ماذا كتبت روزا لوكسمبورج عن الإقتصاد المصري؟

هكذا نغرق في الديون

أحمد فاروق أحمد فاروق ترجمة

روزا لوكسمبورج

روزا لوكسمبورج

عاشت روزا لوكسمبورج حياة قصيرة؛ ولدت في بولندا- التي كانت تقع تحت سيطرة روسيا القيصرية آنذاك- في 5 مارس 1871، وقتلت في برلين يوم 15 يناير 1919 بكعب بندقية جندي ألماني ..ينتمي لجماعة عسكرية يمينية متطرفة، وألقيت جثتها في نهر لاندفير.. في أقل من خمسين عامًا حققت المناضلة والمنظرة وعالمة الاجتماع والكاتبة والفيلسوفة- كما يطلق عليها البعض- الكثير من العمل، وهو ما كان مبدأها الأساسي “في البدء كان الفعل”.. كتبت، وخطبت في الجماهير، وسجنت دفاعًا عن مواقفها..
في أول شبابها انضمت إلى الحزب الماركسي البروليتاري؛ أحد الأحزاب الثورية التي دعمت العمال على المطالبة بحقوقهم، واستخدام حقهم في الإضراب، وهو الحق الذي طالما دافعت عنه روزا طول حياتها إلى جانب الديموقراطية والثورة.. وقد كانت حياتها صراعًا دائمًا حتى النهاية؛ في سبيلها للهرب من البوليس البولوني هربت إلى ألمانيا، وفي سبيلها للهرب من مطاردة البوليس الألماني هربت إلى زيورخ في سويسرا، وهناك أكملت دراستها للرياضيات والعلوم الطبيعية والاقتصاد، وحصلت على الدكتوراه، وتزوجت من رجل ألماني من أجل الحصول علي الجنسية (لكن ظلت علاقتها الاساسية برفيقها في النضال البولندي ليو يوجيشس) وعادت إلى ألمانيا، وانضمت للحركة العمالية الأممية، وفي 1913 وضعت كتابها المهم “تراكم رأس المال”. ناضلت روزا ليحصل العمال على حقوقهم، ولتحصل الجماهير على سلطاتها، ولتتحرر الشعوب، ومن داخل سجنها الذي استمر 4 سنوات ناضلت ضد الحرب العالمية الأولى، ومع أنها اختلفت كثيرًا مع لينين حول مسألة حق الشعوب في تقرير مصيرها إلا أنه نعاها معترفًا بقدرها الذي أهلها لتكون “العقل الأبرع من بين الورثة العمليين لماركس وإنجلز”.

وفي قسمنا الجديد “أقواس” الذي ننشر منه مختارات من كتاب ليشارك في التفكير وتفكيك المقولات المفروضة بالإلحاح، وفي أول أقواسنا … روزا لكسمبورج ضيفتنا.

الأقواس  من كتاب “عن الثورة والحزب وأفول الرأسمالية”، الذي يضم 7 مقالات لروزا لوكسمبورج، عنونت كالتالي: كارل ماركس، تراكم رأس المال، الشروط التاريخية للتراكم، أزمة الاشتراكية الديموقراطية، حول الثورة الروسية، القضايا التنظيمية الاشتراكية- الديموقراطية الروسية، أسرار فِناء أحد السجون. والكتاب صادر في 2016 عن مؤسسة روزا لوكسمبورج، ترجمة أحمد فاروق.

القوس الأول: السخرة

محمد علي يتابع مذبحة المماليك…ومن بعيد يظهر المملوك الوحيد الشارد

ثمة ثلاث مجموعات من الحقائق تتداخل في بعضها بعضًا وتشكل السمات الأساسية للتاريخ المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: مشروعات رأسمالية حديثة على نطاق واسع، وتنامٍ هائل وجارف للدين الحكومي وانهيار للاقتصاد الفلاحي. ظلت أعمال السخرة قائمة في مصر حتى العصر الحديث، واستمرت معها سياسة العنف الأكثر وقاحة من قبل الوالي محمد علي، ومن بعده الخديو بشأن علاقات ملكية الأراضي. لكن هذه العلاقات البدائية بالذات هي التي أتاحت أرضًا خصبة تماما لعمليات رأس المال الأوروبي. من الناحية الاقتصادية لم يتخط الأمر في البداية توفير الشروط اللازمة للاقتصاد النقدي. وقد تحققت هذه الشروط أيضًا عبر وسائل العنف المباشرة للدولة. استخدم محمد علي مؤسس مصر الحديثة حتى الثلاثينيات أسلوبًا يتسم بالبساطة الأبوية: كان كحكومة “يشتري” من الفلاحين كل محصولهم سنويًّا، كي يبيع لهم الحد الأدنى منه اللازم لقوتهم وبِذارهم فيما بعد بأسعار أعلى. وفوق ذلك فقد أوصى بزراعة القطن الآتي من شرق الهند، وقصب السكر الآتي من أمريكا، والنيلة والفلفل، وحدد للفلاحين رسميًّا ما يزرعونه من هذه النباتات وبأي كمية، فيما أعلن احتكار الدولة للقطن والنيلة بحيث لا يباع إلا لها، ولم يكن يسمح بإعادة بيعه إلا من خلالها أيضًا.  بهذه الأساليب دخلت تجارة البضائع إلى مصر. وبالطبع قام محمد علي أيضًا بأمور غير قليلة من أجل رفع الإنتاجية. لقد أمر بتوسيع الترع القديمة وحفر الآبار؛ وبدأ بمشروع القناطر الكبرى على النيل عند قليوب، وهو ما فتح سلسلة من المشروعات الرأسمالية الكبرى في مصر. وهذه المشروعات امتدت لاحقًا في أربعة مجالات: أنظمة الري ووأولها كانت قناطر قليوب التي أُنشئت في الفترة ما بين 1845 و1853 وابتلعت بخلاف أعمال السخرة غير المدفوعة نحو 50 مليون مارك- وبالمناسبة فقد تبين في البداية أنها عديمة الفائدة. إضافة إلى ذلك كانت هناك مشاريع بناء طرق المواصلات التي كان مشروع قناة السويس أكثرها أهمية وأكثرها فداحة على مستقبل مصر، وبعدها تأتي زراعة القطن وإنتاج السكر. ومع إنشاء قناة السويس وقعت مصر في حبائل رأس المال الأوروبي وما كان لها أن تخرج منها أبدًا. كانت البداية مع رأس المال الفرنسي، الذي تتبعه رأس المال الإنجليزي بخطى حثيثة. وكان الصراع التنافسي بين الاثنين يدور عبر كل التقلبات الداخلية في مصر خلال العشرين عاما التالية. لقد كانت عمليات رأس المال الفرنسي الذي قام بتنفيذ القناطر الكبرى عديمة النفع وكذلك قناة السويس، نموذجًا فريدًا لتراكم رأس المال الأوروبي على حساب أوضاع بدائية. التزمت مصر أولاً بتوفير 20 ألفًا من الفلاحين الذي يعملون بالسخرة على مدى سنوات، وثانيًا بشراء أسهم بقيمة 70 مليون مارك؛ أي ما يعادل أربعين في المئة من إجمالي رأس مال شركة قناة السويس، وذلك من أجل العمل الخيري المتمثل في حفر القناة التي ستسمح بمرور التجارة الأوروبية الآسيوية عبر مصر التي ستتضرر تجارتها بسبب ذلك بشدة. وهذه الملايين السبعين كانت أساسًا للدين الحكومي الهائل والذي سيقود بعد عشرين عامًا للاحتلال العسكري الإنجليزي لمصر. بشأن أنظمة الري بدأ تحول مفاجئ تمثل في الإحلال الجزئي للطلمبات البخارية محل السواقي العتيقة التي تُديرها الثيران؛ والتي كان يعمل منها خمسون ألفا في الدلتا وحدها على مدار سبعة أشهر في العام. وصارت حركة المواصلات بين القاهرة وأسوان تتم بالبواخر الحديثة. لكن زراعة القطن كانت هي المسؤولة عن التحول الأكبر في الأوضاع الاقتصادية في مصر. فقد ارتفع سعره من جراء الحرب الأهلية الأمريكية والاحتياج الإنجليزي الكبير للقطن من 60 حتى 80 بفنيغ للكيلو ليصل إلى أربعة أو خمسة ماركات. وأُصيبت مصر بحمى القطن؛ كان الجميع يزرعون القطن وخصوصًا عائلة الخديو. وسرعان ما أحدث الاستيلاء على الأراضي على نطاق واسع أو مصادرتها أو “شراؤها” بالقوة، أو ببساطة سرقتها، زيادة هائلة في رقعة الأراضي الخديوية. فجأة أصبح عدد لا يحصى من القرى ملكًا خاصًا للخديو، دون أن يتمكن أحد من إيجاد تبرير قانوني لذلك. وكان الغرض استغلال هذا المجمع الضخم من الضِياع خلال فترة قصيرة في زراعة القطن. وقد قلب هذا كل التقنيات الفلاحية المصرية التقليدية رأسًا على عقب، كإحاطة الأراضي بالسدود من أجل حماية حقول القطن من فيضان النيل المنتظم، ما تطلب ريًّا اصطناعيًّا غزيرًا ومنتظمًا وحرثًا عميقًا بلا كلل، وهو ما لم يكن معروفًا على الإطلاق للفلاح المصري الذي اعتاد منذ أيام الفراعنة أن يحرث أرضه حرثًا خفيفًا بالمحراث. وأخيرًا العمل المكثف عند الحصاد- كل هذا وضع القوى العاملة المصرية أمام متطلبات هائلة. وكانت هذه القوى العاملة هي نفسها فلاحي السخرة الذين تعطي الدولة لنفسها حرية لا محدودة في التصرف بشأنهم. لقد دُفع آلاف الفلاحين لعمل بالسخرة في قناطر قليوب وفي قناة السويس ثم صاروا يُستخدمون في بناء السدود وحفر الترع وفي المزارع الكبرى في الضياع الخديوية. ثم احتاج الخديو للعشرين ألفًا من العبيد الذين وفرهم لشركة قناة السويس كي يعملوا في أراضيه وهو ما تسبب في أول نزاع مع رأس المال الفرنسي. منح قرار تحكيمي أصدره نابليون الثالث شركة قناة السويس تعويضًا بقيمة 67 مليون مارك، وهو ما وافق عليه الخديو بتساهل أكبر لأنه سينتزع هذا المبلغ في نهاية المطاف من الفلاحين الذين يدور النزاع حولهم كقوى عاملة. وفيما يتعلق بأعمال الري، استقدمت أعداد ضخمة من الماكينات البخارية ومضحات الطرد المركزي وقاطرات الجر من إنجلترا وفرنسا. ومئات من هذه الماكينات انتقلت من إنجلترا إلى الإسكندرية على سفن بخارية ثم نُقلت بالقوارب النيلية وعلى ظهور الجمال إلى كل أنحاء البلاد. فقد تطلب تقليب التربة استخدام محاريث بخارية، خصوصًا بعد أن قضى طاعون البقر عام 1864 على كل الماشية. ومعظم هذه الآلات جاءت أيضًا من إنجلترا. وتوسعت شركة فاولر للمعدات الزراعية فجأة توسعًا هائلًا وذلك تلبية لاحتياجات الخديو على حساب مصر.

النوع الثالث من الماكينات الذي أصبح فجأة مطلوبًا في القاهرة، كان أجهزة فصل البذور ومكابس القطن. وقد أُنشئت العشرات من هذه المحالج في مدن الدلتا. وبدأت الزقازيق وطنطا وسمنود ومدن أخرى تنفث دخانها مثل المدن الصناعية الإنجليزية. وتدفقت ثروات ضخمة عبر بنوك الإسكندرية والقاهرة. ثم انهارت مضاربات القطن في العام التالي، عندما تهاوى سعر القطن مع إرساء السلام في الاتحاد الأمريكي من 27 بنس للرطل إلى 15، و12 بنس ثم 6 بنسات في آخر المطاف. في العام التالي تحول إسماعيل باشا إلى نوع جديد من المضاربات: إنتاج قصب السكر. كان الهدف هو منافسة الولايات الأمريكية الجنوبية التي فقدت عبيدها بأعمال السخرة التي يقوم بها الفلاحون المصريون. وللمرة الثانية قُلبت الزراعة المصرية رأسًا على عقب. ووجد رأسماليون فرنسيون وإنجليز مجالاً جديدًا للتراكم الأسرع. في عامي 1869 و1869 طُلب 18 مصنعًا عملاقًا للسكر بطاقة إنتاجية تبلغ 200 ألف كيلوجرام سكر يوميًّا، أي بأربعة أضعاف الطاقة الإنتاجية لأكبر المصانع المعروفة حتى ذلك الوقت. وقد طُلب ستة منها من إنجلترا و12 من فرنسا، ولكن نتيجة للحرب الألمانية الفرنسية انتقلت معظم الطلبات إلى إنجلترا. كان من المفترض أن يبنى واحد من هذه المصانع كل 10 كيلومترات على امتداد ضفاف النيل، كمراكز لمنطقة مساحتها عشرة كيلومترات مربعة، تقوم بتزويد المصانع بقصب السكر. ويحتاج كل مصنع لمئتي طن من القصب وبينما انتشرت مئات من المحاريث البخارية المحطمة القديمة من مرحلة القطن في فوضى، طُلبت محاريث جديدة لقصب السكر. ودُفع بآلاف الفلاحين لمزارع القصب، بينما سُخر آخرون لحفر ترعة الإبراهيمية. واستخدمت العصي والسياط بكامل عنفوانها. وسرعان ما ظهرت مشكلة النقل: من أجل نقل القصب بكميات إلى المصانع، كان لا بد من إنشاء شبكة سكك حديدية في أسرع وقت من أجل توفير قطارات المزارع الخفيفة القابلة للنقل والسكك الحديدية المعلقة وقاطرات الجر. وكانت هذه الطلبيات الضخمة أيضًا من نصيب رأس المال الإنجليزي. وفي عام 1872 افتتح أول مصنع عملاق لقصب السكر. وقام 4 آلاف جمل بعملية النقل مؤقتا. لكن ثبت أن توفير الكمية المطلوبة من القصب للمصنع كان مستحيلاً تمامًا. ولم يستطع فلاح السخرة الذي يعمل بالكرباج أن يتحول فجأة إلى عامل صناعي حديث. انهار المشروع ولم يتم تركيب الكثير من الآلات التي طُلبت. وقد انتهت بمضاربات السكر عام 1873 فترة مشاريع مصر الرأسمالية الضخمة.

القوس الثاني: مصيدة المرابي

الخديو محمد سعيد

من الذي وفر رأس المال لهذه المشروعات؟ إنها القروض الدولية. لقد حصل سعيد باشا قبيل وفاته (عام 1863) على أول قرض، كانت قيمته الاسمية 66 مليون مارك، بينما بلغت قيمته نقدًا بعد خصم العمولات والخصومات، إلخ… خمسين مليون مارك. لقد ورَّث إسماعيل هذا الدين وعقد قناة السويس، الذي حمَّل مصر عبئًا يقدر بـ 340 مليون مارك. وفي عام 1864 نشأ أول دين في عهد إسماعيل، بقيمة اسمية 114 مليون مارك بفائدة 7 % وبلغت قيمته نقدًا 9 مليون مارك بفائدة 8,25%. وهذا المبلغ أُنفق خلال عام مع الأخذ في الاعتبار أن 67 مليون مارك قد دُفعت كتعويض لشركة قناة السويس، والباقي ابتلعته على الأغلب مرحلة القطن. وفي عام 1865 جاء قرض الدائرة السَنية الأول بواسطة أنجلو- إيجيبشيان بنك والذي رهن فيه الخديو أملاكه الخاصة. بلغت قيمته الاسمية 68 مليون مارك بفائدة نسبتها 9%، فيما بلغت قيمته الفعلية 50 مليون مارك بفائدة 12%. وفي عام 1866 حصل على قرض جديد من شركة فرولينج وجوشن بقيمة اسمية 60 مليون مارك، فيما بلغت قيمته النقدية 52 مليون مارك، وفي 1867 على قرض جديد من البنك العثماني بقيمة اسمية 40 مليون مارك، فيما بلغ في الواقع 34 مليون مارك. بلغت الديون السائرة في ذاك الوقت 600 مليون مارك. ولتوحيد جزء من هذه الديون حصل في عام 1868على قرض كبير من بنك أوبّنهايم ونيفن بقيمة اسمية بلغت 238 مليون مارك وبفائدة 7%، وفي الواقع حصل إسماعيل نقدًا فقط على 142 مليون مارك بفائدة قدرها 13,5%. وبه غُطيت نفقات الحفل الفخم لافتتاح قناة السويس أمام النخب المجتمعة من البلاط الأوروبي وعالم المال والمتشبهين بالطبقة الراقية والتبذير الجنوني الذي رافقه بالإضافة إلى بقشيش جديد للباب العالي؛ للسلطان، قدره عشرون مليون مارك. ثم تلا ذلك في عام 1870 قرض من شركة بيشوفسهايم وجولدشميت بقيمة اسمية 142 مليون مارك وفائدة 7%، أما فعليًّا فقد حصل على 100 مليون مارك بفائدة 13%. وكان الغرض منه تغطية نفقات مرحلة السكر. وفي عامي 1872 و1873 جاء قرضان من أوبنهايم، قرض صغير بقيمة اسمية قدرها 80 مليون مارك بفائدة 14% وقرض كبير بقيمة اسمية 640 مليون مارك بفائدة 8%، وقد خفّض هذا القرض الديون السائرة إلى النصف، لكن المبلغ لم يتعد نقدًا في الواقع 220 مليون مارك فقط، بالنظر إلى أن البنوك الأوروبية استخدمت الكمبيالات التي اشترتها في الدفع. في عام 1874 جرت مساع للحصول على قرض حكومي بقيمة 1000 مليون مارك مقابل فائدة سنوية قيمتها 9%، لكنها لم تتمخض سوى عن 68 مليون مارك فقط. لم تتخط السندات المصرية 54% من قيمتها الأصلية. وفي المجمل ارتفع الدين العام خلال 13 عامًا منذ وفاة سعيد باشا من 3,293,000 إلى 94,110,000 جنيه استرليني. لقد كان الوضع على شفا الانهيار.

للوهلة الأولى تعكس هذه العمليات الرأسمالية ذروة الجنون. فالقرض يجر الآخر وتُغطى فوائد الدين القديم بالدين الجديد وطلبيات صناعية ضخمة لدى رأس المال الصناعي الفرنسي يتم سداد قيمتها برؤوس أموال إنجليزية وفرنسية مقترضة. في الواقع عقد رأس المال الأوروبي، في ظل استهجان أوروبا العام وتأففها من السياسة الاقتصادية المجنونة لإسماعيل؛ صفقات خيالية في مصر، وهي صفقات ما كانت لتتحقق لرأس المال خلال مساره التاريخي إلا مرة واحدة كنسخة فانتازية محدثة من الرواية التوراتية عن بقرات مصر السمان. خصوصًا وأن كل قرض كان عبارة عن عملية ربوية، يلتصق فيها من خُمس إلى ثلث المبلغ المفترض اقتراضه- بل وما يفوق ذلك-بأصابع المصرفيين الأوروبيين. في نهاية المطاف كان لا بد من دفع الفوائد الربوية في كل الأحوال.

القوس الثالث: مصاص الدماء

صورة:فرانسيس فريث

لكن من أين تأتي الأموال اللازمة للسداد؟ كان لا بد أن يكون المصدر في مصر نفسها وهذا المصدر كان الفلاح المصري، أي الاقتصاد الفلاحي. فقد وفر هذا الاقتصاد في النهاية أهم العناصر للمشروعات الاقتصادية الكبرى. وفر الأراضي التي شكلت الأساس لخطط الري ومضاربات القطن والسكر، حيث إن ما يسمى بالممتلكات الخديوية قد اتخذت في توسعها خلال فترة وجيزة أبعادًا عملاقة، وقد انتُزعت بالنهب والابتزاز من عدد لا حصر له من القرى. كما وفر الاقتصاد الزراعي أيضًا القوى العاملة، بل وبالمجان، مع أن الحفاظ على هذه القوى العاملة في أثناء استغلالها كان أمرًا مثيرًا للقلق في حد ذاته. فعمل الفلاحين بالسخرة كان الأساس لمعجزة تكنولوجية صنعها المهندسون الأوروبيون والماكينات الأوروبية في أنظمة الري، ووسائل المواصلات والزراعة والصناعة في مصر. لقد عملت أعداد لا تحصى من الفلاحين بالسخرة في بناء قناطر قليوب وكذا في قناة السويس وفي بناء السدود وفي مزارع القطن الكبرى ومصانع السكر، وكانوا يُنقلون حسب الحاجة من عمل لآخر ويستغلون بلا حدود. وحتى لو تبين أن القوى العاملة المسخرة تشكل باستمرار عقبة تقنية أمام الأغراض الرأسمالية الحديثة، يتم تعويض ذلك بشكل كافٍ من جانب آخر عبر التحكم المطلق في هذه الجموع وفترة استغلالها، وشروط الحياة والعمل للقوى العاملة التي وُضعت هنا بين يدي رأس المال.

لم يوفر الاقتصاد الزراعي الأراضي والقوى العاملة فحسب، بل والمال أيضًا. وهنا كان دور النظام الضريبي، الذي ضيق الخناق على الفلاحين تحت تأثير الاقتصاد الرأسمالي. فضريبة الملكية على أراضي الفلاحين التي أخذت في التصاعد، بلغت في نهاية الستينيات 55 مارك للهكتار، فيما كانت تبلغ بالنسبة للملكيات الكبرى 18 مارك، أما العائلة المالكة فلم تكن تدفع شيئًا عن أراضيها الخاصة. بالإضافة إلى الرسوم الخاصة الجديدة، مثل رسوم الحفاظ على أنظمة الري التي بلغت 2,5 مارك عن كل هكتار، ولم تعد بالنفع إلا على الممتلكات الخديوية فحسب. وكان على الفلاح أن يدفع 1,35 مارك على كل نخلة و75 بفنيغ على كل كوخ يسكنه. بالإضافة إلى ذلك جاءت ضريبة الرؤوس لكل ذكر فوق العاشرة من العمر بمبلغ قدره 6,5 مارك. وفي المجمل بلغ حجم الضرائب التي دفعها الفلاحون في عهد محمد علي 50 مليون مارك وفي عهد سعيد 100 مليون وفي عهد إسماعيل 163 مليون مارك.

وكلما تنامت الديون لدى رأس المال الأوروبي، تحتم جباية المزيد من الاقتصاد الفلاحي. في عام 1869 رُفعت كل الضرائب بنسبة 10%، كما جُبيت ضرائب عام 1870 مسبقا. وفي عام 1870 رُفعت ضرائب الملكية إلى 8 مارك للهكتار. وبدأت القرى في صعيد مصر تخلو من الناس وهُدمت العشش، وتُرُكت الأرض دون زراعة للتهرب من الضرائب. في عام 1876 رُفعت الضرائب على نخيل البلح بمقدار 50 بفنيغا. وخرج أهالي قرى بأكملها من أجل إسقاط نخلاتهم ومُنعوا من ذلك بإطلاق أعيرة نارية في الهواء. ويقال إنه في عام 1879 مات نحو 10 آلاف فلاح شمال أسيوط من جراء الجوع، لأنه لم يعد باستطاعتهم دفع ضرائب ري أراضيهم، كما ذبحوا ماشيتهم كي يتجنبوا ضريبة المواشي.

وهكذا امتصت دماء الفلاح حتى آخر قطرة. لقد أنهت الدولة المصرية وظيفتها كجهاز شفط في يد رأس المال الأوروبي، وأصبحت عديمة النفع. وعُزل الخديو، وأصبح باستطاعة رأس المال أن يبدأ التصفية.

في عام 1875 اشترت إنجلترا 172 ألفًا من أسهم قناة السوس بمبلغ ثمانين مليون مارك، فيما كان على مصر أن تدفع لها بعد 394 ألف جنيه مصري كفوائد. وبدأت اللجان الإنجليزية لـ”تنظيم” المالية المصرية نشاطاتها. والغريب أن رأس المال الأوروبي لم ينفر إطلاقًا من الوضع اليائس للبلد المفلس وعرض تقديم قروض جديدة من أجل “إنقاذه”. اقترح كيف   Cave وستوكس Stokesتحويل كل الديون إلى دين واحد بقيمة 1520 مليون مارك بفائدة 7%، فيما اعتبر ريفرز ويلسون Rivers Wilson أن المبلغ المطلوب هو 2060 مليون مارك. اشترى بنك كريدي فونسيه Crédit Foncier مليونا من الكمبيالات السائرة وحاول بقرض قيمته 1820 مليون مارك توحيد مجمل الدين، لكنه فشل مع ذلك في مسعاه. لكن كلما ازداد اليأس من إمكانية إنقاذ الوضع المالي، ازداد أكثر اقتراب وحتمية تلك اللحظة التي ستضطر فيها البلاد إلى الوقوع بكل قواها الإنتاجية في مخالب رأس المال الأوروبي. في أكتوبر 1878 وصل ممثلو الدائنين الأوروبيين إلى الإسكندرية. وطُبق نظام المراقبة المالية الثنائية من قبل رأس المال الفرنسي والإنجليزي. والآن اختُرعت باسم لجنة المراقبة الثنائية ضرائب جديدة، وَضُرب الفلاحون وتعرضوا لضغوط شديدة لإجبارهم في عام 1877 على استئناف دفع الفوائد التي عُلق دفعها مؤقتًا عام 1876. ومن ثم أصبحت حقوق المطالبة القانونية التي يتمتع رأس المال الأوروبي هي مركز الحياة الاقتصادية ووجهة النظر الوحيدة للنظام المالي. في عام 1878 نشأت لجنة جديدة ووزارة شبه أوروبية. وفي عام 1879 أصبحت المالية المصرية تحت رقابة رأس المال الأوروبي الدائمة ممثلة في لجنة الدين العام المصرية في القاهرة Commission de la Dette Publique Egyptienne.  في عام 1878 تحولت أراضي العائلة الخديوية البالغة مساحتها 431 ألف فدان إلى ملكية الدولة وتم رهنها للرأسماليين، كما طُبق ذلك أيضًا على أراضي الدائرة السنية، وهي أملاك الخديو الخاصة الواقع معظمها في صعيد مصر وشملت 485131 فدانا. وقد بيعت لاحقًا لاتحاد شركات. وقد أصبح جزءُ كبير من ملكية الأراضي الأخرى في أيدي شركات رأسمالية، وتحديدًا شركة قناة السويس. أما أراضي الأوقاف من المساجد والمدارس فقد صادرتها بريطانيا لتغطية نفقات الاحتلال. 

القوس الرابع: الكرباج

لقد أعطى تمردٌ للجيش المصري الذي تضور جوعًا بسبب المراقبة المالية الأوروبية- في الوقت الذي حصل الموظفون الأوروبيون على رواتب هائلة- وانتفاضةٌ للجماهير المعدمة في الإسكندرية الذريعة للضربة القاضية. لقد دخل الجيش الإنجليزي إلى مصر عام 1882 كي لا يغادرها، وكي يخضع البلاد نتيجة للعمليات الرأسمالية الكبرى التي جرت في مصر خلال عشرين عامًا، وختامًا لتصفية الاقتصاد الفلاحي المصري على يد رأس المال الأوروبي. وهنا يتضح أنه عند الملاحظة السطحية لعملية التحويل المبتذلة بين رأس مال القروض الأوروبية ورأس المال الصناعي الأوروبي، أن طلبيات مصر قد دُفعت برأس المال المقترض، في حين أن فوائد هذا القرض كانت تُغطى من القرض الآخر، وهو ما يعد من وجهة نظر تراكم رأس المال وضعًا عقلانيًّا جدًا و”سليمًا”. وهذا يقود، بعد تجاهل كل الأطراف الوسيطة المقنّعة، إلى حقيقة بسيطة مفادها أن رأس المال الأوروبي قد قضى بقدر هائل على الاقتصاد الفلاحي المصري: مساحات هائلة من الأراضي وعدد لا يحصى من الأيدي العاملة وتحول كم ضخم من منتجات العمل التي تدُفع عنها ضرائب للدولة، إلى رأسمال أوروبي جرى تراكمه. من الواضح أن هذا التحويل الذي ضغط المسار الطبيعي لتطور تاريخي يستغرق قرونًا في عقدين إلى ثلاثة عقود، لم يكن ممكنًا إلا بالكرباج، وأن بدائية العلاقات الاجتماعية في مصر كانت هي بالذات التي وفرت الأساس العملياتي الذي لا مثيل له لتراكم رأس المال. وفي مقابل التضخم الخيالي لرأس المال من ناحية، يظهر هنا من ناحية أخرى صعود حركة البضائع وإنتاج شروطها من خلال ملائمة القوى الإنتاجية للبلاد نتيجة اقتصادية إلى جانب خراب الاقتصاد الفلاحي. لقد اتسعت رقعة الأراضي الصالحة للزراعة في عهد إسماعيل من مليونين إلى 2,7 مليون هكتار، وشبكة الترع من 73 ألف إلى 87 ألف كيلومتر، وشبكة خطوط السكك الحديدية من 410 إلى 2020 كيلومترا. لقد بُنيت أحواض للسفن في السويس والإسكندرية، لقد بُني ميناء رائع في الإسكندرية وفي البحر الأحمر أُنشئت خدمة السفر بالسفن البخارية لحجاج مكة، وتم إدخالها إلى السواحل السورية وسواحل آسيا الصغرى. بلغت صادرات مصر عام 1861، 89 مليون مارك، وزادت بشكل هائل في عام 1864 لتصل إلى 288 مليون مارك، أما الواردات فبلغت في عهد سعيد باشا 24 مليون مارك وارتفعت في عهد إسماعيل لتتراوح بين 100 مليون إلى 110 مليون مارك. بعد افتتاح قناة السويس لم تتعاف التجارة إلا في الثمانينات وفي عام 1890بلغت الواردات 163 مليون مارك أما الصادرات فبلغت 249 مليون مارك، في المقابل بلغت الواردات في عام 1900، 288 مليون مارك، فيما بلغت الصادرات 355 مليون مارك، وفي عام 1911 كان حجم الواردات 557 مليون مارك، أما الصادرات فبلغت 593 مليون مارك. لكن بالطبع أصبحت مصر نفسها مع هذه الطفرات في تطور حركة البضائع ملكًا لرأس المال الأوروبي الذي دعم هذا التطور. لقد تبين في مصر مثلما هي الحال في الصين، وأخيرًا في المغرب، أن النزعة العسكرية كمنفذ لتراكم رأس المال تتربص وراء القروض الدولية وبناء السكك الحديدية وأنظمة الري والأعمال الحضارية المماثلة. وبينما تسعى الدول المشرقية بتعجل محموم للتطور من الاقتصاد الطبيعي إلى اقتصاد البضائع ومنه إلى الاقتصاد الرأسمالي، يقوم رأس المال الدولي بالتهامها، لأنه لا يمكن لها إنجاز التحول دون أن تهب نفسها له. وثمة مثال جيد آخر من الآونة الأخيرة تمثله صفقات رأس المال الألماني في تركيا الآسيوية. لقد سعى رأس المال الأوروبي وتحديدًا الإنجليزي منذ وقت مبكر للسيطرة على هذه المنطقة الواقعة على طريق التجارة العتيق بين آسيا وأوروبا.