كوابيس العزلة: أسوأ السيناريوهات ‏

أحمد ناجي أحمد ناجي

لحظتنا الحالية هي التعريف الحرفي لـ”العقل الجمعي”. نعيش وفكرة واحدة تسيطر علينا وتعيد تشكيل حياتنا؛ الوباء الذي يهددنا.

نتواصل من خلال الإنترنت، ونقاوم ذات المخاوف ونتعلق بذات الآمال.

اليوم يمر ونحن في المنزل، وكل ساعة نفتح الفيسبوك أو “التوك توك” بحثًا عن ترفيه يخرجنا من حفرة القلق، أوعن أمل في علاج قريب، أو حتى عن وهم وأسطورة تخفف من حدة أعصابنا المشدودة.

كل ساعة أساطير جديدة، على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. من الأدعية والصلوات التي قد تهزم المرض، أو الجو الحار الذي يقتل الفيروسات، أو تطعيم الدرن الذي يقاوم المرض.

يمتلك البشر كفاءة مذهلة في إنتاج الأساطير، وهي أمر مهم لمنحنا الأمل للاستمرار. لكن عقلنا الجمعي كذلك ينتج الكوابيس والمخاوف. ولأننا واعون باتصالنا الدائم والمستمر عبر الإنترنت، نخشى نشر كوابيسنا أو توقعاتنا السوداء..

أولًا لأن الحكومات قد تعاقبنا، وشاهدنا كيف في مختلف دول العالم يُقبض على الناس بسبب نشر شائعات ليست إلا مخاوفهم من الوباء.

ثانياً نخاف من نشر الشائعات حتى لا ننشر الرعب في نفوس من نحب.

لكن كل ليلة نأوي إلى الفراش، وعقلنا لا يتوقف، وتستيقظ المخاوف والرعب، ونعيد خلق الكوابيس، ثم تصاحبنا حين نستيقظ ونكتمها خائفين من مشاركتها.

نرى في مدينة أن إخراج الكوابيس ومشاركتها مسألة حيوية في مواجهة الوباء، ليس فقط للصحة النفسية، بل لأن مشاركتها مع الآخرين تخلق نوعًا من التضامن. فكابوسك ليس كابوسك وحدك؛ بل ستجد الآخرين يشاركونه معك.

لذا جمعنا لكم هنا عددًا من الكوابيس الشخصية، بعضها يتردد على الإنترنت، وفي المقالات المتلاحقة التي تحاول رصد آثار الوباء. وندعوكم خلال الفترة القادمة إلى مشاركتنا بكوابيسكم خلال الحجر الصحي. يمكنكم إرسال كوابيسكم وأسوء السيناريوهات التي تخشونها على:

الايميل: [email protected]

[email protected]

[email protected]

أو على حسابنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/MedinaPortal/

أو حسابنا على تويتر: @MedinaPortal

يمكن للمشاركة أن تكون في هيئة نصوص أو شهادات مكتوبة، أو فيديو، أو تسجيلات صوتية.

سوف نواظب هنا باستمرار على نشر تلك الكوابيس وأسوأ السيناريوهات، حتى يتحقق السيناريو الأفضل، ويعبر الوباء حياتنا بأقل الخسائر أو ننتصر عليه.. من يدري؟ ربما..

اللوحة : Kent Monkman

1-انقطاع الإنترنت

بدأت بعض الخوادم تتأثر من الضغط عليها؛ مواقع وشبكات اجتماعية تسقط فجأة لبضع دقائق أو ساعات. في دول أخرى شكاوى مستمرة من بطء الإنترنت. مواقع البث المباشر وخدمات المشاهدة خفضت من جودة الأفلام والفيديوهات التي تبثها لتخفيف الضغط على الشبكة.

يستمر فرض حظر التجوال في أوروبا وأمريكا، آلاف العاملين في قطاع الإنترنت والتكنولوجيا أرسلوا إلى منازلهم، وبعض الخدمات بدأت بالتأثر بالفعل.

أحدهم سيقوم بعمل تخريبي؛ قطع كابلات، تفجيرات في مقرات السيرفرات، انقطاع في الكهرباء. ووسط فوضى العدوى نفقد الإنترنت.. أو ينقطع تمامًا في أجزاء مختلفة من العالم.

يحل الظلام. ونفقد الاتصال والتواصل.

شبكات المحمول كذلك تصاب بالعطب، وتنهار في عدد من دول العالم.

ولأن معظمنا تخلى عن الراديو والتليفزيون والصحف الورقية، لا تجد الحكومة وسيلة للتواصل مع المواطنين وتهدئتهم. كذلك لا يجد المواطنون وسيلة لتنظيم أنفسهم، ينتشر الخوف والاضطراب. ومن تحصنوا بمنازلهم لا يجدون وسيلة لتمضية الوقت، ويغرقون في الاكتئاب والهلع الذي سيحطم جهازهم العصبي ويبتليهم بالمزيد من الأمراض. المستشفيات والمؤسسات الصحية لا تستطيع التنسيق بين بعضها البعض، ومن ثم يتزايد انتشار الوباء وكأننا نستعيد كارثة الأنفلونزا الإسبانية، ثم ننتهي مرة أخرى بحرب كونية، عميان يتقاتلون على حافة بركان.

2-يرحل وحيدًا

أصبت بالفيروس. في البداية نصحوني بإقامة عزل خاص في المنزل. حبست نفسي في غرفة. يضعون الطعام أمام باب الغرفة ويذهبون، أتحدث معهم عبر الفيديو.

ثم انتقلت إلى المستشفى بعد صعوبات في التنفس. مر على تشخيصي بالمرض أسبوع، لم ألمس فيه أحبائي، الحالة تتدهور وسنوات من سوء استخدام جسدي ترد الجميل. تقبلت فكرة الرحيل، لكن أمنيتي الوحيدة أن ألمسهم.

أن ألمس أحبابي قبل الرحيل، هو كل ما أبغي

3-طوارئ بلا نهاية

فرضت جميع الحكومات حالة الاستثناء، بما فيها أعتى الديموقراطيات علقت آلية عملها وقوانينها العادية ودخلت إلى ظلام الطوارئ. رفع شعار حالة الاستثناء كوسيلة لإجبار المواطنين على الالتزام بالحجر الصحي.

لم نتمكن من الوصول إلى اللقاح المناسب، لذا استمر الفيروس في حصارنا.

نزل الجيش إلى الشوارع، سواء في أمريكا أو أوروبا، لمواجهة الشائعات والمعلومات الكاذبة فرضت الرقابة. مارست الحكومات مهامها دون أي شكل من الرقابة والشفافية، اعتمدت سياسات أكثر سلطوية، وأصبحت حالة الاستثناء جزءًا من طبيعة النظام، أصبحت حالة الاستثناء هي حياتنا الأبدية.

استلزم الوصول إلى لقاح عامًا كاملًا، وفُرض تطعيم إجباري على كل البشر. لكن بينما نحن في خضم أكبر حملة تطعيم في العالم، هاجمنا فيروس جديد، فاستمرت حالة الطوارئ ومعها الإجراءات الاستثنائية، إذ مُنِع الخروج من البيت، وحُدِّد نصيب كل فرض من الغذاء والماء والشمس، حتى أجسادنا لم تعد ملكًا لنا، بل أصبحت ملكًا للحكومات ومنظمات الخبراء الأطباء الذين أصبحوا الحكام مع العسكر في حالة الطوارئ الوبائية.

4-لا كلمات 

في مرحلة ما احتفظت في كراس صغير بمجموعة من العبارات التي يمكن قولها في المناسبات الاجتماعية المختلفة. ماذا تقول عند زيارة المريض؟ ماذا تقول في العزاء؟ ماذا تقول حينما يخبرك صديقك بزواج أخته؟

هذه العبارات الروتينية تختلط أحيانًا بأدعية دينية.

أحتفظ بها وأحفظها غيبًا، لأني كنت غبيًّا اجتماعيًا جدًا، وما أزال في الحقيقة. أتصرف بغشومية أو لا أتقن التصرف. المشاعر في صدري لكن لا أدري كيف أخرجها إلى كلمات.

كل مساء أقلب قائمة الأصدقاء، أرسل رسائل قصيرة لأطمئن عليهم، كي أتأكد أنهم بعيدون عن المرض. ولا أدري إذا أصابهم أو أصاب أحد أحبائهم، فكيف أواسيهم؟ بماذا سأنطق؟ في دفتر القديم لم تكن هناك عبارات لما يجب قوله في حالة انتشار الوباء.

5-مافيا الدم المتعافي

قرأت خبرًا من المفترض أن يبعث التفاؤل، لكنه أيقظ كوابيس جديدة. في إيطاليا توصلوا لاستخدام بلازما مستخلصة من دماء المتعافين من المرض لعلاج الحالات المصابة.

الفكرة كلاسيكية، فالأشخاص الذين أصابوا بالكورونا ثم تعافوا، أجسادهم تمتلئ بالأجسام المضادة. ومن ثَم يعيدون ضخ هذه الأجسام في أجساد المرضى. طبعًا الموضوع معقد جدًا طبيًّا، فمثلما تنقل العملية الأجسام المناعية قد تنقل أمراض أخرى أخطر.

لكن الكابوس هو تحويل المتعافين من المرض إلى سلع علاجية. الخطوة التالية: يسعى الأغنياء إلى تأمين أنفسهم بالقدر الكافي من دماء المتعافين كي يكون لديهم العلاج إذا أصيبوا. سيبيع المتعافون دماءهم وأجسامهم المضادة، وستنشأ سوق سوداء لدماء المتعافين.

تكتمل دائرة لعنة المرض. الإصابة به قد تؤدى إلى الوفاة، أما النجاة فتحولك إلى سلعة يتقاتل عليها الآخرون، لمص دمك والبلازما.

6-خطر الهواء

أصدر عمدة مدينة نيويورك قرارًا يُلزم سكان المدينة بارتداء الكمامات في حال خروجهم من المنزل. إذا لم توجد الكمامات يمكن ربط وشاح حول الفم، أو أي قطعة قماش. في اليوم ذاته تناثرت أخبار/ نميمة/ شائعات.. عن تحور جينى جديد في الفيروس، وإمكانية انتقاله في الهواء.

أحدْ وأقوى كوابيسي منذ بدأ العزل، ماذا إذا تطور الفيروس ووصلنا بالفعل إلى هذه المرحلة، حين يصبح حتى الهواء خطرًا. حتى البقاء في المنزل لا يصبح أمانًا. فلا يمكنك التوقف عن التنفس ولا التحكم في الهواء الداخل إليك. والسؤال المطروح ساعتها وما نفع البقاء إذا كانت الهزيمة على الجهات الأربع.

كل نَفَس يصبح مخاطرة، كل شهيق مجازفة وكأنك تدخل السم إلى رئتك، وكل زفير هو استعادة لأمل استمرار الحياة.

7-معصوبي الأعين نحو الهاوية.

في ذلك الكابوس الذي يقترب أكثر مما توقعت. تضغط الحكومات من أجل حجب أعداد المصابين والحالات والوفيات. يناقش الأمر في العلن وفي السر. تطرح المشكلة بشكل “ديكارتى” يبدو عقلانيًّا في البداية:

أ- تواجه البشرية الوباء، وتدير الحكومات المعركة.

ب-الوباء انتشر في كل مكان على الكوكب، وجميع الحكومات “ملطوطة”.

بناء على (أ) و (ب)= يجب السيطرة على الشعوب لأنها سبب الوباء وضحيته في الوقت ذاته، ومن ثم للحكومات حق تقرير ما يجب وما لا يجب.

تعلن منظمة الصحة العالمية عن الإرشادات الجديدة والتي تنصح فيها بعدم الإعلان عن عدد الحالات أو الوفيات. فمثل هذه الإعلانات والأرقام تنشر الهلع والفزع بين الناس، وقد وجدت أحدث الأبحاث العلمية الطبية أن الفزع والهلع يؤثر بالسلب على الجهاز المناعي ويجعله متوترًا، وعليه حين يهاجم الفيروس يستغل التوتر ويتسلل إلى مكامن الضعف.

يستمر الوباء، لكن تختفي الأرقام والرسوم البيانية. يظل الوباء حيًّا يصيب ويقتل وينتشر، لكن مع غياب الأرقام والرسومات البيانية لا أحد يعرف في أي جزء من المنحنى نحن. بل تبدأ بعض الحكومات إعلان انتصارها.

ثم لتقوية مناعة البشر، ولأن الوباء أصبح تحت السيطرة باختفاء الأرقام. يعود البشر إلى العمل والمنتزهات، يستعيدون حياتهم العادية، عميان سعداء معصوبي الأعين يتقدمون نحو مائدة الفيروس.