الفنان حجازى

لماذا لا ننسى حجازي؟

وائل عبد الفتاح

انتشرت هذه اللوحة في إسبوع ذكرى حجازي، وكانت معروضة ضمن معرض إحتفالي بفنان الكاريكاتير الإسباني خوان سنتيس الذي ولد في فرنسا و جاء إلى مصر بدعوة من الأمير يوسف كمال، وعمل منذ 1921 في مجلات الكشكول و الفكاهة و الإثنين.

لا شيء مما عرفناه سيبقى، وهذا سعيد ومرعب جدًاكتبت هذه العبارة مرتين على صفحتي في الفيسبوك. المرة الثانية كانت منذ أيام. بعدها فوجئت بلوحة تحمل توقيع حجازي تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، كأنها تذكرة من تراث النبي داوود، تستخدم في الأمراض المستعصية، أو شفرة ساحر مغربي تظهر كلما أطلت آلهة الشر. الأسطورة تحضر دائمًا مع الواقعية البائسة. لا شيء تغير، العالم ما يزال على درجة القبح التي نشعر فيها بالقشعريرة الشديدة عندما ننظر إلى لوحة حجازي.
بالونات الأطفال تتحول إلى ثقل يربط بسيقان السجناء. ومع أنها طريقة غير معروفة تقريبًا في السجون المصرية، إلا أن حجازي جعلها رمزًا للسجن، إنها الكرة التي تثقل حركتك، وتمنعك من الحركة، وتضعك دائمًا رهن من يملك تعليقها في ساقيك كيلا تتقدم خطوة دون إرادته. السجن في اللوحة للجميع؛ للأطفال؛ والشيوخ؛ ورجال أعمال؛ والفقراء؛ والذاهبين إلى المطاعم الفخمة؛ أو الملتصقة أجسادهم بعربات الفول. السجن ليس مجرد مبنى؛ لكنه بلد كامل يسير الناس فيهم ويتحركون ويرتدون ملابسهم؛ كل منهم يحمل سجنه في جسده. الجميع بلا استثناء رهن اعتقال يعيش وسجنه في جسده. ويتآلف مع مجتمع من سجناء يحصلون على تريضهم وطفولتهم وثرواتهم بإذن صاحب السجن. هذا ما جعل حجازي ومن عالمه الآخر، يلمس الأوتار العارية وتتحول لوحته إلىأيقونة مطلقة ضد القهر
هل كان حجازي سيحب ذلك؟ بمعنى هل كان سيحب افتتان الناس بقدرة لوحته على التعبير، لأنهم بؤساء ومقهورون حتى الآن؟
حجازي هو: أحمد إبراهيم حجازي في الأوراق الرسمية. وهوحجازي الرسامكما يعرفه قراء الصحف والمثقفون ومحترفو السياسة. رسومه موجودة الآن في كل الصحف التي تبحث عنتاتشمعارضة للحكومة؛ مع أنه اعتزل رسم الكاريكاتير قبل رحيله بما يقرب 10 سنوات.. وكان خبر اعتزالهحدثًا سياسيًّا.. باعتباره شارة احتجاج من رسام ظل لأكثر من 20 سنة يرسم النكتة السياسية في أشهر مجلات القاهرةروز اليوسفوصباح الخير“.. وكان واحدًا من مدرسة صحفية كاملة أنشأتها ممثلة مسرح شهيرة (فاطمة اليوسف).. ومعها صحفي لامع (محمد التابعي) وكانت تعتمد على الرسم باعتباره أسلوبًا صحفيًّا يؤكد طابعالمشاغبة، ويمنح للخيال مساحة خارج حدود ما تقوله البيانات المكتوبة، وما تقدمه الصور الفوتوغرافية ميتاً حتى يصبح وثيقة.

الحكايات عن حجازي نادرة، تنغمس دائما في المطلق. مع أنه، وحسبما رأيته شخص نسبى. ووقتي. وابن لحظته التي يجعلها خالدة، بإضافات من شخصيته وطاقته الداخلية. لكنه لم يقع في فخ صناعة الخلودمن فن عابر أساسًا. لم يحتفظ برسومه. ولا بالبيت الذي تزوج فيه، ولا بالبيت الذي عاش فيه وحيدًا يستقبل الأصدقاء فييوم مفتوحواحد. تحرر من كل شيء. مكتفياً بالبصمات، والعلامات التي يتركها على حائط الزمن مثل إنسان الكهوف.

1

عندما مات حجازي في أكتوبر 2012، تلاحقت أمامي الصور؛ ملامحه التي توحي بأنها ستختفي بعد النظر إليها، ونظرته المسافرة إلى مكان تراه لكن عين تخترقه إلى مكان غائر، وشخصياته المرسومة بعناية رسام يستعير من الطفولة ارتباكها وعنادها معًا. هذه الصور كانت تحضر بشكل دراماتيكي مجرد لكن بلا صوت.

أين ذهب صوت حجازي؟ كلماته؟ نبرته؟

أعرف أن الذاكرة خائنة، لكن لماذا هرب الصوت وحده؟

2

اختار حجازي العزلة وسط الناس. لم يكن بيته بعيدًا عن قلب المدينة. لكنك لن تراه مصادفة. لا بد أن تذهب إليه ويفتح لك أبوابه. هذا الغموض منحه سمت الهارب الذي يقيم في قلب المدينة، ويرسل من معتزله رسائل إليه. رسائل عاشق صامت، أو متمرد يستخدم جسمه كله لا حنجرته فقط في إعلان التمرد. ربما ستصبح حياته أشهر من أعماله لأجيال قادمة، أو ربما لا تكتمل حياة أعماله إلا بسيرته التي يرفعها المريدون والعشاق إلى مصاف الأساطير المعاصرة. للعزلة سحرها؛ فهي تبدو أحيانًا احتجاجًا على التورط في واقع لا يرضي المعتزل، لكن هذا ليس كل شيء عند حجازي، الذي رأى عزلته ببساطة أكثر من المحيطين به. ضحك حجازي نصف ضحكة وهو يحكي لي رحلة عودته من القاهرة إلى مدينة عائلته طنطافي سيارة النقل التي تحمل كل متعلقاتي الباقية سألت نفسيهل فشلت؟استرجعت شريطًا عمره 50 سنة تقريبًا وقلتلأ.. في الحقيقة أنا خلصت اللي عندي“.
رسوم حجازي كانت أقرب إلى الحكاية الشعبية، ليست سياسية تمامًا مثل بهجت عثمان، ولا ذهنية مثل اللباد، لكنها كانت وليدة حكمة من نوع متوارث، ترى العالم الحديث بحس نقدي يرتب العالم مستخدمًا الحواس لا الأيديولوجيا. غواية حجازي هي الحكي بدرامية، أكثر منها رمزية. شخصياته، بارتباكها العادي، وبوقوعها أسيرة آلهة الاستهلاك، أشرس آلهة بعد الطغاة. أبطاله تنابلة، وأزواج شرسون في سذاجتهم، وخطوطه دائرية، كأنها كرات بشرية، ستتحول بعد لحظات إلى جزء من الفراغ الشغوف بالحداثة، ويعاديها في الوقت نفسه، يغواها ويشيطنها في ذات اللحظة. ما أزال أحاول تذكر صوته: هل كان صوت محارب من زمن قديم؟ هل التقيته في استراحة فتحول صوته إلى خلفية لصورته قبل قليل من اختفاء جسده؟ ماذا كان يمكن أن أسمع من رسام تنابلة الصبيان؟ هل توقعت أن يستعير صوتهم فجأة وأتعرف معه على عالم الكسل اللذيذ؟ عملت في روز اليوسف؛ مكانه الأليف، وهناك كانت الحكايات عنه ترسمه في صورة نشيط ينهي عمله قبل حضور الموظفين، يبدأ في السادسة صباحًا وينتهي في الثامنة أو التاسعة. ينتهي ليبدأ حياته، أعجبتني طريقته في الحياة لكنني لم أنجح في تطبيقها. أعجبتني أيضاً طريقته في الاستغناء، مع تورطه في الحياة، يحب الحياة ولا يلهث خلفها، وهذا ما أعجبني، وعقد بيني وبينه محبة على رغم مقاومتي لحكايات دراويشه عنه، أو صوره كمعبود سري في عزلته، يحاولون التقرب منه بإطلاق ألقاب القرب العائلية، فينادونه عن بعد بالعمم حجازي. وكانت هذه صورة منفرة للشخصالفردانيالذي يحب الصحبة دون هيراركيةالعمأوالأبأوالخال“.

 

صور من الألبوم الشخصي للفنان مصطفى رحمة، وفيها يظهر حجازي مع أصدقاء وزملاء من مجلة ماجد
الفنان حجازى
الفنان حجازى
الفنان حجازى

3

الرحلة إلى حجازي كانت سنة 2004.. سافرنا من القاهرة إلى طنطا.. وكان معي فؤاد معوض صاحب الكتابة الساخرة عن حياة نجوم السينما وراء الكواليس والشهير منذ السبعينيات باسمفرفور.. ومحمد جمعة الفنان والمصمم.. ثلاثة أجيال مختلفة في رحلة إلى عالم حجازي. كان فرفور الوسيط الذي أقنع حجازي باستقبالنا.. كانت له مصلحة في الوساطة.. تلبية نداء الحنين الذي يلعب بقلبه وعقله كثيرًا هذه الأيام.. إنه يحن إلى أيام زمان وفن زمان.. ويحكي عن حجازي متبوعًا بكلمة واحدةيا سلام!” يتبعها بحركة من الشفتين تعني التلذذ باسترجاع الصورة الهاربة. أماجمعة فهو الجيل الأحدث الذي حركته غواية تصوير فنان يرى لوحاته منذ أن كان في الثامنة في بيت العائلة (هو ابن فنان الكاريكاتير جمعة فرحات). ثلاث رغبات في رحلة واحدة كنا نبحث فيها عن متعة كاملة؛ زيارة حجازي.. والسفر، وربما قليل من الفطير والعسل والجبنة في الطريق.

حجازي بالسيجارة

حجازي بالجلباب الرمادي يكاد يشفط السيجارة في اللقاء معه بعد عودته إلى طنطا

استقبلنا حجازي بجلباب رمادي وسيجارة في منتصفها.. وأحضان وقبلات.. مع أنه اللقاء الأول معي ومع جمعة. وفورًا عرفنا على ملذات تنتظرنا؛ الويسكي والكباب والكفتة الفستق والبطارخ.. همس ليلا تتردد في أن تأكل من البطارخ.. إنها مقويات صحافة، ومع الاستغراق في حلاوة الطعام والشراب كانت الطاقة الخارجة من أجسادنا ومع عجز المروحة الوحيدة أمام شدة حرارة الجو (كنا في أغسطس) تحولنا إلى ينابيع من العرقوحولنا أكوام من مناديل الورق؛ بينما كان حجازي هادئًا لا يعاني؛ لم تتغير حرارة جسمه!

ومع هذه الحميمية شعرت بسور شفاف يحمي به حجازي نفسه.. يختفي خلفه حتى عن أعز الأصدقاء من أيام القاهرة.. حماية لنفس خجولة تخاف من اللمس القاسي. المسترخي أمامك أمام طاولة الملذات هو نفسه المقاتلالذي يرسم كأنه في مهمة حربية.. ثم يغادر المجلة قبل أن يأتي أحد من المحررين.. ليبدأ حياته على هواه. ثم عاد ليعيش مع بقايا عائلته في طنطا. سمنته ملحوظة. لكن نظرته الحادة تعيدك إلى رشاقته الدائمة وخفة روحه.. وأولاً وقبل كل شيء إلى غرامك الشخصي به قبل أن تراه.

كان حجازي يحكي ويلقي النكات ويطارد القفشات من هنا وهناك.. رفض أن يدور التسجيلماذا سأقول؟! هل أفعل مثل النجمات التي يسألها الصحفيما عيوبك؟فتقولالكرم والصراحة” (نضحك ويكمل) “احنا قاعدين قعدة حلوة.. لماذا ستفسدها بهذا الجهاز“.

بعدها نظر إلى جمعة فوجده ما يزال في مرحلة البيرةأنت لسه مارحتش للويسكي؟وقبل أن يسمع ردًا، مد يده أسفل طاولة صغيرة بجواره، وحمل زجاجة جديدة لجمعة الذي أشار إلى الزجاجة القديمةلسه في نُصهادون ابتسامه وبعد أن أشعل سيجارةأنت الأصغر النهاردا.. ومن حقك تفتح زجاجة بنفسك.. احتفالاً بك وتدشينا لوجودك في الصحبة“.

مجموعة غير منتشرة من أعمال و بورتريهات حجازي من ملفه الصحفي في مجلةصباح الخير

4

ازداد إلحاحي على التسجيل. فوافق حجازي على مضض. لكنه تحول إلى شخص آخر، بلا حكايات، وأكثر ارتباكًا وتجهمًا.. مع أن الكاسيت لم يدر إلا 20 دقيقة فقط بين 7 ساعات هي مدةقعدتنامعه، إلا أنها كانت كفيلة بتغيير مزاجه في الكلام. ظهر توتره على السطح. تحوَّل كلامه إلى مجرد إشارات مسيسة أكثر. هل هو عدو التكنولوجيا.. يحب وضع الحكاء وسحر الشفاهية؟ هل يعادي التقدم التكنولوجي.. وهو نصير التقدم بمعناه اليساري كما قال أكثر من مرة؟ سألته: هل تستخدم الكومبيوتر والتليفون المحمول؟ وكان تعليقه لافتًاتعرف إن التخلف فيه حاجة فنية برضه.. تخيَّل أنك تصور امرأة حديثة الآن.. لن تجد في الصورة سوى واحدة ست تقف أمام مربع أبيض هو البوتوجاز.. لكن اذهب إلى الست في الريف أمام الفرن البلدي سترى ثراءً في تفاصيله وتصميمه والأشياء التي تستخدمها وملابسها.. وصورة ستكون تفاصيلها غنية جدًا“.

التخلف له حضور فني، فهمت أن هذا ما أراد الإشارة إليه، وأوضححاولت تعلم الكمبيوتر هنا من أقاربي الصغار لكي ألعب معهم ألعابًا مثل الفيفا.. احتجت إلى ثلاث ساعات كي أعرف كيف يمكن أن أضغط على الأزرار.. هم يتعلمون ذلك في خمس دقائق!“.
طفل كبير؛ خرجنا بالتوصيف من حكاية ألعاب الكومبيوتر، وتلال الصحف وشرائط الفيديو التي تباع الآن على الأرصفة لأفلام الكاراتيه والعنف والمغامرات الكوميدية.. هل يتابع حجازي ما يحدث في العالم؟ أم يكتفي بملعب عزلته هنا بعيدًا عن القاهرة بـ 90 كيلومترًا تحيطه الأجيال الجديدة من العائلة؟ عرفت أنه يتابع كل ما يكتب.. ويتقصى عن كل التفاصيل.. وله رأي لمَّاح في منطقته الأليفةتعرف، الآن ليست المشكلة فقط في أن رؤساء التحرير لا يملكون موهبة.. لكنهم أراذل.. ليس رؤساء التحرير فقط.. بل كل الذين يحاصرونك صباح مساء في واجهات الصحف والفضائيات.. أراذل.. لا يتمتعون بخفة دم ولا روح، تخيَّل كانوا يقولون الملك فاروق فاسد.. وإذا دققت ستجد أن كل فساده أنه يلعب قمار.. ويطارد النساء.. أي أنه رجل يحب الحياة في النهاية.. لكن الفساد هذه الأيام رذل.. وجوه أصحابه شرسة.. لا يعرفون الاستمتاع بمتعة واحدة إلا جمع المال أو سرقته بتعبير أدق“.

يحكي عن يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس اللذين كانت المراهقات تنتظرهما في مدخل مبنى روز اليوسف.. فقط ليشاهدن كل منهما وهو يصعد إلى مكتبهيوسف السباعي هذا؛ رمز ثقافة السادات، كان ظريفًا وإنسانيًّا.. في أول يوم تولى فيه رئاسة التحرير طلبت مقابلته.. قلت له أنا فلان وأريد الموافقة على سلفة 500 جنيه.. اندهش وقال لي أنا لم أعرف بعد ظروف المؤسسة، لكنني أستطيع أن أحلها لك بشكل شخصي.. وأمر سكرتيره بأن يمنحني 500 جنيه، ويجعلني أوقع على أقساط شهرية حددتها أنا.. حسب ظروفي.. والأعجب أن دهشته زادت عندما بدأت أسدد الأقساط.. لأنه على ما يبدو تعوَّد ألا تسدد الناس.. تختلف معه لكن لا يمكن أن تكرهه.. أو تشعر أنه بلا روح أو إنسانية“.

5

لم يكن الكاريكاتير اختيار حجازي الأول. كان يريد الرسم، حيث اكتشف لعبة تمنحه القدرة على التعبير وهو صامت. كما يفعل المنجذبون إلى المدرسةالتعبيرية؛ يحذف العالم الواقعي ويضع مشاعره وعواطفه وحالته الذهنية على ورقه؛ أو فراغ يستوعب أحاسيسه تجاه ما يحدث في العالم.. وهنا يستخدم التكثيف والخطوط الواضحة والتناقضات لتكون اللوحة إعلانا عن عالمه الداخلي لا العالم الذي يراه.

وهذا غالبًا ما جذب مدرس الرسم في مدرسة الأحمدية بطنطا؛ الذي حكى لي حجازي عنه لاحظت أنه بيحب يتفرج عليَّ وأنا أرسم.. وفي الحصة التالية يصطحب معه مدرسين آخرين.. بدأت أحب اللعبة.. خصوصًا أن المدارس وقتها كانت مهتمة بفكرة النشاط والمواهب.. كنت أرسم وصديق لي اسمه إسحق قلادة يكتب روايات.. لكن روايات من النوع الضخم.. لم يكن يكفيه كراسة واحدة.. وكان يضطر إلى تدبيس أكثر من كراسة لتكفي رواية واحدة تفوق ملحمةالحرب والسلام“.. كان صديقي كان يعتبر نفسه أديبًا مهمًا.. وعندما اقترح عليه أن يكتب قصة قصيرة يقول لي يا راجل عيب دي القصص القصيرة دي قلة قيمة“. إسحق قلادة شريك في حكايات كثيرة مع حجازي.. لكن قبلها لا بد أن نرى كيف كان يعيش حجازي الشاب الذي قرر في سنته الثامنة عشر أن يترك طنطا قبل امتحان شهادة التوجيهية (أي الثانوية العامة بمصطلحات أول الخمسينيات) بأيام ليصبحرسامًا كبيرًا في القاهرة. رفض الشاب الذي غادر المراهقة لتوه، أن يكمل الطريق التقليدي، وقرر أن ذهب إلى المغامرة، دون تخطيط، فقط اعتمادًا على الحدس. وحسب حكايتهلم أكن أعرف من أين يأتي هذا، وإلى أين أذهب.. ومن أين أبدأ.. كنت أتصور أن الأبواب ستفتح لي فورًا.. وسأكون رسامًا.. تركت رسالة لعائلتي قلت لهم فيها: إنني أريد تحمل مسؤولية نفسي“.

حجازي هو واحد من بين 11 طفلاً. أبوه سائق قطار. وبيته على ضفاف شريط السكة الحديد في كفر العجيزي بطنطا. في هذه الأماكن تبدأ التجمعات ببيت أو اثنين للعاملين في السكة الحديد. بعد ذلك تتكاثر البيوت حولها بشكل سرطاني تصبح بعده مركزًا سريًّا لمتع الفقراء البعيدة عن أعين البوليس والناس المستريحة. هناك تعلم حجازي البحث عن متع الحياة وسط ركام الحياة التعسة.. ورأى وعرف كيف تعيش فقيرًا.. تأكل على طبلية.. في إضاءة لمبة جاز.. وفى بيت مزدحم بأحلام ورغبات 13 شخصًا.
كانت الرسالة واضحة: لا أتحمل أن أكون عبئًا. أريد أن أبدأ حياتي الآن، ولن أنتظر حتى أدخل كلية الفنون الجميلة. كان الحلم بالتغيير ذبذبة عمومية.. قال حجازي لإسحق قلادةغدًا سأسافر للقاهرةفرد إسحقوأنا معك“. عائلة إسحق كانت منأعيان طنطاوتستطيع أن تصرف على بقية مشواره في التعليم، لكننداهةالقاهرة نادته مع صديق عرف معه مغامرات المراهقة في عالم البنات والحب.. وسحرهما معًا عالم الأدب والفن.

كاريكاتير نادر لحجازى فى بداية حياته الصحفية عندما عمل ليوم واحد فى أخبار اليوم

6

هكذا ارتبط الرسم بالسفر، والمغامرة بالبحث عنلقمة العيش؛ ذلك التعبير المصري العبقري في ربطه الخبز بالحياة، والشغلبالوجود الإنساني. وربما هذا سر اختيار حجازي لـالتنابلةرمز الكسل أبطالاً لحكاياته للأطفال في مجلتيسميرثمماجد، وكان يرى فيه هجاءً مبطن للسلطة والسلطان الذي يخلق من حوله التنابلة التي تكون ثروات دون عمل، وتنعم في خيرات لم تتعب في نيلها.

علىبابروز اليوسفسأل حجازي البواب عن إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين وعبد السميع.. ويحكي فوجئت بالرد: كلهم فوق، اطلع لهم.. لم يطلب بطاقتي، ولم تكن هناك بوابة إلكترونية تمر عبرها مثل الآن.. صعدت، وأطلعتهم على رسومي، لكنهم قالوا لي: احنا عاوزين كاريكاتير.. لا نحتاج رسوم.. كان معي وقتها رسوم تعبيرية وبورتريهات لمصطفى كامل وعرابي.. لم أكن مهتمًا بالكاريكاتير.. عدت إلى اللوكاندة التي كانت في القللي وندفع لها أنا وإسحق جنيهًا في اليوم.. وفي هذا اليوم تحديدًا انتهت الثلاث جنيهات التي كانت معنا.. واضطررنا إلى النوم في الحدائق العامة.. نمنا على ورق الجرايد.. ومنه التقطت طريقة رسم الكاريكاتير ونفذت أكثر من رسمة وحملتها معي وذهبت أنا وإسحق إلى دار التحرير“.

كانت الدار تصدر مجلةالتحريروهي أول منبر أسسه الضباط الأحرار في 1954 ليعبر عنهم وعنالعهد الجديدوذلك في مواجهة شكوكهم من صحافةالعهد البائد“. يحكي حجازي عن تلك اللحظةكنت مرهقًا وملابسي غير مكوية لأنني أنام بها في الشارع.. أوصلني الحارس إلى باب مكتب سامي داوود رئيس تحرير مجلة التحرير، الذي كان مشغولاً لكنه رأى رسومي ولا أعرف لماذا ربّت على كتفي. ربما أكون صعبت عليه.. وأخذني من يدي إلى مكتب آخر.. وهناك كان الفنان حسن فؤاد؛ تركني معه.. وبعدما رأى الرسوم ربَّت على كتفي هو الآخر.. فأشرت إلى إسحق وحكيت له عن رواياته أو ملاحمه التي كان يكتبها ونحن في طنطا.. فقال لي نحن لا نحتاج الآن إلى كُتَّاب.. نحتاج إلى رسامين.. وأنت موهوب.. سأعينك هنا بمرتب 10 جنيهات.. لكن هذه العشرة جنيهات لك أنت وإسحق.. وليست لك وحدك“.

حسن فؤاد (رسام وسيناريست وصانع صحف وواحد من الآباء الروحيين في الصحافة والثقافة والسياسة). تعلم حجازي السياسة على يده، كان قد قرأ بيرم التونسي مع بدايات القراءة في طنطا.. لكن حسن فؤاد أعطاه كتابمشكلات الفنمن تأليف زعيم الصين التاريخي ماو تسي تونج.. يقول حجازيكان من المدهش بالنسبة لي أن يؤلف زعيم مثل ماو تسي كتابًا في الفن، ربما هذا ما يجعلني أتذكر الكتاب حتى الآن“. بعد فترة قليلة معالتحريرقال له حسن فؤادمكانك في روز اليوسف“.

بورتريه حجازي لأم كلثوم، نشر في حياتها على غلاف مجلة صباح الخير، 6 فبراير 1975، من مجموعة كتاب `` روح مصر ``

7

حجازي كان يحب رسومات عبد السميع لكنه يرى أن صلاح جاهين هو اللي أحدث النقلة الحقيقية في الكاريكاتير، من الأنماط السائدة إلى كاريكاتير اجتماعي يدخل الحياة الشعبية ويرسم ناسًا حقيقية مش أنماط مثل المصري أفندي ورفيعة هانم والسبع أفندي وسكران أفندي طينة.. لأنك تعرف أن أسوأ حاجة حتى في المسرح أنك تعمل نمطًا. وكلما خرجت عن النمط يكون الفن أجمل.. ولهذا كان ظهور ناس عادية بحكايات عادية نقلة في الكاريكاتير.. ناس بتشتري ساندويتشات فول أو بتقلي طعمية. صلاح جاهين له الفضل في هذه النقلة.. وكل الرسامين اتعلموا من صلاح جاهين، وابتدوا يفهموا أن الكاريكاتير مش مداعبات ولا خفة دم من غير سبب. بدأوا يلتفتوا إلى أن الكاريكاتير ممكن يبقى عن ناس عايشين في المجتمع وعندهم مشكلات. وقتها كان رسامون مثل جورج البهجوري وبهاء اهتموا بفكرة الأسلوب، وكيف يرسم الكاريكاتير، وليس كيف يفكرون. بعد سنين أصبح هناك ناس تانية موجودة جنب صلاح جاهين أنا وصلاح الليثي وبهجت عثمان، ثم أتى بعد ذلك جيل أصغر مثل جمعة فرحات ورؤوف عياد، ودخل في هذه المدرسة تقريبًا.. وأصبحتصباح الخيروروز اليوسفمنظومتين من الشغل السياسي والاجتماعي بنغمات مختلفة. صلاح جاهين وصلاح الليثي وزهدي وإيهاب. ولهذا كان في روز اليوسف حالة توحد.. أضف طبعًا الكتّاب أحمد بهاء الدين وكامل زهيري وفتحي غانم.. كانت حدوتة كبيرة.. وكنت تشعر وأنت تقرأ صباح الخير أو روزا بصلة حقيقية بين الناس وبعضها.. مش زي دلوقتي بتحس في الجرايد أن الحاجات مخاصمة بعضها.. أو أن الناس بيبعتوا الشغل من برة.. مافيش روح واحدة.. احنا كنا في فترة جمعت أجيال كثيرة.. زهدي أكبر من صلاح جاهين.. وبهجت عثمان وجورج البهجوري في سن أصغر.. ثم أنا ورجائي ونيس.. أصغر.. لكن كنت تحس إن فيه روح واحدة حاكمة المجلة“. كانتروز اليوسفوقتها بوصلة اليسار بالمعنى الثقافي قبل السياسي؟ سألتُ.. وأجاب حجازيآه كان فيه الفكرة دي.. وكان المجتمع كله بشكل عام متجهًا اليسار.. ليس بمعنى أنه يبقى مجتمعًا شيوعيًّا.. لكن يسار بمعنى أنه باستمرار مع التقدم.. إنك خارج النظام شوية.. ومع فكرة التقدم. لأن النظام باستمرار عاجبه الوضع الحالي،روز وصباح.. كان فيهم قلق على المستقبل وعايزين الدنيا أحسن من كده.. الأنظمة باستمرار بتبقى راضية عن الوضع الحالي لأنه لو اتغير هيتغيروا.. روز اليوسف وصباح الخير كانت في هذا الزمن تنادي بفكرة التقدم والتغيير.. المجلة كلها.. الرسامون والكتاب.. ولم يكن هناك نغمة نشاز“.. وحتى عندما قال صلاح جاهين في غنوةعايزين تماثيل رخام على الترعة وأوبراكان هذا بصحيح. كنا مصدقين أن دا صحيح حلم فيه شكل الأسطورة شوية أو الخرافة لكن معناه أنه هيحصل تقدم في القرية. لأن القرية هي رمز التقدم.. وكان الحلم الحقيقي بجانب حلم القومية العربية التي لن تتحقق هوتمدين الريف“. ولهذا فالانكسار الحقيقي ليس في أن الحلم ضاع لكن في أنه بعد هذه الثورةالمباركةبدلاً عنتمدين الريفحدثترييف المدنأصبحت المدن تشبه الأرياف بالمعنى القديم.. عشوائيات وزبالة.. ولو حسبت نسبة المناطق العشوائية في القاهرة مثلا ستجدها 80%. هذا الترييف للمدن خلاصة ورمز لما حدثهذا هو التقدم الذي صنعه ضابط بعد ضابط.. الفقراء بدلاً عن أن يجلسوا حول طبلية ولمبة جاز.. أصبحوا يلتفون في العشاء حول القنوات الفضائية ويلبسون الجينز.. لكنهم فقراء أيضًا، وما يزال سؤالي لم يتغيرما الذي يجعلنا فقراء جدًا؟“. يقول حجازيسافرت إلى القاهرة من 50 سنة تقريبًا.. وعدت الآن إلى طنطا.. إيه اللّي حصل في 50 سنة؟ اللّي حصل إنه عندنا شيكولاتة إيكا بس.. دلوقت عندنا 200 نوع شيكولاته. التقدم الوحيد في الحاجات الاستهلاكية غير الضرورية.. دا بس التقدم اللّي حصل في 50 سنة. اليابان اللي بدأت نهضتها معانا عندها الآن تقدم وعندها أيضًا لبان وشيكولاته وبسكويت.. إحنا ما عندناش إلا الشيكولاته والبسكويت والشيبسي. في 50 سنة لم يحدث شيء. ما تزال مفردات الشكوى منذ أيام الملك فاروق كما هي بالضبط.. أي أن الحلم بأن أوضاع الناس تختلف من زمان إلى الآن لم يتحقق.. ولم يحصل المواطن المصري على مرتب يكفيه أبدًا.. وتسأل نفسك.. إيه التقدم اللي حصل الثورة قامت ليه؟! فيه حاجة أسوأ. وقت قيام الثورة.. وأنا كنت فرحان جدًا مثل معظم المصريين.. وقتها قالوا إن الثورة قامت ضد فساد الحكم.. وإلى آخر المبادئ الستة.. قبل الثورة كان اللّي بيدخل الجيش يحتاج إلى واسطة.. الآن أيضًا لا أحد يستطيع دخول كلية الشرطة أو الطيران إلا بواسطة ورشوة.. ويمكن أيضًا الآن أن نتكلم عن فساد يصل إلى عمولات سلاح وفساد في مؤسسات كبيرة جدًا.. أنا لا أتكلم كلام ضد الثورة.. لكنني أقول إن الثورة أخفقت في كل ما بشرت به.. شالت ملك فاسد.. وعملت الآن مليون ملك فاسد في مصر.. وبدلاً عن الدم الأزرق للملوك أصبح فيه الآن دم كاكي أهم بكثير من دم الملوك
حلوة حكاية الدم الكاكي ديكدت أن أقول له، لكنه فاجئنيكفاية كدا تسجيلوبدأت أستعيد الحكايات.

المجموعة الخاصة بالسيدة سلوى المغربي، أحد أشهر مديري الجاليريهات في مصر

8

يحكي حجازياشتغلت مرة 3 أشهر فيالأخبار، وفي يوم فوجئت بمصطفى أمين يناديني، وقبل أن أخطو إلى المكتب سمعته يضحك بصوت عال.. نظرت إليه فوجدته غارقًا في ضحك متواصل.. ابتسمت، وقالي إيه رأيك ترسم جمل.. وفوقه الملك حسين (ملك الأردن)، ونكتب تحتها تعليق: خيبة الأمل راكبة جمل، كنا وقتها في أزمة بين عبد الناصر والملك على ما أتذكر.. المهم استمر مصطفى أمين في ضحك اهتز معه وكاد يستلقي على ظهره.. ضحكت أكثر.. وخرجت من مكتبه وهو ينتظر أن أعود إلى مكتبه بالرسمة.. لكنني خرجت من مكتبه إلى الأسانسير، إلى الشارع ولم أرجع إلى أخبار اليوم تاني“. يوضح حجازيمع هذا مصطفى أمين كان راجل ظريف.. وموهوب.. يمكن أن تختلف معه.. وكان هو متعود وقتها على أن ينفذ الرسام فكرته.. لأن كان نجم هذه المرحلة فيالأخبارالرسام الأرمني اللامع صاروخان.. ماكنش بيعرف عربي وكان يمكن أن يطلب منه مثلاً أن يرسم سفينة في بحر متلاطم الأمواج ويكتب على البحر.. القومية العربية.. وعلى السفينة.. بريطانيا.. وهكذا“.

9

كنت مندهشًا من فكرة العودة إلى طنطا.. ومعجبًا بها في الوقت نفسه.. فرفور أعاد علينا وأمام حجازي هذه المرة حكاية صاحب العمارة الذي وجد حجازي أمامه يسلمه مفاتيح شقته (بالمنيل) ويقول له: اتفضل.. فسأله صاحب العمارةكدا من غير فلوس؟ فقال له حجازي: وهل أخدت مني فلوس عندما أجرتها منك، حتى آخذ منك فلوس الآن؟!”. يختم فرفور الحكايةشفت قد إيه الراجل دا جميل.. حد يعمل كدا في الزمان دا!”. ويبدو أن حجازي كان يتابع الحكاية كأنه ليس بطلها. وفوجئ بسؤالي المباغتأنت ما اتجوزتش ليه؟ضحكأنا أتجوزت؛ وأكملفي أول مرة اكتشفت صعوبة أن تحب امرأة.. ثم تصحو في الصباح تجدها ما تزال في البيت.. كنت مندهشًا! وربما لم أتحمل الوضع.. في مرة ثانية كانت الزوجة تقول لي هترجع امتى. فأقول لها: بعد الظهر.. وفعلاً أرجع بعد الظهر، لكن بعد 5 أيام.. أنام فيها في بنسيون“. يحب حجازي النساء. ولا يخلو حديثه من قفشة هنا أو إشارة إلى فتنة امرأة أو المتعة المختفية في ثناياها. لكنه يحب حريته. يتحرر حتى من الرسم. لا يترك الرسمة معه أكثر من الفترة اللازمة لإرسالها إلى المطبعة أو إلى البريد.. لا يتحمل لوحاته معلقة على الحائط.. وفى بيته بطنطا لم تكن سوى أعمال على الحرير للفنانة شلبية إبراهيم.. ولوحة لفنان سوري رسم فيها أبو زيد الهلالي.. وصورته عندما كان طفلاًشفتوا الصورة عاملة ازاي.. شفتوا أنا مخضوض قد إيه.. القميص دا كان بتاع أبويا ودابت ياقته.. ولم يكن هناك أفضل منه لأتصور صورة شهادة الثقافة“. سخرية من نوع خاص؛ تتبعتها في رده على السؤال الذي يبدو أنه تعود عليهرجعت ليه لطنطا؟“. “وأعمل إيه في القاهرة؟! هنا زي هناك.. إيه تفرق قعدتنا هنا عن قعدتنا في القاهرة.. أنا اكتشفت أنني خلصت اللّي عندي.. أيوه كل ما كنت أرسم أحس إنّي رسمت الرسمة دي قبل كده.. 50 سنة بنعيد في القضايا نفسها.. البطالة والفقر والقهر.. المشكلات نفسها.. والقضايا نفسها حتى بالنسبة لإسرائيل العرب لسّه بيدينوا نواياها العدوانية.. ما زالوا يقولون إنها نوايا “.

أسال السؤال بصيغة أخرىهل اعتزالك لرسم الكاريكاتير كان نوعًا من الإحباط.. أو الاحتجاجفيقوللا أنا بطلت كاريكاتير علشان خلصت الحبة بتوعي.. ولأني ما أعرفش أعمل حاجة تاني. والرسم أكل عيشي اخترت أن أرسم للأطفال.. أولاً لأن رسم الأطفال يتعلق بالمستقبل.. والأنظمة الديكتاتورية تسمح لك بالاهتمام بالماضي والمستقبل.. لكن إذا تحدثت عن الحاضر تاكلك.. ثانيًا كل رسم للأطفال هيكون فيه عصافير وشجر وروح جميلة ممكن ترسمها.. لكن هرسم الحاجات نفسها التي بتترسم من أيام الملك.. لا أستطيع أن أكرر نفسي“.
يتذكر حجازي حكاية المخبر الصحفي الذي عينه إحسان عبد القدوس في روز اليوسف وكان يمنحه أموالاً يلعب بها القمار مع يوسف وهبي وغيره من طبقة مدمني مغامرة اللعب بالمال.. كانت مهمته أن يحصل على أخبار وكواليس المجتمع المخملي كما كانوا يسمونه.. كان يرجع إلى المجلة في الصباح عندما أكون أنا قادمًا إليها. ذات مرة ظل يفرغ ما في جيوبه من أموال كسبها في سهرته.. وقال لي انظر من الشباك.. لأجد سيارة فارهة تقف بشموخ أمام الباب.. فيقول: كسبتها امبارح.. في يوم آخر يعود مفلسًا تمامًا.. المهم أنه في يوم تأميم الصحافة.. وصل المكلف بإبلاغنا بالقرار واجتمع معنا.. كان صاحبنا عائدًا لتوه وأفرغ مكاسب الليلة في إدراج المكتب.. وفي وسط كلام عن العهد الجديد الذي سيكون بعد التأميم.. ووسط مخاوفنا مما سيحدث عندما نصبح في يد دولة العسكر.. لم يكن هو مهتمًا إلا بالأموال.. كان ينظر إليها بين حين وآخر.. يخاف أن يشملها قرار التأميم ويفاجأ بأنها أصبحت من أملاك الدولة“. ضحكنا.

يعود حجازي مرة أخرى إلى الحديث عن النساءتعرف أن في الرجل نذالة ممتدة المفعول.. يريد أن يحب ويجري بعيدًا.. لكن المرأة تريد أن تصنع بيتًا وأولادًا“. “لهذا عدت إلى طنطا تبحث عن عائلة؟هذه المرة كانت ابتسامته أكثر غرابةتعرف أن عائلتنا تحترم الموت كالفراعنة.. وأعتقد أن هذه عادة الفلاحين في مصر حتى الآن.. أقاربي من الشباب عندما عرفوا أنني سأرجع طنطا قالوا لي: بركة يا خالي إنك تموت وسطينا.. لم يقولوا تعيش.. قالوا تموت.. وربما هذا هو المهم بالنسبة لهم!”.

10

بحثت عن الشريط الذي سجلت عليه ال ٢٠ دقيقة مع حجازي، لم أجده، وكان هذا هو حلي الأخير في تذكر صوت حجازي.