مهرجان الجونة: صحوة بعد نوم

داليا شمس داليا شمس

الأمر المؤكد الوحيد هو أن لا شيء مؤكد. مهرجان الجونة السينمائي لهذا العام عُقد في أجواء كل الاحتمالات فيها مفتوحة. قبل بضعة أسابيع من افتتاحه لم يكن أحد يعلم إذا ما كانت الدورة الرابعة ستؤجل أم ستُلغى أم ستجرى في موعدها. نعيش كلنا اليوم بيومه. لم يعد هناك مجال للردود الحاسمة والدامغة والقاطعة والواضحة.. حتى لقاح كورونا قد لا يكون ممكنًا.. لا أحد يعرف.. لا شيء مؤكد، كل شيء محتمل.

خلال المهرجان تريد أن تنأى بنفسك عن المنظور الأحادي الذي يختزله في مجموعة فساتين مبالغ فيها وتنظيرات وتصنيفات حول “الناس اللي فوق” و”الناس اللي تحت”.. تهتم أكثر بالأفلام التي تمثل خلاصة ما أُنتج على مدار العام. محاولة للهروب من الواقع أحيانًا والانغماس في حكايات الآخرين، لكن في مجملها جاءت الحكايات حزينة هذه السنة. تقول في سرِّك على الأقل في حالة الأبطال الذين يظهرون على الشاشة تعرف متى وكيف ستكون النهاية، بخلافنا نحن، إذ صرنا غارقين في بحر من الظنون.

يُعرف اليقين لغةً بأنه زوال الشك، وهذا أصبح غير وارد، فمن يعملون في مهرجانات أخرى مماثلة لا يعرفون على وجه الدقة إن كانت فعالياتهم ستعقد في موعدها أم سيضطرون إلى تغييرات جذرية لو تأزم الوضع. كيف ستكون الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي المقررة في الفترة ما بين 2 و10 ديسمبر المُقبِل؟ هل ستزيد إصابات الكورونا وقتها وندخل في معمعة الموجة الثانية للفيروس؟ وماذا عن الأقصر والإسماعيلية والمهرجانات الثقافية الأخرى؟

نتابع الصورة الكبيرة لشارلي شابلن وحركاته السريعة خلال عرض الفيلم الأمريكي الصامت “الطفل” بعد أن رُمِّم بجودة عالية، وذلك في أثناء الحفل الذي أقيم في الجونة بقيادة المايسترو أحمد الصعيدي، والذي عزف فيه أوركسترا القاهرة السيمفوني الموسيقى التصويرية لهذا العمل الكلاسيكي. تسرح بخيالك في الهواء الطلق. يرجع تاريخ إنتاج الفيلم لسنة 1921، أي بعد عام من انتهاء وباء الإنفلونزا الإسبانية (فبراير 1918- أبريل 1920) الذي أودى بحياة ما بين عشرين وخمسين مليون نسمة. انتشرت بين الجنود من خندق إلى آخر مع نهاية الحرب العالمية الثانية. لم تفرق بين البشر، واقترب الإنسان أكثر من فكرة الموت باعتباره الحقيقة الوحيدة في هذا العالم، مثلنا نحن الآن.

صُور الناس وقد اصطفوا على كراسي مسرح “البلازا” في الجونة وغطى القناع الطبي الواقي وجوه معظمهم ستؤرخ لهذه السنة العجيبة التي لا نعرف كيف ستكون خاتمتها. فُرجة لمن سيأتون بعدنا. مجرد انعقاد المهرجان، على الرغم من كونه مجازفة، هي محاولة للتعايش مع فكرة “عدم اليقين” والاحتمالات المفتوحة. قد نمرض، وقد لا نمرض إذا ما اتخذنا الاحتياطات اللازمة.. رائحة الكحول الإيثيلي تسيطر على الموقف. تضغط على الماكينة المثبتة عند أبواب المسرح والسينما لتحصل على بخة “كريمة” من عطر الكحول تجعلك تشعر أنك فعلت ما عليك. 

كان حضور الأفلام والأنشطة المختلفة بمثابة صحوة بعد نوم، وقت مستقطع من زمن الوباء، نغلق فيه هواتفنا ولا نتابع أهم الأنباء. نغوص في قصص كتبها آخرون عن أناس آخرين. نفرُّ من هؤلاء لا يشبهوننا مثل “صائدو الكمأ”، الفيلم التسجيلي الذي تشارك في إخراجه مايكل دويك وجريجوري كرشو. أبطال العمل مستمرون في حياتهم كما هي منذ عقود، في إقليم توسكانا وسط إيطاليا. تجاوز عمرهم الثمانين ويعتقدون أنهم سيمارسون مهنتهم أيضًا في الجنة، كما أكد كاهن الكنيسة لأحدهم. وحدها الأديان تملك مثل هذا اليقين، وهو ما يصعب على البعض فهمه: النظريات العلمية ليست من المُسلَّمات، ليست مطلقة مثل المعتقدات الدينية الراسخة.  العلم مثل الديموقراطية؛ قابل للاختبار والفشل والنقاش والتحول عن مساره.

من فيلم”زوجة جاسوس”-إخراج كيوشي كوروساوا

من فيلم “صائدو الكمأ(الترافيل)-إخراج:مايكل دويك وجريجوري كرشو

اكتشفنا فجأةً في ظل الأزمة الحالية أن التقدم العلمي الخارق ضرب من ضروب الأوهام، فهو ليس قادرًا على كل شيء كما تخيَّلنا وكما صورت لنا الحضارة الحديثة التي رسخت لدينا مجموعة من المسلمات، ثم استيقظنا من النوم على كابوس مزعج، وطال الكابوس أكثر مما تصورنا فأصبحنا نعيش مع شعور دائم بأن أسدًا سيهاجمنا بين عشية وضحاها. البعض ينتظر أن يطرد من عمله بسبب آثار “الكوفيد” الاقتصادية فيشبه مصيره مصير المهاجرين واللاجئين والمشردين الذين رآهم في أفلام الجونة مثل “تحت نجوم باريس” للمخرج الفرنسي كلاوس دريكسيل، إذ تعيش سيدة دون مأوى في شوارع باريس وتلتقي مهاجرًا صغيرًا من أفريقيا في الثامنة من عمره. كان لها حياة سابقة انقلبت رأسًا على عقب. لم تحتمل فقدان شخص عزيز دون لحظات وداع تليق بغلاوة من رحل، مثلها مثل العديد من الناس حاليًا. وقد ينهار زواج البعض في لحظة كما حدث مع بطلة الفيلم الياباني “زوجة جاسوس” لكيوشي كوروساوا، وقد نتحول إلى لوحة متنقلة، نصبح قطعة متحفية تباع في المزادات العلنية كبطل فيلم التونسية كوثر بن هنية “الرجل الذي باع ظهره”.. كل شيء وارد!

نحتاج إلى كثير من التدريب كي نتمكن من ترويض فكرة الشك الدائم والتأقلم مع أنه لا شيء مؤكد. شاهدتَ أفلامًا وعدتَ إلى بيتك خائفًا مرة أخرى. انتهى الوقت المستقطع، ولكي ترجع إلى حياتك السابقة عليكَ أن تتعامل مجددًا مع الخوف، الخوف أن يكون أصابك الفيروس في الجونة، بما أن هناك العديد من النجوم الذين أعلنوا أن نتائج اختباراتهم جاءت إيجابية، على الرغم من عدم ظهور أي أعراض عليهم… تخاف أن تنقل العدوى إلى أهلك، وتسعى لأن تتأكد ليطمئن قلبك، أن تقطع الشك باليقين كما يقولون.

نعيش في فيلم نهايته مفتوحة، يشبه ذلك المشروع الرقمي الذي تقدم به أحد الشباب خلال المهرجان، في إحدى جلسات دعم الأفكار الجديدة، وهو عبارة عن موقع أفلام تفاعلي يسمح للمشاهد بالاختيار بين أكثر من خط درامي لكي يشارك في وضع النهاية التي يريد ، وتصبح كل الاحتمالات مفتوحة..

..

صورة الغلاف: من فيلم “تحت نجوم باريس” للمخرج كلاوس دريكسيل