هل يمكن قراءة رجاء عليش بعيدًا عن انتحاره؟

الأديب الغامض

سيد عبد الحميد سيد عبد الحميد

هل تعرف رجاء عليش؟
ليس مهمًا أن تعرفه.. ولا حتى تتكبد عناء قراءة رواياته.. يمكن أن تختصره في وصف “الكاتب الذي انتحر” وستنفجر منك مسحة طبيعية من الحزن؛ استقبال متوقع للجانب المأساوي من الحياة الصعبة في المدن.. قصة توقفك دائمًا لتشير إلى مشاعر عميقة تتوه في الهرولة اليومية، والمجهود الرهيب في التواؤم مع قوانين العمل والعلاقات والقبول. وبالنسبة للأديب سيكون في مقدمة كل ذلك الاعتراف وربما التحقق. رغم ابتذال كلمة التحقق، وغموض معيارها؛ هل يكون بالكتابة نفسها، أم بالصكوك التي يمنحها صحفي ثقافي أو ناقد أدبي لدخول مجال “الأدباء والكتاب”، وفي هذه المسافات بين الكتابة والصكوك طبقات متعددة من المهارات الاجتماعية والقبول الشخصي والقدرات على اختراق الشبكات التي لا تبدو على السطح.. كان ذلك يحدث لشخص يشعر بالوحدة بين أقرب الناس، وبالغربة في وظيفته المرموقة.. هل بسبب ملامح وجهه التي تأثرت بالمرض المناعي.. أم بتهدم منطقته الآمنة بعد غياب الأم؟ كل هذا قيل بشكل أو بآخر لتفسير إطلاق رجاء عليش أربع رصاصات على رأسه في سيارته وبالقرب من بيته؟ لكنها ستظل محاولات لا تمنع شهوة البحث عن رجاء عليش الذي لم يعرفه سوى مجموعة صغيرة جدًا من عالم الأدب والصحافة، مع أنه كان يرى في الأدب عالمه الكامل، وأراد في وصيته أن تذهب ثروته لرعاية الأدباء.. لكن الوصية لم تُنفَّذ، وحُرم أن يكون مُنقذًا، كما حُرم لأسباب غامضة من القبول الاجتماعي وابتسام البشر في وجهه.. هنا تقدم مدينة محاولة للاقتراب من رجاء عليش (الذي تصور البعض أنه شخص خفي.. وكأنه لم يكن موجودًا… وذلك قبل ظهور كتابيه الوحيدين في طبعات جديدة، وتكشف أجزاء من حياته وكلام صحفيين عن مقابلتهم له).. اقترابنا سيكون عبر مقال عن مجموعته القصصية وروايته الوحيدة.. بالإضافة إلى لعب جرافيكي مع المتداول من صوره لاكتشاف كيف كانت ملامح الأديب الغامض!

الكتابة عن شخص لا تعرفه شيء صعب، لذلك حينما بدأت الكتابة عن صاحب “كلهم أعدائي” و “لا تولد قبيحًا” بدأت أولًا بالبحث عن صور رجاء عليش لأعرف ما هو أفظع شيء في ملامح هذا الرجل.. علی “جوجل” يمكنك أن تجد صورًا لآلهة الحضارة الإغريقية، وصورًا مُتخيلة ومتشابهة للأنبياء، ويمكنك أن تجد صورًا لعلماء في كل المجالات منذ أن اخترعت آلة التصوير، ولكنك لن تجد صورة واحدة اتُفق علی أنها صورة الكاتب المصري رجاء عليش.. في رحلة البحث عن تاريخ ميلاد أو وفاة رجاء لم أجد رقمًا دقيقًا، لم أجد تاريخ ميلاد، أو تاريخ انتحار، فقط يظهر لي 1979 عام إطلاقه للرصاص علی رأسه؛ وهذا هو التاريخ الوحيد الذي يمكننا التأكد منه عبر الأخبار التي صدرت في صحف ذاك العام. يبدو رجاء عليش رجلاً أسطوريًّا، ولولا وجود أعمال أدبية تحمل اسمه وحادثة انتحار شهيرة شغلت الرأي العام وقت حدوثها لقلنا إن هذا الرجل لم يوجد قط!

في بحثي عن صور لرجاء عليش لم أعثر علی نتيجة واحدة تتفق مع الأخری، صورة هنا وصورة أخری هناك، وصورة ديجيتال متخيلة يشير البعض إلى أنها صورته، مما يحيل الأمر للسخرية من اعتماد بعض الناس صورة غير حقيقية لمجرد رواجها… البحث عن أثر واضح لرجاء عليش أمر يبعث علی الكآبة، ليس لقصته المأساوية فقط، بل لما تؤول إليه هذه القصة في النهاية. يبدو وكأن رجاء عاش ومات بلعنة عدم التحقق، وكأنه لم يوجد، وكأنه يختلف عن كل الناس. في هذا المقال قررت أن أعطي هذا الرجل القليل من حقه في الحديث عن كتاباته، والكثير من الجهد في البحث عن أي حقيقة ثابتة عنه، لأنه لا يجب أن يولد الإنسان ويموت دون أن يتذكره أحد!

لا تولد مختلفاً

إن أشد العذابات هي تلك التي لا نستطيع التعبير عنها أو تغيير أسباب وجودها، إذ أنها قد تكون في حياتنا اليومية العادية، تكمن في التفاصيل الدقيقة التي تصاحب أي فعل عادي. وحينما يكمن الضعف في الاختلاف عن الآخرين فإن هذا الاختلاف يصبح لعنة علی صاحبه..
 ولد رجاء عليش مولود تقريبًا في عام 1932، وانتحر برصاصة في الرأس عام 1979، وهو شخصية غامضة حتى إن البعض يشككون في حقيقة وجوده أساسًا. وفي هذه الرواية يتطرق الروائي للثنائيات المتضادة  المتناقضة لإبراز الأوجه العديدة للمجتمع وللحياة التي عاش ومات فيها وحيدًا، بلا حب، بلا امرأة، بلا تقدير.

أصلع الرأس، عملاق الجسد، يخفي خلف نظارته الطبية نظرات موحشة وحزينة. هكذا يصف الصحفي مصطفی عبد الله الكاتب المنتحر رجاء عليش للكاتب الصحفي خيري حسن في حواره معه عن رجاء عليش بصحيفة روز اليوسف.

“هل تتصورين أن في هذا العالم أناسًا لم يعرفوا الحب طول حياتهم. أناسًا عاشوا برودة الجحيم لأنهم لم يتلاقوا مع الآخرين!” من رواية كلهم أعدائي.. في الرواية التي يتجاوز عدد صفحاتها 480 صفحة يضع عليش الحب في مواجهة الكره، القبح مقابل الجمال، النُبل مقابل الوضاعة، الاحترام ضد الانحلال، ليعقد مقارنات مباشرة وواضحة كضوء الشمس، ليُبرز مشكلات حياتية تواجه كل مختلف في كل مكان، ليضع نفسه في كل شخصية منبوذة لسبب غير مبرر.

 ثنائيات غير منتهية

“عادل” بطل رواية كلهم أعدائي رجل جميل؛ بعيون زرقاء وشعر أصفر وجسد عريض وصوت هادئ، وهو مظهر يستخدمه رجاء عليش لإبراز مشكلة أن تكون مختلفًا. رجل يعاني من اضطرابات في هرمونات الذكورة، تلتهمه عيون الناس وألسنتهم، يطعنون في سيرته لأنه لا يبدو ذكر بصورة كاملة، إذ أن الرجولة والذكورة تمثل لهم نفس الشيء. في الرواية يكمن خلاف عادل مع كل زملائه في الشركة التي يعمل فيها في أنهم مرتشون، كلهم يقبلون الرشوة ويمررون الأفعال الفاسدة بلا أي اعتراض في مقابل هدايا قيمة، بينما يحاول عادل التصدي لهم باعتبار أفعالهم منافية للأخلاق. يبدأون في الاتحاد ضده وطعنه في سمعته وإطلاق الاتهامات بأنه شاذ جنسيًا، طريقة ما زالت تأتي بنتائجها في مجتمعات العالم الثالث القائمة علی الأفكار المغلوطة عن الرجولة والشرف… بينما يعاني “مدحت” الصديق المقرب لعادل من التنمر بسبب تشوه وجهه بحرق قديم منذ الطفولة، ويعاني “مكرم” صديق عادل وجاره من مضايقات الناس بسبب ضخامة جسده وإصابة ظهره بانحناء، بالإضافة لعينيه البارزتين وجبهته العريضة، مما يجعل كل الناس تصرخ في وجهه وتسبه علنًا، بينما أطفال الحي يقذفونه بالحجارة، وكل الناس تحاول استغلال طيبة قلبه لسرقته. تعاني والدة عادل من شلل نصفي يمنعها عن الحركة ويُجبرها علی البقاء في المنزل معزولة عن العالم مكتفية بمراقبة الحياة من خلف النافذة دون أي تتفاعل معها. يُبرز رجاء عليش أوجه عديدة في روايته عن طريق تقابل المتضادات، فعادل ومدحت كُلًا منهم يتمنى -دون أن يبوح- ما لدی الآخر، يتمنى مدحت وجه جميل كي يحصل علی الحب الكافي لبناء أسرة وتذوق الحياة التي لا تطيب بلا امرأة، بينما يفشل عادل في أن يتمتع بجمال وجهه لأنه بلا ذكورة مكتملة في عصر لم يجد علاجًا لهذه الأزمة، بينما تتمنى والدة عادل أن تتمتع بجسد مُعافی يمكنها به أن تخرج إلی الشوارع لرؤية العالم، وهناك مديحة التي ترغب في أن تكون في مكان ميرڤت الفتاة التي يحبها عادل كي تنال حب عادل الذي لا يراها. تتقاطع الثنائيات وتختلف الطرق التي يسيرون فيها، وتتعدد إذن شخصيات رجاء عليش الحزينة، والتي يملك كل شخص فيها حزنه الفريد الذي يتعذب بسببه، ويمتلك كل شخص فيهم جرحًا، تشوهًا، عيبًا خلقيًّا، أو طبعًا شخصيًّا بحسب الخلفية الاجتماعية لا يتمكن من التأقلم بسببه مع المجتمع الذي يُعذب كل المختلفين.

لا تولد قبيحًا

في مقدمة المجموعة القصصية “لا تولد قبيحًا” يُعلن رجاء عليش عن نفسه بصراحة وجرأة من لم يعد لديه ما يخسره:

“هذه الصفحات عن أغرب مشكلة في حياتي، مشكلة القبح. يمكنك أن تتخيل أغرب رجل في العالم. أقبح وجه يمكنك أن تصادفه في أي مكان علی الأرض لتتأكد من أنك تراني أمامك، الأضحوكة الدائمة، الغرابة الدائمة. أنا دائمًا الأغرب، الأفظع، الأقبح”.

هكذا يعلن رجاء عن نفسه، ويصب غضبه الكبير من المجتمع، علی المجتمع الذي لم يرحمه، والذي عذبه طيلة حياته بلا أي فائدة حقيقية إلا للتلذذ بتعذيب مرهفي الحس، الأمر الذي جعل رجاء يفقد قدرته علی التحمل ويطلق رصاصة علی نفسه في عام 1979 مُحدثًا صدمة لكل من يعرف بقصته وما وصلت إليه. هذه الضجة التي صاحبت اسم رجاء للمرة الاولى لم تكن بسبب أعماله التي نشرها علی نفقته الخاصة بسبب عدم اهتمام أي شخص بما يكتبه، لم تكن علی سبيل الشفقة أو الحزن علی وفاة رجل وحيد، بل كانت الضجة التي  صحبت انتحاره نوعًا من أنواع التعجب، فلم يسبق أن التفت إليه أحد، ولم يدقق أي شخص في ما كتبه رجاء عليش باعتباره صرخة أو نداء استغاثة، أو طلب يحث الآخرين علی الالتفات إلى رجل موهوب يكتب بقلبه ما يعذبه، ينتقد بصرامة وصراحة ما عجز آخرين عن نقده أو اكتفوا بالرمزيات التي لا تشير بدقة للمجتمع الذي كان قد بدأ وقتها في التحلل، والتحول من أبناء الفراعنة إلى مسوخ مهجنة مضطربة الهوية بدأ السوء في الانتشار بداخل كل فصائله، وبدأ الفساد في التغلغل في عمق كل مؤسساته، ومظاهر القبح في محو كل جواهر الجمال الكائنة في حضارته.

التضارب الكبير الذي سطره رجاء عليش في أعماله، والذي يرجع إلى عدة عوامل اجتماعية وسياسية، كان أيضًا جزءًا من اللعنة التي صحبت سيرة الذاتية؛ فنحن أمام سيرة كاتب لا يُعرف له تاريخ ميلاد محدد، أو تاريخ انتحار، ولا يوجد له صورة واحدة تؤكد هويته يقينًا، كلها علامات وإشارات، وكأن هذا الرجل وُجد ورحل كنجم سماوي ظهر مرة واحدة ثم اختفي إلی الأبد.

القبيح والناس

حملت المجموعة القصصية لرجاء عليش عنوان “لا تولد قبيحًا”، وتضمنت القصة الأولى فيها حياة شاب يدرس الموسيقی يدفعه تنمر بعض الشباب في الشارع إلى ارتكاب جريمة قتل. مجموعة الشباب الذين يقفون في الشارع تجدهم في كل فصل في رواية كلهم أعدائي، وفي مجموعته القصصية، وهم على ما يبدو انعكاس حقيقي لرعب كان كائنًا في حياة الكاتب اليومية، إذ أنه يكتب عنهم في كل مرة بغضب كبير، بسبب أفعالهم المؤذية، التي لا تتوقف عند السب والقذف، بل تترك في روحه ألمًا عميقًا وغائرًا لا يمكن مُداواته. امتلك رجاء أسلوبًا أدبيًّا سوداويًّا للتعبير عما يزلزل أعماق روحه، إذ أن القسوة التي أحاطت به في كل جوانب حياته لم تترك له مجالاً لرؤية أي شيء جميل في الناس، باستثناء امرأة أو اثنين وجدتا في أعماله، وكان يكتب عنهما بشاعرية بالغة كحلمٍ جميل لا يحققه المرء أبدًا. كما انعكست علاقته الأسرية علی كتاباته، إذ ذكر في روايته الوحيدة نبذ كل عائلته له باستثناء والدته التي كانت تحبه وترعاه.

ضمت المجموعة القصصية عدة قصص بعناوين: “القبيح والناس – الأشياء الصغيرة – الانتقال – من يملك البيت – فتی المقارنة – المنتحر – علبة – الكتكوت العاري – الجوع – الكلب يعرف أكتر”… تتسم كتابة رجاء بمفردات مميزة ومتنوعة، وجمل عميقة ومباشرة، وتعبيرات مجازية وكلاسيكية تُنبئ جميعها بميلاد كاتب مميز لم تمنحه الحياة فرصة للتحقق، ليس التحقق الأدبي فقط الذي يسعی إليه كل كاتب، بل التحقق الوجودي الذي يسعی إليه كل الناس.

قصة علبة

في واحدة من أجمل القصص ضمن قصص رجاء عليش مزج فيها بعض الحقائق بخياله الأدبي، وتناول فيها قصة ماسح أحذية فقير تجاوز الستين من عمره. حملت القصة عنوان “علبة” ودارت أحداثها علی لسان كاتب لم يكتب أي عمل أدبي، بل يحلم بالكتابة ويفشل في إتمام أي عملية لازمة لإصدار عمل فني، فيقرر كتابة قصة ماسح أحذية فقير يلمع أحذية رواد مقهی كبير في مصر الجديدة..

ويشير علی لسان بطل قصته أننا نعيش في عصر يفتقر للأخلاق والقيم، مليء بالوضاعة. وينتقد أوضاع المجتمع من خلال طرح الفروق الاجتماعية الكبيرة بين رواد المقهى وبين الرجل الفقير الذي يخرج كل يوم ولا يرغب إلا في مسح أكبر عدد من الأحذية كي يطعم زوجته وأطفاله، وحينما تهبط عليه ثروة كبير لا يتخلی عن مهنته رغم بؤسها، وذلك لأنه لا يجيد شيئًا في الدنيا إلا مسح الأحذية، وأنه لا يعرف زبائنه جيدًا، ولكنه يعرف أحذيتهم. تتحقق كابوسية القصة عندما يموت الرجل في حادث سير قبل أن يتمتع بأمواله، وقبل أن يرى الرواية الأولى التي كتبها الكاتب -بطل القصة- عنه.

رجاء عليش وكافكا

باستثناء الأديب الألماني التشيكي “فرانز كافكا” فإنه من الصعب جدًا إيجاد كاتب يشبه في كتاباته أو في قضيته التي يكتب عنها أسلوب رجاء عليش؛ فقد اعتمد علی المباشرة ونقد المجتمع الغارق في مظاهر زائفة، وانتقد فساد النفوس وسطحية الرؤى وضحالة الفكر، ووجه أصابع الاتهام لمجتمع يعيب علی غيره بينما هو غارق في الأشياء المخجلة. تشابه أسلوب عليش مع كافكا في اتخام المحتوی الأدبي والاستفاضة في الحديث عن مساوئ المجتمع، وإن كانت مشكلة كافكا في أن الآخرين لا يفهمونه بأي طريقة، فمشكلة رجاء عليش كانت في عدم سماح الآخرين له بأن يكون بينهم، أو أن يفصح عن أفكاره من الأساس، بسبب الحاجز المرئي بينه وبينهم، حاجز القبح الظاهري الذي لا يملك له حلاً.

يری رجاء عليش بطل قصته “القبيح والناس” فأرًا يتسلی الآخرون كالقطط بتعذيبه وأكله، ثم لفظه في تقزز بالغ، بينما تحول بطل كافكا في رواية التحول كصرصور حقيقي كانت أزمة الآخرين تتمثل في تقززهم منه ونفورهم، وبينما كان بطل كافكا في رواية “المحاكمة” غارقًا في عبثية الأحداث التي تحدث حوله بلا قدرة حقيقية منه على استيعابها، فإن أزمة عادل بطل رواية “كلهم أعدائي” تجسدت في تخلي الجميع عن رؤية ما قد يحمله البشر بداخلهم مكتفيين بالحكم عليهم ومحاسبتهم على ما يظهر منهم فقط،  مكتفين برؤية القالب الخارجي الذي قد يكون خاويًا من أي شيء جميل.

لماذا انتحر رجاء عليش؟

حين نُعيد قراءة ما كتبه الراحل قد نتعرف علی الأسباب التي جعلت هذا الرجل يطلق علی نفسه الرصاص، نعرف الأسباب الحقيقية التي جعلت كاتب في عامه السابع والأربعين يقرر التوقف عن الاستمرار. وبالإضافة إلى الصور الشعرية العديدة التي تُصاحب مأساة مرهفي الحس والتي تدفعهم للانتحار، فإن ما صاحب رجاء عليش في حياته وبعد رحيله لم يكن إلا ارتباط اسمه بالقبح، سواء من خلال كتاباته التي كانت تشبه جرس إنذار يدق في الأرجاء دون أن يلفت الانتباه، أو من خلال الصورة الذهنية لرجاء نفسه والتي نحاول رسمها بإعادة قراءة ما كتبه، لا لنشعر بما كان يشعر به ونتعاطف معه فقط، بل لكي نتناوله ونمعن النظر فيه كما كان يتمنی، وهو الذي عانی من التهميش والإقصاء بسبب عدم قدرته عن الاندماج في الأوساط الثقافية. بسبب مظهره أو عدم التحقق الأدبي الكافي أو بسبب أي شيء فبالتأكيد لم تكن كتابة رجاء عليش في وقتها -أو في الوقت الحالي- سيئة إلى درجة عدم تناولها، أو قراءتها بهذه الدرجة التجاهل.

حملت كتابة رجاء عليش أوجه فنية عديدة، ربما تكون كلاسيكية جدًا، ولكن هذا يعود بنا للفترة التي عاش فيها، والتي كانت فيها الرواية العربية في بدايات تطورها، ربما تمتلئ بالتشبيهات غير البليغة في بعض المواضع، وربما لم تكن قضيته مهمة لمن قرأوها، لكنها تظل قضية مهمة، تتجاوز في مضمونها جحيم الآخرين الذي لا يتمكن المرء من الهرب، أو المفهوم الأدق للقبح، أو الثنائيات التي لا يحتمل المجتمع اجتماعها. تتمثل أهمية مشروع رجاء عليش الأدبي في كونه يحمل قضية واضحة، بارزة، إنسانية يشترك فيها الجميع في كل مكان بلا تمييز. لو كان رجاء عليش بيننا في وقتنا الحالي لربما تمكنت كتاباته من التحقق بشكل كامل في ظل وجود الصوابية السياسية التي تحاول أن تحتوي الجميع تحت مظلتها، لو كان بيننا في الوقت الحالي لتمكن من دعم كل من يعانون من التنمر والتمييز، وربما كان حمل صوته الخافت مئات الأصوات الخافتة، لتشكل صوتًا واضحًا يمكنه أن يصرخ في العالم بأكمله ليسمح لكل شخص مختلف للعيش بلا معاناة وبلا رفض.