فرانتس كافكا: الكراسات الثماني

أحمد فاروق أحمد فاروق ترجمة

في الفترة ما بين عامي 1917 و1919،كتب كافكا في ثماني كراسات مدرسية، وبالقلم الرصاص، تدوينات ذات طابع شذري، لم تُنشر في حياته. بعد وفاته، قرَّر صديقه ماكس برود عدم نشرها ضمناليوميات، واختار بعضها وأعطى لها عناوين ونشرها ضمن تركته الأدبية. كما أنه قدَّم الكراسات الثماني في ترتيب مغاير ومقتضب. لاحقًا، نشر محققون الكراسات، مع صور زنكوغرافية للأصل، بترتيبها الأصلي. ونُشرت كذلك بترتيبها في طبعة نقدية ضمن أعمال كافكا الكاملة.  

كتب كافكا هذه التدوينات بعد اكتشافه لإصابته بالسل، وإدراكه أنه اقترب من الموت، وذلك بالتزامن مع أحداث الحرب العالمية الأولى التي تركت أثرها أيضًا في كتاباته.

غلاف كتاب مخطوطات كافكا – العلمية

 

تتضمن هذه الكراسات شذرات تأملية وجودية حول الخير والشر، والقصص التوراتية عن التفاحة والحية والطرد من الجنة، (قام كافكا بنقل هذه الشذرات وتدوينها مرقمة في أوراق مستقلة). كما تتضمن أيضًا محاولات مختلفة لكتابة نصوص أصبحت معروفة مثلبنات آوى وعربوعند بناء سور الصين العظيموالصياد غراكوس“. إضافة إلى نصوص قصيرة من وحي الحرب، وتأملات ذاتيه، وقصص غرائبية طريفة. 

سأعمل، في الفترة القادمة، على ترجمة الكراسات الثماني بترتيبها الأصلي، وبكل ما تتضمنه من تأملات مبتسرة، وأفكار متقطعة، لنقل أجواء العمل والمحاولات المتكررة لكتابة النص بأشكال مختلفة. 

النصوص التالية هي مقتطفات من هذه الكراسات، تهدف إلى إلقاء بعض الضوء على عمل لا يزال قيد الترجمة.

هرم أنا، بجسد ممتلئ ضخم، وأعاني من متاعب قلبية خفيفة، رقدتُ بعد الغذاء على سرير الراحة واضعًا إحدى قدميّ على الأرض، وقرأت عملاً تاريخيًّا. جاءت الخادمة وأبلغتني، وقد وضعت إصبعين على شفتيها المضمومتين، أن ضيفًا قد حضر.

“من؟” سألتها، منزعجًا من أنه سينبغي عليَّ استقبال ضيف في وقت أتوقع فيه تناول قهوة ما بعد الظهيرة. “صيني” قالت الخادمة وكتمت بتشنج وهي تستدير ضحكة لا ينبغي للضيف الواقف أمام الباب أن يسمعها. 

“صيني؟ يزورني أنا؟ هل يرتدي ملابس صينية؟” أومأت الخادمة، وهي لا تزال تقاوم رغبتها في الضحك. “اذكري له اسمي وتأكدي إن كان يريد حقًّا زيارتي. إذا كان الجيران لا يعرفونني، فكيف يمكن لي أن أكون معروفًا في الصين”.

انسلت الخادمة إليّ وهمست “لديه فقط بطاقة زيارة ويطلب السماح له بالدخول. إنه لا يتحدث الألمانية. يتكلم لغة غير مفهومة، وقد كنت خائفة وأنا آخذ البطاقة منه”.

“فليدخل!” هتفت، وألقيت بانفعال كثيرًا ما يصيبني بسبب متاعبي القلبية الكتاب على الأرض ولعنت قلة حذق الخادمة. نهضتُ وقد انتصبت قامتي الضخمة التي لا محالة أثير بها رعب أي زائر لي في هذا الغرفة الواطئة، وذهبت إلى الباب. وبالفعل ما كاد الصيني يراني، إلَّا واتجه في الحال ثانية للخروج من البيت. بمجرد دخولي إلى الردهة، جذبت الرجل بحذر من حزامه الحريري إليّ. من الواضح أنه كان رجل ذا علم، قصيرًا وضعيفًا، ويرتدي نظارات سميكة الإطار وله لحية تيس خفيفة يابسة بشعر أسود غزاه الشيب. رُجيْل ودود يطأطئ رأسه ويبتسم بعينين شبه مغمضتين.

*

ذات صباح، نادى المحامي د. بوسيفالوس مدبرة منزله إلى سريره وقال لها: “اليوم تبدأ المداولة الكبرى في قضية أخي بوسيفالوس ضد شركة ترولهيتا. لقد تقدمت بالدعوى ولأن المرافعات ستستغرق بضعة أيام على الأقل، وذلك دون انقطاع فعلي، لذلك فلن آتي إلى البيت إطلاقًا. وبمجرد أن تنتهي المرافعات أو يكون ثمة أمل في نهايتها، سأهاتفكِ. لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك، ولا أستطيع الإجابة على أقل سؤال، لأنه لا بد لي أن أحرص على الحفاظ على كامل قوة صوتي. لذلك أحضري لي للإفطار بيضتين نيئتين وشايًا مع عسل”. وصمت وهو يستند بظهره ببطء إلى الوسادة وقد وضع يديه على عينيه.

تأثرت مدبرة المنزل الثرثارة، التي تموت رغم ذلك خوفا من سيدها، تأثرًا شديدًا. فهذه التعليمات الطارئة جاءت فجأة. مساء أمس تحدث السيد معها، لكنه لم يعط أي تلميحات بشأن ما سيحدث. لا يمكن أن تكون المرافعات قد بدأت ليلاً. وهل هناك مرافعات تستمر طوال النهار دون هوادة؟ ولماذا ذكر السيد أسماء أطراف القضية وهو ما لم يفعله أمامها من قبل قط؟ وأي قضية مريعة يمكن أن تكون لأخي السيد، تاجر الخضر الصغير أدولف بوسيفالوس، الذي لم تكن للسيد علاقة طيبة به منذ فترة طويلة؟ وكيف يتسق ذلك مع المجهودات الخارقة للغاية التي كانت في انتظار السيد، حتى أنه رقد الآن مرهقًا جدًّا في سريره، وعند بزوغ ضوء الضحى بوضوح لا لبس فيه، غطى وجهه الغارق نوعًا ما بيديه؟ وعليها أن تحضر شايًا وبيضًا فقط وليس كما في السابق قليلاً من النبيذ وجمبون لإنعاش الروح؟ بهذه الأفكار عادت مدبرة المنزل إلى المطبخ وجلست لبرهة قصيرة في مكانها المفضَّل، إلى النافذة بجانب الزهور وعصافير الكناري، ونظرت إلى الناحية المقابلة من الفناء حيث يلعب طفلان شبه عاريان لعبة المصارعة خلف قضبان نافذة، ثم استدارت متنهدة وصبت الشاي وأحضرت بيضتين، من حجرة المؤن، ورتبت كل شيء على الصينية، ولم تستطع أن تفوت أخذ زجاجة النبيذ معها أيضا كإغراء مفيد، وذهبت بكل شيء إلى غرفة النوم. 

لكنها كانت خالية، كيف ذلك، هل ذهب السيد؟ لا يمكن أن يكون قد ارتدى ملابسه خلال دقيقة؟ لكن غيارات السيد الداخلية وملابسه لم تعد مرئية أيضًا. ماذا ينوي السيد فعله بحق السماء؟ إلى الردهة! اختفى المعطف والقبعة والعصا أيضًا. إلى النافذة! يا إلهي، ها هو السيد يخرج من باب البناية والقبعة غارقة في قفاه والمعطف مفتوح وقد ضغط حافظة الملفات بجانبه وعلق العصا في حقيبة معطفه. 

*

هل تعرف تروكاديرو في باريس؟ في هذا المبنى الذي لا يمكن لك أن تتصور من خلال الرسم المجرد ولو بالتقريب مدى شساعته، تجري المرافعات الأساسية في قضية كبرى. تتساءل ربما كيف يمكن تدفئة مثل هذا المبنى بقدر كاف في هذا الشتاء الشنيع. لا تجري تدفئته. التفكير في التدفئة في مثل هذه الحالة يكون ممكنًا فقط في بلدة ريفية لطيفة، تقضي فيها حياتك. لا يُدفأ مبنى التروكاديرو، لكن هذا لا يعطل سير القضية، بل على العكس، في وسط هذه البرودة التي تشع صاعدة وهابطة من كل حدب وصوب تجري المحاكمات بسرعة مساوية طولاً وعرضًا بحسب الطول وحسب العرض.

*

في بيتنا، هذا المنزل الشنيع في الضاحية، هذا المبنى السكني الذي التحم بأطلال القرون الوسطى التي لا تفنى، انتشرت في صباح هذا اليوم الضبابي القارس البرودة الدعوة التالية:

إلى كل رفاقي من سكان البيت: 

لدي خمس بنادق لعبة. وهي معلقة في صندوقي، على كل مشجب واحدة. الأولى لي، وعلى من يرغب في الحصول على واحدة من الأخريات، أن يبلغني. وإذا ما أعلن أكثر من أربعة أشخاص عن رغبتهم، يجب على الأشخاص الزائدين عن العدد أن يحضروا بنادقهم معهم، ويضعوها في صندوقي. لأن من الضروري أن نكون موحدين، دون وحدة لن نتقدم. بالمناسبة لدي فقط بنادق غير صالحة لأي استخدام آخر. آليتها معطلة، السدادة مقطوعة، الزناد فقط لا يزال يقرقع. لن يكون من الصعب إذن، توفير بنادق أخرى كهذه عند الضرورة. لكن بالأساس يناسبني أيضًا في الفترة الأولى أن يكون ثمة أناس دون أسلحة. نحن الذين لدينا أسلحة سنقوم في اللحظة الحاسمة بأخذ غير المسلحين في الوسط. وهي طريقة في القتال ثبتت نجاعتها لدى المزارعين الأمريكيين في مواجهة الهنود الحمر، فلماذا لا تنجح هنا، ما دامت الأوضاع مشابهة. بل وربما يمكن على المدى البعيد التخلي عن الأسلحة، وحتى البنادق الخمسة ليست ضرورية، فقط لكونها موجودة، ينبغي استخدامها. وإذا لم يرغب الأربعة الآخرون في استخدامها، فليتركوها. وعندئذ سأحمل أنا واحدة بوصفي قائدًا. لكن ينبغي ألَّا يكون لنا قائد، وهكذا سأحطم بندقيتي أو أضعها جانبًا.

كانت تلك هي الدعوة الأولى. في بيتنا لا أحد لديه الوقت والرغبة في قراءة دعوات أو حتى التفكير في ذلك. سرعان ما عامت الوريقات في تيار المياه القذرة الذي ينطلق من السطح وتغذيه كل الممرات ليشطف الدرج ويتصارع فوقها مع التيار المضاد القادم الذي يرتفع من أسفل. لكن بعد أسبوع جاءت دعوة ثانية:

رفاقي سكان المبنى!

حتى الآن لم أتلق أي رد. كنت طوال الوقت الذي لم يتحتم عليّ فيه كسب معاشي موجودًا باستمرار في البيت، وفي فترة غيابي التي كان باب غرفتي خلالها مفتوحًا دائمًا، كانت على مائدتي ورقة يمكن لأي شخص أن يسجل اسمه فيها، ولكن أحدًا لم يفعل ذلك.

*

أحيانًا أظن أنه يمكنني أن أكفر عن كل خطاياي السابقة والقادمة بآلام عظامي عند عودتي إلى البيت ليلاً أو حتى صباحًا من نوبة ليلية في مصنع الآلات. أنا قوي بما فيه الكفاية لإنجاز هذا العمل، أنا أعلم ذلك جيدًا منذ فترة طويلة، لكن هذا لا يغير من الأمر شيئًا.

في بيتنا، هذا المنزل الشنيع في الضاحية، هذا المبنى السكني الذي التحم بأطلال القرون الوسطى يسكن لدى أسرة من الطبقة العاملة كاتب حكومي، في ذات الممر الذي أسكنه. صحيح أنهم ينعتونه بالموظف، لكنه لا يعدو أن يكون كاتبًا صغيرًا، يبيت الليالي في عش الزوجين الغريبين وأطفالهما الستة على فرشة من القش. وطالما أنه إذن كاتب صغير، فلماذا أهتم. حتى في هذا البيت الذي يتجمع فيه كل البؤس الذي تفور به المدينة، يوجد بالتأكيد أكثر من مئة شخص …  

في الممر الذي أسكنه، يسكن رفّاء. رغم كل الحرص الذي أوليه، أستهلك الملابس بسرعة، ومؤخرًا اضطررت للذهاب بجاكيت إلى الرفّاء. كانت ليلة صيفية دافئة جميلة. كانت لدى الرفّاء هو وزوجته وأطفاله الستة غرفة واحدة هي في الوقت ذاته مطبخ. بالإضافة إلى ذلك لديه مستأجر، كاتب لدى مصلحة الضرائب. يتجاوز إشغال هذه الحجرة حد المعتاد، الذي يعتبر في بنايتنا مزعجًا بما يكفي. على الأقل، يُترك كل امرئ وشأنه، من المؤكد أن للخياط أسباب قاطعة لتقتيره، ولا يخطر ببال أي شخص غريب أن يناقش هذه الأسباب.

*

بالأمس جاءت أونماخت إليّ. إنها تسكن في البيت المجاور، كثيرًا ما رأيتها هناك ليلاً وهي تختفي محنية داخل البوابة الواطئة. امرأة طويلة بفستان طويل منساب وقبعة عريضة مزينة بريش. هُرعت إليّ عبر الباب محدثة حفيفًا، وكأنها طبيب يخشى أن يكون قد أتى متأخرًا للمريض المحتضر. “أنطون” صاحت بصوت أجوف لكنه مفتون بنفسه. “لقد أتيت. أنا هنا.”

تهاوت في المقعد الذي أشرت إليها بالجلوس عليه. 

“إنك تسكن في طابق عال. تسكن في طابق عال.” قالت وهي تنهنه.

أومأتُ وأنا غارق في الكرسي ذي المسند. تقافزت أمام عيني درجات السلم التي تقود لغرفتي واحدة تلو الأخرى في موجات صغيرة لا تكل بحيث لا يمكن حصرها.

“لم هذه البرودة الشديدة؟” سألت، وخلعت قفازا المبارزة الطويلين القديمين، وألقت بهما على المائدة ونظرت إليَّ برأس مائل غامزة بعينها.

شعرت وكأنني عصفور، أتدرب على قفزاتي على السلم وهي تنكش ريشي الرمادي الناعم المنفوش.

“آسفة من صميم قلبي لأنك تشتاق إليّ. كثيرًا ما نظرت بحزن حقيقي في وجهك العليل، حين كنت تقف في الفناء وترفع بصرك إلى نافذتي. حسنًا، ليس لدي شيء ضدك، وإن كنت لم تستحوذ على قلبي بعد فبإمكانك الآن أن تغزوه.”

إلى أي درجة من الغفلة يمكن للبشر أن يصلوا، وما مدى عمق قناعتهم بأنهم ضلوا الطريق الصحيح إلى الأبد

ورقة قديمة

يبدو وكأن أمورًا كثيرة قد أهملت في الدفاع عن مدينتنا. لم نول اهتمامًا بالأمر وواصلنا أعمالنا، لكن أحداث الفترة الأخيرة تقلقنا. 

لديَّ ورشة إسكافي في ساحة القصر الإمبراطوري. لا أكاد أفتح دكاني حتى أرى مداخل كل الأزقة المؤدية إلى هنا وقد احتلها مسلحون. لكنهم ليسوا جنودنا، من الواضح أنهم بدو رحل من الشمال. على نحو غير مفهوم لي تغلغلوا حتى العاصمة البعيدة جدًّا عن الحدود. إنهم هنا على أي حال ويبدو أن عددهم سيزيد كل صباح.

ووفقا لطبيعتهم يخيمون في العراء، لأنهم يحتقرون المنازل السكنية. وينشغلون بشحذ سيوفهم وسن رؤوس سهامهم والتدرب على صهوة الخيل. وقد صنعوا من هذه الساحة الساكنة، التي حوفظ دائمًا بخوف على نظافتها ونقائها، حظيرة بهائم حقيقية. صحيح أننا نحاول أحيانًا ترك أشغالنا والخروج لإزاحة أكثر النفايات المزعجة، لكن حدوث ذلك أصبح دائمًا أكثر ندرة، لأنه جهد عديم النفع، كما أنه يعرضنا فوق ذلك لخطر السقوط تحت قدم حصان جامح أو لأن تجرحنا السياط. 

لا يمكن الحديث مع هؤلاء البدو الرحل. إنهم لا يعرفون لغتنا، وتقريبًا ليست لديهم لغة خاصة بهم. يتفاهمون مع بعضهم البعض مثل طيور الزاغ. دائمًا ما نسمع نعيق الزاغ هذا. لا يفهمون أسلوب عيشنا ومؤسساتنا ولا يكترثون بذلك أيضًا. وتبعًا لذلك يرفضون أيضًا أي لغة إشارة. بإمكانك أن تلوي فكك حتى ينخلع وتخلع يديك من رسغيهما، فلا يكونوا قد فهموك ولن يفهموك أبدًا. كثيرًا ما يقومون بتعبيرات وجه ما، ثم ينقلب بياض عيونهم ويفيض زبد من أفواههم، لكنهم لا يريدون أن يقولوا بذلك شيئًا ولا حتى أن يفزعوا أحدًا، إنهم يفعلون ذلك لأنها طريقتهم. ما يريدونه، يأخذونه. لا يمكن القول إنهم يستخدمون العنف. إزاء هجماتهم ينزاح المرء جانبًا ويترك لهم كل شيء.

لقد أخذوا جزءً معتبرًا من مخزوناتي أنا أيضًا. لكنني لا أشكو من ذلك، عندما أرى مثلاً حال القصاب في المحل المقابل. بمجرد أن تأتي بضاعته، ينتزع البدو الرحل كل شيء منه ويلتهمونه. حتى خيولهم تأكل اللحم، وكثيرًا ما يقف فارس بجانب حصانه ويأكل كلاهما من قطعة اللحم نفسها، كلٌ من طرف. القصاب خواف ولا يجرؤ على وقف توريدات اللحوم. لكننا نتفهم ذلك ونجمع له المال وندعمه. فلو لم يحصل البدو على لحم، لا ندري ماذا سيخطر ببالهم أن يفعلوا، إننا لا ندري طبعًا ماذا يمكن أن يخطر ببالهم، حتى لو حصلوا على اللحم كل يوم. مؤخرًا فكر القصاب في أنه ربما يوفر على نفسه على الأقل مجهود الذبح وجلب في الصباح ثورا حيًّا. ينبغي عليه ألَّا يكرر فعل ذلك من بعد. فقد ظللت لساعة راقدًا على الأرض في آخر ورشتي تمامًا وكومت فوقي كل ملابسي وأغطيتي ووساداتي، كل ذلك فقط كي لا أسمع خوار الثور، الذي هجم عليه البدو من كل النواحي، كي ينتزعوا بأسنانهم قطعًا من لحمه الدافئ. ساد الهدوء لوقت طويل، قبل أن أتجرأ على الخروج؛ كمن شربوا من برميل نبيذ، رقدوا منهكين حول أشلاء الثور. 

آنذاك ظننت في هذا الوقت بالذات أنني رأيت القيصر في أحد نوافذ القصر، بخلاف ذلك لا يخرج مطلقًا إلى هذه المقاصير الخارجية، دائمًا ما يعيش في الحديقة الداخلية. لكنه وقف هذه المرة، كما يبدو، في نافذة ونظر برأس محني إلى ما يجري أمام قصره.  

“كيف ستمضي الأمور؟” نتساءل جميعنا. “إلى متى سنتحمل كل هذا العبء والعذاب؟ لقد جذبهم القصر الإمبراطوري، لكنه لا يستطيع طردهم ثانية. بوابته مغلقة؛ والحرس الذي كان في السابق يستعرض باحتفالية مواكب خروجه أو دخوله، يقبع خلف نوافذ مسيجة. لقد عُهد إلينا نحن الحرفيين وأصحاب الأعمال بإنقاذ الوطن؛ لكننا لسنا أهلاً لهذه المهمة؛ ولم نتباه قط بأننا قادرون على ذلك. إنه لسوء فهم وبسببه سنهلك”. 

* * *

هجين

لدي حيوان فريد، نصف قطيطة ونصف حمل. إنه إرث من ممتلكات والدي. لكنه لم يتطور إلَّا خلال حياته معي، في الماضي كان حملاً أكثر من كونه قطيطة. لكن لديه الآن غالبًا قدرًا متساويًا من كليهما. من القطة الرأس والمخالب ومن الحمل الحجم والهيئة، ومن كليهما العينان الوامضتان والشرستان، شعر الفراء ناعم وقصير والحركات قفز وخطو بطيء حذر. في ضوء الشمس على حافة الشباك يكور نفسه ويهرهر، في المرج يجري كالمجنون ويصعب الإمساك به. يهرب من القطط، ويريد مهاجمة الحملان. في الليلة المقمرة يكون ميزاب السطح طريقه المفضل: لا يستطيع المواء، ويتقزز من الجرذان. يستطيع أن يقف لساعات متربصًا بجانب حظيرة الدجاج.، لكنه لم يغتنم قط فرصة للقتل.

إنني أطعمه حليبًا حلوًا، وهو يستطيب طعمه للغاية. يشفطه داخله في رشفات طويلة من بين أسنان الحيوان المفترس التي لديه. وبالطبع يعد الأمر عرضًا مسرحيًّا كبيرًا للأطفال. موعد الزيارة هو يوم الأحد قبيل الظهيرة. أضع الحيوان الصغير على حجري ويحيطني أطفال الجيرة كلها.

ويطرحون أروع الأسئلة، التي ليس بمقدور أي إنسان الإجابة عليها: لماذا لا يوجد سوى واحد فقط من مثل هذا الحيوان، ولماذا امتلكه أنا بالذات، وهل كان قبله ثمة حيوان مثله، وكيف سيكون الأمر بعد موته، وهل يشعر بالوحدة، ولماذا لا يوجد لديه صغار، وما اسمه، إلخ … 

لا أبذل أي جهد للإجابة، وإنما أكتفي دون أي إيضاحات إضافية بأن أريهم ما لدي. أحيانًا يحضر الأطفال معهم قططًا، بل وذات مرة أحضروا حملين. لكن وعلى عكس توقعاتهم لم تحدث أي مشاهد تعارف. بعين الحيوان نظرت الحيوانات لبعضها بعضًا في هدوء، ومن الواضح أن كلاً منها تقبَّل وجود الآخر كحقيقة إلهية.

على حجري لا يعرف الحيوان خوفًا أو رغبة في الملاحقة. متمسحًا بي يشعر بأقصى قدر من الراحة. إنه وفي للعائلة التي ربته. وليس هذا مجرد وفاء خارق للعادة، بل إنها الغريزة السليمة لحيوان، لديه على الأرض عدد لا يحصى من الحيوانات التي تربطها به صلة نسب، لكن ليس لديه ربما قريب واحد بالدم، ولذا يعتبر الحماية التي يجدها لدينا شيئًا مقدسًا.  

أحيانًا أجدني مضطرًا للضحك، عندما يتشممني، ويمرق سريعًا من بين قدمي ولا يرغب في مفارقتي. لا يكفي أنه حمل وقطة، بل ويريد فوق ذلك أيضًا أن يكون كلبًا. ذات مرة – وكما يمكن أن يحدث لأي امرئ – عندما لم أعد أجد في أعمالي وكل ما يرتبط بها أي مخرج بعد، وأردت أن أترك كل شيء ينهار، وجلست في هذه الحالة في البيت على الكرسي الهزاز وعلى حجري الحيوان، عندها سقطت – عندما خفضت بصري مصادفة – دموع من شعر ذقنه الكثيف للغاية. هل كانت دموعه أم دموعي؟ هل لدى هذه القطة بروح الحمل طموح إنساني أيضًا؟ لم أرث الكثير من والدي، لكن هذا الحيوان الموروث يمكن التباهي به. 

في داخله قلق مزدوج، قلق القطة وقلق الحمل، على اختلاف نوعيهما. ولهذا فإن بشرته مشدودة. أحيانًا يقفز على الكرسي ذي المسند بجانبي ويرتكز بالقدمين الأماميتين على كتفي، ويضع خطمه على أذني. وكأنه يقول لي شيئًا، وبالفعل ينحني للأمام وينظر في وجهي ليراقب الانطباع الذي تركه النبأ علي. ولكي أسعده، أتصرف وكأنني فهمت وأومئ. ثم يقفز إلى الأرض، ويتراقص حولي.  

ربما كانت سكين القصاب بمثابة الخلاص لهذا الحيوان، لكنني مضطر لحرمانه منها لكونه إرثًا. ولهذا فعليه أن ينتظر حتى تفنى أنفاسه من تلقاء نفسها، عندما ينظر إليّ أحيانًا أيضًا بعينين بشريتين متفهمتين، تحثان على فعل مفهوم.

‎⁨الصفحة الأولى المكتوبة بخط اليد من رسالة كافكا (غير المرسلة) إلى والده (1919)

*

كلتا يدي بدأتا مصارعة. أغلقتا الكتاب الذي كنت أقرأه وأزاحتاه جانبًا، كي لا يزعج. أدتا التحية لي ونصبتاني حكمًا. وبالفعل تشابكت الأصابع وتصارعت على حافة المائدة، تارة يمينًا وتارة يسارًا، بحسب الضغط المفرط لهذه اليد أو تلك. لم أغب عنهما ولو للحظة. فطالما أنهما يداي، لا بد أن أكون حكمًا عدلاً، وإلا سأُعلق برقبتي أنا نفسي معاناتي من حُكم خاطئ. لكن مهمتي ليست سهلة، ففي الظلمة بين الكفين تستخدم حيل عديدة، لا يجوز أن أتركها تمر وكأنني لم ألتفت لها، لذا أسند ذقني على المائدة ولا يفوتني الآن أي شيء. طوال حياتي كنت أفضِّل اليمنى على اليسرى دون أي نية سيئة تجاه اليسرى. فلو قالت اليسرى أي شيء، لكنتُ – طيعًا ومستقيمًا كما أنا – أوقفت في الحال هذه الإساءة. لكنها لم تحرك ساكنًا، تدلت عالقة بي، وبينما كانت اليمنى تؤرجح قبعتي في أثناء السير في الزقاق، كانت اليسرى تتحسس بخوف فخذي الأيسر. وكان هذا استعدادًا سيئًا للمصارعة التي تجري الآن. كيف يمكن لكِ أيتها اليد اليسرى أن تصمدي على الدوام أمام هذه اليمنى الجبارة؟ كيف يمكن لأصابعكِ الأنثوية أن تثبت نفسها في قبضة الأصابع الخمس الأخرى؟ لا يبدو لي أن ثمة مصارعة بعد، بل هي نهاية طبيعية لليسرى. لقد زُج بها إلى الطرف الأيسر القصي من المائدة، واليمنى نزلت عليها من أعلى ومن أسفل بضربات منتظمة وكأنها سلاح آلي. ولو لم تخطر لي – نظرًا لهذا المأزق – هذه الفكرة المخلِّصة بإنهما يداي، وأنني بدفعة خفيفة أستطيع أن أبعدهما عن بعضهما وأنهي بذلك المصارعة والمأزق – لو لم تخطر لي هذه الفكرة، لانكسرت اليسرى من الرسغ، وأُطيح بها من المائدة، ولربما في الاندفاع الأهوج للمنتصر، تنتبه اليمنى لي وكأنها كلب الجحيم خماسي الرؤوس وتضرب وجهي. عوضًا عن ذلك ترقد الاثنتان فوق بعضهما، واليمنى تربت ظهر اليسرى، وأنا الحكم غير الأمين أومئ موافقا على ذلك. 

***

هل من الممكن التفكير في شيء يائس؟ أو بالأحرى في شيء يائس دون نفحة من سلوى؟ قد يكمن المخرج في كون أن المعرفة هي بمثابة هذه السلوى. ربما يمكن إذن للمرء أن يفكر أيضًا: يجب عليك أن تتخلص من نفسك. ويمكنه مع ذلك أن يُبقي على نفسه دون تزييف هذه المعلومة، واعيًا بأنه أدركها. عندئذ سيعني هذا حقًّا أن تشد شعرك ساحبًا نفسك من المستنقع. ما هو سخيف في العالم الجسدي، ممكن في العالم الروحي. لا يوجد هناك قانون للجاذبية (الملائكة لا تطير، لم يزيلوا أي جاذبية، فقط نحن، مراقبي العالم الأرضي، لا يمكننا تصور الأمر على نحو أفضل) وهو طبعا أمر غير متصور بالنسبة لنا، أو لا يمكن تصوره إلَّا في درجة عالية. كم هي بائسة معرفتي بذاتي مقارنة بمعرفتي بحجرتي. (مساء) لماذا؟ ليس ثمة تأمل للعالم الداخلي، على غرار التأمل الكائن للعالم الخارجي؟ على الأقل من المحتمل أن يكون علم النفس الوصفي في مجمله هو إسباغ للصفات الإنسانية على الأشياء، قرض للحدود. العالم الداخلي يمكن فقط أن يُعاش، لا أن يُوصف – علم النفس هو وصف انعكاس العالم الأرضي في المساحة السماوية أو بمعنى أصح: وصف لانعكاس، كما نتصوره نحن، الممتصون تمامًا من الأرض، لأنه لا يحدث أي انعكاس، إننا نرى الأرض فقط أينما التفتنا.

علم النفس هو عدم الصبر.

كل الأخطاء الإنسانية هي عدم صبر، إنهاء مبكر لما هو منهجي، ترسيخ ظاهري للشيء الظاهري.

مصيبة دون كيخوت ليست خياله، بل هي سانشو بانزا

*

يأخذ الشيطاني أحيانًا مظهر الخير أو حتى يتجسد فيه تمامًا. وإذا ما بقي خفيًّا عني، أخضع بالطبع، لأن هذا الخير أكثر جاذبية من الخير الحقيقي. لكن ماذا لو لم يظل خفيًّا عني؟ لو اصطادني الخير خلال مطاردتي لشياطين؟ لو كنت موضوعًا للتقزز وقلبتني سنون الإبر المتحسسة من حولي ووخزتني ودفعتني إلى الخير دفعًا؟ لو هاجمتني مخالب الخير المرئية؟ سأرجع خطوة للوراء وانسحب بنعومة وحزن إلى الشر، الذي ظل طوال الوقت خلفي منتظرًا قراري. 

* * *

ثمة مفاجآت للشر. فجأة يلتفت إلي ويقول: “لقد أسأت فهمي”، وربما يكون الأمر حقًّا كذلك. يتحول الشر على شفتيك، ويترك نفسه لأسنانك لتقرضه، وبشفتيك الجديدتين – لم تكن ثمة شفاه سابقة أكثر طوعًا لأسنانك من تلك – تنطق لدهشتك بالكلمة الطيبة.

*

حياة

كلبة نتنة الرائحة، كثيرة الولادات، وقد أصاب العطن أجزاءً من جسمها، لكنها كانت تمثل لي في طفولتي كل شيء، في وفاء كانت تتبعني باستمرار، لم تمكنني نفسي من ضربها، أمامها كنت أتراجع خطوات للوراء، وكانت هي التي تدفعني، إن لم أتخذ قرارًا آخر، إلى زوايا الجدار المرئية، لكي تتحلل هناك معي كلية، حتى النهاية، هل يشرفني ذلك؟ الصديد ولحم الدود في لسانها على يدي.

حقيقة سانشو بانزا

بمرور السنين تمكَّن سانشو بانزا، الذي لم يفخر بالمناسبة بنفسه قط، من خلال مشاركته في عدد من روايات الفرسان واللصوص في ساعات المساء والليل من إلهاء شيطانه الذي أعطاه لاحقًا اسم دون كيخوته، لدرجة أن هذا الأخير قد قام دون توقف بأكثر الأعمال جنونًا. لكن تلك الأعمال ونظرًا لنقص شيء ما معين، كان على سانشو بانزا أن يكونه، لم تؤذ أحدًا. سانشو بانزا رجل حر، يتبع برباطة جأش، وربما لإحساس معين بالمسؤولية، دون كيخوته في حملاته وقد اكتسب من ذلك متعة عظيمة ومفيدة حتى نهاية حياته.

*


22 أكتوبر. الخامسة صباحًا

أحد أكثر الأفعال الدون كيخوتية أهمية والأبرز من محاربة طواحين الهواء هو: الانتحار. دون كيخوته الميت يريد قتل دون كيخوته الميت، لكنه لا يحتاج لموضع حي، إنه يبحث عن هذا الموضع الآن بسيفه دون هوادة ودون جدوى كذلك. وفي ظل هذا النشاط يتدحرج الميتان دون توقف في شقلبة متقافزة حية عبر الزمن.

‎⁨فرانز كافكا في الخامسة من عمره تقريبًا⁩

* النص ضمن باقة اختارها وحررها:وائل عشري