أوكتافيا بتلر: هوس إيجابي

سيرة ذاتية

وائل عشري ترجمة

تُعتبر أوكتافيا بتلر Octavia Butler، المولودة عام 1947 لأسرة فقيرة في باسادينا بكاليفورنيا، واحدة من أهم كاتبات/كُتَّاب الخيال العلمي. تصف بتلر نفسها بأنها: “غير اجتماعية ومرتاحة بذلك.. متشائمة إن لم أنتبه، نسوية، سوداء، [مسيحية] ميثودية سابقة؛ مزيج، كالماء والزيت، من الطموح والكسل وعدم الثقة واليقين والحيوية“.

  في إطار أدب الخيال العلمي، وهو نوع أدبي يهيمن عليه مؤلفون رجال بيض، تطرح أعمالها، المسكونة بأجواء ديستوبية، أسئلة متنوعة حول العرق، والجندر، وتراتبيات المجتمع الأمريكي المعاصر، ومستقبل النوع البشري.

تمثل سلسلةسيد الأنساق، التي تتناول سيطرة شبكة من رجال أقوياء على البشرية، بفضل قدرتهم على التخاطر الذهني، بدايات نجاحها بعد أعوام من المحاولات، والعمل اليدوي الشاق، والاستيقاظ في الثانية أو الثالثة صباحًا كي تكتب. بدأت السلسلة برواية العنوانسيد الأنساق” The Patternmaster (1976)، وتلتها أربعٌ أخرى كانت آخرهاسفينة كلاي” (Clay’s Ark (1984. على الرغم من النجاح الكبير الذي حققته هذه السلسلة في دوائر أدب الخيال العلمي، كانتأقرباء” Kindred (1979) هي الرواية التي جذبت اهتمام الجمهور العام إلى بتلر وأعمالها. تحكيأقرباءقصة امرأة أفريقية أمريكية تسافر عبر الزمن كي تُنقذ حياة أحد أسلافها من البيض مالكي العبيد. 

جددت الأجواء الحالية في أمريكا (الانتشار الواسع لفيروس كورونا، المشكلات الناجمة عن الاحتباس الحراري، رئاسة ترامب، الاضطرابات العرقية، الحرب الأهلية الباردة) الاهتمام بروايتيهاأمثولة الزارع” Parable of the Sower (1993)، وأمثولة الأَمناء” Parable of the Talents (1998)، اللتين تجري أحداثهما في مستقبل تحدد معالمه كوارث بيئية، وانهيار النظام العام، وانتشار العنف، وعودة نمط جديد من العبودية، وصعود اليمين المسيحي، إضافة إلى سياسيين يعدون بجعل أمريكاعظيمة مرة أخرى“.

تُوفِيت أوكتافيا بتلر عام 2006، بالسكتة الدماغية أمام منزلها في ليك فورست بارك بولاية واشنطن. 

 

نُشِر مقال أوكتافيا بتلرهوسٌ إيجابيفي مجموعتها القصصية الوحيدةطفل الدم وقصص أخرى” Bloodchild and Other Stories التي صدرت عام 1996 متضمنة خمس قصص ومقالتين، ثم أُعيد نشرها عام 2005 بعد إضافة قصتين جديدتين. 

الملحوظة التالية ملحقة بالمقال:

ظهر مقال السيرة الذاتية هذا في مجلة إسنس Essence، [عام 1989] تحت عنوان من وضع المجلة،ميلاد كاتبةلم يرق لي عنوان مجلة إسنس قط. عنواني كان دائمًاهوسٌ إيجابي“. 

كثيرًا ما قلت إنه بما أن حياتي ممتلئة بالقراءة والكتابة، وليس بالكثير من الأمور الأخرى، فهي أكثر مللًا من أن أكتب عنها. ما زلت أشعر بالشعور نفسه. أنا مسرورة لكتابة هذا المقال، لكني لم أستمتع بكتابته. ليس لدي أدنى شك في أن أفضل جوانب حياتي، وأكثرها إثارة للاهتمام، هي قصصي“. 

 

أوكتافيا بتلر في الهامش. عام 1970. ورشة كلاريون لكُتَّاب الخيال العلمي.

1

كانت أمي تقرأ لي قصصًا قبل النوم إلى أن بلغت السادسة من عمري. كانت تلك خطة سرية من جانبها. ما إن تبدأ القصص في إثارة إعجابي، كانت تقول، “ها هو الكتاب. لتقرأي أنتِ الآن” لم تعرف أي فخ كانت تنصبه لنا نحن الاثنتان.

2

ذات يوم حين كنت في العاشرة قالت لي أمي “أعتقد أن لدى كل واحدة شيئًا ما تستطيع أن تفعله أفضل مما تستطيع أن تفعل أي شيء آخر. يعود إليها اكتشاف ما هو ذلك الشيء”. 

كنا في المطبخ بجوار الموقد. كانت تفرد شعري بينما أجلس محنية فوق دفتر رماه شخص ما، أكتب. كنت قد قرَّرت أن أكتب بعضًا من القصص التي حكيتها لنفسي على مدار السنين. حين لم تكن لدي قصص كي أقرأها، تعلمت أن أختلقها. الآن، كنت أتعلم تسجيلها. 

3

كنتُ خجولة، أخاف من معظم الناس، ومن معظم المواقف. لم أتوقف كي أسأل نفسي كيف يمكن للأشياء أن تؤذيني، أو حتى إن كان بإمكانها أن تؤذيني. كنت فقط خائفة. 

تسللتُ إلى داخل مكتبتي الأولى تملئني مخاوف غامضة. كنت قد تمكنت من ادخار نحو 5 دولارات، معظمها فكَّة. كان ذلك عام 1957. كانت 5 دولارات مبلغًا كبيرًا بالنسبة لفتاة في العاشرة. كانت المكتبة العامة بيتي الثاني منذ بلغت السادسة، وكنت أمتلك عددًا من عطايا الكتب. لكنني أردت الآن كتابًا جديدًا – كتابًا اخترته بنفسي، وأستطيع أن أحتفظ به.  

“هل يمكن للأطفال الدخول هنا؟” سألت الكاشيرة ما إن صرت في الداخل. عنيت: “هل يمكن للأطفال السود الدخول هنا؟” لقد حذرتني أمي، المولودة في أرياف لويزيانا والتي تربت وسط فصل عرقي صارم، من أنني قد لا أكون موضع ترحيب في كل مكان، في كاليفورنيا حتى. 

ألقت الكاشيرة نظرة سريعة عليَّ “بالطبع يمكنكِ الدخول،” قالت. ثم ابتسمت، وكأن ذلك كان خاطرًا لاحقًا. ارتحتُ. 

الكتاب الأول الذي اشتريته كان يشرح سمات سلالات الخيل المختلفة. كان الثاني يصف النجوم والكواكب، والكويكبات، والأقمار والمذنبات.

مخطط وملحوظات لرواية أوكتافيا بتلر “أمثولة الزارع”التي يشيرعنوانها إلى المثل الوارد في إنجيل لوقا 8:4-15

4

أنا وخالتي في مطبخها، نتحدث. تطبخ هي شيئًا طيب الرائحة، وأجلس أنا إلى طاولتها، أراقبها. ترف. في البيت، كانت أمي لتجعلني أساعد.

“أريد أن أصير كاتبة حين أكبر،” قلت. 

“هل هذا صحيح؟” سألت خالتي. “حسنًا، هذا لطيف، لكن عليكِ أن تحصلي على وظيفة أيضًا”. 

“الكتابة ستكون وظيفتي” قلت. 

“بإمكانكِ أن تكتبي في أي وقت. إنها هواية لطيفة. لكن سيكون عليكِ كسب قوتكِ”. 

“سأكسبه ككاتبة”. 

“لا تكوني سخيفة”. 

“أنا جادة”. 

“يا عسل.. الزنوج لا يمكنهم أن يكونوا كُتَّابًا”. 

“لمَ لا؟”.. 

“فقط لا يستطيعون”. 

“بل يستطيعون!” 

كنت في منتهى الإصرار وأنا لا أعرف ما أتحدث عنه. في أعوامي الثلاثة عشر، لم أكن قد قرأت قط كلمة مطبوعة أعرف أن شخصًا أسود هو من كتبها. خالتي امرأة بالغة. تعرف أكثر مني. ماذا إن كانت على حق؟

5

الخجل خراء. 

ليس ظريفًا، ولا أنثويًّا، ولا جذَّابًا. إنه عذاب، وخراء. 

قضيت قسمًا كبيرًا من طفولتي ومن مراهقتي أحملق في الأرض. من العجيب أني لم أصبح عالمة جيولوجيا. كنت أتحدث همسًا. كان الناس يقولون دائمًا، “ارفعي صوتكِ! لا نستطيع أن نسمعكِ”. 

حفظت الواجبات والقصائد المقررة للمدرسة، ثم بكيت كي أتجنب تلاوتها. بعض المدرسين وبخوني على عدم مذاكرتي. بعضهم سامحوني لأني لم أكن ذكية بما يكفي. قليلون فقط رأوا خجلي.

“إنها متخلفة جدًّا” قال بعض أقاربي. 

“هي لطيفة جدًّا وهادئة” قال المهذَّبون من أصدقاء أمي.  

آمنتُ أني قبيحة وغبية، وخرقاء، وبائسة اجتماعيًّا. اعتقدتُ كذلك أن بوسع الجميع ملاحظة هذه الأخطاء إن جذبت الاهتمام إلى نفسي. أردت أن أختفي. بدلًا عن هذا، كبرت وصار طولي ست أقدام. الأولاد على الأخص بدا أنهم افترضوا أني تعمَّدت ذلك النمو، وأنه تتعين السخرية مني بسبب ذلك كلما أمكن. 

اختبأت في دفتر وردي كبير – دفتر يمكن أن يضم رزمة كاملة من الورق. هناك، بوسعي أن أكون حصانًا سحريًّا، مريخية، قارئة أفكار.. هناك، بوسعي أن أكون في أي مكان إلَّا هنا، أي زمان إلَّا الآن، مع أي ناس إلَّا هؤلاء. 

6

كانت أمي تعمل باليومية. وكانت من عاداتها أن تأتي إلى البيت بأي كتب يتخلص منها موظِّفوها. حظيتْ بثلاث سنوات فقط من التعليم، ثم خرجت كي تعمل. الابنة الكبرى. كانت تؤمن إيمانًا قويًّا بالكتب والتعليم. وأرادت لي أن أحصل على ما حُرمت هي منه. لم تكن متأكدة أي كتب قد يكون بوسعي استخدامها، لهذا أحضرت كل ما وجدته في الزبالة. كانت لديَّ كتب صفراء بفعل الزمن، كتب دون أغلفة، كتب مكتوب داخلها بخط اليد، مرسوم فيها، مبقعة، مقطوعة، ممزقة، ومحروقة جزئيًا حتى. كدستها في صناديق خشبية وخزانات كتب مستعملة، وقرأتها وقتما صرت مستعدة لقراءتها. بعضها كان متقدمًا عني بسنوات حين حصلت عليه، لكني كبرت له. 

7 

الهوس، طبقًا لقاموسي الراندم هاوس القديم، هو “سيطرة فكرة، أو صورة، أو رغبة ملحة.. إلخ، على خواطر المرء ومشاعره”. قد يكون الهوس أداه نافعة إن كان هوسًا إيجابيًّا. استخدامه يشبه التصويب بحرص في الرماية. 

مارست الرماية في المدرسة الثانوية لأنها لم تكن لعبة جماعية. راقت لي بعض الألعاب الجماعية، لكن في الرماية تؤدين أداءً حسنًا أو سيئًا طبقًا لمجهودكِ أنتِ. لا يوجد أحد آخر كي تلوميه. أردتُ أن أرى ما الذي أستطيع أن أفعله. تعلمت أن أصوِّب عاليًا. أصوِّب فوق الهدف. أصوِّب هناك تحديدًا. أَسترخِي. أَتخلَّى. إن صوبتِ على نحو صحيح، تصيبين الهدف إصابة دقيقة. اعتبرتُ الهوس الإيجابي وسيلة لتصويب ذاتكِ، حياتكِ، على هدفكِ المُختار. قَرِّري ما تريدين. صَوِّبي عاليًا. اِمضي إلى مقصدكِ. 

أردتُ أن أبيع قصة. قبل أن أعرف كيف أطبع، أردتُ أن أبيع قصة.

طبعت قصصي نقرًا بإصبعين على الآلة الطابعة الريمنجتون المحمولة التي اشترتها أمي لي. كنت قد توسلَّت إليها حين كنت في العاشرة، فاشترتها. 

“ستفسدين هذه الطفلة!” قالت لها واحدة من صديقاتها “ما حاجتها إلى آلة طابعة في عمرها هذا؟ ستقبع قريبًا في الخزانة يغطيها التراب. وكل هذه النقود الضائعة!”.

طلبت من أستاذ العلوم، السيد باف، أن يطبع لي إحدى قصصي – يطبعها على النحو الذي يُفترض أن تكون عليه، بدون فراغات ممسوحة على الورق، ودون شطب. فعل ذلك. لقد صحَّح حتى هجائي الفظيع وعلامات الترقيم. حتى اليوم، أشعر بالدهشة والامتنان. 

صفحة من مسودة رواية "أقرباء"، مع ملاحظات بخط اليد. حوالي عام 1977. يظهر عنوان الرواية الأصلي؛ "لكي يحفظوك في كل طرقك"، والعبارة من المزمور 91: 11

8

لم تكن لديَّ أي فكرة عن كيفية تقديم قصة من أجل النشر. تخبطت في المكتبة بين كتب عن الكتابة لم تكن مفيدة. ثم وجدت نسخة مهملة من “ذا رايتر” [الكاتب]، وهي مجلة لم أكن قد سمعت بها من قبل. أعادتني تلك النسخة إلى المكتبة للبحث عن المزيد منها، ومن مجلات أُخرى للكُتَّاب، كي أرى ما يمكن أن أتعلم منها. في مدة قصيرة جدًّا، اكتشفت كيف تقدِّمين قصة للنشر، وصارت قصتي في البريد. بعدها بعدة أسابيع تلقيت قصاصة الرفض الأولى. 

حين صرت أكبر سنًّا، قرَّرتُ أن تلقِّي قصاصة رفض يُشبه أن يُقال لكِ إن طفلكِ قبيح. حينها، تغضبين ولا تصدقين كلمة من ذلك. بالإضافة إلى هذا، انظروا إلى كل هؤلاء الأطفال الأدبيين القبيحين حقًّا، والموجودين هناك في العالم، ها هم يُنشرون ويكونون على ما يرام!  

9 

قضيت سنوات مراهقتي ومعظم عشريناتي أجمع قصاصات الرفض المطبوعة. في وقت مبكر، خسرت أمي 61.20 دولارًا؛ رسم قراءة أخذه وكيل مزعوم كي يُلقي نظرة على واحدة من قصصي غير المنشورة. لم يخبرنا أحد أن الوكلاء ليس من المفترض أن يأخذوا أجرًا إلى أن يبيعوا عملكِ. حينها، لهم أن يأخذوا عشرة في المئة مما يأتي به العمل. الجهل مُكلِّف. كانت الـ 61.20 تلك نقودًا أكثر، في ذلك الوقت، مما كانت أمي تدفع لإيجار شهر. 

10 

دفعتُ الأصدقاء والمعارف بإلحاحي إلى قراءة أعمالي، وبدا أنها تروق لهم. قرأها المدرسون، وقالوا أشياء طيبة، غير نافعة. لكن لم تكن هناك فصول للكتابة الإبداعية في مدرستي الثانوية، ولم يكن هناك نقد مفيد. في الكلية (في كاليفورنيا حينها، كانت الكليات السنتين تكاد تكون مجانية)، أخذت فصولًا درَّستها امرأة مسنة كانت تكتب قصصًا للأطفال. كانت مهذَّبة بخصوص قصص الخيال العلمي والفانتازي التي داومت على إعطائها لها، لكنها في النهاية سألت حانقة “ألا تستطيعين أن تكتبي شيئًا عاديًّا؟”. 

عُقِدت مسابقة على مستوى الكلية. كان يتعين تقديم المادة دون اسم. فازت قصتي القصيرة بالجائزة الأولى. كنتُ طالبة في عامها الأول، في الثامنة عشرة من عمرها، وفزت على الرغم من التنافس مع أناس أكبر سنًا، وأكثر خبرة. جميل. كانت الـ 15 دولارًا التي فزت بها هي أول نقود أكسبتها لي الكتابة.

11

بعد الكلية، قمت ببعض العمل المكتبي لفترة، ثم عملت في مصانع ومستودعات. كان حجمي وقوتي مزايا في المصانع والمستودعات. ولم يتوقع أحدٌ مني أن أبتسم وأتظاهر أني أقضي وقتًا طيبًا. 

كنت أستيقظ في الثانية أو الثالثة صباحًا، وأكتب. بعدها كنت أذهب إلى العمل. كرهت ذلك، ولا أمتلك موهبة المعاناة في صمت؛ تذمرت وشكوت واستقلت من وظائف ووجدت أخرى جديدة وجمعت المزيد من قصاصات الرفض. وذات يوم، مشمئزة، رميتها جميعًا. لمَ الاحتفاظ بأشياء كهذه، عديمة النفع، ومؤلمة؟ 

12

يبدو أن هناك قاعدة غير مكتوبة، مؤلمة ومتناقضة مع حقائق الثقافة الأمريكية. تقول القاعدة إنه ليس من المفترض أن تتساءلي، كشخص أسود، كامرأة سوداء، إن كنتِ أدنى مرتبة بالفعل – لستِ ذكية بما يكفي، لستِ لماحة بما يكفي، لست كفؤة بما يكفي كي تفعلي الأشياء التي تريدين فعلها. مع أنكِ، بالطبع، تتساءلين. ومن المفترض أن تعرفي أنكِ على نفس كفاءة الآخرين. وإن لم تكوني تعرفين، ليس من المفترض أن تُقِرّي بذلك. إن أقرَّ أي أحد بالقربِ منك بذلك، يُفترض منكِ طمأنتهم بسرعة، كي يخرسوا. هذا النوع من الأحاديث محرج. تصرفي بصلابة وثقة ولا تتحدثي عن شكوككِ. إن لم تتعاملي معها قط، ربما لا تتخلصين منها أبدًا، لكن بصرف النظر! اخدعي الآخرين. اخدعي نفسكِ حتى. 

لم أستطع أن أخدع نفسي. لم أتحدَّث كثيرًا عن شكوكي. لم أجر وراء التطمينات المتعجلة. لكنني فكرتُ كثيرًا، في الأمور نفسها مرارًا وتكرارًا.
من كنت أنا على أي حال؟ لمَ ينبغي على أي أحد أن يكترث بما لدي كي أقوله؟ هل لديَّ شيء أقوله؟ كنت أكتب خيال علمي وفانتازي، بحق الرب. في ذلك الوقت، تقريبًا كل كُتَّاب الخيال العلمي المتفرغين كانوا من الرجال البيض. على قدر ما أحببت الخيال العلمي والفانتازي، ما الذي كنت أفعله؟

حسنًا، أيًّا كان الأمر، لم يكن بمقدوري أن أتوقف. يعني الهوس الإيجابي ألَّا يكون في استطاعتكِ التوقف فقط لأنكِ خائفة أو تملئكِ الشكوك. الهوس الإيجابي خطير. يعني عدم القدرة على التوقف على الإطلاق. 

13

كنت في الثالثة والعشرين حين بعتُ، أخيرًا، أول قصتين قصيرتين. بعت كليهما لمحررين-كُتًّاب كانوا يدرِّسون في كلاريون، وهي ورشة لكُتَّاب الخيال العلمي كنت أحضرها. في النهاية قصة واحدة نُشِرت، والأخرى لم تُنشر. لم أبع كلمة أخرى لخمس سنوات. ثم، في النهاية، بعت روايتي الأولى. أشكر الرب ألا أحد قال لي إن ذلك سيستغرق هذا الوقت الطويل – لا يعني هذا أني كنت سأصدق ذلك. ومنذ ذلك الحين بعت 8 روايات. في الكريسماس الماضي، سددت قرض الرهن العقاري على بيت أمي. 

14

هكذا إذن أكسب قوتي بكتابة الخيال العلمي والفانتازي. على قدر علمي، ما زلت المرأة السوداء الوحيدة التي تفعل هذا. حين بدأت في المشاركة في الفاعليات العامة، أحد الأسئلة التي سمعتها كثيرًا كان “ما فائدة أدب الخيال العلمي بالنسبة للسود؟” عادة ما كان شخص أسود هو من يطرح عليَّ السؤال. أعطيت ردودًا مختلفة لم ترضني، وفي الغالب لم ترض سائليني. كنت حانقة على السؤال. لمَ يتعين عليَّ أن أبرِّر مهنتي لأي أحد؟

غير أن الرد على ذلك كان واضحًا. كان يوجد تحديدًا كاتب خيال علمي أسود واحد حين بعت روايتي الأولى: صامويل ر. ديلاني جونيور Samuel R. Delany, Jr.. يوجد الآن أربعة منا. ديلاني، ستيفن بارنز Steven Barnes، تشارلز ر. سوندرز Charles R. Saunders، وأنا. عدد قليل. لماذا؟ غياب اهتمام؟ غياب ثقة؟ شابة سوداء قالت لي ذات مرة: “أردتُ دائمًا أن أكتب خيال علمي، لكني لم أعتقد أنه توجد أي نساء سوداوات يفعلن ذلك”. تكشف الشكوك عن نفسها بطرق متنوعة. غير أني ما زلت أواجه السؤال، ما فائدة أدب الخيال العلمي بالنسبة للسود؟

ما فائدة أي نوع من أنواع الأدب بالنسبة للسود؟ 

ما فائدة تفكير الخيال العلمي في الحاضر، والمستقبل، والماضي؟ ما فائدة ميله إلى التحذير، أو إلى التأمل في طرق بديلة للتفكير والفعل؟ ما فائدة فحصه للتأثيرات المحتملة للعلم والتكنولوجيا، أو للتنظيم الاجتماعي والتوجهات السياسية؟ في أفضل حالاته، يحفِّز الخيال العلمي الإبداع والخيال. يأخذ القارئ والكاتب بعيدًا عن الطرق المطروقة، بعيدًا عن الممشى بالغ الضيق المتمثل فيما يقوله، أو يفعله، أو يفكِّر فيه “الجميع” – بصرف النظر عمَّا يكون “الجميع” هذا العام. 

وما فائدة كل هذا بالنسبة للسود؟