عاصي الرحباني

كامل التلمساني في محطة عاصي الرحباني

عمرو ماهر عمرو ماهر

وهلَّأ، وإن الله راد، وفي 27 فبراير من سنة 1973، رح نوصَل كِلْنا مع الأخوين رحباني، إلى المحطة“..

 بهذه الكلمات قدمت شارلوت وازن الخوري لمسرحية المحطة لفيروز والأخوين رحباني، على شاشة تليفزيون لبنان والمشرق، قبل بدء عروض مسرحية المحطة على مسرح البيكاديللي. اليوم، وبعد ما يقرب من مرور نصف القرن على المسرحية، نتتبع الخيوط ونفك ألغاز هذه المحطة المهمة في مسيرة الإنتاج الرحباني الفيروزي..

ارتبطت المحطة بعوامل وظروف سبقت وصاحبت وتلت عرضها؛ منها اشتراك زياد الرحباني ابن السابعة عشرة للمرة الأولى في التلحين.. وانفصال صبري الشريف وغيابه عن إخراج مسرحية للأخوين رحباني للمرة الأولى.. وطبعًا أهم تلك العوامل؛ انفجار دماغ عاصي الرحباني، عميد العائلة الرحبانية وكبيرها، وصاحب الأفكار والقرار، وما تلا ذلك الانفجار من ارتباك وتخبط.. وهناك عامل آخر منسي، ذلك أنه، وقبل عام بالتمام من عرض المحطة، مات فجأة المخرج المصري كامل التلمساني!

أربعة وقفوا معك

يسير عاصي الرحباني ومعه منصور وصبري الشريف والصديق الدكتور النفسي عبد الرحمن اللبّان والكاتب المصري رجاء النقاش.. يكاد الحزن يأكل روح عاصي، والآخرون يواسونه.. إذ فجأة ودون أي مقدمات مات كامل التلمساني..

خبر موت كامل التلمساني

في 2 مارس 1972 توقف قلب كامل التلمساني، ومات بهدوء في شقته الصغيرة بشارع بدارو، حيث كان يسكن بالقرب من مكتب الأخوين رحباني، إثر أزمة قلبية مفاجأة لم يدر بها أحد.. قبلها بأسبوعين فقط ظهر كامل التلمساني مع فيروز والأخوين رحباني على شاشة تليفزيون لبنان والمشرق وقدم لمسرحيةناس من ورقالتي كانت ستُعرض على مسرح البيكاديللي خلال أيام.. قال كامل التلمساني بلهجته المصرية مع القليل جدًا من اللكنة اللبنانية:

الأخوان رحباني بيصرّوا على إنها من لون المنوعات؛ يعني قصة غنائية راقصة مَرحِة.. في رأيي المتواضع، إنها مسرحية أولًا، القصة فيها تنمو إلى أبعاد ممتازة كمسرح درجة أولى، مع أنها مليئة بالأغاني والألحان المنوعة وبالتابلوهات الغنائية وبالاسكتشات، وجميع أنواع الغناء من القديم للحديث المعاصر، ومع ذلك القصة مازالت درجة أولى.. هي قصة فرقة استعراضية، إحدى المطربات المهمات فيها السيدة فيروز، اسمها ماريّا، والفرقة تحمل اسمها بطبيعة الحال؛ فرقة ماريّا.. هذه الفرقة من الفرق الجوّالة، اللي بتقول ع حالها إنها بتشتغل بالساحات.. بتشتغل للناس رأسًا، وين ما كان، وبتنتقل من مطرح لمطرح.. بيصادف حظ الفرقة السيء إنها بتنصب مسرحها المتنقّل في منطقة بتقوم فيها انتخابات، وفيها زعيم قبضاي قوي جدًا، وجد إن هالفرقة بتعمل مهرجان بتخربطلو مهرجانه الانتخابي.. ومن هون بينشأ الصراع الروائي بين الفرقة وبين الزعيم أو المتزعِّم.. الأخوان رحباني وهما بيكتبوا المسرحية وجدوا إن الشخصيات أقوى منهم كمؤلفين، بتاخد الرواية وتركض تجري، فوجدوا في الآخر إن الاسم اللي ينطبق عليها هو اسم الشخصيات اللي خُلِقَت بالقلم على الورق.. أي الشخصيات المسرحية اللي الكاتب بيخلقهم على ورق وبيتجسدوا.. ناس من ورق“.

ارتبط كامل التلمساني في الذاكرة المصرية بأنه أحد أهم أوائل مخرجي الاتجاه الواقعي في السينما المصرية.. وأهم وأشهر أفلامه فيلمالسوق السوداءالذي أُنتج عام 1945، ليكون ثاني فيلمبعد فيلمالعزيمة” 1939- يصور الحياة الواقعية للحارة المصرية.. وفي حين نجح فيلم العزيمة لمخرجه كمال سليم وصار أحد أهم علامات السينما المصرية، فشل فيلم السوق السوداء جماهيريًّا فشلًا ذريعًا وقت عرضه، لشدة كآبته وسوداويته.. ومع ذلك يظل فيلما العزيمة والسوق السوداء ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، الأول في المركز الأول والثاني في المركز الرابع والثلاثين..

كامل التلمساني

غادر كامل التلمساني مصر بعد عدد قليل من التجارب السينمائية، وعاش فترة في إسبانيا يعمل رسامًا، وله لوحات معروفة باتجاهها السوريالي محفوظة في متحف الفن الحديث بالقاهرة، ثم انتقل إلى لندن حيث عمل في الإذاعة البريطانية، فكتب لها مئات الساعات من التمثيليات الإذاعية، والتي كانت المورد الأساسي لرزقه.. ثم استقر أخيرًا في بيروت أوائل الستينيات، وهناك أعجب المنتج اللبناني طنّوس فرنجية وبقدراته الفذَّة وعقليته المتطورة وثقافته المدهشة، فقدمه للأخوين رحباني، ومن يومها رافقهم التلمساني مستشارًا لأعمالهم الفنية.. وبمساعدته كمستشار فني لأمور السيناريو قدم الأخوان رحباني أول مسلسلاتهم على شاشة التليفزيونقسمة ونصيبفي 1965 ثممن يوم ليومفي 1971.. وأفلامهم السينمائيةبياع الخواتم” 1965 ثمسفر برلك” 1967 وبنت الحارس” 1968..

عاصي الرحباني وكمال التلمساني

عاصي الرحباني وكمال التلمساني

 

من مذكرات منصور الرحباني

من مذكرات منصور الرحباني

يقول المخرج صبري الشريف عن كامل التلمساني:

هو أحد ركائز الحركة الفنية التي تبهر عالمنا العربي بفن الرحبانية وصوت فيروز.. كان يحدد مطالبه في أقل القليل، ثم يعمل من أجل الحصول على هذا القليل في صمت ودون جلبة، وبغير أيّة تطلعات“.

عاش الرجل غريبًا ومات غريبًا، ودُفِن في مقبرة الشهداء في بيروت.. وأمام الجنازة وقف عاصي الرحباني ومنصور الرحباني وصبري الشريف يتقبلون العزاء ومعهم المستشار الثقافي للسفارة المصرية عبد الحميد سعد الله.. بينما الشاعر اللبناني جورج جرداق يبكي ويقول إنها المرة الأولى التي يشعر فيها بأهمية أغنية فيروز لسيد درويشزوروني كل سنة مرة“..

***

في صيف1972 قدّم الأخوان رحباني مع فيروز مسرحيةناطورة المفاتيحفي مهرجانات بعلبك.. ثم طاروا بالمسرحية لعرضها في الدورة التاسعة عشرة لمعرض دمشق الدولي..

بعد فقد كامل التلمساني، وفي2 مايو 1972، وقبل إصابة عاصي الكبرى التي لم تكن على البال، يكتب رجاء النقاش وينقل الأسئلة الوجودية التي امتلأ بها عقل عاصي الذي لا يهدأ:

كان موت التلمساني نقطة البداية في أحزان عاصي الرحباني ، وقد أخذ عاصي يعبر عن أحزانه في حديثه معنا وكأنه يكتب قصيدة، أو يعزف قطعة موسيقية.. كان يقول: ما قيمة الحياة إذا كان الموت يقف لنا بالمرصاد، ليأخذ منا ضحكاتنا ويملأ عيوننا بالدموع؟ ما قيمة النجاح الفني في حياة بلا معنى؟ حياة مصيرها العدم والدمار.. ثم ماذا بعد النجاح الفني؟ لقد كتبت ولحَّنت وأحببت وعشت واشتركت في تقديم الأغاني والمسرحيات الناجحة، وحققت كل ما أريد، أو أكثر ما أريد.. ولكن، ماذا بعد هذا كله؟ هل يمكن أن أكتب أفضل مما كتبت؟ هل يمكن أن أنجح أكثر مما نجحت؟ إن الأشياء تفقد معناها الآن بالنسبة لي، والأحزان تحاصرني، والماضي يبدو عائقًا في طريق المستقبل، حيث يلوح الماضي أمامي وكأنني لن أستطيع أن أتجاوزه أو أكرره، أو أقدم أفضل مما قدمت فيه.. والأحزان تتراكم وتتراكم، ليبدو الإنسان في عيني وكأنه داخل مصيدة، لا يمكن الخلاص منها أو الفرار..”.

قبيل انتهاء الفصل الأول من ناطورة المفاتيح، وفي محاورةأربعة وقفوا معكبين فيروز ونصري شمس الدين، ترفض زاد الخيرفيروزالرحيل وتقرر البقاء من أجل أرواح من راحوا.. ومن أجل روحديك الميإحدى شخصيات المسرحية، وقد مات من التعذيب.. ينتفض صوت فيروز وتقول مع الحوار المنغم:

كِرْمَالهُن.. كِرْمَال ديك الميّي.. هالراح مرّة وما رجع.. هاللي تعذب وانوجع.. تـ هَجّ بالحيطان، وفَلّ من حاله، وبعدو كل يوم بينوجع“.

فيروز و عاصي الرحباني

فيروز و عاصي الرحباني

وكأن الكلام يصف عذابات عاصي التي التهمته بالكامل.. عروضناطورة المفاتيحالتي بدأت في 31 أغسطس على خشبة معرض دمشق وكان مقررًا لها عشر ليالي، تم تمديدها لستة عشرة ليلة، لتنتهي في 15 سبتمبر.. وفي 26 سبتمبر 1972 انفجر دماغ عاصي الرحباني في بيروت..

ليالي الشمال الحزينة

من أين أتتوردة؟ سنظل نكرر هذا السؤال..
بدايةالمحطةعجيبة.. نسمع صوت البطلة وردة (فيروز) قبل أن نراها، وهي تدندن عن لياليالشمال“.. بعدها تدخل وتبدأ في التبشير بوجود محطة، وقطار متجه إلىالشمال“.. هذا يدفعنا للتساؤل عنالشمال“.. من أين أتت وردة؟ ماذا يوجد في الشمال؟ وفيم إصرارها على الذهاب هناك؟ عن ليالي الشمال المقترنة بالحزن، وحنين وردة العجيب لها.. وحبيبها المجهول الذي تحبهع طريق غياب“!

كان أول ذكر لمسرحية المحطة كان في 1971 أي قبل عامين من عرضها.. كان من المقرر تقديم المحطة على مسرح البيكاديللي بعد العودة من الجولة الأمريكية.. تحدث عاصي عن المحطة، وقال إن موضوعها جديد في كل شيء، لم تعرف مثله بعد الأعمال المسرحية التي قُدمت حتى الآن في لبنان، ولذلك يفضل ألا يتكلم كثيرًا عن قصة ذلك القطار القادم من المجهول.. وحين طالبوه أن يفصح أكثر قال جملة واحدة: “الانتظار خلق المحطة.. وشوق السفر جاب التران“..

بعد العودة من أمريكا استقر الرأي مع إدارة مسرح البيكاديللي في بيروت على تقديمناس من ورقللجمهور اللبناني الذي لم يشاهدها بعد.. وأدخل الأخوان رحباني تعديلات كثيفة في الحوار والأغاني فخلقا المسرحية من جديد.. وأرجئ تقديم المحطة إلى موسم مهرجانات بعلبك ودمشق 1972.. ثم أرجئت مرة أخرى لتُعرض في العام 1973..

***

في 26 سبتمبر 1972 أصيب عاصي الرحباني بنزيف في الدماغ، نُقل إثره إلى مستشفى رزق في بيروت، وهناك حاول الأطباء احتواء الموقف، إلى أن يصل الطبيب الفرنسي كلود لوجرو.. وما إن وصل حتى أجرى عملية دقيقة لعاصي لاستئصال النزف الدماغي.. تكللت العملية بالنجاح، وفي مساء الجمعة 29 سبتمبر عُقِد مؤتمر صحفي أعلن فيه الطبيب الفرنسي البيان التالي:

أُجريت للأستاذ عاصي الرحباني هذا اليوم عملية جراحية لاستئصال نزف دماغي في مستشفى الدكتور رزق. والمريض في كنف عناية مستمرة في مركز عصري حديث تحت إشراف فريق من الاختصاصيين في الجهاز العصبي وفي جراحة الدماغ.. والحالة في تحسن ملموس“..

كان حجم دماغ عاصي الكبير مدهشًا للبرفسور الفرنسي، وعلى الرغم من أن الإصابة ضربت مناطق الذاكرة ونطق اللسان، إلا أن البروفسور كان متفائلًا ومطمئنًا لما أبداه عاصي بعد الإفاقة من استجابة بالنظر إلى ذكائه الحاد..

اهتمت الصحافة المصرية، كالعربية بتطورات حالة عاصي الرحباني.. وتابعت الصحف القومية الثلاث أخبار عاصي منذ إعيائه في مكتبه بشارع بدارو، مرورًا بوضعه تحت خيمة أكسجين، وحتى نجاح العملية الأخيرة..  كانت الصحف تلهج بالدعاء له، ونشرت الكواكب بتاريخ 10 أكتوبر 1972 آخر حوار لها مع عاصي وفيروز قبل الإصابة:

 

خبر إصابة عاصي الرحباني بنزيف في المخ

خبر إصابة عاصي الرحباني بنزيف في المخ

طول الوقت كانت هناك غصَّة عامة بسبب انقراض المسرح الغنائي في مصر، من هنا كان الاهتمام المصري الدائم بفيروز والأخوين رحباني الذين أحيوا ذلك اللون مرة أخرى.. سأل المحاور عاصي عن رأيه في المسرح الغنائي المصري فأجاب عاصي:

لا أجرؤ على إعطاء حكم لعمل مدته ما يقرب من الساعتين إلا إذا حضرته عشرات المرات وألم بكل تفاصيله.. بعكس النقاد العرب الذين عندهم من الموهبة أن يقيموا الموسيقى والحبكة المسرحية والشعر والرقص والملابس والإضاءة من مرة واحدة.. أنا إنسان أعرف أني مُقصر ولا أستطيع أن أحكم على المسرح الغنائي المصري“..

وفي موضع آخر من حوار آخر سابق لهذا الحوار يقول عاصي:

حقيقة هيدي التفضيلات اللي درجوا عليها بالإذاعات وبالتليفزيونات يسألوها صعبة كتير.. شو بقدر قَّلك؟ بفضِّل قصيدة ع كل القصايد في الأرض؟! ما في شيء أحسن من كل شيء في الأرض“.

توافق توقيت إصابة عاصي مع حلول شهر رمضان.. وفي الإذاعة كان عبد الحليم حافظ يقدم بصوته أدعية ورسائل قصيرة كل يوم بعد آذان المغرب.. احتفظ عبد الحليم بالدعاء الأخير في اليوم التاسع والعشرين من رمضان ووجهه لعاصي الرحباني عبر أثير إذاعة الشرق الأوسط:
أخي الفنان عاصي الرحباني.. أخي الفنان الكبير، الذي سار بالأغنية اللبنانية والعربية إلى الموسيقى العالمية.. شفاك الله يا عاصي، وأعادك سليمًا معافى إلى الموسيقى، إلى الجماهير التي أحبتك.. الجماهير التي تدعو لك معي.. إلى أولادك، إلى فيروز، إلى الغناء، إلى الحب، إلى المناداة بالسلام، إلى النقد الحر السليم، إلى أهلك، إلى فنَّك الذي ملأت به دنيانا العربية.. شفاك الله لتعود وتعطى أكثر وأكثر مما أعطيت من مهرجانات وأغانٍ وشعر“..

***

بعد أقل من شهرين، وفي 17 نوفمبر 1972 خرج عاصي من المستشفى، أنيقًا مشرقًا كما كان دائمًا.. بوجه رائق وابتسامة هادئة وأناقة مفرطة.. يرتدي قبعته الأمريكية التي اعتمدها منذ عودته المتوجة من جولة أمريكا.. ذهنه صافٍ ومتوقِّد، يعرف الناس ويحييهم بالاسم، ولكن لسانه فقط ثقيل بعض الشيء إثر الإصابة..

عاصي الرحباني

وفي 10 ديسمبر 1972، جلس عاصي الرحباني إلى مكتبه مرة أخرى، وجاء منصور ومعه النوتات الموسيقية للمحطة، فقال عاصي: “لا تلحن أغنيات فيروز، اتركها لي“.. وأمام أعين فيروز ومنصور وإلياس الرحباني والمحامي عبد الله بشارة الخوري وإلياس حنا والدكتور رفيق سعادة، أمسك عاصي بالبزق وبدأ يدندن بلحن ليالي الشمال الحزينة، بكلمات الكتابة الأولى للأغنية قبل الإعداد الأخير، ولكنه باللحن ذاته:

أنا يا حبيبي

بليالي الشمال الحزينة

لا تسألي الأحلام

ولا تسأليني

وضلّي انطريني

بليالي الشمال الحزينة

وردة تبقى ووردة تفل

تبدأ مسرحية المحطة بمشهدسعدووزوجته.. زوجان هانئان يملكان حقلاً لزراعة البطاطا، ويغنيان فرحين بمحصولهما.. وفجأة تصل وردةفيروزوتهبط بالغرابة على هذه البلدة الغافية..

يمكننا أن نضع تصورات لمحيط وموقع ومعالم هذه البلدة، مسرح الأحداث.. صغيرة (بلدية في واقع الأمر).. معزولة، أو شبه حدودية.. بيئة شبه صحراوية (ملائمة لزراعة البطاطا).. يمكن تصورها أقرب لبيئة الغرب الأمريكي القديم، حيث كل ولاية أو مقاطعة منغلقة على نفسها، يديرهاشريفأورئيس البلدية” (يلعب دور رئيس البلدية الفنان نصري شمس الدين).. وأغلب مدن الأخوين رحباني محجوزة داخل عوالم خيالية بأزياء وهيئات فلكلورية مسحورة وبرّاقة كقصص الأخوين جريم للأطفال.. تصميم الديكور البسيط للفنان ميشال عسّاف يعطى تصورًا عن حياة خَشِنة متقشفة.. بيوت خشبية وأرض رملية صفراء.. وخيال مآتة في الخلفية، يطل على سهل ممتد، وبيئة جافّة.. الأزياء تمامًا كما في الغرب الشرس.. قبّعات رعاة البقر العريضة.. الأحزمة المدلاة.. الأحذية ذات الرقاب.. المعاطف الجلدية.. السيور.. الخيول.. (لنتذكّر صور الأخوين رحباني وفيروز بقبعات رعاة البقر التي اعتادوا ارتداءها منذ 1971).. وضع المقدمة الموسيقية للفصل الأول من المسرحية إلياس رحباني، وقد حاكى فيها تمامًا موسيقى إنيو موريكوني لأفلام الغرب الشرس، باستخدام حناجر الكورال مع الموسيقى الراكضة السريعة..

على شاكلة الغرب الشرس أيضًا، فالجو النفسي عنيف قاسٍ متطرّف؛ رئيس البلدية ومعه الأعضاء والأهالي المسالمون يقاتلون باستماتة ضد فكرة تهدد استقرارهم وتقليديتهم وسلامهم النفسي.. وردة الغريبة الآتية من اللا مكان تخبرهم أن هذه الأرض هي أرض المحطة، وأن قطار الشمال قادم في أي وقت..

الدور المركَّب الذي تلعبه فيروز لم يسبق أن لعبت مثله من قبل.. تضخمت فيروز فصارت كل شيء، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، ظهرت فيروز بالعديد من الوجوه المتجاورة المختلفة، دليلًا على دورها المركب وشخصيتها المزدوجة في المسرحية، وأيضًا المحنة والارتباك في أثناء مرض عاصي.. في العام التالي (1974) ستقدم فيروز مسرحية لولو؛ وفيها ستلعب بخفة واقتدار دور فتاة مضطربة عقليًّا تهدد مدينة بأكملها..

من مذكرات فيروز التي روتها في النصف الثاني من عام 1973 بعد انتهاء عرض المحطة

من مذكرات فيروز التي روتها في النصف الثاني من عام 1973 بعد انتهاء عرض المحطة

كالسحر الحلو الغريب، انتشر أمر المحطة، وصار لها روَّاد ومريدون.. خُلِق قاطع تذاكر، واصطفت طوابير الراغبين في السفر، يتوافدون تباعًا.. يُعرِّفون عن أنفسهم وعن رغبتهم في السفر وسط قالب غنائي استعراضي.. تطل وردة الآتية من المجهول، الهابطة على البلدة الغافية بالمحطة والسفر.. متوّجة بهالة الغموض وغريب الكلام، ترقص خلفها أضواء السحر، لتفتن الأهالي.. كنبيّ يتحدث عن أنهار الخمر والعسل، تَعِدُهم هي بمحطات مختلفة عبر رحلة السفر الطويلة.. عن البلد السعيد المطوي خلف جبال النسيان.. وأرض بيضاء مستقرة في سعادة غير محدودة.. وعن مدينة النبيذ، حيث السُّكر الحلو مُباح في الطرقات، وفوق الروابي..

وكسرعة انتقال الكادرات في القصص المصورة، وبهزلية غرائبية مثيرة أيضًا كما في تلك القصص، تتكون عناصر المحطة من اللا شيء، فجأة تُخلَق من العدم وسط الذهول.. يمر بائع حلويات متجول، يرى جمع ناس بين واقف وجالس، يسأل عن السبب، تخبرهوردةعن المحطة، فيقرر أن يفرش بضاعته بالمحطة، ثم لا يلبث أن يخبر زميله القهوجي، الذي يقرر هو أيضًا فتح قهوة هنا في المحطة، في التوّ واللحظة، فينزل عدّة القهوة المحمولة، وتبدأ قرقعة الفناجين، بينما بائع الحلويات ينادي على بضاعتهيا حبيبي قرِّب ودوق“.. علا صوت الجَلَبة وشغب البائعين يصل رئيس البلدية.. يجد محطة جاهزة أمامه، بقاطع تذاكرها، بمسافريها، بمقعد انتظارها، ببائعيها الجوَّالين كذلك! ولا ينقصنا سوى افتتاحها.. من مكان ما، بسرعة البرق، لتكتمل الغرابة اللا محدودة، يظهر شريط الافتتاح في يد وردة.. تمسك وردة الشريط من طرف، وتعطي الطرف الآخر لـمرات سعدو، يجد رئيس البلدية الذاهل الشريط ممدودًا أمامه، والمقص في يده، والجميع يطالبه بافتتاح المحطة.. لا يجد مفرًا إلا أن يقص الشريط.

يبدأ عيد المحطة، ويبدأ الغناء والرقص.. يغني رئيس البلدية أولًا، ثم تليه رقصة زينا.. ثم دبكة المحطة، حيث صراع فريقين كما صممها عبد الحليم كركلا.. صبايا في أزياء زاهية، وشباب بعيون معصوبة.


تختتم فيروز عيد المحطة بأغنية سألوني الناس المهداة لعاصي من كلمات منصور، ولحن زياد، الذي يلحِّن لأمه لأول مرة، وكان قد سبقه بلحن لخالته هدى منذ سنتين، وينتهي الفصل الأول بأغنية حنا السكران لإلياس الرحباني..

فيروز وزياد الرحباني

فيروز وزياد الرحباني

لحن زياد رحباني المقدمة الموسيقية للفصل الثاني، في أول تأليف موسيقي خالص له.. في الصيف، عندما تنتقل المسرحية للعرض في معرض دمشق الدولي، لن يكتفي زياد بالمشاركة الموسيقية فقط، بل سيلعب أيضًا دور التحرّي أو المخبر رقم 6..  

تأتي المقدمة الموسيقية للفصل الثاني ملخصًا سريعًا لأحداث الفصل الأول.. الحركات المباغتة القَلِقَة للكمنجات معبرة عن حيرة أهل البلدة الناعسة وخوفهم.. ثم حركة أسرع للكمنجات تعبر عن الغضب والمناوشات والمظاهرات.. صوت كلارينت في الخلفية يعبر عن تدابير سرية (قاطع التذاكرتحضير مجلس بلدية الجانعملاء غامضون لشركات كبرى).. ثم تأتي نغمات مَرِحة راقصة تمثلوردةالغريبة الآتية من اللا مكان، تواجه كل ذلك ببساطة وعفوية تبعث على الضحك.. نغمات تسخر في غنج ودلال واستهانة.. زياد يلعب بأصابعه الحرّيفة على الأورج الكهربائي.. يعقب تلك النغمات إعادة لها بالكمنجات للدلالة على أن الموضوع ليس بتلك البساطة، ربما لن ينتهي على خير، وردة بمفردها في مواجهة بلدة بأكملها، ووعد بمزيد من الأخطار عبر الفصل الثاني.. ثم عودة لبساطة وردة (الأورج مرة أخرى)، ربما تنتصر في النهاية على الرغم من كل شيء.. وإنذار مدمم عبر ضربات بيانو تكاد تكون غير ملحوظة، ربما يصل الأمر للقتل كما سنرى في النهاية..

 يفتح الفصل الثاني على مشهد جامد.. المسافرون الذين آمنوا بفكرة المحطة، واشتروا تذاكر مُمَنين أنفسَهم بالرحلة الهَنيّة، واقفون في أوضاع متصلبة متفرقة كجذوع أشجار يابسة، في مشهد تجريدي.. الوجوه عابسة جافة تنظر في الساعات وتردد في آلية تَعِبة ضَجِرة: “صارلنا شهور. صارلنا سنين. نحنا وناطرين. وما وصل حدا“.. تحاول وردة التهدئة وتطالبهم بالصبر.. “رح يوصل.. رح يوصل روقوا روقوا رح يوصل“.. الا أن النغمة التصاعدية الغاضبة للمسافرين تستمر في حدتها حتى تصل لمداها بسؤال صارخ وحشيمين اللي وعدنا؟ مين اللي نطَّرنا؟“..

الكل يضغط على وردة؛ أين ذلك القطار المزعوم؟ وحين تكثر الضغوط عليها، وتنفرد وردة بنفسها، تظهر فجأة وردة الثانية..

على خشبة المسرح تقف وردةفيروزالحقيقية، وخلفها على شاشة سينما تظهر وردة الثانية.. يبدأ الحوار الغنائي بين الفيروزتين، تتكلم وردة السينما بقوة وقسوة، تشير لها بإصبع الاتهام وكأنها القاضي والجلاد، توجه لها تهم ادعاء وجود المحطة ومجيء القطار.. تلوم وردة المسرح وتحاول التأثير عليها وأن تثنيها عن عزمها، وتحاول إقناعها بالرجوع من حيث أتت.. وترد عليها وردة المسرح ببساطة متمسكة بحلمها مقتنعة بفكرتها..

تميل وردة المسرح برأسها وكأنها تسمع هدير القطارعم بسمع الهدير“.. فتبتعد عنها الأخرى في ذعر كأنها تخاف من العدوىرح تعديني هدير(صداع)”.. تمد وردة المسرح لها يدها تعرض عليها السفر معها، فترفض الأخرى رفضًا قاطعًا، وتشيح بوجهها عنها في قوة وتدير لها ظهرها..  ينتهي المشهد بأن تقرران الانفصال.. وردة تبقى ووردة تفلّ (ترحل).. تكرر فيروز على شاشة السينما المقطع وكأنه حكم قاس لا رجعة فيه.. وتصاحبها وردة بآهات حسيرة متصاعدة، قبل أن تتحد الاثنتان معًا في صوت واحد.. وردة تبقى ووردة تفلّ.. ثم تذهب كل منهما في اتجاه.. الإخراج المسرحي لبرج فازيليان والإخراج السينمائي لأنطوان ريمي..

يا أنا اللي انتي

ويا إنتي اللي أنا

شو بنا ما منتلاقي

شو بنا شو بنا؟!

منتحاكى منتحاكى وما نتلاقى

يمكن رح نتفارق

وهَيْك نضلّ

وردة تبقى ووردة تفلّ

فيروز

باقتراب ختام المسرحية، يتأزم الموقف وينفد صبر الجميع.. كارهو فكرة المحطة، التي قلقلت مراكزهم وأقلقت أمنهم، يدخلون بوجوه مُسودَّة، وخطوات مأساوية كالقدر.. يسألون عن وردة في توحُّش، وقد بيَّتوا أمرًا بقتل المحطة، والخلاص منها..

تأتي وردة كما أتت أول مرة، يحاولون وضع طوق المسؤولية حول رقبتها، لكنها ترد بهدوء وقسوة ولا مبالاة، كشيطان يتبرأ من أتباعه يوم الدينأنا ما قلت لحدا سافر.. ولما بيعلا هدير الطريق، رح اعطي أساميكن للطريق“..

 انتهت الألعاب، يجب الخلاص من المحطة.. تتمزق اللافتة المكتوب عليها محطة الشمال، تقع وردة كالمصابة، ويحدث الاشتباك مع المسافرين المؤمنين بالفكرة.. يسود الجنون الموقف، ويشهر الجميع أسلحة كانت مخبأة.. وردة مصدومة في جانب المشهد، وقاطع التذاكر يغشاه الهلع، محصورًا بين الفريقين؛ الرافضين بسكاكينهم، والمسافرين بمسدساتهم..

يجمُد المشهد مع وصول البوليس وسماع صافراته.. يدخل رئيس البوليس، يتعرف على الحرامي منتحل شخصية قاطع التذاكر، ويلقى القبض عليه، إذ يتم تلفيق تهم هزلية.. انتهى وقت المزاح؛ يأمر المدير بالقبض على المحتالين ورميهم بالرصاص..

يكتب الأخوان رحباني وصف المشهد كالتالي:

 “البوليسيِّه بيوَقّفو وردِه والحرامي والطايح، بيْصَوّبو علَيُن الرصاص. فجأه بيعلا صَفير التران وهديرو. بتْعِم الدّهشِه. الكل عيونُن صوب الصفير. البوليسيِّه بتتراخى إيدَيُن وبيتركو المتّهمين

على الرغم من كل شيء يصل القطار بالفعل، في أشد الأوقات حرجًا، لتنفرج الأزمة، وينتهي الاحتقان.. يركب الجميع إلا وردة صاحبة الفكرة والحلم، تحاول أن تحصل على تذكرة، فتجد أن التذاكر نفدت..

***
بدأت عروضالمحطةعلى خشبة البيكاديللي في 27 فبراير 1973.. افتتحت فيروز ومنصور وإلياس المسرحية.. قاد إلياس الأوركسترا، وجلس منصور بين الحضور، بينما كان عاصي في باريس لإجراء عملية في القصبة الهوائية، إذ كان يشعر بصعوبة في التنفس منذ العملية الأولى.. بعد العودة والنقاهة، حضر عاصي المسرحية خفية من وراء الكواليس خشية الانفعال والتعب، وبالطبع تدافع المحبون والمهنئون.. وفي الصباح أُجري معه حوار صحفي لمعرفة رأيه في المسرحية، فقال:
سألوني الناس حلوة، بس ما كان إلها لزوم.. أنا ما بحب التمجيد.. زياد، يخرب بيته شو حلو، لحنه عظيم.. فيروز منيحة.. المشهد المسرحي السينمائي بين فيروز وظلها هذه فكرتي.. أنا سجلت هالفكرة من زمان، وكان معي كامل التلمساني.. حرام، مات كامل.. لحن فيلمون وهبي يا دارة دوري فينا، حلو، عظيم، بس الموال ما عجبني.. (يضحك) اوعى تقول لفيلمون بيزعل.. إلياس منيح كقائد أوركسترا، بس أنا بتضل عيوني هَون وهَون.. عين ع الأوركسترا وعين ع المسرح.. شغلة غريبة! الحوار عمله منصور، منصور عظيم.. (يبتسم) منيح اللي غبت حتى عرفتو قيمة منصورويرد عليه منصور سريعًا: الحوار أنت كتبته يا عاصي.. أنا أدخلت عليه كلامًا قليلًا.. أنا شغِّيل تحت إيدك.. أنا اكسسواريست عندك“.

بعدها بعدة أيام في أبريل سيحل عيد القيامة، وتذهب فيروز للترتيل في كنيسة أنطلياس كعادتها كل سنة، وللمرة الأولى منذ نحو خمسة عشر عامًا ترتل دون عاصي الرحباني الذي كان في طور النقاهة.. وسيجلس زياد على الأرغن مكان أبيه، وستكتب الصحافة: لأول مرة منذ مات المسيح، جاءت المجدلية إلى الجُلجُلة دون يوحنا الحبيب، وكانت درب صليب أنطلياس دون عاصي.