مجلة دون كيشوت

دون كيشوت في القاهرة

الجزء الثالث

محسن البلاسي محسن البلاسي

نبش القاهرة ….أين ذهبت الأفكار المتفجرة؟ هذا هو الجزء الثالث من مسار شظايا السورياليةاستمتعوا باللعب مع الخيال الجامح.

التطور في القاهرة

يحكي أنور كامل صاحب امتياز ورئيس تحرير مجلة التطور قصة صدورهافي البداية اتصلت بجماعة المحاولين.. لكن صلتي بهذه الجماعة كانت ضعيفة ولم تتعد زيارتين أو ثلاث، لكنني لم أشعر بالقدرة على الاندماج معهم، وفي عام 1936 أصدرت كتابًا عنوانه (الكتاب المنبوذ)؛ صدر عن دار نشر كان يملكها أحمد الصاوي محمد وهي دار (مجلتي)، وعن طريق هذا الكتاب تعرفت على كامل التلمساني ودعمت العلاقات بيننا بشكل وثيق؛ وعن طريق التلمساني تعرفت على جورج حنين وتوثقت علاقتي به، وكان يرتب في ذلك الحين هو وعدد من المصريين للانفصال عن جماعة المحاولين، بعدها اتصلنا بالنادي الديموقراطي لكننا لم نشعر بارتياح معهم، وهكذا انفصلنا أنا وجورج حنين وكونًّا جماعة الفن والحرية، وأصدرنا سلسلة من النشرات. وأذكر أن أولى نشراتنا كانت عنيفة جدًا، وكان الاتجاه العام للبيان معاديًا للفاشية، ودفاعًا عن حرية الرأي. بعدها أصدرنا نشرة ثانية وكانت دراسة لأندريه جيد أعتقد أن عنوانها كان (دفاعًا عن الثقافة). وعقب ذلك تجمع حولنا عدد من الشبان وشعرت أنه لا بد أن تكون لنا مجلة فحصلت على ترخيص مجلة التطور، وكنت رئيس التحرير وصدر العدد الأول في يناير 1940″…

لكن رواية أنور كامل تتضارب مع رواية مارسيل إسرائيل مؤسس التنظيم الشيوعي السري (تحرير الشعب) التي وجدت مكتوبة على الآلة الكاتبة وفيها تقرير تأريخي لحركة اليسار المصري ودور مارسيل إسرائيل فيه. وقد كتبه مارسيل إسرائيل وقدمه إلى قيادة الحزب الشيوعي الإيطالي مقدمًا به نفسه حين تم إبعاده عن مصر عام 1950 وفيه: “كما قام أعضاء تحرير الشعب بوضع أيديهم على مجلة التطور وأصدروها باسم الفن والحياة، وحولوها من مجلة فوضوية وسوريالية إلى مجلة عمالية، لكن لسوء الحظ لم يتسع أمامها الوقت لتدعيم تأثيرها، فقد منعتها الرقابة بعد عدة أعداد. وبعد أن فقدت تحرير الشعب كل من الاتحاد الديموقراطي والفن والحرية كمنابر علنية كونت بدلاً منهما منبران علنيان آخران هما الخبز والحرية والذي اختير اسمه بوحي من معارضة المثقفين الأناركيين في اختيارهم لاسم الفن والحرية، أما التجمع الثاني فسُمي ثقافة وفراغ“.

يوضح سرد مارسيل اسرائيل رؤيته لمجلة التطور وجماعة الفن والحرية طبيعة ومصدر الهجوم من داخل جناح اليسار المصري الستاليني على جماعة الفن والحرية والحركة السوريالية المصرية ومجلاتها ومنشوراتها وأعمالها الفنية. كما أثارت أيضًا قصائد الشاعر صمويل كنتروفيتش وبعض الشعارات التي نشرتها مجلة التطور تحفُظ اليسار الستاليني، وعززت الاتهامات الأيديولوجية التي وجهت لجماعة الفن والحرية من اليسار السلطوي. أبرز هذه القصائد كانت قصيدة كنتروفيتش، المغضوب عليه من الاتحاد السوفيتي، التي جاءت في العدد الأول بعنوان العبقري:

كان العبقري يرتقي الدرجات الوقورة
حيث وقف المطلق من مكان إلى مكان
فناء الدوافع الموسيقية والأحلام المتوهجة في قاع التجريد
كانت الآفاق تتسع إلى ما لا نهاية
كالدوائر المتزايدة على صفحة ماء هزه سقوط
ثياب بالية من الحقيقة كانت متشبثة بالنجوم
بروق متنبئة كانت ترى وهي تخترق الليالي المسيطرة
أأنت الكائن ذو الأبعاد الأربعة
الذي يمشي في مناطق الشك
معرضًا لخطر الانهيار
وفي الظلمات حيث تظهر الجدران
التي لا رحمة لها فجأة
وقد كان يجيب:
خلقت العراقيل لتكتسح.

كان لجورج حنين ورفاقه اتجاهات أيديولوجيه أناركية وتروتسكية، ومواقف حادة من الاتحاد السوفيتي والأحزاب الستالينية، وكانت له مواقف عديدة مؤيدة للتيار التروتسكي والتيار الاشتراكي التحرري منذ وقت مبكر وقبل إصدار مجلة التطور بسنوات. ومنذ بداية العشرينيات من عمره شارك جورج حنين في ملف (الرماة) الذي نشرته مجلة (ليزمبل) لمهاجمة محاكمات موسكو. وأرسل العديد من القصائد المنفردة المشتعلة غضبًا لتنشر في ليزمبل، وهي: عاشت كتالونيا، ولو أنهم لا يشنقوه، ومشروع أثر دولي..

أما جماعة الفن والحرية فاسمها ذاته مستوحى من بيان أندريه بريتون وليون تروتسكي (نحو فن ثوري مستقل)؛ البيان الذي حمل في مضمونه إعفاء الفنان الثوري من الخضوع للسلطوية الستالينية أو التيارات الفاشية والنازية التي اجتاحت العالم وقتها. بالإضافة لبيان يحيا الفن المنحط عام 1938 الذي وقَّع عليه 40 شخصًا في مصر، كانوا في معظمهم القوام الأساسي لتكوين جماعة الفن والحرية السوريالية بعدها بعام، ولم يلقَ بيان يحيا الفن المنحط رواجًا في أوساط الحركات الشيوعية الستالينية في مصر بسبب الاتهامات بالانتماء للفكر الفوضوي.
وقد نُشر البيان التأسيسي لجماعة الفن والحرية في أولى أعداد مجلة التطور بعد تأسيس الجماعة بعام كالتالي:
المادة الأولى:
(
أ) الدفاع عن حرية الفن والثقافة.
(
ب) نشر المؤلفات الحديثة، وإلقاء المحاضرات، وكتابة خلاصات عن كبار المفكرين في العصر الحديث.
(
ج) تعريف الشباب المصري بالحركات الأدبية والفنية والاجتماعية في العالم.

المادة الثانية:
تمثل الجماعة لجنة دائمة تنتخب وفقًا للقانون الداخلي. الجماعة بشارع المدابغ رقم 28، القاهرة.

دون كيشوت أيضًا في القاهرة

بخلاف مجلة التطور كانت هناك محاولات صحفية جمعت وقربت الجماعة السوريالية المصرية بأطياف اليسار المصري الأخرى، ومن أهمها تجربة مجلة دون كيشوت عام 1939 (16 شارع الجنينة. القاهرة. دون كيشوت).
وتقع هذه البناية في تقاطع شارع الجمهورية وميدان صيدناوي، وقد تغير اسم شارع الجنينة عام 1989 ليصبح شارع علي الكسار تمجيدًا لوجود مسرح علي الكسار، ثم مسرح الطليعة لاحقًا. وقد أطلق على هذا الشارع اسم شارع الجنينة تيمنًا بحديقة الأزبكية، فلو عدنا إلى تاريخ المنطقة منذ الحملة الفرنسية على مصر كانت منطقة الأزبكية عبارة عن مساحة واسعة غالبًا ما يغطيها مياه الفيضانات فتتحول كل عام في فيضان إلى أرض زراعية بها برك تشبه بركة الفيل وبركة عابدين وبركة باب اللوق؛ وكانت تلك المناطق تتحول إلى منتزهات يتنزه فيها الناس بالقوارب، وحين ينتهي الفيضان تصبح المنطقة حدائق وحقولاً، وبحلول عام 1830 أُهملت المنطقة فتحولت إلى خرائب ومقلب للقمامة، ثم جاء محمد علي بك الكبير وقرر أن يحول المنطقة إلى بستان يماثل بساتين أوروبا؛ فتولى برهان بك مهمة تصميم البستان وقدم المشروع لمحمد علي وبدأ تنفيذ مشروع ميدان الأزبكية الكبير الواقع على مساحة 40 فدان، والمكوَّن من ثلاثة شوارع كبيرة يمر فيها الناس والمركبات، وردمت البركة وزرع عدد مهول من الأشجار وأقيمت قنطرتان للمياه في الميدان، وقام ببناء وتخطيط شوارع كثيرة حول الميدان لتسهيل عبور مرتادي الميدان إلى باقي أحياء المدينة. وجاء الخديوي اسماعيل عازمًا على تحويل الميدان إلى حديقة أوروبية حديثة فقام ببناء بستان واسع في الميدان، وأحاطه بسور فخم على مساحة ثمانية عشر فدانًا. وزرعت فيه أشجار من السودان والهند والأدغال الأفريقية وأنواع نادرة من العشب والأزهار، ووضعت في بركته طيور مائية وأسماك نادرة. وفي عام 1877 افتتحت حديقة الأزبكية رسميًّا، وقد انتزعت الأراضي المحيطة بالميدان من اصحابها مقابل تعويضات مالية، وأزيلت منها المنازل الخشبية وأقيمت في الشوارع الواسعة التي توصل الميدان بالموسكي وغيره من أحياء قاهرية حديثة مبان أوروبية فخمة احتضنت مسارح ومقرات الحركة الثقافية والفنية في هذا الوقت لوقوع دار الأوبرا في الميدان.
نعود إلى 16 شارع الجنينة، لنجد بناية ضخمة عتيقة، تحوي بداخلها ممرات متداخلة وكثيرة وتقبع أمام مقر بوليس النجدة مباشرة، وحفاظًا على سلامتي الشخصية من المهاترات لم أستطع تصوير المبنى لا من الخارج أو من الداخل، لكنني دخلته؛ حيث يمتلئ جوف البناية بتجار أدوات النجارة والسباكة وما يشبه ذلك وتحوي ممرات عديدة حيث شركات ومحلات لتجارة الأدوات وغيره. هنا تأسست مجلة دون كيشوت.
في ديسمبر 1939 صدرت دون كيشوت في حفل افتتاح كبير بكهوف حديقة منزل اللوني باشا المحامي الكبير، الذي كانت ابنته ليديا صديقة مقربة من هنري كوريل، وقد انضمت منذ البداية إلى هيئة

صورة من مقال كامل التلمساني في دون كيشوت

صورة من مقال كامل التلمساني في دون كيشوت

التحرير التي شملت هنري كوريل رئيسًا للتحرير، وجورج حنين رئيسًا للقسم الأدبي، وكامل التلمساني ورمسيس يونان وهنري دوماني ومارسيل بياجيني وجوفارنا وإديت جاف وألكسندر باسكال وهنري كاليه وإسحق هراري وإدوارد ليفي. وكانت مجلة تقدمية للشباب اليساري من المصريين والأجانب مع وجود ملحوظ للسورياليين المصريين الذين شكَّلوا القوام الأساسي للمجلة التي كانت تصدر كل خميس. صمم كامل التلمساني الأغلفة وأغلب الرسوم الداخلية. وكانت المجلة تصدر ما بين 6 أو 8 صفحات؛ الصفحة الأولى: السياسة المصرية والأجنبية، والثانية للأدب والفن، والثالثة للعروض حية، وخصصت الصفحتان الرابعة والخامسة لأخبار سباقات الخيول؛ إذ كانت رخصة المجلة صادرة على أنها مجلة مختصة بسباقات الخيول. بالإضافة لمقالات ونصوص أدبية ولوحات فنية سوريالية متنوعة، ولوحات لبول ديلفو وريني ماجريت وصورًا فوتوغرافية للمصور السوريالي مان راي.

حققت المجلة نجاحًا أدبيًّا ملحوظًا، لكن سرعان ما تكدَّر هذا النجاح حين بدأت المشكلات المادية؛ إذ كانت الحانة التي يديرها راؤول كوريل خاوية الخزانة دائمًا، فلم يكن راؤول يجيد التعامل مع الشؤون المالية، ولم يستطع أن يطالب أغلب الزبائن بدفع ثمن المشروبات. لذلك كان عمر مجلة دون كيشوت قصيرًا؛ فلم تعش أكثر من ستة أشهر. لكنها قدمت خلال الستة أشهر إنتاجًا فكريًّا لا يمكن إغفاله.
لقد كان ريمون أجيون مسؤولاً عن تحرير باب السياسة الدولية في دون كيشوت وهو في التاسعة عشر من عمره، وكان كاتبًا مهمًا ومتمكنًا يتناول في نقاط تحليله النقاط المهمة بشكل علمي وقد برهنت الأحداث التالية صحة توقعاته.

معارك ضد الرجعية

رسم لرمسيس يونان من مجلة دون كيشوت

في العدد الأول قدمت دون كيشوت نفسها هكذا (نحن نناضل ضد الفوارق الطبقية والمغالطة التاريخية والتساهل والممارسة التي لا يمارسها الناس بحرية، ضد كل التلفيقات وكل التوريات).. ومن أشهر المعارك ضد الرجعية والتي خاضها جورج حنين عبر صفحات دون كيشوت كان مقالاً بعنوان (بشأن بعض الاوساخ) موجهًا ضد كل من: الشاعر الفرنسي لافونتين والكاتب لابروبير، واختتمه بجملة شهيرة للشاعر الفرنسي رينيه شار (أنا لا أداعب الخنازير). كما كانت هناك قصة مهمة لجورج حنين بعنوان (باريسأسطنبول) صاحبها رسم لأنجيلو دي ريز. ونشر لطف الله سليمان في المجلة مقالاً مهمًا بعنوان (العقلانية الجديدة). وكتب هنري كاليه مقالاً آخر عن رينيه شار.. لكن السورياليون المصريون سرعان ما بدأوا يضجرون من إنتاج مجلة دون كيشوت الذي بدأ يختلط بطرح إصلاحي مائع، كنشر قصة لتوفيق الحكيم بعنوان (تابع الموت) ترجمها إدوارد الشدياق؛ وكان توفيق الحكيم مكروهًا من السورياليين المصريين لرجعيته. كما بدأ طرح المجلة يتناول السياسة الداخلية المصرية بالكثير من الحذر، كما لم يعجب السورياليون انضمام الكثير من المحررين في المجلة لحملة الكاهن المسيحي عيروط اليسوعي الخيرية. وعلى عكس ما كان متفقًا عليه أيديولوجيا من البداية أخذت المجلة منحنى إصلاحي فوقي، فبعد 4 شهور من إصدارها ظهر فيها إعلان كان مصدره الفريق الثوري في المجلة، وهدفه أن يطغى الطرح الثوري على طرح المجموعة الستالينية والمجموعة الإصلاحية؛ ويشير نص الإعلان إلى أن المجلة ما تزال مخلصة للأسباب التي دعت إلى ظهورها ونضالها، وأنه من أول مايو ستكون مجلة شهرية تعمل من أجل انتصار الفن وحريته وانتصار الطبقة العاملة والفكر الحر، وأن صفحاتها ستضم كتابات لنيكولا كالاس وماري كافاديا وشارل بريبان وهنري كاليه، ورسومًا جديدة لأنجيلو دي ريز وكامل التلمساني وسيف وانلي ورمسيس يونان وفؤاد كامل.

قبل هذا الإعلان بيومين وفي 27 مارس 1940 أرسل جورج حنين لهنري كاليه خطابًا يخبره فيه بأن جميع التناقضات الأيديولوجية داخل المجلة ستختفي، وطلب منه نصوصًا لنشرها بالإضافة لنصوص لمارك بيرنار وسيرينيه وجيلبير كونت، مضيفًا بأن هذه النصوص ستكونعونًا لنا” (يقصد التروتسكين والسورياليين في المجلة). لكن طموحات جورج حنين ورفاقه لم تتحقق؛ وتوقفت المجلة، ولم تصدر في شكل مجلة جماهيرية، مما جعل السورياليين يتجهون لتأسيس مجلة التطور ويتوجهون باللغة العربية لقاعدة شعبية أكبر.
ويظهر ضجر وامتعاض السورياليين من مجلة دون كيشوت وما آلت إليه في خطاب من هنري كاليه إلى جورج حنين حول رأيه في المجلة: “الميول فيها مضطربة جدًا، والصفحات متناقضة. أنت تخاطر بضياعك فيها. ربما تكون مجلة صغيرة بالنسبة لك وسيلة أفضل. وبالفعل فإن مقالاتك فقط هي ذات المستوى، فضلاً عن أنني أجدها مجلة محلية جدًا وطفولية. أحببت دراساتك البلجيكية، وأيضًا قصتك (باريسأسطنبول). هذا شيء آخر غير التأتاة والمحاولة. لا تعتبر هذا انتقادًا لأصدقائك الذين هم جميعًا وبالتأكيد رفاق محبوبون“. ويبدو أن كلام هنري كاليه جاء على هوى جورج حنين، فرد عليه: “المُلَّاك الأساسيون لهذه المجلة يدعون الصلابة بين المتصلبين. يبدون في الممارسة كمن لا يطلب إلا المخاطرة بنفسه بكل الطرق. الاضطراب إذن خطير والمحاولة دون نتيجة تقريبًا).

لنذهب إلى باريس

في عام 1939 بشارع فانو في باريس التقى جورج حنين بأندريه جيد الكاتب الفرنسي الرحالة الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1947، والذي صاغت رحلاته للجزائر والكونجو وتشاد وغيرها ملامح تمرده المتفجر على الأوامر السلطوية والقواعد الأخلاقية السائدة، وبعد أن انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي سافر في رحلة قصيرة للاتحاد السوفيتي عام 1936، عاد واستقال من الحزب الشيوعي الفرنسي وأصبح من أشد المهاجمين للاتحاد السوفيتي والأحزاب الموالية له حول العالم. وحين التقى بجورج حنين في شارع فانو قام بتعريفه بأنشط سورياليي باريس؛ وخصوصًا بالكاتب اليوناني نيكولا كالاس الذي كان وقتها يحقق شهرة ومكانة عالية بين السورياليين بكتاباته وأفكاره المتفجرة واطلع على كتابه مباعث النيران. كان كالاس شاعرًا وكاتبًا وناقدًا ماركسيًّا طليعيًّا ومثقفا استثنائيا ومؤرخًا لتاريخ الفنون، وقد تأثر كثيرًا بأطروحات تروتسكي، وهو سليل متمرد لعائلة يونانية صناعية ثريّة؛ ولد في لوزان في سويسرا ونشأ في أثينا، وتلقى تعليمه في المنزل من قبل أسرته الأرستقراطية التي ركزت على اللغات، وكانت تأمل في أن يصبح دبلوماسيًّا.

ظهر كالاس بقوة في المشهد اليوناني الأدبي والفني في بداية الثلاثينيات، لكنه كان يعاني من عزلة وشح الدعم من بلده الأم اليونان، فانتقل إلى باريس في منتصف الثلاثينيات ليجد الجماعة السوريالية والدائرة المحيطة بأندريه بريتون تفتح له ذراعيها، ونشر عدة مجموعات من القصائد في فرنسا، واعترف به كمترجم يوناني لأعمال إدجار لي ماسترز، وتي. إليوت، ولويس أراجون.  وفي مقالاته النقدية الجدلية، وضع كالاس بشكل تدريجي وجهة نظر ماركسية متوافقة مع أفكار أدب وثقافة ليون تروتسكي، وبدأ بانتقاد الشعراء المغمورين في النرجسية والانطواء، مطالبًا الأدباء والفنانين الطليعيين بالتعبير عن إرادة القتال. وكان يفضل أن يطلق عليه وصف الماركسي الفرويدي. وقد تنقل نيكولا كالاس في كل أروقة الحركات الطليعية الأدبية والفنية وحين سافر إلى نيويورك في بداية الأربعينيات كان من أوائل السورياليين الذين أحدثوا طفرة أدبية في أمريكا، ومهد لانتقال أعمدة الحركة السوريالية العالمية كأندريه بريتون وماكس إرنست إلى نيويورك.

وفي العدد الأول من مجلة التطور نشر جورج حنين هذا المقال عن كتاب نيكولا كالاسمباعث النيران“..

أخطر موقف يمكن أن يقفه الإنسان في حياته أو في تفكيره هو موقف الرضا؛ سواء أكان هذا الرضا بنفسه أو بالعالم. فالإنسان في هذا الموقف يقنع بما في أفقه المحدود ويسر مما في حجرته الضيقة ويقنع بما وصل إليه من دواعي الاطمئنان والركود، من هنا فهو يحافظ على سكونه الذهني بالحرص نفسه الذي يحافظ به على مركزه الاجتماعي فيتلبد قلبه وتتجمد أفكاره ويسير في طريقه المحترمة دون أن يلمس الإشارات البشرية المحرقة والرسائل العاطفية المفاجئة والوجوه الشاذة التي فرت من أيدي المجتمع ولا مصير لها إلا المصادفة. ولا شك في أن هذه المناظر مقلقة تمامًا. وقد يكون للرجل الشريف الحق في أن يغفلها طول حياته المستقيمة لكننا نتساءل، هل قيمة الحياة محدودة إلى هذا الحد الأسفل؟ وما هو الغرض من مواصلة هذه الحياة؟ هل نعيش لتكون لنا سمعة لتشيعنا الجماهير بقلوب رحيمة؟ أم أننا نعيش لنتناول جميع المظاهر المتحركة ولنشعر بصفات العصر الفريدة بدلاً من تكرار الأفعال الموروثة.

هنا نذكر خاصة من خواص الرجل المؤدب الرئيسية؛ وهي الخوف من المجهول؛ فهو إذا اعترض طريقه شخص غريب بسؤال ما لا يفكر في مغزى السؤال ولا يقدر شذوذ الحال وإنما ينوي الفرار سريعًا خوفًا من أن يكون ذلك الشخص لصًّا أو مجنونًا، ومثل هذا الخوف هو الذي يبعده عن المؤلفات والنظريات والحوادث التي تصدم القيم الثابتة التي بنى عليها حياته. وهو لا يقدر أن هذا الثبات الذي يعتبره الشرط الأول والأوحد لتنظيم حياته، ثبات مصطنع أو ثبات للذهن الأعمى والجسم المشلول، وأن هذا المجتمع الذي يتمسك به تمسك الغريق بقطعة من الخشب لا محل فيه للثبات، لأنه موضع فوضى وتغيير لا مثيل لهما. وأن ما يتوهمه من فكرة الثبات هو ثبات في الأسماء والألقاب والتقاليد دون الحقائق. ولو تخلص هذا الرجل من أوهامه الخاصة بثبات قيمه الأدبية ولو فتح عينيه الغافلتين [……..] فإن خوفه قد يزداد بذلك ولا يقل؛ لأنه في الحالة الأولى يخشى الأشياء المجهولة، أما في الحالة الثانية فإنه يخشى الأشياء المعلومة مما يجعل الخوف يمتد به إلى تصورات الخيال في الحاضر والمستقبل.

ويرجع كل هذا إلى التربية التي أهلته لأن يفهم الحياة فهما جزئيًّا وسطحيًّا، وعودته على الطاعة لنظام المعيشة الإجمالي للمجتمع، فهو عندما يتدرج إلى الفهم الكلي للحياة لا يجد في نفسه الوسائل الكافية لإزالة العراقيل التي يضعها المجتمع في طريق تحرره كما أنه لا يستطيع أن يخلق بنفسه توازنًا جديدًا.

وكثيرًا ما نرى أن العامل الجاهل يستطيع أن يخرج من هذا المأزق الضيق، وأن يرفع صوته وأن يظهر عزيمته بخلاف المفكر المثقف الذي تربطه قيود معرفته الماضية، حتى ولو أصبح يستنكرها، ومع هذا فنحن لا نوافق إطلاقًا على رأي الذين ينسبون الذنب إلى التعليم، وإنما يقتصر انتقادنا على توجيه التعليم وعلى الأغراض المقصودة منه.

فلو أراد هذا المثقف أو غيره أن يخترق ما فيه نفسه من عراقيل وما أمامه من عقبات وجب عليه أن يتصل بكل مجهول حتى تنكشف حقائقه، ونعني بهذا أن يكون هناك تبادل عاطفي واسع مستمر بين الرجل وكل عناصر الحياة لأن هذا العلاج سوف يؤدي إلى تنمية وتقوية نزعات الفرد من جميع نواحيها.

وهذا ما يصوره لنا كتاب ظهر حديثًا، وقد اقتطفنا منه اسمه (مباعث النيران)؛ واختصرنا بعض نقطه بأمانة، وهو كتاب شاب يوناني يتبوأ اليوم مركزًا ممتازًا بين رجال الفن ولأدب ونعني به نيكولا كالاس. وقيمة كتاب مباعث النيران نلمسها في محاولة المؤلف توحيد أهم المذاهب الفلسفية الحديثة توحيدًا يسلح الفرد للانتصار على المتناقضات التي تكون حياة المجتمع والتي تتسرب منه إلى أعضائه، وأنه لمن مصائب الزمن أن غالبية الناس قد اعتادت أن تعيش في غمرة المتناقضات القائمة، وأن تلبسها ثياب الدوام والقداسة، في الوقت التي تستعمل فيه أقلية ضئيلة هذه المتناقضات نفسها لصيانة سلطانها وثروتها. والمهم عند نيكولا كالاس معالجة الفرد للخروج من هذا التناقض والتخلص من هذا الاستغلال.
ولا يشك أحد في طبيعة تناقض الليل والنهار أو الظلام والنور، كما أن أحدًا لا يعمل على إنهائه؛ ولكن ماذا في تناقض مصالح الطبقات في حدود الأوطان؟ وفي ضغط كل طبقة على أفرادها، وفي تنازع الأوطان في ميدان العالم الذي تذهب الشعوب البريئة ضحية له. وضح نيكولا كالاس العلاقات الموجودة بين الشهوة والأشياء التي تشبعها، وصوَّر أنواع الشهوة بمختلف أشكالها المستورة خلف كل مظهر من مظاهر الحياة، وأشار إلى الحلول العاطفية القديمة كالتسامي وغيره، ثم أخذ في بناء فلسفة غريبة يمكن أن نسميها فلسفة المفاجأة؛ فنيكولا كالاس يحارب موقف التعود ويحارب كل ما يدعو إليه، وهو يعرفنا أن خصوبة المرء الناتجة عن تغييره المستمر لا تقوم إلا مفاجآت سريعة تصدمه صدمات معنوية أو مادية، وأن الفن هو التعبير السامي عن كل ما يشغل بال الإنسان الذي لا يستغنى عن المفاجأة؛ فهي الغذاء النفسي لتنشيط خيال الفنان. ينادي نيكولا كالاس بإيقاظ صفات الفرد الهجومية، وبوضع قواته الباطنية
في خدمة ميوله المضطهدة وذلك بلغة قاسية وجافة تزيد كلامه ودلائله إقناعًا، ونحن نعتقد أن تلك النيران التي يبعثها قلمه سوف تنير طريق المستقبل الإنساني.

جورج حنين
يناير 1940
العدد الأول من مجلة التطور
28
شارع المدابغ. القاهرة