الملك فاروق

لماذا لا يموت الملك؟

كتالوج الملكية لأطفال الجمهورية

وائل عبد الفتاح وائل عبد الفتاح

العلاقة بين الملكية والموت وثيقة؛ فالملك لا يصبح ملكًا إلا إذا مات الملك الذي سبقه، سواء جسدًا أو دورًا أو قدرة على فرض السيطرة أو تمرير الضعف. وفقًا لمعلوماتنا عرض ملك السعودية عبد العزيز آل سعود على آخر ملوك مصر فاروق الأول استضافته بعد التنازل عن العرش، وذلك قبل حركة الضباط بفترة زمنية ليست بقصيرة؛ كانت النهاية قريبة ويعرفها خبراء روائح موت الملوك.

يمكن أن نقول أيضًا إنه لكي تكون ملكًا لابد أن تقتل شخصًا بداخلك، وهذه ليست مأساة كاملة، بالنسبة لمن يقيمون حياة لذيذة على القتل؛ لكن فاروق لم يندمج تمامًا في قتل الشخص الفالت في داخله. قرأنا بعد سنوات طويلة حكايات عن الجانب البوهيمي في حياته؛ كان مثالاً يحب النوم على مرتبة في شرفة قصره، ويذهب أحيانًا إلى مقابلات رسمية بحذاء دون جورب، وكانت خياراته في الملابس بعيدًا عن البروتوكول تتسم بالفوضوية، كما كان يحب قيادة سيارته بنفسه حين يذهب إلى كازينو الكيت كات، والأسفلت في بعض الميادين يحتفظ بعلامات دوران إطارات السيارة الملكية حول نفسها، كما إن ذاكرة شقيقته فوزية تحتفظ بذكرى مؤلمة عندما وجدت أشياء ثمينة مفقودة من حقيبتها حين عادت من طهران بعد الطلاق من شاه إيران، فقد كان فاروق مصابًا بداء السرقة.
الحكايات متناثرة في أكثر من كتاب، ولعل أغلبها في مذكرات كريم ثابت السكرتير الصحفي للملك بعد حادثة 2 فبراير 1942.

ولد فاروق من جديد بعد هذه الحادثة التي حاصرت فيها الدبابات البريطانية القصر الملكي، وشعر الملك الحائر بأنهأسد حبيسعندما أراد السفير البريطاني إجباره على تعيين مصطفى النحاس رئيسًا للحكومة، كانت هذه إحدى علامات موت نظام سياسي كامل؛ الوفد يتحول من حزب شعبي يتولى السلطة إلى حزب سلطوي، والملك الذي كان يوصف بأنه معظم ومحبوب أحيانًا، وفاسد أحيانًا يتحول إلى مقاوم للاستعمار، بهذه الشخصية الجديدة غادر فاروق قصره، وفي نفسه يقين بأنه خسر عرشه نتيجة لمخطط من مستشارين عسكريين أجانب، ولم يقمنجيب (يقصد اللواء محمد نجيب) بتخطيطه على ضوء شمعة في خيمته العسكرية…” كما قال في مذكراته.

أصبحت الآن حرًّاهذه أول جملة كتبها فاروق في مذكراته التي لم تكن مذكرات بالمعنى الكامل؛ بل كانت أقرب إلى محاولة رد طويلة، أملاها على الصحافة الإيطالية، لتصحيح صورته التي رسمتها روايات الضباط عبر الصحافة والبيانات والنميمة الهابطة من مقر القيادة إلى الشارع.

الملكية أيضًا ترتبط بالتوريث؛ أو الهندسة المسبقة لمن سيتولى السلطة بعداختفاءالملك، وهذه خصائص لم تختف مثلاً مع ظهور الجمهورية في مصر، واستمر التوريث؛ وبدلاً عن الوراثة داخل العائلة، أو الفرع المنتصر داخلها، اتسعت لتكون بينطبقة الجنرالاتوترتبط بالموت الفعلي أو على سرير الإقامة الجبرية.
والملكية ترتبط بالذكورة، وما يحيطها من هيلمان الانتشاء بالانتصار، والانتصاب، والإخضاع، وارتباط بالصورة الكبيرة عن العالم باعتبارهمخلوقًاذكرًا، يجد للأنثى وظيفتها. وفي قوانين الملكية شرقًا وغربًا يمنح الملك زوجته لقب الملكة، بينما زوج الملكة (الاستثناء الذي لا ينفي الذكورة) لا يمكن أن يكون ملكًا.
هذه ملاحظات/ انطباعات خرجت بها في رحلتي مع حكاياتالملكيةفي مصر التي انتهت رسميًّا من 1953، ويستدعيها المحبطون في صور مختصرة يضعونها تحت عنوانالزمن الجميل“. ولأن كل ماضٍ مضى، دون مسؤوليات، وبقدرات مذهلة على الاختصار فيالصور، يظهر من وقت لآخر مقاتلون آخرون يحلمون بـزمن جميلآخر يرتبط بالرئيس عبد الناصر، مدمر الملكية وناصر الغلابة. تتصاعد الحروب بين أنصار كلزمن جميلحتى تختفي القدرة على تحليل الواقع، ويسقط العقل في متاهة فانتازيا تتوالد من اختزال الصور أو من سيطرة النوستالجيا/ الحنين على كل ما عداها من أدوات وعواطف. ربما تكون النوستالجيا ملمح مقاومة، أو إعلان احتجاج على اللحظة الراهنة، بالرجوع إلى لحظة ذهبية سابقة، لكنها قد تؤدي إلى الوقوع في فخ السذاجة، كما حدث مع مذيعة استضافت أحمد فؤاد الثانيالملك دون مملكةوأفرطت في استخدام كلمةجلالتكقبل كل كلمة موجهة له، وسألته بابتسامة لا تخفي بلاهتهايا ترى الناس لما بتشوفك في شوارع القاهرة بتقولك إيه؟ بتقولك أنت بتفكرنا بالزمن الجميل؟“. المذيعة من الجوقة التي ظهرت لتأييد المارشال السيسي، وتريده حاكمًا حتى الموت، ومن الذين يهتفون صباحًا ومساءً بحياة الجيش، أهذه هي السذاجة الكاشفة؟ مثير أن تحاول فهم الخيال الذي يمكن أن يقيم جسرًا بين العهد الحالي، وبين الملكيةالجميلة، أو نقيض هذا الخيال الذي يقيم الجسر نفسه بين سنوات المارشال وستينيات ناصرالجميلة“.
هذه قفزات لعوب في فراغ زمني، لا يجد فيه أصحاب الحكمة الباهتة إلا مكانًا ظليلاً، يعيدون فيه التذكير بأن لكل عهد مزاياه وعيوبه، وهذه حكمة متأخرة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تقف في مواجهة طوفان الحنين بكل ما فيه من العاطفة المصاحبة للاستمناء، وهو فعل لا يخلو من لذة، لكنها نوع من اللذات يقوم على الإعجاب المفرط بالذات.

هذا ما نريد قوله بهذا الكتالوج عن الملكية لأطفال الجمهورية؛ نريد أن نقول إن أول الطريق هو التخلص من ارتباط الحكم بالموت.

الملك فاروق في الطفولة
الملك فاروق بالقطار
الملك فاروق بالزي العسكري

1
شروق وغروب

أنا الملكة فضيلة؛ ملكة مصر!”

كانت دومينيك فرانس بيكار تحب التحدث بهذه الصفة، وقد كانت حتى سنوات قليلة مضت زوجةالملك دون مملكةأحمد فؤاد الثاني ابن الملك فاروق الأول. قبل زواجها تحولت من اليهودية إلى الإسلام، وارتدت اليشمك ليلة زفافها، كان بداخلها شيء عصابي يدفعها إلى اقتحام عائلة ملكية لتجعل من الماضي مستقبلاً لها. وكان الماضي، أو أحمد فؤاد الصغير نفسه بجوار دومينيك/ فضيلة ساكنًا هادئًا، لا يسمعون له صوتًا، إلا بعض من عواطف حائرة يختلط فيها الحنين والأسى، وحكايات الطفولة عن الفردوس المصري الضائع، وعذابات الخوف والرعب في المنافي الأوربية؛ من روما إلى باريس مرورًا بسويسرا.

فضيلة عادت إلى دومينك بعد أن أصدرالملكديكريتو (كما يسمون في التقاليد القديمة الأوامر الرسمية التي لها قوة القانون) يحرم دومينيك من فضيلة؛ من اللقب الرمزيأميرة مصر، لكنه لم يحرمها من الإقامة في بيت الزوجية مع محتويات 217 حقيبة من تذكارات وتحف ولوحات استطاع فاروق الأول أن يجمعها من قصر رأس التين قبل لحظات من رحلته الأخيرة على اليخت الملكي؛ المحروسة. صارت السيدة الفرنسية المالكة الوحيدة الآن لبقايا الأسرة التي حكمت مصر 147 سنة كاملة، وذلك وفقًا لترتيبات الطلاق بينها وبين أحمد فؤاد الثاني. الذي تولى عرش مصر وهو رضيع ليلة 23 يوليو 1952.

تبدو الليلة بعيدة الآن؛ غروب الشمس الأخيرة عن التاج الملكي الذي منح شهوة السلطة ومتعة الثروة لأحفاد ضابط ما يزال يثير الجدل حول دوره التاريخي. كان غروب الشمس الأخيرة على زمن الملوك، شروقًا لشمس جديدة لعصر ضباط من نوع جديد؛ مصريين ومن الطبقة الوسطى، مغامرين لكن في سبيل الدولة التي حلم بها المغامر الألباني؛ مفارقة لا تزال تحمل سرها المثير! فقد رحل الملوك في غمضة عين وخلفوا تراجيديا توارثتها الأجيال. ما تزال بقايا أسرة محمد علي تحكي عنهوجةالضباط الصغار الذين لم يتدربوا جيدًا على المراسيم الملكية، ما تزال الحكايات الميلودرامية الفاقعة تروى على طريقة حسن الإمام وثروت أباظة عن أميرات خرجن بقمصان النوم، وقصور تحولت إلى ملاعب للرعاع، ومجوهرات منهوبة.
هذه الحكايات هي التكوين النفسي لبقايا العائلة المتناثرة بين القاهرة وباريس وسويسرا وغيرها من عواصم لم تكتشف إلا حكاياتهم المثيرة عن غراميات الملك فاروق ومآسي المدمنين والشحاذين الذين انتهت حياتهم في المنفى يلعنون انقلاب الزمن. لم يعد أحد يتعامل معهم على أنهم ملوك؛ انتهى وجودهم السياسي بعد وقت قليل من خروجهم، وكأنهم كانوا عابرين على طريقة الحملات الغازية. كأنهم لم يكسروا حاجز الغربة في مصر، وبقي انتماؤهم الممزق بين بلادهم الأصلية والبلد التي يحكمونه، وكأن أغلبهم لم يستطع إقامة علاقة مع مصر إلا من منصة الحكم. هناك حالات فردية كسرت الدائرة وتعاملت خارج قانون العائلة.

الملكية في مصر حركتها شهوة السلطة، وانتقلت من رغبة محمد علي الكبير في الخروج عن هيمنة الدول القوية في الغرب إلى الحياة تحت حماية الاستعمار القديم، مرورًا برغبات إسماعيل في تحويل مصر إلى قطعة من أوروبا. وهذا ما جعل سقوط الملكية في مصر مدويًّا وعلامة كبرى على بداية انهيار الاستعمار القديم. كان الملك فاروق الأول (والأخير) يراهن حتى لحظة وصوله إلى ميناء نابولي على أن بريطانيا لن تتركه يذهب إلى الأبد، لكن الأسد البريطاني العجوز لم يكن يهمه إلا الحفاظ على المظاهر الملكية. وكان التفاوض الأساسي مع الضباط الأحرار على أن يخرج الملك بشكل يليق به. وشاركت أمريكا في الحفاظ على حياة وشكل فاروق الأول مقدمة لإعلان وجودها قبل أن تطوي صفحة الملكية في مصر.

2
الوحش البري

فضيلةوضعت لمساتها الميلودرامية على سيرة حياة الملك الذي عرف التعاسة والحزن منذ تفتح وعيه على الدنيا؛ فهو ملك بلا عرش ولا بلد؛ مصري يكرهه المصريون دون أن يرونه أو يعرفونه. وتطارده لعنة العائلة المثيرة، وتتحكم في حياته قوانين الوراثة دون إرادته ولا اختياره. وهو سياسيًّا، وريث عرش أقوى مملكة في منطقة الشرق الأوسط، لكن بعد أن أصبحت الملكية خارج الزمن، ومحط اتهامات وعداوات من القوى الجديدة في المجتمع. وعائليًّا ابن فاروق الملك الذي تربى عكس أجداده تربيةمثاليةعلى طريقة أمراء أوروبا. ولم يكن مثل أغلبية أبناء عائلته قناصًا للسلطة والمال؛ فقد كان وديعًا مبتسمًا، تربى في مخادع نساء العائلة، فلم يكن شرسًا بالغريزة مثل أسلافه، ولم تطارده مثلهم أشباح الخوف من الفقر والتشرد؛ لكن فاروق تحول من الطفل المدلل إلى الملكالفاسدفي أقل من 16 سنة، وانتهى من حيث بدأ أغلب أجداده؛ قناصًا وشرسًا ووحشا بريًّا!

أحمد فؤاد الثاني أنقذه من اكتئاب الطلاق ونسيان اسمه، أخواته من الأب؛ فريال وفوزية وفادية؛ بنات الملكة فريدة. ويعمل في سمسرة وتجارة العقارات؛ وهذا لا يتعارض مع أنه في نظر العائلة هو الملك، وله ولي عهد هو ابنه الأكبر؛ محمد علي المولود في القاهرة عام 1979. ولا يتعارض أيضًا مع أن هناك من ينازعه المُلْك من العائلة نفسها؛ الأمير عباس حلمي (الثالث) الذي ظل يردد منذ عودته إلى مصر قبل عشر سنوات أنه الأحق بالملك، وهو أكبر سنًا من أحمد فؤاد الثاني (مولود عام 1941) وأدارشركة كونكورد للاستثمارات والأوراق المالية. الغريب أن الأمير عباس حلمي الثالث متعال ويعيش ستايل الأمراء الذي لعبت عليه الثورة في أفلامها بداية من رُد قلبي مرورًا بالأيدي الناعمة. أمراء يتعاملون وكأنهم ينظرون من شرفات قصورهم على عبيدهم وهم يصرخون فيهمامشي خرسيس“.

الأميرة فوزية
الأميرة فوزية

هذا ما حكاه لي المهندس ماجد فرج المهتم بتاريخ العائلة المالكة ومحرر مجلةمصر المحروسةالمعنية بتاريخ مصر، والذي أنشأ قبل سنوات على طريق الصعيد مطعمًا وحمام سباحة أطلق عليهكلوب محمد علييستوحي أجواء القصور الملكية ويداعب الحنين إلى هذه الأجواء مع صعود طبقة جديدة تريد الحياة على طريقة الأسرة المالكة. عرفت منه أيضًا أن كلاً منالملكوالأميرينتميان إلى الجيلالجامعيمن أبناء أسرة محمد علي؛ وهو جيل اهتم بالدراسة في الجامعة ويختلف عن جيل الأمراء والنبلاءالعاطلين بالوراثةالذين يكتفون بتعلم اللغات وعزف البيانو والإتيكيت، وبعض العلوم العسكرية إذا كان الأمير قريبًا من الجيش أو من الحكم. الصراع بين الملك والأمير لا يتخذ شكلاً سياسيًّا معلنًا. ربما لأن أحمد فؤاد هادئ ويعيش بنفس منكسرة بعد التراجيديا التي عاشها، ولم يكن مجرد متفرج بعيد عليها. ولأنه يحضر إلى القاهرة نادرًا ليزور قبر أبيه ويقابل بعض أفراد العائلة؛ وهو ما يجعل فرصة اللقاء شبه معدومة. والأهم أن الصراع يعتبر كوميديًّا مع إلغاء الملكية رسميًّا في 1953، لكنه يبقى ميراثًا أسود في العائلة. يتصارعون حوله في جلساتهم المعتادة وفي مكالمات النميمة، إنه ما تزال شيئًا مهما في التكوين النفسي لكل منهم، لأنه يعيد حكاية قديمة يرى فيها فرع عباس حلمي أن الملك أحمد فؤاد الأول سرق منهم العرش بمؤامرة مع الإنجليز. وهي حكاية مثيرة لكن قبل أن أتوقف عندها لا بد أن أحكي عن شخص ثالث من العائلة يدَّعي أيضًا أنه وريث للعرش؛ النبيل عثمان إبراهيم الذي يعيش في أمريكا. وهو ابن عمرو إبراهيم (تحول قصره إلى متحف الخزف) الذي ينتمي إلى فرع أحمد رفعت في أسرة محمد علي، والذي يعتبر طول الوقت أن أبناء إسماعيل (وهو شقيق أبيهم من إبراهيم باشا) سرقوا منهم حكم مصر. المهم أن النبيل تحول إلىنصابكما يصفه ماجد فرج، الذي رأى بنفسه حملة نظمها لجمع تبرعات للشعب المصري عقب زلزال أكتوبر 1992، وهو يتنقل بين أمريكا وسويسرا يحمل كارتا شخصيًّا عليه اسمه مسبوقًا بلقب فخمصاحب السمو الملكي الأمير“. وهذه أولى أدوات النصب؛ لأنه لا يستحق لقب أمير حسب النظام الذي وضعه الملك أحمد فؤاد الثاني ويعطي فيه حق اللقب إلى الابن الأكبر من العائلة فقط، ويتمتع الأبناء الباقون بلقب نبيل الذي يولدون به؛ لهذا فقد غادر فاروق قصر رأس التين وهناك 10 فقط يحملون لقب أمير. ومن ناحية أخرى فإن لقب صاحب السمو الملكي مقصور، حسب القواعد نفسها، على ولي العهد! النبيل النصاب لا يتمرد فقط على قواعد وضعها فؤاد الأول ليستبعد الفروع الأخرى عن متعة المال والسلطة؛ بل إنه ينتقم من الحادثة الغامضة التي قتل فيها جده الأمير أحمد رفعت، وكانت السبب في إقصاء فرعه عن الحكم إلى الأبد!
هذه قصص بقايا ملوك وأمراء أسرة محمد علي الكبير التي يبدو أنها ستنتهي قريبًا، فالجيل القادم منها ينحسر انحسارًا رهيبًا بعد أن عزف عدد كبير من ذكور العائلة عن الزواج، واكتفوا بالحياة على هواهم دون تقاليد ملكية تفرض عليهم الزواج وقوانين الوراثة. وهذا ما أعطى انطباعًا أن هذه المرحلة من عمر العائلة الملكة هيمرحلة الشواذ؛ وهي التسمية التي تقال سرًّا في جلسات النميمة الملكية.

3
العقرب والعنكبوت

لقد زرنا العنكبوت العجوز في عرينههذا ما قاله النبيل البريطاني لورد ليندساي في ديسمبر 1826 عن زيارته لمحمد علي في القلعة. كان وقتها الباشا الأسطوري نموذج الأمير الشرقي كما يحب أن يراه الرحالة الأوروبيون. وزيارته محطة ثابتة على برنامج أي رحلة إلى الشرق، وهو ما ظهر في كتابات تلك الفترة التي وصفت أجواء زيارة الباشا بكثير من الغموض والإثارة. هذه الملحوظة التقطها كتابكل رجال الباشاالذي بحث فيه المؤلف خالد فهمي عن العلاقة بين محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، تُحركهُ محاولة تكسير الأسطورة القائلة إن محمد علي هومؤسس مصر الحديثة“. فهمي اكتشف أن الباشا نفسه واحد من أهم مصادر هذه المقولة، فمثلاً في مقابلة له عام 1840 مع الكولونيل هودجس القنصل البريطاني حينذاك قال لهلقد كانت مصر حين أتيت إليها بربرية حقيقية، غاية في البربرية، وما تزال بربرية حتى يومنا هذا. ولكني مع ذلك آمل أن جهودي قد جعلت أحوالها أفضل بعض الشيء مما كانت“. كان الباشا يتعامل مع نفسه على أنه المخلص الذي هبط من السماء لينقذ مصر الراقدة في ظلام التخلف. خصوصًا وأن ذاك الزمن كان زمن المغامرين الباحثين عن فرصة لصناعة إمبراطورياتهم.
المصادفة جعلت الباشا يولد في عام ولادة نابليون، وجعلته أيضًا يعرف طريقه إلى مصر بسبب نابليون. طلب الخليفة العثماني من شوربجي (وتعنى الحاكم) قولة (مسقط رأس محمد علي) أن يكون ضمن الحملة العثمانية لإستعادة مصر منالكفار، وتقول الأسطورة إن محمد على ابن (إبراهيم أغا) رئيس خفر طرق قولة رفض طلب الشوربجي (الذي رباه في بيته بعد أن أصبح يتيمًا بموت الأب والأم، ووحيدًا بموت كل الأشقاء)، لأنه خشي على استقرار وضعه في دكان التبغ. وهنا دخلت الخرافة بكاملها، مع العرَّاف الذي فسر له منام سابق، رأى فيه محمد على نفسه يشعر بالظمأ في مصر، ويشرب نهر النيل كله ولا يرتوي؛ العراف وجد في المنام نبوءة بأنه سيصنع مجدًا عظيمًا في أرض النيل، وهذا ما جعله مؤثرًا عند محمد علي (الذي عاش على حكايات أمه عن حلم آخر في أثناء حملها به، وفسره العرافون بأن مولودها سيلمس مجدًا كبيرًا).

محمد علي باشا

لا تزال سيرة محمد علي جزءًا منأسطورة عائليةتنتقل عبر الأجيال؛ قبل وفاته عام 2000 بأسبوع واحد، كتب النبيل حسن عزيز كتب سيرته الذاتية التي نشرت بالإنجليزية، وفيها يرسم بورتريه للجد الكبير تظهر فيه ملامح الأسطورةمحمد علي كان يتمتع بالذكاء والمقدرة على الإبداع والخلق على الرغم من أنه ظل أميًّا لا يعرف القراءة والكتابة حتى سن السابعة والأربعين، كان متوسط الطول له وجه جميل ووسيم، ملامح متناسقة وضعت في إطار الشارب واللحية البنية، عيناه زرقاوان ذكيتان تبتسمان، كان أيضًا خفيف الظل، وكان يهتم بهندامه، إلا أنه لم يكن يحب المجوهرات والزينة المبالغ فيها، عدا تلك الساعة الذهبية ذات السلسلة الطويلة التي كان يعلقها، مع تقدم العمر تحولت لحيته البنية إلى لحية بيضاء، تعبيرات الوجه أكثر صرامة، كان آخر ظهور عام له في ديسمبر عام 1847 رغم صحته المتدهورة والألم الكبير الذي كان يشعر به اجتمع مع أصحاب الأراضي وألقى عليهم خطابًا طويلاً مودعًا لهم ومودعًا الدولة، يومها بكى الحضور وذرفوا الدموع، كانت نهاية لمغامرة رائعة، لينعزل بعد ذلك ويتوفى بعدها بعامين. وبوفاة محمد علي تحول الاسم إلى أسطورة؛ حتى أن القنصل العام لبريطانيا كتب في رسالة إلى اللورد بالمرستون يقول (في كل الإمبراطورية التركية لن تسمع ما يقوله الناس هنا) إذا ما سمح لي الله، لمنحت عشرة أعوام من حياتي وأعطيتها لحياة الباشا الكبيرهذه صورة محمد علي كما وصلت إلى حفيد مثل حسن عزيز؛ عاش على هامش العائلة بسبب ظروف حياته؛ والده الأمير عزيز ابن شقيق الملك فؤاد الأول، وعمته الكبرى الأميرة فاطمة التي تبرعت بمجوهراتها لبناء جامعة القاهرة ضد رغبة الإنجليز، وهو ما يؤكد أن النبيل حسن ينتمي إلى فرع غريب على عائلة الباشا التي كانت السلطة دائمًا شهوتها الكبرى!

محمد عليولم يكن محمد علي فقط عنكبوتًا يشعر زائره بالرهبة والغموض بنظرات عينيه القويتين الحادتين؛ بل كان أيضًا كان كما وصفه الرحالة جيمس سان جونبغض النظر عن هيئته أو سحنته أو ملامحه، سوف يبدو دائمًا وكأنه صاحب جلال ووقار مثله في ذلك مثل العقرب؛ صغير في حجم الحلزون، لكننا ننظر إليه بخوف ورهبة لأن من المفترض أن لدغته تحمل الموت!”. كان محمد علي بالتعبير الحديث كاريزما صنعت طقوسها الخاصة التي تهدف إلى إيهام المتفرج بأن ما يحدثليس مهمًا فحسب وإنما مرتبط بشكل غريب بطريقة خلق الكون“. هذه الأسطورة في نظر خالد فهمي غطت على حقائق اكتشفها باحثون معاصرون بأن مصر لم تكن بعيدة عن المجتمعات الحديثة، لكن محمد علي أرادها حداثة علىالنموذج الأوروبي، وهذا ما فتح الطريق أمام العنكبوت ليمد خيوطه الدقيقة، وللعقرب لكي يلدغ في الوقت المناسب. من هنا يمكن أن نرى غزوات مثل إبراهيم باشا، ونزوات سعيد وإسماعيل، على طريق حلم الأب بإمبراطورية عائلية تنفصل عن البلاط العثماني في إستانبول، وتصنع مجدها من القاهرة.

4
عصابة الذئاب في مصر

اسماعيل كامل أكثر الأبناء توحشًا؛ الابن الثالث لمحمد علي (1775-1822) كان في الخامسة والعشرين حين أرسله الأب على رأس حملة إلى السودان، ومن هناك أرسل لأبيه هدية من إبداعات التوحش؛ 300 زوج من آذان الحكام السودانيين الذين انتصر عليهم، وكان رد السودانيين إحراق إسماعيل كامل حيًّا في كوخه.
ولعملية الانتقام لحرق ابنه حيًّا اختار محمد علي قائدًا تسبقه شهرته في التوحش المفرط زوج ابنته أحمد بك الدفتردار؛ لم يختر ابنهإبراهيمالذي كان بصحبة أخيه في حملة السودان، ربما لأنه أكثر حكمة، وأقل توحشًا، ومحمد علي يهندس الوجود لتحقيق أهدافه التي قالها في رسالة لا تخلو من عاطفة وطموح لابنه إبراهيم قبل حرق إسماعيلولدي، أنا أحبك. أنت وأخاك (إسماعيل)، الروح لبدني والنور لعيني، ورغم ذلك أرسلتكما إلى تلك الأراضي البائسة وحملتكما عبئًا ثقيلاً لكي نحقق لأنفسنا ولعائلتنا الشهرة والمقام العالي“.

كان الباشا يحلم في أراضٍ بائسة، ويربي أولاده على الحنان والقسوة، ويرسل رسل الانتقام إلى الناس، ويرسل إلى كل ابن من الأبناء رسالة واحدةتعلموا.. تعلموا، فقد كان يريد بناء إمبراطوريته على القوة القديمة (الجبروت البدائي للمقاتلين من أجل فرض السيطرة) والجديدة (التعليم، والتخطيط واللغات الواصلة بالعالم الغربي المتقدم)، وهو تاجر التبغ الذي يتعارك معارك الشوارع والحيازات الصغيرة، ويصارع العالم من أجل مساحة أكبر.

أحمد فؤاد الثاني صاحب النقلة الكبيرة في حلم الباشا أصغر أبناء الخديو إسماعيل الذي احتكر وراثة العرش لأبنائه بعد ما كانت من حق أكبر الذكور في العائلة العلوية، ثم جاء فؤاد وجعل وراثة العرش مقتصرة على سلالته هو فقط؛ وهذه ليستالميزةالوحيدة لفرع إسماعيل الذي لاحظ الأديب يحيى حقيأنه فرع شره للمال بدرجة مرعبة فمن تولى منهم العرش؛ توفيق وعباس حلمي وحسين كامل وفؤاد وفاروق. كانوا لصوصًا مشهورين، وكان شرههم الأساسي للأرض؛ يبذلون الجهد لاستلابها بأي سبل حتى لو كان اغتصاب التنظر (من النظارة أي الإدارة والتحكم) على الأوقاف الخيرية والأهلية، بل إنهم لم يتعففوا حتى عن السرقات الصغيرة، والسبب في ذلك معروف؛ فقد انتقلت أملاكإسماعيللملكية الدولة بموجب قانون التصفية الذي صدر قبل عزله عن العرش، وذلك تسديدًا للديون الشخصية التي كان قد اقترضها من الأجانب. وبهذا لم يترك لأولاده ثروات تكفيهم للحفاظ على هيبة الإمارة، فأصبح كل هم الذين جلسوا على كرسي العرش من بعده، أن يستردوا هذه الأموال التي حصلت عليها الدولة، ويكفي للتدليل على هذا أن نعلم أن الملك فؤاد لم يرث عن أبيه سوى 800 فدان فقط استطاع (بجهده واجتهاده) – بعد توليه الملكأن يصل بها إلى 35000 فدان، فضلاً عن 45000 فدان من أراضي الأوقاف، وثروة نقدية لا تقل عن 4 ملايين من الجنيهات!
هذه الملاحظة يذكرها صلاح عيسى في كتابهحكايات من دفتر الوطنضمن سياق حكايته عن الأمير سيف الدين الذي حاول اغتيال البرنس فؤاد المشهور في أوساط العائلة المالكة بأنه شاب مفلس كثير الاقتراض، ومقامر، وسكير؛ وهي شهرة تعدت الأوساط الملكية لتصل إلى عموم الناس، حيث كان وصفه الأشهر هوشمَّامتعبيرًا عن افتقاده الاحترام. ويروي النبيل حسن عزيز في مذكراته جانبًا آخرغادر الملك فؤاد مصر وهو طفل عندما كان الخديو إسماعيل في المنفى في إيطاليا، حيث نشأ هناك والتحق مع ملك إيطاليا القادم فيكتور إيمانويل بالأكاديمية العسكرية في تورين. لم تكن لديه أعباء أو مسؤوليات لذا عاش حياة الدونجوان، ولكن عندما تولى العرش تغيرت طريقة حياته وتزوج من الملكة نازلي وأصبح رجل الأسرة. ومثل محمد علي وإبراهيم باشا، كان الملك فؤاد يلتزم بمراقبة كل الأمور الخاصة بشؤون الدولة بنفسه؛ وقيل لي إنه كان يشرف على حفلات العشاء التي كانت تقام للدبلوماسيين الأجانب بنفسه أيضًا، فلم يكن يثق في الآخرين، ولم يكن الأمر مختلفًا داخل القصرالمعروف أيضًا أنه كان عاشقًا للسلطة، فقد كان يتمنى وهو في المنفى أن يصبح نائب ملك إيطاليا في ليبيا، أو ملكًا على ألبانيا؛ وهذا ما جعله يوافق فورًا على تولي عرش مصر تحت الحماية البريطانية بعد الوفاة المفاجئة لأخيه السلطان حسين كامل الذي مات فجأة واعتذر ابنه الأمير كمال الدين حسين فانتقل العرش إلى العم أحمد فؤاد؛ الذي أصبح سلطانًا عام 1917، ثم في عام 1922 أصبح ملكًا على الطريقة البريطانية وبدستور على الطريقة البلجيكية. منذ هذه اللحظة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر، وفي تاريخ عائلة الباشا التي أصبحت بالفعل عائلة مالكة على النمط الأوروبي تتصارع على العرش وتشم رائحة المال مثل الذئاب، وتتسرب من تحت النوافذ والأبواب روائح الخيانات والمؤامرات؛ إنهم أحفاد الضابط المغامر وقد أصبحوا أرستقراطية تقيم في قصور فخمة تنافس ألف ليلة وليلة؛ وكان فاروق أولذئبلا يتربى فيالغابة المفتوحةلصراعات ورثة محمد علي، بل في رغد قصور ملكية ذات ملمح أوربي وتاتش شرقي؛ فاروق ابن هذه الطراوة القادمة من أب كانت أسنانه تترك علامات على رقبة أمه في ليالي المتعة.

5
شفرة الحكيم

إيصال أمانة بمبلغ ألف جنية مصري بتوقيع الأمير أحمد فؤاد الملك فؤاد لاحقا
إيصال أمانة بمبلغ ألف جنية مصري بتوقيع الأمير أحمد فؤاد "الملك فؤاد لاحق"ا، مؤرخة في ٢١ مايو ١٨٨٤. الصورة من كتاب روح مصر، جمع و توثيق و دراسة الفنان جعفر إصلاح

الضباط الذين احتلوا مقر قيادة الجيش ليلة 23 يوليو 1952 كانت تشغلهم صور أتاتورك وحسن البنا ولينين إلى حد ما، معجبين في الخفاء بهتلر، ويكرهون الإنجليز، وطنيتهم ترتكز على الأخلاق المحافظة التي تعلموها في الجيش وفي بيوت الشرائح الصغرى من الطبقة الوسطى. كانت تعجبهم أيضًا فكرةالكل في واحد؛ شفرة روايةعودة الروحالتي قدم فيها توفيق الحكيم، فكرة تكوين جسد كبير للأمة، مبررًا لفكرة المستبد العادل؛ فلم يكن عبد الناصر معجبًا فقط بشفرة الحكيم، بل حولها إلى عمود فقري لأيديولوجية الديكتاتور في البلاد الخارجة من جحيم الاستعمار وتحلم بالجنة مع ضباط التحرر الوطني!

أما فاروق؛الملك، فكان قريبًا منهم في العمر، لم يكمل تعليمه في أكاديمية وولش العسكرية ببريطانيا، لكنه مثلهم تربى على أن الجيش هو الذي يقود التغيير، والضباط الذين يمتلكون حس المغامرة وحدهم القادرون على الوصول إلى منصة السلطة في غمضة عين.
كان فاروق ابنًا لأمير مفلس، أصبح في صفقة مع الحماية البريطانية أول ملك على مصر في أكتوبر 1917؛ ومن يومها ذاق طعم السلطة وتحول حلمه من اصطياد المال بأي وسيلة إلى صنع أسرة ملكية تتوارث الحكم. هكذا أنهى أحمد فؤاد الأول كل قصصه القديمة مع الأميرة شويكار وتركها مع بناتها في قصر الزعفران ليبحث عن ولي للعهد مع امرأة أخرى. في هذه الأثناء كان التحول في المجتمع يتخذ شكل شخص اسمه سعد زغلول.

سعد زغلول
سعد زغلول

6
شيطنة بجوار العمود

سعد زغلول نفسه كان نتاج تحول اجتماعي؛ فهو ابن فلاحين، وإن كان من طبقة مستورة ميسورة الحال، جاهد حتى احتل موقعًا بين النخبة الحاكمة في العاصمة. وكما يحكي عنه أحمد بهاء الدينكان عليه أن يقطع طريقًا عنيفًا طويلاً حتى يصبح ندًا لعدلي (يقصد عدلي باشا يكن خصم سعد المعروف) فهو يقضي طفولته لاعبًا مع أولاد الفلاحين ويذهب في صباه إلىالكُتَّابحيث يجلس على الحصير ويحفظ القرآن ويمد يده ليضربهالعريفبالعصا، وإذا تفوق أرسله أبوه إلى الأزهر في القاهرة، يلبس العمامة والكاكولة، ويسكن في رَبْع عتيق مع الآخرين، يتسكع في الحواري ويعيش أيامًا على الطعمية والفول النابت وهو لا يجلس إلى أساتذة مطربشين بل يتربع عند عمود في الأزهر يستمع، ولكنه يتشيطن ويبدأ فيالمطالبةفيؤلف جمعية لإصلاح الأزهر، ويتسلل في الليل إلى صحن الجامع ليعلق على أعمدته المنشورات، ويخرج من المسجد، ليضع قدميه فيمركوبهويسير إلى قهوةمتاتياعند حديقة الأزبكية يستمع إلى جمال الدين الأفغاني وهو يقرقر بشيشته، ويوزعالسعوط” (أي النشوق) بيمناه والثورة بيسراهتلميذًا يتعلم الثورة من الثائرين“. يلتحق سعد بوظيفة حكومية متواضعة وفي الوقت نفسه يكتب في مجلةالوقائع المصريةالتي كان يرأس تحريرها تلميذ الأفغاني؛ محمد عبده. الثورة الكبرى في حياته كانت اقتحامهمهنة جديدة لا يحتاج النجاح فيها إلا إلى طلاقة اللسان وحضور البديهة والذكاء، ولا يشترط لمزاولتها الحصول على شهادة أو مؤهل، وهي لذلكفي ذاك الوقتمهنة حقيرة مهينة، ينظر إليها الناس بازدراء“. ولا يعمل فيهاأولاد الناستلك هي المحاماة، وكان المحامي في ذلك الوقت يسمىالسفيه“! كان الزمن يتغير وتحت السطح مطالبة حقيقية بألا تكون الحقوق هبة من حاكم أو حكومة، وينتقل سعد زغلول بالمحاماة لتكون مهنة كريمة، ويكون هو أول محام مصري يجلس على مقعد القضاء، ويصل إلى منصب المستشار، ويبدأ في دخول نادي الأرستقراطية بعد المقاعد الخشنة في قهوة متاتيا يأخذ مجلسه في ندوة الأميرة نازلي بين الباشوات، ويصعد درجة أخرى في النخبة الحاكمة ويتزوج صفية ابنة مصطفى باشا فهمي رئيس الوزراء، ويبحث عن المؤهل الرسمي فيدرس الحقوق وهو مستشار وزوج، وينال الليسانس من باريس“. في هذه الرحلة يظل سعد زغلول في منتصف المسافة بين أصوله الريفية القديمة وأخلاقها المحافظة وبين الأخلاق الجديدة للبرجوازية المستمدة، يعيش على خليط من أفكار وأخلاق هو في الوقت نفسه عصب تكوين النخبة الوطنية في تلك السنوات العاصفة. على هامش هذه النخبة كان الموقف الوسط يذوب تارة في تيارات دينية (الإخوان المسلمين) وتارة أخرى في تيارات يسارية (حزب شيوعي سري). أي أول مرة تكون الأيديولوجية الدينية عماد معارضة سياسية، ولأول مرة أيضًا تتحول الأفكار الشيوعية إلى مصدر جذب لشباب يبحث عن مستقبل مختلف تمامًا لبلاده ويرى في النموذج السوفيتي حلاً مثاليًّا! مطالب الاستقلال بدأت تنصت إلى التغيرات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وتحركت أسئلة عن المشروع الفكري لدولة الاستقلال، كيف سيكون شكلها ونظامها وإلى أين ستوجه حركتها. هكذا بدأت بشائر ثقافة جديدة تتكون وتخرج من كونها علوم الدين فقط، بدايات عنيفة تروج لأفكار داروين وفرويد على يد سلامة موسى الذي وضع اشتراكيته في معادلة مع العلم لتضاف إلى مكونات وعي جديد يفرز أدباء مثل نجيب محفوظ. هكذا وبعيدًا عن ثقافة الأتراك والمماليك وبعيدًا أيضًا عن الطبقات الملتفة حول المحتل تنتصر ثقافة الأفندية؛ صوت مصرالجديد“.

7
تركة الطفل الوديع

الضباط الأحرار أبناء هذه الطبقة الجديدة، أما فاروق فهودلوعةعائلة محمد علي المعزول في حريم القصر، الذي منعه الأب القاسي عن اللعب العادي مع أقرانه من أبناء الأمراء والباشوات؛ فلم يعرف سوى الخدم الذين يتسابقون لطاعته، وشقيقاته الأميرات، ونازلي صبري أمه؛ ملكة مصر، والزوجة الثانية لفؤاد قاسي الملامح والتصرفات. ونازلي متمردة تريد الحياة الاجتماعية المفتوحة كملكات أوروبا، لكنه يمنعها ويغلق عليها باب القصر، فهو محترف سهرات؛ بل كان من صيادي الأميرات والجميلات من السهرات الملكية، يعرف كيف تقع النساء في شباك المحترفين، وهكذا ظلت نازلي مقموعة في قصر عابدين حتى مات فؤاد في 28 أبريل 1936!

الملك فاروق في صباه
الملك فاروق في صباه

في أول صورة صحفية تنشر له وهو في السنة السادسة من عمره كان فاروق يشبه البنات؛ اسمه مزيج من التحية العائلة لحرف الفاء الذي يتصدر اسم جدته؛ فريال، والبحث عن مرجعية دينية عبر التفاؤل بالاسم الذي كان يطلق على عمر بن الخطاب؛ الفاروق! ذئب من العائلة نفسها لكنه جيل جديد، ذاق التربية الناعمة، وتبدلت أهدافه من الاستقلال بمصر عن البلاط العثماني إلى إعلان خلافة جديدة مقرها القاهرة، كما أقنع الإنجليز الملك فؤاد الذي استعد بكتائب سرية وخطب فخمة عن النبي والصحابة، والتقطت عيونه في مصر المحروسة طه حسين وكتابهفي الشعر الجاهليوأقامت حوله أولى معارك التكفير المعاصر لتثبت أن فؤاد هو خليفة المسلمين، ثم كان الصيد الثمين؛ مصطفى عبد الرازق الذي قدم في كتابهالإسلام وأصول الحكمبحثًا جريئًا ينفي وجود فكرة الخلافة في الإسلام.
تسلَّم فاروق التركة كاملة، ملك على الطريقة الأوروبية، وخليفة مسلمين، ومملكة دستورية تحت حماية المستعمر؛ تركة متناقضات ثقيلة، كان على فاروق أن يواجهها وهو لم يصل بعد إلى سن السادسة عشرة، لا يمتلك مهارة إلا في تعلم اللغات الفرنسية والإنجليزية وفي ألعاب أبناء الملوك؛ الشيش والسباحة والفروسية، غير هذا لم يكن سوى شخص مريح يبدو أكبر من سنه بخمس سنوات كما وصفته صحيفة التايمز في أثناء رحلته إلى بريطانيا قبل وفاة والده بشهور قليلة التي كانت خطوته الأولى تقريبًا خارج سيطرة الأب. إنها بداية عصر أحمد حسنين!

8
سحر الرائد

حتى سن الخامسة عشرة لم يكن فاروق يرى إلا المفروضين عليه في القصر. يتجول في المساحة المتاحة له بنفسية الوحيد، فكانت متعته الخاصة صيد السمك، ويعيش تحت سيطرة المربية النمساوية دائمًا، وأمه نازلي أحيانًا. كان الأب في الواحدة والخمسين حين ولد؛ منهكًا من حروب الحكم، يجعله طموحه دائمًا ينام مفتوح العينين، لم يكن هناك أب بالمعنى الحديث؛ فؤاد كان رمز السلطة البعيدة بينما كان الأب الفعلي هو أحمد حسنين. وأحمد حسنين شخصية غريبة، تصلح بطلة في الروايات أو الأفلام؛ فوضوي وبوهيمي، لا يعنى كثيرًا بقواعد الأخلاق في السياسة والحب، يعشق على طريقة روميو وجولييت، ويخون بمهارة الدونجوان، كان أبوه عالمًا أزهريًّا، وتعلم هو في أوكسفورد، وتطوع في الجيش الإنجليزي في أثناء الحرب العالمية، وكان على صلة وثيقة باللورد ملنر وزير المستعمرات البريطاني الذي كان وراء إلحاقه بالجامعة، وكثيرًا ما قضى نهاية الأسبوع في قصره الريفي، عندما عاد إلى مصر عين سكرتيرًا للجنرال مكسويل قائد جيش الاحتلال، وكان يرتدي في هذه الفترة ملابس الجيش البريطاني، وعندما تقرر نقل مكسويل طلب إليه أن يختار الموقع الذي يود أن ينقل إليه فاختار وزارة الداخلية وعين سكرتيرًا لهورينلور كبير المفتشين والمشرف على الأمن العام وقتها، إنه أحد المتمتعين بثقة الإنجليز؛ فهو طامح ومندفع، لا يرتبط كثيرًا بروابط عائلية ولا سياسية، حتى أنه كان المتحدث باسم الإنجليز في مفاوضاتهم مع الثوار السنوسيين في ليبيا، وعلى الرغم كل هذا وصل في سلم المناصب الرسمية إلى رئيس حكومة مصر. هذا هو الرائد الذي اختاره فؤاد ليكون راعيًا للأمير الصغير فاروق في رحلته إلى بريطانيا التي كان هدفها الأول تطمين الصديق الإنجليزي أن الملك القادم تحت السيطرة، وأنه لن ينظر بعيدًا إلى الأسلوب الإيطالي الذي عرفه فؤاد الأول عندما كان مع أبيه الخديو إسماعيل في المنفى الإيطالي (المفارقة المضحكة هنا أن إيطاليا كانت المحطة الأولى في منفى فاروق بعد الثورة، وكأن بريطانيا اختارت التربية الملكية، بينما إيطاليا هي مكان الملك في المنفى!).

فاروق بصحبة أحمد حسنين اثناء فترة دراستة بلندن، اوائل عام 1936
فاروق بصحبة أحمد حسنين اثناء فترة دراستة بلندن، اوائل عام 1936

كان أحمد حسنين معروفًا للعائلة الملكية، فهو زوج ابنة سيف الله سري باشا من الأميرة شويكار الزوجة الأولى لفؤاد حينما كان أميرًا. وكان اختياره سهلاً وموضع رضا من الإنجليز، اعتذر حسنين في البداية لأنه كان مديونًا؛ فاختار الملك عزيز المصري، المعروف بمواقفه الوطنية، وخريج المدرستين الألمانية والتركية في العسكرية، وهو ما لم يعجب الإنجليز، وكان التصميم على اختيار أحمد حسنين الذي أصبح رائدًا لولي العهد أي رئيسًا للحاشية المرافقة للأمير. كان أحمد حسنين وعزيز المصري على طرفي نقيض كما تقول الدكتورة لطيفة سالمالأول له من الدهاء والمناورة والمهارة ما يعطيه مؤهلات التفوق على الثاني؛ الرجل العسكري الصلب وصاحب الأخلاق القديمة“. وطبعًا انقاد فاروق المحروم من متع المراهقة إلى أحمد حسنين؛ وعرف لذة الليل والخمر والقطفة الأولى من بنات أوروبا، كانت المعركة بين أحمد حسنين وعزيز المصري من الدروس المبكرة التي صاغت الملك الشابولم يقتصر الصدام حول الأسلوب الأخلاقي وحده، بل شمل طريقة التفكير ذاتها، فقد حدث أن تشاجرا معًا حين قادهما الحديث إلى أحمد عرابي وسعد زغلول، وكان عزيز المصري يريد أن يلقن فاروق أنهما وطنيان، أما أحمد حسنين فلا يلفت نظره إلا أن عرابي أراد خلع توفيق وزغلول هو عدو أبيه“. فشلت خطة عزيز المصري، وعاد إلى القاهرة لتكون أول هزيمة لتيار الأخلاق المحافظة الذي أحاط بفاروق منذ البداية وكان في صراع مع تيار سكرتير اللهو والمتع (وهو الدور الذي ورثه كريم ثابت من أحمد حسنين) بينما كان الدكتور حسين حسني السكرتير الخاص للملك هو الاستمرار المدني لتيار عزيز المصري الذي لعب على فكرة الملك الصالح التي راجت في فترة لتشبع احتياج الناس إلى ملك حقيقي يقود إلى الاستقلال من بوابة النزاهة والأخلاق. ويحكي حسني في مذكراته أنه اقترح على الملك بعد مولد ولي العهد أن يؤدي فريضة الحج، وربط هذا بين الإصلاح السياسي الذي يبدأ بأبعاد البطانة الفاسدة. المدهش أن فاروق كان يحرص على أن يبقي بجانبه دائمًا حزب الأخلاق؛ يضعه على الرف، لكنه يشعره بالأمان المفقود.

9
لا يحقق الإشباع

حسين حسني خلطة معروفة من الثلاثينيات؛ أخلاقي محافظ، تربية الحزب الوطني القريب بعض الشيء من أفكار الفاشية الوطنية والتزمت في القضايا الاجتماعية، كلاسيكي في النظرة إلى القضايا الوطنية، ظل يعتقد حتى غادر يخت المحروسة إلى نابولي أن فاروق ملك صالح، لكنها الحاشية التي أبعدته عن المُثل والمبادئ العليا. كان هذا التيار يتصور الملك كما تتخيله حواديت الأطفال؛ فارسًا مغوارًا يحقق العدل والأمان بسيفه، يحمي الضعفاء، ويحارب الفساد، صورة يختلط فيها الخيال الديني بالرومانتيكية الساذجة. وهذا ما كان يتخيله السكرتير الخاص والآنسةصافينازابنة كبيرة وصيفات الشرف للملكة نازلي والمراهقة الناعمة الحالمة التي أصبحت الملكة فريدة. كانت فريدة أقرب إلى رومانسية التيار المحافظ، لكنها في النهاية عاشت قصة حب مع رسام كان يعمل في الجيش الإنجليزي، بينما ظل السكرتير في موقعه يبرر كل شيء للملك. فريدة جيل جديد من ساكنات القصور الملكية فهي ابنة الشعب العادية، والملكة المتربعة على العرش، هذا ربما سر شعبيتها الجارفة وكان طبيعيًّا أن تقوم المعركة بينها وبين نازلي؛ الملكة الأم، التي خرجت من قمقم فؤاد لتبحث عن متعها الممنوعة وتمارسها في العلن؛ بدأت نازلي تمردها من رحلة أوروبا التي استكمل بها فاروق تدريباته على الملك، سهرت حتى الصباح وظهرت في الصحف دون برقع حريم القصر، وبدأت قصة حبها الشهيرة مع أحمد حسنين؛ نمت هذه العلاقة في المسافة المثيرة بين العلن والخفاء؛ الجميع يعرف تفاصيلها لكنها محجوزة فقط لسهرات النميمة والتلميحات في الصحف والغرف المغلقة في القصور الملكية. عرفت القاهرة كلها بقصة الحب بين رائد الملك ومعلمه وبين أمهوهي قصة كتبها الصحفي الشهير محمد التابعي بعد ذلكلكن القريبين من الملك قالوا إن هذا كان أول كسر في القلب المراهق. والمدهش أن حكاية فاروق مع كل من الأرستقراطية الجديدة (فريدة) ابنة الشعب ومع الأرستقراطية القديمة (نازلي) سليلة العائلات المرتبطة بالأسرة العلوية، كلتاهما انتهت بفضيحة شخصية. مثلما حدث لعلاقته بكريم ثابت ومن قبله بأحمد حسنين، اللذين كانت لهما أياد خفية في الاتصالات مع الإنجليز ثم مع الأمريكان (تخطى الأمر تقديم تقارير عن الحياة السياسية في مصر في مقابل تحقيق مصالح شخصية إلى حد الحصول على مرتبات من المخابرات الأمريكية). هذه الأيدي الخفية التي مدها فاروق مرة للأسد البريطاني العجوز، ومرة للنسر الأمريكي الشاب ليسند بها عرشه المهتز تحت وقع أقدام الاحتلال الإنجليزي، والخوف من الشيوعية الذي وصل إلى حدود هيستريا جعلت فاروق يخصص غرفة كاملة يجمع فيها كل منشورات ووثائق التنظيمات الشيوعية في مصر، وعندما انزلقت فرامل سيارته في بقعة زيت أمام محطة السكك الحديدية وكادت السيارة تفلت منه كانت صرخته الأولىالشيوعيين!”، بل إنه اعتبر أن الثورة قامت لتقيم عرشًا أحمر في القاهرة. هذه الفوبيا جعلته يخاف الجميع ويعلن دولة الشماشرجية، الذين كانوا يحركون اتجاهات السرايا منذ قرار فاروق بأن تعرض كل الأوراق والملفات عبر الشماشرجية الخاصين به؛ يسمعهم وهو بين اليقظة والنوم على السرير أو في أثناء وجوده في الحمام! فخسر فاروق توازناته السياسية ولم يتبق له إلا الفضائح؛ من أمه إلى زوجته، مرورًا بغرامياته التي كان وراءها هاجس مُلْح يريد أن يثبت به أنه رجل كامل على عكس ما قالته عنه عشيقات استمتعن بالنوم الهادئ بجانبه أحيانًا، وتعبن من محاولاته الفاشلة غالبًا؛ كان يقوم بالوظيفة، لكنه لا يحقق الإشباع، هذا كان توصيف عقدته التي اهتمت بها السفارة البريطانية!

10
مؤامرة أجنبية

في الحرب العالمية الثانية راهن الملك فاروق على الهر الألماني. لم يكن معجبًا بهتلر. لكنه كان يريد التخلص من الأسد الإنجليزي العجوز الرابض على نَفَسه. ولم يكن قد ظهر في الأفق بعد النسر الأمريكي بجناحيه الأنيقين: الحرية والقوة الاقتصادي. كانت الشيوعية رعب فاروق الحقيقي؛ في سيرته التي نشرتها صحيفة التابلويد الإنجليزيةإمباير نيوزكتب الملك تصوره للسيناريو الذي سيتم بعد رحيلهترزح مصر الآن تحت وطأة ديكتاتورية، وسوف يتشبث نجيب بالسلطة كاملة، ولن يسمح بأي حرية، لذا ستتفجر القلاقل والتظاهرات وستهاجم ممتلكات الأجانب، وحينئذ ستتحرك الحراب البريطانية والأمريكية، وسيطرب الشيوعيون أشد الطرب، وستتحول مصر إلى كوريا أخرى، وسيتحسرون على الملك الذي كان الركيزة الوحيدة ضد الشيوعية في الشرق الأوسط“. يقدم فاروق في سيرته تفسيرًا عجيبًا من واقع هذا الهوس بالشيوعيةقبل أن يأتي الروس إلى بلادي لم يكن الإخوان المسلمون خطرًا بأي حال، كانوا مجرد متعصبين دينيين فقراء، وما إن جاء الكرملين حتى امتلأت جيوبهم بالمال وأصبح في إمكانهم أن يخرجوا من الجحور، وأن ينشئوا جرائد وأن يزرعوا جواسيسهم في المواقع الرئيسية وأخيرًا نجحوا في القيام بالانقلاب“. والعجيب أنه يرى أنالإخوان المسلمون اغتصبوا السلطة التي كانوا يتحرقون إليها ولكن سوف يبدأ توزيعها على الشيوعيين.. سوف يزحف الشيوعيون في المرحلة القادمة على السلطة وستدعو صحيفتهم المعارضة لإلغاء النظام الملكي.. وإذا سئلت من هم الرجال الذين يقفون وراء نجيب؟ أجبت بأنهم أعضاء المكتب السياسي السري للإخوان المسلمين، وتقوم بتمويلهم السفارة الروسية في القاهرة“. ألم يكن الملك يعرف المسافة السياسية بين الشيوعيين والإخوان المسلمين؟! إنه يعرف بالغريزة فقط أنهما أعداء عرشه؛ بل إنه يضع كل الأعداء في قائمة واحدة: كلهم شيوعيون!

كان الملك يرى كذلك أنالانقلاب المحكم التدبير الذي كلفني عرشي لم يدبره أو يخططه نجيب على ضوء شمعة في خيمة في المعسكر، ولكن دبره وخططه بكل تفاصيله مجموعة من الخبراء العسكريين الأجانب. وإذا سئلت لماذا قررت السفارة الروسية الإطاحة بعرشي. أجبت لأنهم يخططون لأن تصبح مصر كوريا الثانية، وأن يُمَد لهم بساط أحمر وينحني لهم المصريون والبريطانيون والأمريكيون وهم يستولون على الشرق الأوسط ثم أوروبا، والذين يخشون الحرب القادمة يجب ألا يبقى لديهم أي وهم بأن الحرب قادمة.. بل إنها قائمة الآن، وأذكر أنني توسلت ذات يوم للسفير البريطاني لكيلا يعترف بروسيا ولكنه قال لي (لعلك لا تعلم أنهم حلفاؤنا.. وهذه هي النتيجة)”.
كتبت هذه السيرة بعد وقت قليل من الإطاحة بفاروق الذي حاول أن يحصل على بطاقة جديدة يعود بها للعب الدور المهم للإنجليز والأمريكان. إنه يريد فرصة ويقدم نفسه، ولا يريد أن يخرج من الملعب هكذا وحيدًا. يموت في بار إيطالي بجانب عشيقته، لتبقى سيرته مطرزة بالمغامرات مع النساء؛ من الفاتنة الغامضة كاميليا إلى سامية جمال مرورًا بالأميرة فاطمة طوسون التي طاردها ورفضته وتزوجت في البرازيل، وغيرهن كثيرات من زائرات السرير الملكي. انسحب الملك في استعراض أخير وسط دهشته الداخلية، لكن عقليته ما تزال حاكمة.

جمال عبد الناصر يخطب في سوريا
جمال عبد الناصر يخطب في سوريا

11
التنازل مرتان

غادر فاروق ميناء الإسكندرية مسنًا مترهلاً على الرغم من أنه كان تقريبًا في عمر أغلب الضباط المتمردين عليه، ارتعشت يده وهي تكتب التنازل عن العرش، فكتبه مرة ثانية؛ وكأنه تنازل مرتين! تسرب حلم جده من بين يديه، ونظر حوله ليعرف من الذي سيرث البلد، سأل علي ماهر وكانت الإجابة الأولى: القائد الحقيقي ليس محمد نجيب، بل الصغار وعلى رأسهم البكباشي أنور السادات. كان فاروق قد عرف السادات ويعتبره مجرمًا، لكنه لم يعرف عبد الناصر قط إلا على صفحات الصحف، على الرغم من أنه الوحيد الذي تربطه كتب التاريخ بالجد محمد علي الكبير، ونعيش الآن الفيض الناتج عن مغامراتهما. كل منهما اعتبر نفسهالمُخَلِّصالذي جاء لينقذ قطعانًا بائسة؛ الذكر الاستثنائي صاحب المهمة الرسولية، الذي من حقه بعد الانتصار (على الذكور المنافسين) أن ينفرد بالحكم، والرعاية، فالأب واحد ووحيد في فراغ كبير إسمه : الدولة. كان المشهد المؤثر لفاروق الأول بعد وصوله جزيرة كابري الإيطالية هو احتضان وليده الذكر (أحمد فؤاد الثاني)؛ أمله الضائع في حرب الذكور الاستثنائيين. كان شاردًا على أرجوحة بجوار زوجته (ناريمان: أم الولد)، بينما الدبابات تتجول في شوارع القاهرة، ومحمد نجيب بزيه العسكري يحتل مقعده أمام ميكرفون الحكم، معلنًا نهاية ملك فاسد، دون أن يشرح: هل كانت نهايته لأنه فاسد، أم لأنه ملك؟ ولم يكن نجيب في الغالب يعلم الإجابة وقتها، لم يكن يعلم أن فاروق سيصبح فواريق كما وصفتهم تحية كاريوكا. وربما لم يكن يعلم أن الملكية فكرة، وكان المطلوب أن تموت، لكي نقطع التراث الطويل من البؤس،ولكي لا تستمر القطعان قطعاناً بالمعنى القديم (الديمقراطية خلقت قطعاناً حديثة…). نجيب عندما وضع قبعته العسكرية ونظر إلى الكاميرات كان دون وعي يعلن انتصار ذكر جديد يقف خلفه؛ هو عبد الناصر.وكان ذلك يعنى ببساطة متناهي أن : فكرة الملك لم تمت مع إعلان الجمهورية.

زفاف الملك فاروق و ناريمان
- زفاف الملك فاروق و ناريمان تلوين يدوي