المجهود الحربي لأم كلثوم

رحلات غنائية لتجاوز الهزيمة

مدينة

ما الذي قد يفاجئنا حين نعلم أن كتابًا جديدًا عن أم كلثوم على وشك الصدور؟ وهل من الممكن أن يحتوي على ما لا نعرفه عنها؟
أم كلثوم، في نظر الناس، الأسطورة التي تقوم كل حين من رمادها.. بعد نحو 50 عامًا على وفاتها لا نزال نكتشف الجديد عن مطربة الشرق التي بذلت جهودًا ثمينة، واستثنائية، تعجز الدول عن القيام بها، للمساعدة فيما أطلق عليه “المجهود الحربي” بعد نكسة 67.. سلسلة من الرحلات الغنائية، استمرت لسنوات، طارت فيها شرقًا وغربًا من المغرب إلى موسكو وباريس وأبوظبي وغيرها..
اختارت أم كلثوم دائمًا أن تؤدي دورًا لا يستطيع غيرها تأديته، لهذا كانت هذه الرحلات الناجحة، وكانت ملايين الجنيهات التي ذهبت لخزائن الدولة التي تعاني الهزيمة..

أقواس مدينة هذا الأسبوع من كتاب “أم كلثوم سنوات المجهود الحربي”، تأليف كريم جمال، الذي سيصدر قريبًا عن دار تنمية.

القوس الأول: راجعين بقوة السلاح

” بعد أقل من أسبوع من قرار سحب قوات الأمم المتحدة، تحدث الرئيس جمال عبد الناصر في اجتماعه يوم 22 مايو 1967 مع مجموعة من الطيارين العسكريين في قاعدة «أبو صوير» الجوية عن أسباب الأزمة التي افتعلتها إسرائيل بحشد قواتها على الحدود السورية، وحاول تبرير تلك الترتيبات العسكرية المتلاحقة، ليعلن في نهاية كلمته قراره بغلق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وأن العلم الإسرائيلي لن يمر بعد ذلك في الخليج المصري، ليقول في نهاية خطابه إلى ضباطه “بيهددوا بالحرب، اليهود، بنقول لهم أهلًا وسهلًا.. احنا مستعدين للحرب، قواتنا المسلحة وشعبنا، وكلنا مستعدين للحرب، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتنازل عن حق من حقوقنا، هذه المياه هي مياه إقليمية”، وفي اليوم التالي أغلقت مصر فعلًا مضيق تيران، وأعاقت مرور السفن الإسرائيلية إلى ميناء إيلات، ولم يكتف عبد الناصر بذلك، بل أقدم على خطوة جدية أخرى، وهي منع السفن الإسرائيلية وسفن الدول الأخرى من الدخول في خليج العقبة، عبر مضيق تيران، وشرح عبد الناصر للسفير السوفيتي أن هذه القرارات تهدف إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عدوان 1956، لتتباين بعد ذلك ردود الأفعال على قرار ناصر، فبينما توالت مظاهر التأييد العنيفة من معظم البلاد العربية وإعلان حالة التعبئة العامة، كان هناك أيضًا مظاهر النقد القوية من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب وبالطبع إسرائيل ذاتها!
هذا الفيض من القرارات المتلاحقة والواثقة بإفراط في قدراتها العسكرية أثار حماسة المصريين، وخصوصًا تلك الأجيال التي آمنت بالمشروع الناصري وصدقته وتفانت في الدفاع عنه، حتى مع شيوع أخطائه وتداول الألسنة في الخفاء بعضًا من سلبياته. ومثلها مثل بقية المصريين كانت السيدة أم كلثوم تتابع تلك الأحداث في ترقب وحماس، وتجري اتصالاتها مع دوائرها المطلعة على تفاصيل الموقف لعلها ترصد قراءة سياسية واضحة لذلك المشهد المرتبك، لكن الأكيد والذي لا شك فيه أنها كانت تؤمن بقدرات الجيش وقائده ورجاله، وهي التي تابعت مع غيرها من المصريين في عام 1966وفي عيد 23 يوليو الأخير، العرض العسكري المهيب الذي أقيم في القاهرة وشهده عبد الناصر ذاته، حيث ظهر الجيش المصري في ذلك العرض قَوِيًّا ومسلحًا وقادرًا على المواجهة، في رسالة واضحة إلى الغرب العدو التاريخي اللدود لناصر ومشروعه، بل إنها في مساء ذات اليوم وقفت تغني على مسرح «نادي الضباط» بالزمالك ابتهاجًا بذلك المُنجز الناصري، وتمجيدًا لبطل الثورة الذي حقق المستحيل مؤكدة أنه “لم تعطنا الدنيا سواه ولا نريد لها سواه”، وربما زادها حماسة ما تحدثت عنه فيما بعد رؤيتها لتحركات الجيش في صبيحة اليوم التالي لقرار التعبئة 15 مايو 1967، وهي تعبر شوارع العاصمة متوجهة نحو سيناء، لتمر بأكثر الميادين القاهرية ازدحامًا بالمرور المدني، حيث عبرت تلك التشكيلات الضخمة على مرأى من الجميع تحت شرفات أكبر السفارات الأجنبية في القاهرة، رغم وجود طريقين رئيسيين خارج العاصمة لتسهيل التحركات العسكرية عند اللزوم، لكن الأمر لم يكن عَفوِيًا؛ فالقيادة المصرية التي كانت تندفع نحو تلك الهاوية بسرعة كبيرة، كانت تريد استعرض قوتها أمام الداخل والخارج، وبث رسالة ثقة لأنصارها ومواطنيها.
وَتَدرِيجيًّا بدأت تعلو نغمة الصدام في الإعلام المصري، وتزداد مشاعر الحمى الوطنية وتسيطر على الموقف صحفيا وإذاعيًّا وتليفزيونِيًّا، وكما أعلنت التعبئة العسكرية أعلن الفنانون المصريون حالة التعبئة الفنية، وخلال الأسبوع الأخير في شهر مايو 1967 عاش قطاع الموسيقى والغناء تحديدًا في الإذاعة المصرية في حالة طوارئ وتعبئة استعدادًا للمعركة الفاصلة بكل قوة وحماس، الكل كان يغني أناشيد المعركة المرتقبة، والكل يردد الألحان الحماسية ذات الإيقاعات العسكرية، الاستوديوهات محجوزة طوال اليوم، والملحنون لا ينامون الليل، وقد بلغت الحماسة ببعضهم أن وضع ثلاثة ألحان لثلاثة أناشيد في يوم واحد، مثل الملحن محمود الشريف (1912، 1990) صاحب نشيد «الله أكبر» درة أناشيد معركة 1956، وخلال الثلاثة أيام الأخيرة في مايو 1967 كان قد سُجل في الإذاعة المصرية ما يقرب من ستين نشيدًا من الأناشيد التي لا يستغرق أداؤها أكثر من دقيقتين. وكانت أم كلثوم تدرك أهمية دورها في تلك اللحظة الفارقة، وضرورة انضمامها إلى ركب التعبئة العامة سريعًا، فأخرجت من أدراجها الخاصة أغنية وطنية بعنوان «راجعين بقوة السلاح/ الله معك» من كلمات الشاعر صلاح جاهين (1930، 1986)، الذي سبق وتعاملت معه أم كلثوم في ثلاثة لقاءات وطنية سابقة هي: «والله زمان يا سلاحي» عام 1956 الذي أصبح بعد ذلك النشيد الوطني المصري، وأغنية «محلاك يا مصري» عام 1957، التي أرخت لمعركة التأميم ومؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب من هيئة قناة السويس، أما اللقاء الثالث فكان رائعة «ثوار» عام 1961

‎⁨الجماهير في حفل أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا⁩

القوس الثاني: هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية

بعد أيام قليلة من صباح يوم الهزيمة دشنت السيدة أم كلثوم حملتها غير المسبوقة لصالح دعم المجهود الحربي، وبدأتها فِعلِيًّا في يوم 20 يونيو 1967 عندما حولت شيكًا بمبلغ 20 ألف جنيه إسترليني إلى خزانة الدولة المصرية، كانت قد تلقته من دولة الكويت مقابل إذاعة بعض تسجيلاتها الغنائية هناك، ولم يعلن عن ذلك التبرع إلا بعدما سرب أحد العاملين في وزارة المالية ذلك الخبر إلى الصحافة المصرية، فكتب تفاصيله الكاتب موسى صبري (1925، 1992) في مقال قصير في صحيفة «الأخبار» في 27 يونيو 1967 تحت عنوان: «خذوا القدوة من أم كلثوم» دعا فيه الفنانين المصريين إلى الاقتداء بمواقف أم كلثوم الوطنية، خصوصًا وأن البعض وسط أجواء الهزيمة قد سافر إلى لبنان بحجة حر الصيف في القاهرة!
وقد بادرت أم كلثوم بتكوين هيئة أطلقت عليها «هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية» لإسعاف الجنود المصابين وتوحيد صف سيدات مصر للمشاركة في حملة دعم المجهود الحربي عبر التبرع بالنقود والمصاغ، ومحاولة منها للإسهام في ترميم المشاعر الوطنية للمرأة المصرية ثم تعبئتها، وأصل فكرة «هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية» كما راودت أم كلثوم؛ أن المرأة المصرية يجب أن يكون لها دور في المعركة، وأن أولويات الحركة النسوية المصرية لا بد أن تتغير بعد العدوان، فحتى عام 1967 كان في مصر ما يزيد على 147 جمعية نسائية تقريبًا، تنقسم إلى نوعين؛ إما جمعيات تقدم جهودها في مجال معين من الخدمة العامة كالدرن وتحسين الصحة ورعاية المكفوفين، وإما جمعيات تقدم جهودها في قطاع محلي معين كحي أو مدينة ولا تتعدى ذلك النطاق الجغرافي. ورأت السيدة أم كلثوم أن هذين النوعين لا يكفيان، كما أن مثل هذه الجمعيات تملك من طاقة أعضائها ما يزيد على حاجتها، لكنها لا تعرف كيف تصرف هذه الطاقة في خدمة البلد، فكان لا بد من إخراج هذه الجمعيات عن نوعيتها ومحليتها المحدودة، وتوجيه طاقتها الزائدة إلى خدمة المعركة، بلا تعقيد أو شكل إداري أو شخصية معنوية تسجل في وزارة الشؤون الاجتماعية، مجرد عملية تنسيق وتنشيط لجهود الجمعيات النسائية وتوحيد لصفوفها، لتعبر فوق حدودها المحلية والنوعية، وتصب في بحر المعركة الأم. وقد شرحت المحامية والرائدة النسوية مفيدة عبد الرحمن (1914، 2002) الغرض من التجمع في أول اجتماع لهيئة التجمع الوطني الذي شهدته سيدات ثلاث وعشرين جمعية نسائية مصرية، ثم تكلمت السيدة أم كلثوم واقترحت تسميتها «هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية»، وقالت إنه يجب ألا يكون للهيئة مقر أو شكليات، وأن مقر تجمع الهيئة سيختلف في كل مرة، فمرة تجتمع الهيئة في جمعية «النور والأمل» ومرة أخرى في جمعية «تحسين الصحة» وهكذا.
وفي يوم 10 يوليو 1967 دعت السيدة أم كلثوم سيدات الجمعيات النسائية إلى اجتماع كبير عقد في جمعية «النور والأمل» في حي مصر الجديدة، وحضر الاجتماع كل رئيسات وعضوات الهيئات النسائية بالقاهرة، ومثَّل جمعية «الهلال الأحمر» في هذا الاجتماع السيدات زهرة رجب واستقلال راضي وعلية الفار وعزيزة حسين وليلى البنان وثريا مكاوي وسلوى عمر مكرم، وكذلك حضرته جميع عضوات مجلس الأمة. وفي بداية الجلسة قالت أم كلثوم “إن الوقت قد حان لأن تقوم المرأة المصرية بواجبها في هذه الظروف الصعبة”، وأكدت أن «التجمع الوطني للمرأة المصرية» يستطيع أن يقوم بعمل كبير من أجل بدء مرحلة جديدة تلتقي فيها جميع سيدات مصر من مختلف المستويات، كل سيدة منهن في ميدان مختلف وفي مجال تخصصها، وقرب نهاية الاجتماع تقرر تشكيل لجنة تنفيذية من السيدة استقلال راضي والسيدة ليلى دوس والسيدة مفيدة عبد الرحمن لتنسيق العمل، واختارت اللجنة السيدة أم كلثوم رئيسة للهيئة باعتبارها صاحبة الدعوة إلى تجميع نشاط المرأة العربية في مصر داخل هيئة واحدة، وتقرر إنشاء لجان رئيسية لهيئة التجمع الوطني، لتكون كل لجنة مسؤولة عن نشاط محدد”..

القوس الثالث: رحلة باريس

حين عرضت الصور على الشاشات هرع العرب الذين لم يصدقوا أنها كانت ستأتي فلم يحجزوا أماكنهم، هرعوا حين سمعوها تعلن أنها ستغني.. لم يهرع مسلمو فرنسا فحسب بل من كل أنحاء أوروبا، فجاءت الطائرات محملة بمسلمين من بريطانيا وألمانيا وكانوا في أغلبهم شباب، وكان كل هذا عبئًا اقتصاديًا كبيرًا بالإضافة إلى مصاريف السفر والإقامة”، فخلال الساعات الأولى لوصول أم كلثوم إلى باريس دبت حالة استنفار في بعض أحيائها العربية، فتوافدت الجاليات العربية المختلفة التي كانت تقدر في ذلك الوقت في باريس بنصف مليون عربي علي منافذ بيع تذاكر مسرح الأولمبيا، ولم يتوقف الأمر عند حدود عرب فرنسا، بل زاد عليهم العرب في البلاد المجاورة؛ بلجيكا وألمانيا وهولندا وبعض الدول الإسكندنافية، الذين طاروا إلى باريس في رحلات عاجلة من أجل حضور ذلك المؤتمر العربي في قاعة مسرح الأولمبيا، وللمرة الأولى في تاريخ شركات الطيران والسياحة، تخصص الشركات موظفين لشراء التذاكر، فقد كانت أغلب برقيات حجز الطائرات تصل إلى باريس مشفوعة برجاء حجز التذاكر لليلتي أم كلثوم، وفي يوم وليلة وجد كوكاتريكس نفسه في مأزق جديد، ولكنه هذه المرة مأزق مُربح، فكيف يستطيع أن يوفر لكل هؤلاء العرب تذاكر للحفلتين، وعدد مقاعد القاعة لا يزيد على 2200 مقعد، خصوصًا بعد أن انضم إلى العرب فئات أخرى غير عربية ولا تفهم لغة المشرق، لكنهم جاءوا بعدما سمعوا عن تلك المعجزة التي استولت على قلوب وعقول أصدقائهم العرب، فوفقًا لتصريحات الصحافة الفرنسية؛ فإن الفرنسيين ذاتهم قد حجزوا ما لا يقل عن 20% من تذاكر الحفلتين، رغم العوائق الكثيرة التي قد تحول بينهم وبين فهم غناء أم كلثوم، لكن الدعاية والحفاوة التي استقبلت بها تلك المرأة زادت رغبتهم في اكتشافها ومعرفة سرها الفني. وهنا وجد كوكاتريكس نفسه مُضطرًّا إلى اختراع ما أسماه «تذاكر للوقوف»، إذ بلغت قيمة التذكرة الواحدة خمسة جنيهات إسترلينية، وما هاله فعلًا هو الإقبال الشديد حتى على تلك النوعية من التذاكر، وهنا فقط أدرك أنه قد عقد صفقة رابحة، وأن حديث الوزير ثروت عكاشة معه في العام الماضي كان حقيقيًا، حين أكد له أن أمواله سترد إليه وفوقها أضعافها ربحًا، لتنفد التذاكر بشكل كامل ورسمي من المسرح خلال الساعات الأولى من يوم 11 نوفمبر 1967، ولتبدأ تباع في السوق السوداء الفرنسية بأضعاف سعرها الحقيقي، فقد وصل ثمن التذكرة الواحدة إلى مائة جنيه إسترليني كاملة. ويتذكر كوكاتريكس واقعة طريفة فسرت له مدى هوس العرب بالسيدة أم كلثوم “وأذكر ذلك الأمير أو الشيخ العربي الذي قدم ووضع مائة ألف فرانك قديم وطلب مقعدًا في الصف الأول، لكن موظفة التذاكر قالت له إنه لم يعد هناك مقاعد متاحة للحجز، فعرض عليها مائتي ألف فرنك، ثم أراد أن يدفع خمسمائة ألف، ولكن الموظفة أكدت له أنه ليس في وسعها فعل شيء، وأنه لا يمكنها أن تجد له تذكرة، فغضب وأخرج مسدسه، لا أظنه كان سيطلق النار ولكن ليهدد فقط وفي نهاية الأمر أعطيناه كرسيًا بين صفين!”.

القوس الرابع: إلى موسكو

في نهايات عام 1969 وعبر واسطة الكاتب سعد الدين وهبة، أجرت صحيفة «البرافدا» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوفيتي حوارًا مطولًا مع السيدة أم كلثوم، إذ يروى سعد الدين وهبة تفاصيله “ذات يوم اتصل بي مندوب صحيفة البرافدا السوفيتية في القاهرة، وقال: إنه يريد أن يجري حديثًا صحفيا مع أم كلثوم، وأن البعض دله علي لأكون وسيطًا في هذا الطلب لأنه عرف أني أقابلها كثيرًا، وأكتب قصة حياتها، وقابلتها في نفس اليوم وأبلغتها برغبة مراسل البرافدا، وسألتني عن أهمية البرافدا، فشرحت لها قيمة الصحيفة في الاتحاد السوفيتي، وسألتني هل أجرت هذه الصحيفة أحاديث مع أحد في مصر، وأجبتها: أعتقد أنها أجرت حديثًا واحدًا فقط مع الرئيس عبد الناصر، ووافقت أم كلثوم وطلبت مني أن أحضر مع المراسل يوم الثلاثاء القادم، وأبلغت الشاب الذي فرح فرحًا شديدًا، وطلبت منه أن يمر على بيتي لنذهب معًا إلى بيتها، وفي الموعد المحدد قدمت لها المراسل، وجلسنا وسألتني عن اللغة التي يتحدث بها.
فأجبتها: بالإنجليزية.
قلت ذلك وتأهبت لمغادرة البيت بعد أن انتهت مهمتي فإذا بها تقول: إنجليزي.. تبقي تقعد عشان تترجم.
وكانت المرة الأولى التي أعرف فيها أن أم كلثوم لا تعرف الإنجليزية رغم إجادتها للفرنسية إجادة تامة.
جلست وبدأت الأسئلة ينطقها المراسل بالإنجليزية وأنقلها إليها بالعربية ثم أسمع ردها بالعربية لأعيده للمراسل بالإنجليزية. وفجأة وفي أثناء الحديث توقفت ونظرت لي وسألتني بالعربية طبعًا: أنا بأقول كلام فارغ؟
ورددت: بالعكس أنت بتقولي كلام رائع جدًا. فعادت تسأل: طيب ليه الرد اللي أنت ترجمته بالإنجليزية أطول بكثير من الرد اللي أنا بأقولهولك بالعربي؟
وأفهمتها أني أطيل في الرد عن عمد كي لا يفلت مني معنى أو من المراسل باللغة الإنجليزية.
وظهر عليها الاقتناع، واستمر الحديث، وأذكر أن آخر سؤال وجهه إليها المراسل: ماذا تفعلين إذا حققتم الانتصار على إسرائيل بالسلاح السوفيتي؟
فأجابت بتلقائية غريبة: أغني للشعب السوفيتي في شوارع موسكو

القوس الخامس: الست وعبد الناصر

يروي الدكتور على السمان وهو الشاهد المهم على تلك الرحلة منذ بدايتها؛ أنه عقب عودة السيدة أم كلثوم إلى القاهرة كانت أول زيارة لها لبيت الرئيس جمال عبد الناصر في منطقة «منشية البكري»، حيث أقامت لها صديقتها السيدة تحية عبد الناصر مأدبة عشاء على شرف نجاحها في باريس، وعندما وصل الرئيس عبد الناصر إلى المنزل جلس مع السيدة أم كلثوم، وسألها عما إذا كان أعضاء السفارة المصرية قد قاموا بأداء الواجب تجاهها، لكن أم كلثوم أخبرته أن السفير عبد المنعم النجار لم يأتِ لاستقبالها في المطار، وأنه أوفد إليها المستشار الثقافي في السفارة ليكون في استقبالها عند نزولها في مطار لو بورجيه الفرنسي، ووفقًا لرواية السمان فإنه وبعد أسابيع قليلة تم نقل السفير النجار إلى الإدارة الثقافية للخارجية القاهرة عقابًا له على خطئه المهني هذا!

ويكمل السمان روايته مؤكدًا أن عبد الناصر لم يغضب من ذلك السفير تحديدًا عندما أهمل إرسال برقية له مثل غيره من السفراء يطلب منه عدم التنحي بعد الهزيمة، لكنه غضب لعدم تقديره للسيدة أم كلثوم، وعدم معاملتها بمراسم الشرف الكاملة، خصوصًا وأن تلك الزيارة قد جاءت في سياق مهمة وطنية نبيلة، فكان هذا هو وزن وقدر أم كلثوم لدى الزعيم جمال عبد الناصر.