ليوبولدو ماريّا بانيرو:حديقة أشجار الكرز للبيع

أحمد يماني ترجمة

«لقد مللت من هذا. أنا لست شاعرًا ملعونًا. بالمناسبة، في إسبانيا يعتقدون أنني مجنون. ربما أكون وحشًا لكنني لست مجنونًا. أتعلم، سأقول لك إنني لا أزال أنتظر جائزة نوبل للأدب. منذ أربع سنوات وأنا أنتظر ولم يمنحوها لي. ربما لن يمنحوني إياها لأنني أعيش في مصحة نفسية، ويصفونني بأنني الأسوأ في إسبانيا، المسيح الدجال، الشيطان».1

لم يرغب أبدا الشاعر الإسباني الكبير ليوبولدو ماريّا بانيرو (1948-2014) في أن يُلصَق به لقب «الشاعر الملعون»، لم ترق له هذه الشخصية التي أرادوا سجنه فيها، على الرغم من إعجابه بأحد كبار الشعراء الملعونين «ستيفان مالارميه»؛ إذ ذكر في أحد الحوارات معه أنه تقنيًّا مثل مالارميه وباوند، وأنه لا يؤمن بالإلهام، فالقصائد تأتي من قصائد أخرى ومن شعراء آخرين، ورأى الكتابة كلها عبارة عن وسخ. على الرغم من هذا ومن معاناته النفسية طوال معظم سنوات حياته، وتنقله بين العديد من المصحات النفسية منذ حقبة السبعينيات، فقد أنتج عشرات الكتب بين الشعر والسرد والترجمة والمقال.

كتب عنه صديقه الشاعر الإسباني الكبير الآخر آنخل جيندا (1948) كتابا بعنوان «ليوبولدو ماريا بانيرو: خطورة العيش من جديد»، صدر عام 2015، وقد استلهم آنخل عنوان كتابه من قصيدة لبانيرو الذي لم يحظ بأي اعتراف على المستوى الرسمي، كما يذكر آنخل جيندا والذي يؤكد على أن بانيرو لم يكن بحاجة إلى مثل هذا النوع من الاعتراف.

يعتبر بانيرو واحدًا من أكثر الشعراء الإسبان تحديثًا في القصيدة، وخصوصًا في فترة شبابه، إذ أُدرج ضمن ما يعرف بالشعراء بالغي الجدة Los Novísimos، بمعنى أنهم بالغو التحديث في القصيدة. وقد نشر الناقد خوسيه مارّيا كاستييت عام 1970 كتابه «تسعة شعراء إسبان جدد جدًا»، وكان بانيرو من ضمن هؤلاء الشعراء التسعة، وقد ساهم الكتاب في لفت الأنظار إلى ذلك الجيل الجديد وقتها والذي يُعرف باسم جيل 68 أو جيل 70، وكما يمكن أن نرى في أماكن أخرى من العالم فإن شعرية هذا الجيل تمثلت في القطيعة مع الشعر الاجتماعي والشعر الملتزم، وتبنت لغة تعتمد على التجريبية الشكلانية، ومن ضمن ما تبناه ذلك الجيل، ونجده واضحًا في شعر بانيرو، عدم إيلاء الخطاب المنطقي أية أهمية، والاقتراب نوعًا من الكتابة الآلية، وكسر التسلسل العقلاني وما إلى ذلك.

ينتمي ليوبولدو ماريّا بانيرو إلى عائلة شعرية بامتياز؛ فوالده كان الشاعر المعروف ليوبولدو بانيرو توربادو (1909- 1962) وقد دُمغ كشاعر رسمي لنظام فرانكو، إلا أنه في أثناء الحرب الأهلية كان يساريًّا في صفوف الجمهوريين، وقبض عليه وسيق إلى دير القديس مرقص (سان ماركوس) في ليون، والذي تحول إلى معسكر اعتقال خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، ولكن وساطة الفيلسوف الكبير ميجيل دي أونامونو وكذلك زوجة فرانكو كارمن بولو والتي كانت قريبة لوالدته جعلتهم يفرجون عنه، ويقال إنه بعد وفاة شقيقه الشاعر خوان بانيرو (1908-1937) والألم الرهيب الذي أصابه بفقدانه تحوَّل إلى الفكر المحافظ. تزوج ليوبولدو بانيرو توربادو من الكاتبة فيليثيداد بلانك وأنجبا، بالإضافة إلى ليوبولدو ماريّا بانيرو، كلا من شقيقه الشاعر خوان لويس بانيرو (1942-2013). والأخ الأصغر خوسيه مويسيس بانيرو والمعروف باسم ميتشي بانيرو (1951-2004) والذي كان مثقفًا رفيعًا به لسعة عائلية من الجنون، لكنه لم يكن شاعرًا.
هناك فيلمان وثائقيان شهيران يتناولان عائلة بانيرو؛ وهما فيلم El desencanto «خيبة الأمل»، من إخراج خايمي تشابارّي وإنتاج عام 1976، وإن كانوا قد بدأوا العمل فيه عام 1974، والثاني من إخراج ريكاردو فرانكو وإنتاج عام 1994 بعنوان Después de tantos años «بعد سنوات عديدة».

درس ليبولدو الفلسفة والآداب في جامعة كومبلوتنسي مدريد، ودرس الأدب الفرنسي في جامعة برشلونة، وكان يعرف العديد من اللغات. ونشر ديوانه الأول في العشرين من عمره عام 1968، بعنوان «عبر طريق سوان»، وتوالت دواوينه بعد ذلك، ووصلت إلى عشرات الدواوين، وصدرت له بعد وفاته عدة كتب منها ما هو شعري مثل «وردة مريضة»، ومنها ما يتجاور فيه الشعر والسرد والمقال مثل «أوراق إيبيزا 35».

انبهر بانيرو بشدة في شبابه باليسار الثوري، وناضل ضد نظام فرانكو واعتقل من جرّاء ذلك. كما حاول الانتحار بشكل جدي عدة مرات ولكنه كان ينجو في النهاية. السجائر والكحول والمخدرات، وخصوصًا الهيروين والذي كتب عنه ديوانا شعريا أعطاه العنوان نفسه «هيروين وقصائد أخرى»، والمصحات النفسية، كلها شكَّلت له مادة حياتية وشعرية تظهر بشكل دائم في قصائده.

رحل ليبولدو بانيرو في الخامس من شهر مارس من عام 2014، عن عمر ناهز السادسة والستين عامًا، في المستشفى النفسي في لاس بالماس في جزر الكناري الإسبانية (وكان قد ذهب إليه طوعًا قبل ذلك بسنوات عدة)، وحيدًا بلا عائلة، بعد موت أمه وأخويه، وبموته وصلت «لعنة عائلة بانيرو» إلى نهايتها.

أدين بهذه الترجمة إلى الصديقين العزيزين الشاعرين مهاب نصر وياسر عبد اللطيف على تشجيعهما لي على مواصل ترجمة بانيرو، وعلى قراءتهما المثرية وملاحظاتهما القيمة، فلهما كل الشكر والامتنان.

مشروع قبلة

سأقتلك غدًا عندما يبزغ القمر

ويقول لي أول طائر غطاس كلمته

سأقتلك غدًا قبل الفجر بقليل.

عندما تكونين في فراشك، ضائعة بين الأحلام

وسيكون الأمر كمضاجعة أو كمنيّ على الشفاه

كقبلة أو عناق، أو كالشكر.

سأقتلك غدًا عندما يبزغ القمر

ويقول لي أول طائر غطاس كلمته

وفي منقاره يحمل الأمر بموتك

وسيكون الأمر كقبلة أو كالشكر

أو كصلاة لأن النهار لن يطلع

سأقتلك غدًا حينما يبزغ القمر

وينبح الكلب الثالث في الساعة التاسعة2

في الشجرة العاشرة بلا أوراق ولا نسغ

والتي لا يعرف أحدا لماذا تقف على الأرض

سأقتلك غدا حينما تسقط الورقة الثالثة عشرة

على أرض البؤس

وستكونين أنت ورقة

أو أحد العصافير الشاحبة

الذي يرجع داخل السر البعيد للمساء.

سأقتلك غدا وسوف تطلبين المغفرة

لهذا اللحم الفاحش وهذا العضو المظلم

والذي سيحظى بلمعان الحديد هذا بدلاً من القضيب

والذي سيحظى بالقبر، بالنسيان بدلاً من القبلة

سأقتلك غدًا حينما يبزغ القمر

وسترين كيف ستكونين جميلة وأنت ميتة

محاطة بالزهور وذراعاك معقودتان

وشفتاك مغلقتان كما عندما كنت تصلين

أو عندما كنت تتوسلين مني الكلمة مرة أخرى

سأقتلك غدا حينما يبزغ القمر،

وهكذا من تلك السماء التي تتحدث عنها الأساطير

ستتوسلين غدا من أجلي ومن أجل خلاصي

سأقتلك غدا حينما يبزغ القمر،

عندما ترين ملاكًا مسلحًا بخنجر

عاريًا وصامتًا أمام سريرك الشاحب

سأقتلك غدًا وسترين كيف ستقذفين

عندما يمر ذلك البرد بين رجليك الاثنتين

سأقتلك غدًا حينما يبزغ القمر

سأقتلك غدًا وسأعشق شبحك

وسأسْرِع إلى قبرك خلال تلك الليالي التي تشتعل فيها

من جديد أحلامُ الجنس وأسرار المنيّ

لدى ذلك القضيب المرتعش الذي لي،

وهكذا سيكون قبرك بالنسبة لي الفراش الأول

كي أحلم بآلهة وأشجار وأمهات

كي ألعب أيضا بنرد الليل

سأقتلك غدا حينما يبزغ القمر

ويقول لي أول طائر غطاس كلمته.

أنا هنا، ليوبولدو ماريّا بانيرو

أنا هنا، ليوبولدو ماريّا بانيرو

ابن لسكّير

وأخ لمنتحر

تطاردني العصافير والذكريات

التي ترقبني كل صباح

مختبئة بين الشجيرات

صارخة لماذا تنتهي الذاكرة

والذكرى تعود زرقاء، وتئن

متضرعة للّاشيء لأنها تموت.

السيرك

اثنان من لاعبي القوى يقفزان من جانب إلى جانب في روحي

مطلقين صرخات ونكاتًا حول الحياة:

ولا أعرف اسميهما. وفي روحي الفارغة أسمع دائمًا

كيف يتهاديان على العقلة.

اثنان من لاعبي القوى يقفزان من جانب إلى آخر في روحي

سعيدين أنها جد فارغة.

وأسمع

أسمع أصواتا في الفضاء

مرة تلو الأخرى صرير العقلة

مرة تلو الأخرى.

امرأة دون وجه تغني واقفة فوق روحي

 امرأة دون وجه فوق روحي على الأرض،

روحي، روحي، وأكرر تلك الكلمة

لا أعرف إن كنت أرددها كطفل ينادي أمه إلى الضوء،

بين أصوات مضطربة ونحيب، أو ببساطة

لإظهار أنها بلا معنى.

روحي. روحي

إنها كأرض صلبة تدوسها دون أن تراها

خيول وعربات وأقدام، وكائنات غير موجودة

ومن عيونها يسيل دمي اليوم، أمس، غدًا.

كائنات دون رأس ستغني فوق قبري

أغنية غامضة.

وستتوزع عظام روحي.

روحي.

أخي الميت يدخن سيجارة بجانبي.

كوب

ويكفيلد، الذي فقد نفسه
بسبب مزحة.

نتكلم من أجل لا شيء، بكلمات تسقط

وهي عجوز اليوم، في فم يعرف

أن لا شيء في العينين إلا شيء يسقط

زهور تتفتت وتتعفن في القبر

وأغان تتقدم عبر الظل تترنح أفضل من مخمور

وتسقط على الأرصفة بجمجمة مشقوقة

وربما حينذاك يغني ويقول شيئًا العقل

لا صرخة ولا صمتًا بل أغنية حقيقية

وأن نبقى نحن الاثنان هنا، في حماية الكلمة

دون قول أي شيء، بفمينا مخيطين

عند صرخة ذلك الميت

بينما تسقط التماثيل وتلك الكنائس

الجص هو المطر الخفيف لكنه أكيد

فوق تلك الأرض الشاسعة التي يباركها الرماد

وتسقط كذلك الصلبان والأسماء تمحى

من حب تحدثوا عنه ومن رجال لم يكونوا

وفجأة، في البار، وحيدين، نعم وحيدين

أنظر في البئر وأرى في الكأس وجها بشعًا لأحد الوحوش

ولا حتى يريد الموت، إنه شيء وحيد

ينظر إلى نفسه ولا يرى، كإنسان ضائع

للأبد في قاع البشر

أجنبي في العالم، غريب في جسده

علامة استفهام تنظر إلى نفسها دون شك

بكل تأكيد، ضائعة في قعر هذا الكوب.

الخروج من المشهد

ربما كنت أكثر رومانسية

وأنا أخمش الحجر

وأقول، مثلاً، مغنيًا

من الظل إلى الظلال،

مندهشًا من صمتي نفسه،

مثلا: «لا بد

من حرث الشتاء

وثمة أخاديد ورجال في الثلج»

اليوم تشير إليَّ العناكب بعلامات دافئة

من زوايا غرفتي، والضوء يتردد،

وأبدأ في الشك في صحة المأساة الهائلة

للأدب.

قصائد العجوز

تهمس العجوز في الظل

«ليس لديَّ أسنان، أنا عجوز»

تهمس العجوز في الهواء

«وجهي له روعة الكابوس».

والهواء خائف منها.

والشاعر يقول للعجوز

«غدًا سيحرقون أسنانك

وسوف أبول على قبرك

سترين أن بولي أبيض

كوجوه الموتى».

مجنون مضروب بلعنة السماء

مجنون مضروب بلعنة السماء

يغني مهانًا على إحدى النواصي

أغانيه تتحدث عن ملائكة وأشياء

تكلف الحياة العين البشرية

تتعفن الحياة عند قدميه كوردة

وبالقرب من القبر، تمر بجانبه

أميرة.

أنين مصاص الدماء

أنتم، أنتم جميعًا، كل

هذا اللحم الذي في الشارع يتكوم، أنتم

طعام بالنسبة لي،

كل تلك العيون

التي يغطيها الغمص، كتلك التي لواحد لا ينتهي أبدًا

من الاستيقاظ،

كمن ينظر ولا يرى أو فقط

من جرّاء العقوبة السخيفة لنظرة أخرى،

أنتم جميعًا

طعام بالنسبة لي،

والرعب العميق في امتلاك هاتين العينين الزجاجتين

كمرآة، هذا الضباب الذي يلتقي فيه الموتى،

هذا هو الثمن الذي أدفعه مقابل طعامي.

قاتل في الشوارع

لن أقتل بعد الآن، لأن الناس مجرد

أرقام وحروف في أجندتي

وفواصل دون كلام، تفريغ الأعين

من وقت إلى آخر، عندما يُفتح القبر

غافرًا مرة أخرى خطيئة الحياة.

لن أقتل بعد الآن الأشكال الضبابية

التي هي عبيد للعبث تتقدم في الشارع

قابضة على الوقت كيقين مظلم

دون مخرج أو إجابة، كمثل ضحكة

للآلهة فقط، أو الدمعة الجافة

لمعنى غير موجود، ولعيون ميتة

تعبر الصحراء دون أن تطالب بشيء،

دون طلب المزيد من الموتى ولا المزيد من الصلبان

إلى السماء، ذلك يعلمه الله،

ذلك الدم كان لمجرد اللعب.

أنثى

أيتها الأنثى التي كنت تصمتين بين فخذيَّ

من بين كل الحسنات التي أمكنني أن أعدك بها

فإنني مدين لك بالجنون.

..* هذه القصائد تصدر ضمن كتاب شعري بعنوان “ليوبولدو ماريّا بانيرو:العناكب تنسج أقمشتها الزرقاء “؛ بترجمة أحمد يماني؛تنشره قريباً دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع – عمان-الأردن