كيف نحب في القاهرة؟

هدى عمران هدى عمران
اللوحات: جميل شفيق

مسألة الحب أكبر من فكرة العواطف، أكبر من الكيمياء ومن الثقافة، إنها تخص فكرة الإنسانية عمومًا، وهي قبل ذلك مسألة مجتمعية واقتصادية وسياسية. في كتابه “فن الحب” يطرح إيريك فروم تصورًا مغايرًا عن الحب، عن فكرة وجوده ككائن مسلم به، أو كما يقول درويش: الحب يولد كائنًا حيًّا”، لكن فروم يرى أن هذه العاطفة الجارفة والسينمائية لحظية فقط، وأن الحب لا بد وأن يصير ممارسةً، لا معجزة أو إلهامًا تتحكم فيه قوى خارقة خارج حدود الإنسان المحب والمحبوب. يجعل فروم من الحب حلاً لمسألة الوجود الإنساني في المجتمع الحديث الذي يشعر فيه الإنسان بمدى ضآلته أمام العالم اللانهائي. لقد ابتعد الإنسان عن فطرته وعن الطبيعة. وتفلت من مملكته الحيوانية ولا يستطيع أن يعود إليها، لذلك فعليه أن يجد تناغما من نوع آخر يعوضه عن انفصاله عن الطبيعة الذي يشعره بمدى عجزه، بحصاره من العالم الذي أصبح أكبر من حدود إمكانياته، لذلك يصبح الحب اتحادا من نوع آخر مع الكون، ليتناغم فردان متحابان مع كل الموجودات، وذلك في أجمل حالات الحب أو ما يفترض أن يكون عليه، وفي حالات أخرى حينما يكون الحب مشوهًا يصبح مجرد اتحاد شخصين ضد الجميع، وضد العالم.

القاهرة مدينة حداثية 

يطرح فروم فكرته أساسا داخل المجتمع الأوروبي، باعتباره المجتمع الحداثي الذي خلق فكرة مشوهة عن الحب بسبب سياسات الرأسمالية التي تستهلك كل شيء حتى العواطف وحتى فكرة الإيمان نفسها.

 لكن هل ينطبق نفس الطرح على القاهرة ونحن بعيدون كل البعد عن الحداثة الأوروبية وعن التنمية والحريات الغربية؟ أظن أن الإجابة نعم، إذ تقع القاهرة الآن على حافة الحداثة غير القائمة على التنمية الاقتصادية ولكن حداثتها قائمة على الانفتاح على مظاهر العالم الآخر من خلال الإنترنت، كمدينة مستهلكة للحداثة الأوروبية لكن بطريقة تفكير شرقأوسطية، مكونها الأساسي الدين الإسلامي والسلطوية الذكورية الاجتماعية والسلطوية الأبوية السياسية. 

هذا التحديث، جعل الأفراد في القاهرة يشبهون الأوروبيين من الخارج، فرديين تمامًا يمتلكون طموح العيش في قصص تشبه أفلام هوليوود، يستهلكون الفنون ليبدون مطلعين ومثقفين، ويحبون ببراجماتية كفعل لاستخدام الآخر، أو كطريقة للتغطية على الهشاشة والرعب في زمن صعب. لكن في داخل الأفراد تتصارع هذه الشكليات مع البناءات المشيدة أساسًا، تتصارع مع طريقة صنع الأفراد في مجتمعات تقليدية عائلية تدمر أي محاولات للتمرد على الجماعة، وتقتل أي محاولة مبكرة للذات لخلق مساحتها، تقتل الفردية نفسها قبل أن تولد. إن صراع الإنسان هنا أكبر من كونه صراع الإنسان البعيد المنفلت عن مملكته الحيوانية آملاً الرجوع إليها. إنه صراع الذات ضد الذات، بمعنى آخر؛ صراع الصورة التي يريدها الإنسان لنفسه مع تكوينه الحقيقي. ومكمن عجز الإنسان هنا عن الحب هو عدم الإدراك للقدرات المحدودة والمكبلة، لأن الفرد لا يفهم نهائيًّا أنه تكون بشكل يجعله ضد الصورة التي يطمح إليها. 

توجد ثورة ثقافية واجتماعية موازية أو نتيجة للثورات السياسية التي حدثت خلال العقد الماضي، وقد صنعت هذه الثورة تغيرات شكلية عنيفة، إذ لم تعد القيم والأشكال القديمة مواكبة للعصر الحديث السابح في صور مبهرة على الإنترنت. ولم تعد صورة الإنسان القديمة كافية لينال الرضا والقبول.

لا تنفصل فكرة الحب عن كل تلك المعضلات، ففكرة الحب في القاهرة الآن مؤلمة وباعثة على المواجع، تدور كل الأحاديث بيننا حول فرديتنا التي لا شفاء منها، رغبتنا أن نحافظ على مساحتنا دون اختراق من الآخر، وأيضًا رغبتنا القوية للوجود مع الآخر، رغبة غير متحققة في الحب؛ الجميع يرغب أن يكون وحده، ويرغب في أن يكون مع آخر يحبه لكن العجز عن تكوين روابط حقيقية سمة أساسية الآن.

العالم وليمة مفتوحة لشهيتنا 

توجد أسباب كثيرة مفهومة وأخرى غير متداركة حتى الآن، لنفهم سبب هذا العجز عن تكوين روابط مستقرة، ومنها بالتأكيد خياراتنا اللامحدودة بفعل التكنولوجيا والحداثة وسيطرة الإنسان على الموارد والطبيعة، إذ يتحول العالم ليصبح وليمة ضخمة مفتوحة لشهيتنا؛ كل شيء هنا قابل للابتلاع حتى التخمة، للاستخدام والاستهلاك السريع حتى يستطيع الإنسان تجريب كل شيء متاح أمامه.

هذه الثقافة قد تخدم الإنسان في الارتقاء الحضاري، لكنها أيضًا قد تربي الطمع والجشع في الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأشياء، فتعلي من مفاهيم مستحدثة داخل منظومة الحب، التجربة مقابل المعرفة، المتعة مقابل المحبة، المصلحة مقابل الشراكة، كل مفهوم يتصاعد يعتمد في أساسه على السرعة لخلق صور جمالية لكنها مجتزأة ومبتورة لأنها تستقطع التجربة من السياق العام. فعلى سبيل المثال الزخم الذي كان يحدث في علاقة غرامية تحدث في سنوات؛ زخم البدايات والحب والهجر والألم والعودة واستكشاف الآخر والمهادنات والاتفاقيات، الآن قد يتكثف هذا الزخم في علاقة لا يتخطى زمنها بضعة أشهر. لا شيء جميل وقبيح في هذا النمط من الحب، لكنه حب يفتقر إلى معرفة حقيقية بالآخر وبالذات.

لأن ببساطة كل معرفة تتبعها محبة أو شراكة تتطلب بذل الجهد والعطاء ومدة زمنية طويلة، لذا فالمعرفة غير مرحب بها في عصر الاستهلاك، لأن المعرفة عملية مستمرة في الزمن، تعتمد على الندية، التضحية بالنفس وخطورة النجاح أو الفشل. لكن التجربة سريعة ممتعة تقوم على الأداء الفني بوعي أو غير وعي، هذه التجارب تقوم على المعرفة من على السطح أو حتى على تحييد العواطف وكل ما تطمح إليه هو تذوق الآخر أو بلعه بسرعة، أحيانا كثيرة لا نفهم الأسباب، وأحيانًا أخرى تأكل الآخر قبل أن يأكلك. وفي وقت مثل هذا الوقت السائل نسعى جميعا للخروج على التقاليد والعائلات التي للأسف هي الضامن الأكثر نجاحًا لبناء علاقات مستقرة، هذا السعي للخروج على هذه الثوابت تجعلنا عرضة لهشاشة إعادة التشكيل في مدينة أكبر منا جميعا، في القاهرة عالمنا الحديث، بكل السياسات الاقتصادية والسياسية الجائرة، بهذه المنظومة غير العادلة، والخيارات اللا محدودة، في منحها حرية الاختيار للأفراد، في تقديم مئات الخيارات كسوق مفتوح، إنها تضعنا أمام أخطر شيء غير تاريخ البشرية؛ وهو حرية الاختيار وتفعيل الإرادة الحرة، إنها تضعنا أمام ذواتنا الحقيقية، الجميل منها يطفو والمنحط أيضًا. 

 لذا قد يكون عدم الرغبة في معرفة الآخر، هي رفض لتحمل هشاشته، أو/ورغبة في عدم الكشف عن هشاشاتنا الشخصية، أو عوراتنا النفسية.

القاهرة مدينة كيتشية.. مدينة الألعاب الجديدة

مع فردية كبيرة ومدينة حداثية بفوضى شرقأوسطية قد يتحول الحب للعبة ذهنية وعاطفية خطيرة غارقة أساسًا في الكليشيه وكيتش الفردية والذاتية.

يقول ميلان كونديرا إن أي إظهار للفردية هو ضد ديكتاتورية الكيتش في المجتمعات الشمولية، العجيب أن يتحول استعراض الفردية نفسه الآن إلى كيتش، وللمقاربة نرجع لما يقوله كونديرا نفسه لتعريف المصطلح (الكيتش يجعلنا نذرف دمعتين متتاليتين، الدمعة الأولى تقول “كم هو جميل منظر الأطفال وهم يركضون على العشب!” بينما الثانية “كم هو جميل أن تتأثر مشاعرنا، نحن والبشرية بأسرها، بمنظر الأطفال وهم يركضون على العشب!”. إن الدمعة الثانية هي ما تحول الفعل الإنساني الجميل إلى كيتش، أو كما يقول روجر سكورتون “إن الكيتش يتعلق بالذات الرائية، وليس بموضوع الرؤية. ولا يحثك على التأثر بمنظر الدمية وأنت تلبسها ثيابها بحنو شديد، بل التأثر بمنظرك وأنت تفعل ذلك، وهذا بالضبط هو شأن كل نزعة عاطفية مفرطة: فهي تُغَيِّر اتجاه المشاعر من الموضوع إلى الذات، بحيث تخلق إيهامًا بالعاطفة دون تكبد مشقة الشعور بها، فالكيتش يحثك على أن تفكر “انظر إليَّ وأنا أشعر بهذا.. كم أنا جميل وحَبُّوب!” https://boringbooks.net/2019/04/scruton-power-of-kitsch.html

لقد خلقت السوشيال ميديا وعلامة “اللايك” شيئًا خطيرًا جدًا وهو “كتشنة” الوجود بالكامل، فأصبح الآخر حاضرًا في كل تصرف، فأصبح السعي ليس نحو الداخل وتطويره، بل نحو عين الآخر لنثير إعجابه، كم نحن فنانين حساسين وفرديين وضد التابوهات، لأن هذا هو الترند الرابح، لذلك يعرض الناس أنفسهم بالكامل، برغبةٍ في أن يصبحوا محبوبين، بأن تفعل القوة السحرية لمملكة الكون ويدخلون في التجربة بفعل الصورة. ويمكن لذلك على الجميع خلق صورة موازية لصورته الحقيقية، صورة فنية ومزخرفة تلقى قبول الجماعة المتخيلة والتي يرسمها الآن نظام السوق وقوانين المجتمع الرأسمالي الذي يستهلك كل شيء، والذي يحولنا إلى سلع لا بد أن تسوق نفسها جيدًا كي تستطيع أن تبيع.

وجزء من هذه الدائرة أن العلاقات لا بد أن تحمل داخلها “الصورة والأداء” كي تصبح مقبولة، هناك أداء اجتماعي وأداء معرفي وأداء ثقافي، هذا الأداء يعني أن لك دورًا تؤديه أمام الجميع داخل السياق، دورًا يحبه الآخر، لا يهم أن يكون هذا الدور هو حقيقتك، بل المهم أن يلقى الإعجاب. وفي هذا النمط قد يتحول الحب نفسه إلى مدينة كيتشية كبيرة، تعتمد على الألعاب النفسية، على قنص الآخر، بسرعة، على تحويله من شريك إلى متلقٍ لبضاعتنا والإعجاب بها، لاستخدامه بشكل أو بآخر، في هذا النمط من الحب نحن نعرض بضاعتنا لكن ليس لدينا المقدرة على العطاء، فينتفي مفهوم الحب كما يوضحه فروم، إذ هو قدرتنا على العطاء. وهذا ناتج عن عجز لا عن إرادة، عن اختفاء المرجعيات والثوابت، عن مخاوف وأزمات نفسية مرعبة بسبب الكوارث السياسية والاقتصادية وعن جو عام اجتماعي منافق وفاسد. 

غياب المرجعيات 

فكرة التفكيك هي أمل الحضارات، فالشك في المرجع الاجتماعي والثقافي والديني جيد من أجل حدوث نقلة نحو التنوير، من أجل تغيير القيم للأفضل، وفقًا لما نظن- وتحقيق الحرية، لكن خطورة التفكيك تكمن في لحظة السيولة كاللحظة التاريخية التي نمر بها حاليًا، لأنها تتسم بعدم الفهم والتخبط والإيلام. الآن نحن في حقبة تخفت فيها المرجعيات، خاصة بعد تفكيك الأحزاب والكيانات السياسية التي كانت تعد ملجأ للشباب بعيدًا عن سلطة الأهل والمجتمع، حتى الإيمان والتدين بدأ يفقد معناه وشكله التقليدي لأنه فشل في احتواء طاقات الشباب وطموحاتهم نحو الحداثة، لذلك أصبح الفن ومفهوم “الإنسانية” وعلم الطاقة وغيرهم بدائل ترتع في ممالك الخيال عن الكيانات السياسية وبدائل عن المرجعية الدينية والنص الجامد. 

يبدو هذا الوضع الذي نحن فيه أقرب إلى وضع أوروبا في القرن الماضي حين تحدت سلطة الكنيسة وحجَّمت دورها فحدث التمرد الاجتماعي الذي أدى لثورة في القيم والأخلاق، ربما لم نتخلص من فكرة الدين ومن الصعب علينا ذلك، لكن هناك موائمات فكرية تحدث لتخلخل الجامد وتحاول تأويل النصوص لتواكب العصر. وهنا أتذكر نص بيسوا في كتاب اللاطمأنينة عن الإيمان “لقد ولدت في عصر فقد فيه أغلب الشباب الإيمان لنفس السبب الذى امتلك به هذا الإيمان من هم أكبر منهم سنًا، دون معرفة لماذا حينئذ ولأن النفس الإنسانية تتجه إلى النقد بدافع من إحساسها لا من تفكيرها. اختار أغلبية الشباب الإنسانية كبديل لـ الله

شخصيا أنتمي إلى من يوجدون دائمًا على هامش ما ينتمون إليه، لا ينظرون فحسب إلى الحشد الكبير الذي منه يتكونون، بل كذلك إلى الفضاءات الكبيرة الكائنة بجوارهم.

لذلك لم أتخل تمامًا عن الله مثلهم ولم أقبل البتة بعقيدة الإنسانية. لقد اعتبرت الله ممكن الوجود باستبعاد إمكانية وجوده، وإذن مسألة عبادته واردة…”. 

قد يبدو بيسوا عدميًّا محضًا، لكنه وعي ما تعنيه خطورة التخلي عن الله لصالح الإنسانية التي ما هي إلا استعادة الحيوانية البشرية التي قد تحمل مع معانيها الجميلة العنف والقنص للآخر والقسوة أيضًا. 

وقد نجد في مفهوم فروم عن الإيمان العقلاني حلاً قد يبدو معقولاً ومتصلاً بمسألة الحب، إذ أنه وبعكس الإيمان اللاعقلاني ليس جامدًا أو مرتبطًا بعبادة شخص أو فكرة، لكن له صفة اليقين والصلابة في القناعات، والإيمان في الحب يعني معرفة جوهر الآخر وقبل ذلك الإيمان بالنفس. 

إن خطورة فقدان الإيمان اللاعقلاني مع عدم وجود إيمان عقلاني بالذات وبالإنسان عمومًا، أنه يفقد الفرد أي معنى جميل للحياة، ويجعله لا شيء، حينها نعود للحلقة المفرغة من استخدام الآخر واستهلاكه واستهلاك أنفسنا معه، فنصبح في حالة من السيولة التي لا تنتهي. قد يبدو الحب حلاً رومانتيكيًا لو تصورنا أنه مجرد حالة، لكنه قد يكون حلاً لمشكلة الإنسانية لو انطوى على بذل الجهد والسعي والرعاية والإيمان أيضًا.