسان كتب بمناسبة عيد ميلاد “صباح الخير” (14 يناير 1960): “كلنا في صباح الخير وحوش.. أو على الأقل في صدر كل منا وحش اسمه الفن”.
وصلاح جاهين بين الوحوش هو أسد صباح الخير.. “وهو أسد تنتابه حالات نفسية عجيبة.. فيوأوأ.. واء.. واء.. ويجلس على الأرض ويرفس بقدميه ويشوح بيديه: أنا مالي هيه..
– عيب يا أسد ما يصحش
– موش عاجبكم طيب!
ويزأر الأسد ويستمر في الزئير.. وبعد ذلك ربنا يستر!”.
أسد يرقص باليه! صورة مثيرة لكنها ليست صلاح جاهين بالضبط هي الجانب المتمرد الذي تعود على تكسير القواعد المنطقية وتحطيم الصور الجاهزة عنه. يمكنه أن يجلس على كرسي فخم وبكل اتزان أب محنك يغرقك بخبرته في الحياة ويلقي عليك خطب عصماء من نصائحه الذهبية، وقبل أن ينتهي بقليل يمكن أن يرقص معك أو يجعلك تقوده إلى مغامرة تدمر فيها كل ما قاله!
في حوار مع “المصور” (11 مايو 1984) يتحدث صلاح جاهين عن علاقته بأولاده: “أنا أقولك الحاجات السلبية؛ لأن الفنان يخلق الشيء يحس أن أولاده مخلوقاته وأنهم لازم يكونوا زي ما هو عايز.. بهاء ابني هرب راح أمريكا وجايز كان بيفكر بعقله ويقول أحسن أسيب له البلد وأطفش.. راح يدرس الإخراج السينمائي، لكن بفضل التقدم العلمي أتصل به تليفونيًّا ولا أتركه لحاله بل اسأله عن أحواله وأعطيه تعليماتي أن ياخد باله من نفسه، وأكاد أسمعه يقول في سره هو أنت ورايا ورايا ما تخل عن أبداني.. كذلك أمينة ابنتي زوجة ابن الفنان فؤاد حداد تنتظر مولودها الأول، رغم أني طول الوقت أقول لها لا تنسى حبوب منع الحمل، كنت أتمنى أن تعمل، تسافر مع زوجها إلى بلد عربي وتعود بعد أن تكون نفسها اقتصاديًّا وتغير سيارتها القديمة الصغيرة بواحدة جديد، تفرش شقتها وتلتحق بعمل مناسب لكن هذا تدخل مني في حياتها وطبعا لا بهاء ولا أمينة يريدان أن يكونا من مخلوقاتي”.
تذكِّره الصحفية “من شابه أباه فما ظلم.. وأنت أيضًا يا صلاح رفضت أن تكون من مخلوقات والدك”. يضحك صلاح ويقول لها: “ما هي دي السفالة، أنا رفضت أكون من مخلوقات أبويا، وعايزهم يكونوا من مخلوقاتي.. الحقيقة أنا صاحبهم جدًا لكن مش بدرجة أن أركب على نفسهم”.

بستان رسائل صلاح جاهين لأمه؛ الصفحة الثانية

من هنا يمكن أن أبدأ حكاية الصور والرسائل التي ننشرها في “أخبار الأدب” والتي يجمعها خيط دقيق هو الحد الفاصل بين الفتى الوسيم الذي تنتظر أسرته أن يصعد بها خطوة في السلم الاجتماعي وبين الفنان الذي حفرت صراعاته من أجل أقصى حرية يلمسها بيديه ملامح وجهه وجسده الخارقة للعادة والصادمة للمقاييس الأليفة!
ننشر الصور والرسائل لنتأمل المسافة التي قطعها فتى كان يمكن أن يكون “دون جوان” في السينما، أو مديرًا ناجحًا في شركة محترمة، أو حتى قاضيًّا لامعًا كما كان يريد أباه أن يستكمل -مثل كل الآباء- مشواره ليصبح تلك الكتلة البشرية الصاخبة التي تجمع الحنان والعصبية والجنون والحكمة والفن والحياة والغرور وكراهية النفس والثورية و”الدندشة” والمرح والاكتئاب في مساحة واحدة تكاد تنفجر بتناقضاتها اللذيذة.
هو هنا أيضًا أب يحمل ابنه على ظهره ويضم عائلته جميعًا أمام كاميرا المصور الجوال ليسجل ذكرى “المصيف” مثل أي عائلة من الطبقة الوسطى ترتب نفسها في صورة تشير إلى ميزة لم تحققها إلا بعد الثورة واقتنصت منها حقًّا كان مقصورًا على أرستقراطية القصور القديمة.
هو صلاح جاهين الثائر على انتهازية الطبقة الوسطى والهارب من سجونها الذهبية، والمتمرد على أحلامها الضيقة رفض حلم أبيه بأن يكون مثله؛ مستشارًا (رئيس محكمة) وشهدت سنوات الرجولة الأولى في حياة صلاح جاهين صراعات مؤلمة ترك فيها المتمرد بيت العائلة أكثر من مرة بعد قرارات من الأب تمنعه مرة من الاستمرار في التمثيل وتلقي في مرات أخرى بألوانه وفرشاته وأقلامه من النافذة..
إحدى رحلات هروبه كانت في غزة، حيث ذهب يبحث عن عمل هناك يساعده على الاستقلال لم يجده هناك وظل في ضيافة أقاربه حتى عاد مرة أخرى ليبدأ رحلة بحث أخرى، ليجد عملاً بالفعل كمستشار فني في مطبعة بالسعودية، هذا بعد فترة خبرة تعلم فيها الكثير من العمل في مجال الإعلانات بدأها عام 1950، إذ كان يرسم ويكتب أبيات زجل لكي تغنى في الإعلان، إحدى هذه الأغنيات لحنها الملحن الشهير أحمد صدقي.
كانت هذه حياة صلاح جاهين سلسلة من الاختبارات الصعبة بداية من اسمه الذي اختاره من بين الاسم الكامل الذي التقطه في إهداء جده الصحفي أحمد حلمي على مصحف أنيق “تشرف بحيازته الغلام محمد صلاح الدين بن بهجت حلمي بن أحمد حلمي بن حسين المهدي بن الحاج عامر المهدي بن السيد الشريف صقر بن جاهين بن المهدي بن محمد المهدي من أهالي مصر المحروسة. وقد ولد محمد صلاح الدين المذكور في منزل جده أحمد، رقم 12 شارع جميل باشا بشبرا مصر، الساعة السادسة مساء يوم الخميس الموافق 5 من شهر شعبان 1349 هجرية، 25 ديسمبر 1930 ميلادية. 19 كيهك 1674 قبطية أنبته الله نباتًا حسنًا وجعله من الصالحين المصلحين” 28 نوفمبر 1934 كتبه الفقير لله أحمد حلمي.
كان خطرًا يقلب الأوضاع المستقرة، ويربك كل من حوله حتى أشد محبيه بمفاجآت مثيرة، وعندما كتب عنه فتحي غانم في “آخر ساعة” (1955): “هذا الشاعر الصغير في السن لا يزال مجهولاً، لم يقرأ له أحد بيتًا واحدًا من الشعر، ولكنه نشر أخيرًا منذ أيام قليلة لنقرأها ولتترجم إلى العالم أجمع اسمه صلاح جاهين”، قال له محمد حسنين هيكل رئيس تحرير “آخر ساعة” وقتها وبلهجة ساخرة وعيناه ترقبان بمكر، حسب رواية فتحي غانم:
-لماذا تكتب عن شيوعي على صفحات آخر ساعة؟

قال له فتحي غانم:
– من قال له هذا؟

قال باسمًا:
– جمال عبد الناصر!

تمر الأيام ويصبح هذا “الشيوعي” هو مغني (الثورة) والغلاف الحافظ لروحها من تشوهات (الدولة) بل إنه عندما يطلب من هيكل أن يبلغ عبد الناصر أن يهديه صورة له بتوقيعه يشترط الرئيس أن يهديه نسخة موقعة من “الرباعيات”!
“الرباعيات” التي كتبها في دوامة ارتباكه بعد اعتقال الشيوعيين في 1959، وهي الصدمة التي جعلته ينفجر بأسئلة وجودية تحتج على فجاجة التناقض بين الأحلام والواقع وعلى سوء الفهم الذي جعل من أصدقاء له من الشيوعيين يُتهمون بأنهم ضد الوطنية وها هو رئيس الدولة وزعيم “الثورة”( حركة الضباط في ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢) يطلب الاحتفاظ بقنبلة (المتمرد الدائم) بين كتبه!
(المتمرد) الذي يرفع في الصورة حذائه المقطوع محتجًا وساخرًا من الأناقة الزائفة وحين يصرخ أبوه في وجهه “لا بد أن تكون محترمًا أنت ابن المستشار بهجت حلمي”، يرد بثقة غريبة على عمره “غدا سيشير إليك الناس في الشارع ويقولون هذا هو أبو صلاح جاهين”!

بستان رسائل صلاح جاهين لأمه، الصفحة الثالثة

كان أقرب في أحلامه إلى جده الذي يحتفظ بصورة موقعة من مصطفى كامل؛ الأسطورة التي ظل صلاح جاهين يسمع حكاياتها في بيت الطفولة الأول ومعها تعلق بالحزب الوطني القديم وصحيفته “اللواء” التي كان جده كاتبًا مشهورًا بها، حكايات أقرب إلى الحواديت التي لا تغادر الذاكرة والوجدان أبدًا، كبرت معه وفي أغانيه للثورة كان طفلاً كبيرًا يعيد صياغة الحوادث القديمة، ورومانسيًّا يرسم صور أول حب على أغلفة رسائله الجديدة إلى حبيبة لا تعيش إلا في خياله.
إنه الخيال الذي تربى على يد أمه؛ التي تركت عملها كمدرسة وتفرغت لكي يكون تلميذها الوحيد علمته أحرف الهجاء ورسمت صور أبطال أسطوريين عاشوا معه في كل مراحل حياته، سمع معها سيد درويش في أسطوانات قريبها الذي كان صديقا للشيخ مغني ثورة 1919.
ظلت أم صلاح جاهين ؛ حتى رحل صديقة من نوع خاص لابن مشاغب يحمل في قلبه كل هموم العالم لكنه يضحك على العالم بضحكة كبيرة من نفس القلب المتعب!
وفي الرسائل التالية يمكن أن نلمس تلك العلاقة الخاصة بين صلاح وأمه التي تصوغها لغة بسيطة شفافة، لا تحتاج إلى زخارف فخمة أو جمل كليشيهات مفتعلة، والرسائل كُتبت تقريبًا في وقت متقارب كانت ظروف عمل صلاح في فيلم “المتوحشة” تمنعه من زيارة أمه التي تقيم مع شقيقته في مصر الجديدة، كما أن التليفونات التي كانت في السبعينيات مصابة بسكتة دائمة كانت عائقًا إضافيًّا للمسافة التي دفعت صلاح إلى كتابة الرسائل وجعلت أمه تقترح عليه أن يتراسلا عبر الحمام الزاجل، وهو اقتراح طريف يعبر عن خفة روح حتى في العتاب وعن خيال لطيف ينافس أحلام الأطفال..

 

بستان رسائل صلاح جاهين لأمه، الصفحة الرابعة

 

الرسالة الأولى

حبيبتى ماما..

أقبلك ألف قبلة بل مليون قبلة وأدعو الله أن تكوني بصحة جيدة، كل سنة وأنتِ طيبة عشان عيدك ولو إنها جاءت متأخرة كتابة (رأفت قال لي إنه بلغك تحياتي يوم 21 كما طلبت منه).

أنا بخير ولو أني مشغول جدًا ومواعيد صحياني ملخبطة للغاية. أرجو تبليغ تحياتي وحبي لسامية ولبنى وميريت والجميع، وأن أتمكن قريبًا من المجيء إليك لأنك وحشاني جدًا.. وربنا ينفخ في صورة التليفون علشان أعرف أكلمك كل يوم. علمت من مصطفى أنه متوجه إلى مصر الجديدة فكتبت هذه الرسالة على عجل ليحملها إليك.
وأخيرًا أدعو الله أن يمتعك بالصحة وأن يحفظك لنا خيرًا وبركة وحكمة.. وإلى لقاء.                                                                     

صلاح

الرسالة الثانية 

حبيبتي ماما..

أقبلك وأقبل يديك الكريمتين وأدعو الله أن تكوني بخير ومتمتعة بالصحة أنت ووجدان والدكتور عبد الحميد والدكتور هشام والدكتور خالد والدكتورة أميمة.
أكتب لك بسرعة من حوش الاستوديو حيث نبني حارة في فيلم المتوحشة. وأنا أصل كل يوم الساعة 8 صباحًا مثل أجدع عامل وأظل حتى ينصرف العمال الساعة 6 مساء، ثم تصل سعاد ونظل إلى الساعة 10 في بروفات على الاستعراض الذي سيصور يوم السبت.
دعواتك الصالحات أن يوفقنا الله في هذا العمل، ويمنع التعطيل ويهدي الجميع ويكفينا شر ولاد الحرام. ويستحسن أن تدعو لنا وجدان أيضًا والدكتور عبد الحميد حتى تأتي النتيجة مضاعفة.. وإلى اللقاء. 

 صلاح

 

الرسالة الثالثة

أمي الحبيبة..

أقبل يديك ووجنتيك ألف قبلة. وأقدم إليك الاعتذار ألف مرة على عدم مجيئي لزيارتك. ولولا أني أعلم بقبولك لعذري قبل أن أبديه لحزنت كثيرًا جدًا. التليفونات مصيرها للتصليح. وإلى أن يأخد ربنا بيدها أرى أن نتكاتب كأننا في بلدين منفصلين. بدلاً من فكرة الحمام الزاجل التي أرى أنها مبالغ فيها. أخباري أننا سندخل الاستوديو يوم السبت القادم بالرغم من أن الأحد عيد الأقباط والمخرج ومساعده قبطيان ويليه شم النسيم وهو عطلة ثم عيد العمال، ولا أدري كيف سيتغلب الإنتاج على كل هذا، فإلى أن أنفض يدي من هذا الفيلم (الجملي) الذي لا يريد أن يستوي مع إننا نشتغل فيه أو نشتغل تحته منذ أكثر من عامين. سأحضر وأقضي معك بعض الوقت، وأيضًا ربما تأتي معي سعاد لأنها مشتاقة إلى رؤيتك من كثرة كلامي عنك التي ربما تكون قد جعلتها تحس بأنها تعرفك. صحتي لا بأس بها ولو أني أحس في بعض الأحيان بتوتر عصبي وبتطلع زرابيني ولكني لا ألبث أن أروق وأبقى ميت فل وخمستاشر. أرجو أن تكون صحتك قد تحسنت وأصبحت عادية مرة أخرى.
وأعتقد أنك لو مشيتي على نظام مثل جدي حسن لاستطعت أن تستمتعي بوقتك بعد أن أنهيت خدمتك الجليلة التي جعلت منا جميعًا أناسًا لا بأس بهم.. وآن لك أن تفعلي كل ما كان في نفسك وأنت مشغولة بنا.

تمنياتي لك بالهنا وراحة البال.

صلاح