أولاد حارتنا رسم

قاهرة 1959 | أولاد حارتنا صراع الكاتب مع رموزه خارج الرواية

"الفاتحة للعسكري..خلع الطربوش وعمل ولى"

محمد شعير محمد شعير

” أولاد حارتنا” ليست مجرد رواية، ظلت ممنوعة لأكثر من خمسين عاما، رغم أنها كانت تباع على الأرصفة طوال تلك السنوات فى نسخ شرعية أحيانا.. ومزورة أحيانا أخرى.  فى تلك السنوات كانت الراوية – دائما فى دائرة الضوء منذ نشرت جريدة الأهرام حلقاتها مسلسلة عام 1959،  وعندما منع نشرها ككتاب فى مصر باتفاق “جنتلمان” بين نجيب محفوظ وبين المندوب الرسمي للرئيس عبدالناصر، ورغم المنع، فإن فكرة الرواية ظلت تلح على كاتبها، مرات ومرات، ليعيد محفوظ فى كل أعماله التالية ملمحا من ” أولاد حارتنا”, وكأنه يسخر من الجميع.  وعندما حصل محفوظ على جائزة نوبل (1988) عادت الرواية إلى مرمى نيران المختلفين مع محفوظ، الذى تعرض لمحاولة اغتيال بعد سنوات من الجائزة تنفيذا لفتوى أحد الشيوخ.. وعندما رحل محفوظ (2006) صدرت الرواية لأول مرة فى مصر ولكن بمقدمة إسلامية كأنها صك براءة لعمل فنى خيالي. “أولاد حارتنا” هى حكايتنا، حكاية مصر مع الرقابة. هنا رحلة بحث: كيف قرأ المصريون نصوص الرواية على صفحات الأهرام في آخر شتاء بالخمسينيات، بل كيف تلقت المدينة رواية كاتب القاهرة الأبرز؟ رحلة مصحوبة بوثائق وحكايات وصور لقاهرة نهاية الخمسينيات، لنرى كيف كانت الحياة ومراكز القوى في هذه المدينة؟

كاتب يتغير

الإثنين- 21 سبتمبر 1959: درجة الحرارة في القاهرة أقرب إلى البرودة، سحب خريفية تغطي الدلتا. الشيوعيون في سجون عبد الناصر، وحملات إعلامية مخططة لتشويههم. لص مجهول يسطو على “كرمة ابن هانئ” بيت الشاعر أحمد شوقي على نيل الجيزة، المسروقات تضم نخلة من الذهب أهداها أمير البحرين لشوقي احتفالا بتنصيبه أميرا للشعر العربي، وكأس من الفضة هدية من الاتحاد النسائي برئاسة هدى شعراوي. عناوين الجرائد الرئيسية تتحدث عن مظاهرات حاشدة في العراق ضد عبدالكريم قاسم، بعد تنفيذ أحكام الإعدام في عدد من قادة “ثورة الشواف”، وكانت جريدة “أخبار اليوم” قد قادت الهجوم الأعنف، وأطلقت على “قاسم” قبل أيام لقب “نيرون بغداد”، ونشرت نصا تحت عنوان “الكتاب الملعون”، زاعمة أن “قاسم” يتبنى أفكار الكتاب، الذى يطعن في الدين الإسلامي، ومدعية أن الكتاب من تأليف جهات مخابراتية سوفيتيية، ثم خصصت صفحة كاملة للداعية عبدالرازق نوفل ليفند ما جاء في الكتاب من أفكار. على المستوي الدولي اهتمت الجرائد بأول زيارة لزعيم سوفييتي إلى الولايات المتحدة، حيث ألقي نيكيتا خروتشوف خطابا في الأمم المتحدة، طالب فيه “بإلغاء الجيوش من كل دول العالم وإلغاء وزارات الدفاع والكليات العسكرية. والاكتفاء فقط بمجموعات صغيرة لحفظ الأمن الداخلي”. كما تواصل “الأهرام” اهتمامها الذى بدأ قبل أسبوعين  بتغطية وصول الصاروخ الروسي إلى القمر، مدشنا بذلك عصرا جديدا من العلم والمعرفة. عدد من الجرائد تواصل حملتها ضد من اسمتهم “أتباع جيمس دين”. وهم مجموعة صغيرة من الشباب المصرى المعجب بالممثل الأمريكي (1931- 1955)  الذى أصبح سريعا جدا – وقبل أن يكمل عامه الرابع والعشرين – نجما عالميا، وجعله أداؤه لشخصية “جيم ستارك” في فيلم “متمرد بلا قضية” 1955، أيقونة للشباب، وأفضى عليه مصرعه الفاجع، في حادث سير، هالة أسطورية فراح الشباب يقلدونه في مظهره وملابسه. الحملة تتهم الشباب بالتمرد على جيل الآباء، وممارسة رقصة مستهترة تسمي”تشا تشا”، وتدخين السجائر وإطلاق شعرهم بلا تهذيب. ووصم بعض خطباء المساجد هؤلاء الشباب بالفساد والانحلال، كما طالب صحفيون وسياسيون بتجنيدهم لتهذيبهم وتعليمهم الرجولة.  ولقى كل هذا الضجيج صدى لدى عبدالحكيم عامر فتقدم للتصدى لهذه الظاهرة، موجها- باعتباره وزيرا للحربية- رجال من البوليس الحربى باستيقاف، وحلق شعر رأس كل من يجدونه في الأماكن العامة يرقص “تشا تشا” أو يغني أغنية عبد الحليم حافظ “أبو عيون جريئة”. نشرت الجرائد صورا لجمال عبدالناصر وبصحبته عبد الحكيم عامر يطلان لتحية الجماهير من نافذة قطار كانا يستقلانه عائدين من مدينة رشيد للقاهرة، وكان عبدالناصر قد ألقي قبل يومين خطابا في “رشيد”  ضمن الاحتفال بذكرى انتصارات المدينة على الجيش البريطاني(1807)، العناوين تركز على تصفية الإقطاع وتوزيع قطع من الأراضي الزراعية على الفلاحين، وإطلاق “مشروع ناصر لتمليك الماشية للفلاحين”. في جريدة “الأخبار” يحاور ناصر الدين النشاشيبي البروفيسور “ستن فريبرج” عضو مجلس إدارة جائزة نوبل الذي يعلن أن: “الجامعات العربية مسئولة عن عدم ترشيح أي عربي لجائزة نوبل”، كما يكتب أحمد بهاء الدين من استوكهولم عن مسرحية سارتر”سجناء التونا”. المسرحية التي “تهز أوروبا كلها”، ويعدها “أخطر عمل فني منذ نهاية الحرب العالمية”. في القاهرة، كان المسرح القومي يقدم “العشرة الطيبة”، وفرقة الريحاني تقدم “حكاية كل يوم”، وسلسلة “كتابي” تصدر ترجمة عربية لرواية باسترناك “دكتور زيفاجو” في جزءين، وسلسلة مكتبة الفنون الدرامية تصدر ترجمة لمسرحية تينسي وليامز “قطة على صفيح ساخن”، ورياض السنباطي انتهي من تلحين “الحب كده” التي ستفتتح بها أم كلثوم موسمها الغنائي، دور السينما كاملة العدد، أفيشات الأفلام الجديدة تحتل مساحة كبيرة من إعلانات الصحف، يمكن أن نرصد في ذلك اليوم أكثر من 15 فيلما أجنبيا من بينهم “حسناء النهر” لصوفيا لورين، ” ذو الوجه الأصفر” لبوب هوب وجين رسل، “أعظم مغامرات طرزان”، ونفس العدد تقريبا للأفلام المصرية، منها “عاشت للحب” لزبيدة ثروت، “الحب الأخير” لهند رستم وأحمد مظهر، “البوليس السري” لإسماعيل يس.

-2-

في صفحتها العاشرة، بدأت جريدة “الأهرام” نشر أول حلقة من رواية نجيب محفوظ الجديدة “أولاد حارتنا”، والتى كانت الجريدة قد أعلنت عنها فى صفحتها الأولي: “اتفقت الأهرام مع نجيب محفوظ كاتب القصة الكبير على أن ينشر له تباعا قصته الجديدة الطويلة. إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي استطاع أن يصور الحياة المصرية تصوير فنان مقتدر مبدع، ولذلك فإن قصصه كانت حدثا أدبيا بارزا في تاريخ النهضة الفكرية في السنوات الأخيرة. ولقد وقع الأهرام مع نجيب محفوظ عقدا يصبح للأهرام بمقتضاه حق النشر الصحفى لقصته الجديدة مقابل ألف جنيه. والأهرام لا يذكر هذا الرقم – وهو أكبر مبلغ دفع في الصحافة العربية لقصة واحدة – تفاخرا أو إدعاء، وإنما يذكره ليسجل بدء عهد جديد في تقدير الإنتاج الأدبي”.    الواقع يبدو متداخلا فنيا وفكريا وسياسيا، محفوظ يكتب سيناريو “إحنا التلامذة” عن قصة لتوفيق صالح، وكامل يوسف، وركزت دعاية الفيلم الذي قام ببطولته عمر الشريف، وشكري سرحان، ويوسف فخر الدين مع تحية كاريوكا، على اعتباره “فيلم كل شاب وكل فتاة، كل أب وكل أم، كل أسرة وكل بيت. يحارب الميوعة ويدعو للقوة والبناء”. وهي العبارة التي كتبت بخط واضح على “أفيش” الفيلم، وبدت كأنها امتداد لحملة تهذيب “أتباع جيمس دين”. العارفون بمحفوظ وتقاليد السينما يرجحون أن العبارة لا تخص محفوظ، بقدر ما تخص المنتج حلمي رفلة الذي تحدث عن الفيلم في مجلة “الجيل” باعتباره جزءا من رسالة ” ضد أشباه جيمس دين بعد أن تعددت مظاهر ميوعتهم وكثرت حوادث انحرافهم، ما أدى إلى تدخل بوليس الآداب، وبعد أن دفعهم الحرمان إلى طريق الألم. طريق الشر”. رفلة قال إنه اختار نجيب محفوظ لكتابة السيناريو لأنه “عُرف بعمق دراسته، وقوة تصويره للشخصيات وبراعته في التعبير عن احاسيسها وانفعالاتها”.  الفيلم الثاني الذي عرض متزامنا مع نشر “أولاد حارتنا”هو”بين السماء والأرض” من إخراج صلاح أبوسيف، عن قصة لمحفوظ، وشارك أبو سيف في كتابة السيناريو، الذي يمثل نقلة في سينما محفوظ من الواقعية إلى الانفتاح على الرمز، كما في “أولاد حارتنا” التي تخلي فيها عن “الواقعية الصريحة” التي بلغت ذروتها في “الثلاثية”. الفيلم يطرح أسئلة فلسفية معلقة لا يمكن الوصول إلى إجاباتها، ربما مثل أبطال الفيلم العالقين بين السماء والأرض. بصمات محفوظ واضحة بقوة كسيناريست يبدع في البحث عن حلول فنية لمحدودية المكان (أحداث الفيلم تدور داخل مصعد) وهى معضلة فنية نجح محفوظ، كروائى، فى تخطيها، بل والاجادة فيها سواء أفي” زقاق المدق” الرواية التي تدور أحداثها في حارة ضيقة أو فيما بعد فى ” ثرثرة فوق النيل” التى تدور أغلب أحداثها في عوامة على النيل. بخلاف المكان المحدود الذي تخرج منه عوالم نابضة بالحياة، يثير محفوظ طوال الفيلم أسئلة فلسفية عن الحدود بين الواقع والخيال، عن الخطيئة. الموت والحياة والعقل والجنون. شخصيات الفيلم في المكان المغلق المحدود تمثل ربما أطياف من المجتمع بتنوعهم  وبتناقضاتهم: فهناك الارستقراطي (الأكثر رقة)، المجنون (الأكثر عقلا في المكان)، الفنانة التي تستعد لتصوير فيلمها الجديد، اللص الصغير، والآخر الكبير، البواب، المرأة الحامل التي تلد في نفس اللحظة التي يموت فيها مختنقا عجوز مريض، الزوجة الخائنة، والمتحرش. خارج المصعد ـ أي خارج الأحداث- عوالم أخرى، لكنها ليست منفصلة عما يدور داخل (المصعد). ربما كان أهمها مشاهد الفيلم الذي يتم تصويرها (داخل الفيلم الأصلي)، حيث ينتظر المخرج بطلة فيلمه لتصوير مشاهدها. ومن ضمن هذه المشاهد رجال أمن يؤدون دورهم، وتتصور العصابة التي ستسرق إحدى الشقق أنهم رجال امن حقيقيون، وتبدأ معركة غير متكافئة. يصرخ المخرج:”دي سينما يا بني آدم مش لعبة. افهموها بقي”، بينما ينهال عليهم الرصاص الحقيقي الذي لم يكن متفقا عليه. ما الفرق بين الواقع والخيال؟ وبين الواقع والسينما؟ ربما كان هذا هو سؤال الفن الرئيسي. ربما أيضا كانت رسالة أبوسيف ومحفوظ وتصورهما للفن. لا يبقي الحال على ما هو عليه، يتم إنقاذ الجميع، بعد أن يكونوا قد اقتربوا من الموت، قربا يدفعهم لمراجعة سلوكهم وخططهم السابقة والتفكير فى “التوبة”، و”الاستقامة”، لكن أحداث الفيلم تنتهى بعودة الغالبية العظمى إلى طريقه السابق. نهاية الفيلم، واحدة من أجمل النهايات في السينما المصرية. هند رستم بطلة الفيلم الذي يتم تصويره داخل الفيلم تقول للمخرج:”دي القصة اللي تستاهل إننا نعملها فيلم مش القصة اللي بنعملها”. المخرج (داخل الفيلم) يرد عليها: بس دا فيلم اتعمل وأنا شفته وكان بطولة هند رستم. وإخراج أبو سيف. أي أننا نجد أنفسنا أمام لعبة فنية من ألعاب محفوظ وأبوسيف. ولكنها لا تخلو من الرسالة السياسية. حيث يحلمان بذوبان الطبقات. المدهش أن الفيلم عندما عرض للمرة الأولي لم يلق ترحيبا من النقاد، هاجمه تقريبا كل الصحفيين بحجة أن تجربة الموت تجربة”جد” لا تستحق الهزل كما فعل بها أبوسيف ومحفوظ. أو أن”المخرج والمؤلف صبّا ماء ساقعا على رؤوس المتفرجين” حسب تعبير موسي صبري في مقالته النقدية عن الفيلم.

الواقع يتداخل فنيًا وفكريًا وسياسيًا. دعاية أحدث أفلام محفوظ تدعو لتهذيب أتباع جيمس دين

-3-

فلاش باك:

21 ديسمبر- 1957:

فى مجلة الإذاعة حاور عبد التواب عبد الحى  نجيب محفوظ.. كتب فى مقدمة الحوار: ” رجاني نجيب محفوظ أن أنشر له إعلانا على الناس وأقول: ” إن كاتب الواقعية مل الواقعية، زهق من آلام الناس ومظاهر حياتهم المباشرة، ولم يعد هناك جديد يكتبه عنهم، وعندما يكتب مرة أخرى سوف يكتب بطريقة جديدة لم تتحدد معالمها فى ذهنه حتى الآن، وإلا سوف يهجر الأدب إلى الأبد”.

27 مارس 1958:

نشرت مجلة “صباح الخير” خبر عن خطط نجيب محفوظ المستقبلية حيث ينشغل: “في لون جديد من الخلق الأدبي. يبحث فيه عن ينابيع جديدة غير زقاق المدق وخان الخليلى والسكرية، وشخصيات جديدة غير الأفندية والأسطوات التي تعود أن يعرضها في قصصه، ومشكلة هذا التجديد الأدبي أنه يحتاج إلى تجديد مماثل في حياة الأديب. يحتاج إلى اسفار واكتشافات إنسانية خارج حدود المقهى ومكتب مصلحة الفنون والمنزل، فهل يتخطى نجيب هذه الحدود في سبيل تجربة أدبية جديدة. وكيف ومن الذي يمول هذه المعركة التي يحفر فيها الأديب أبارا جديدة في دماغه. ومن يدفع له التكاليف؟

11 فبراير 1959:

الأهرام تسأل المدير الجديد لمصلحة الرقابة على المصنفات الفنية نجيب محفوظ: ما أمنيتك؟ يجيب: “أمنيتي أن أواصل كتابة رواية “أولاد حارتنا” التي بدأت فيها”.

كانت هذه هي المرة الأولي التي يتحدث فيها محفوظ للصحافة عن روايته التي لا يزال يكتبها، وقبل نشرها بسبعة أشهر كاملة، وبالعنوان نفسه الذي نشرت به. أضاف محفوظ في حواره مع الأهرام:” إن هناك أزمة في المجتمع المصري، هي أزمة ثقافة”، وانتقد السينما معتبرا أنها تسير “بالاجتهاد”. بعد خمسة أشهر من هذا الحوار تحدث محفوظ إلى جريدة “الجمهورية “عن أمنية أخرى له، تمني أن توافق عليها الدولة هي “إحالة الأدباء إلى المعاش في سن الخمسين حتى يتفرغوا للكتابة”. وتحدث أيضا عن رغبته في أن تقوم الدولة بتنظيم رحلات للأدباء والفنانين ليعرفوا بلادهم، فهو لا يعرف شيئا عن أسوان أو الأقصر، ولم يخرج من القاهرة إلا إلى الإسكندرية ورأس البر. بعد أيام من هذا الحوار سافر محفوظ إلى يوغسلافيا. كانت رحلته الأولي إلى خارج مصر، ليقضي هناك خمسة عشر يوما ويعود قبل نشر “أولاد حارتنا” بشهر، وينشر في “الأهرام” انطباعاته عن الزيارة.

20 مارس 1959:

سأل محرر مجلة “الجيل” نجيب محفوظ”: ما هو آخر عمل أدبي تقوم به الآن؟
قصة اسمها ” أولاد حارتنا” بدأتها فى أكتوبر 1958، وكتبت منها حتى الآن 150 صفحة فولسكاب وستكون القصة فى حوالى 300 صفحة.
وما موضوع القصة؟
أرجوك أعفنى من هذا السؤال
بلاش موضوعها ولكن..ما هو نوعها
ولا هذا..إنها قصة من نوع جديد، لم أكتب مثله من قبل، لذلك أنا متهيب جدا، متهيب جدا!

6 إبريل 1959:

أجرت مجلة ” الجيل” تحقيقا بعنوان: “دعوتى ليلة القدر”..سألت فيه فنانين ومثقفين وسياسيين ورياضيين عن دعوتهم ليلة القدر. قال نجيب محفوظ فى التحقيق:” سأقول: يارب ساعدنى على إتمام رواية” أولاد حارتنا” التى بداتها فى أكتوبر الماضى. يارب يتم الاتفاق على منع الأسلحة الذرية حتى نعيش لنحقق أمانينا لوطننا ولأنفسنا، يارب تنتهى حرب الجزائر بانتصار العرب”.

1 أغسطس 1959:

سألت مجلة “العربي” الكويتية محفوظ: ماذا تكتب الآن؟ أجاب: سيناريو فيلم صلاح الدين الأيوبي، وقصتى المقبلة التي اسميها ” أولاد حارتنا”. محفوظ قال فى الحوار: ” لا حياء في الأدب. كما لا حياء في الدين” وهي الجملة التى تم اختيارها عنوانا للحوار. إجابات محفوظ في كل الحوارات التي سبقت نشر الرواية تقول أنه دفع بالرواية للنشر مباشرة بعد الإنتهاء منها، وليس صحيحا أنها ظلت عامين كاملين في درج مكتبه. إذ تبدأ السنة المحفوظية في الكتابة من سبتمبر إلى إبريل، ثم يتوقف لمدة أربعة أشهر في الصيف بسبب مرض الحساسية في العينين، الذى أصيب به عندما كان طالبا فى الجامعة،  وهو ما يعني أن محفوظ انتهي من كتابة الرواية في إبريل من نفس العام قبل إجازة “التأمل والتفكير والراحة” كما يسميها.

2 مايو 1959:

نشرت مجلة “الإذاعة” التي كان يرأس تحريرها حلمي سلام، هذا التنويه في باب “أدب وأدباء”: يسر مجلة “الإذاعة” أن تعلن قراءها أنها قد اتفقت مع نجيب محفوظ على أن ينشر بها روايته الجديدة ” أولاد حارتنا”. وستبدأ المجلة نشر حلقاتها عقب انتهاء أشهر الصيف”.  لكن “الإذاعة” لم تنشر الرواية كما أعلنت، فقد ذهبت “أولاد حارتنا” إلى “الأهرام”، وأصبح السؤال: كيف وصلت “أولاد حارتنا” إلى الأهرام؟

-4-

لدينا حكايات كثيرة. منها ما حكاه محفوظ نفسه، ومنها ما حكاه محمد حسنين هيكل. الاختلافات بين الروايات بسيطة، قد لا تغير الشيء الكثير. حسب رواية محفوظ لرجاء النقاش أن إحسان عبد القدوس أقام له حفلا فى منزله بمناسبة حصوله على «جائزة الدولة» عام 1957، بشارع «قصر العينى» حضره أدباء وصحفيون على رأسهم كامل الشناوى، فى حفل التكريم بمنزل «إحسان» اقترب «على حمدى الجمال» مدير تحرير الأهرام  من «محفوظ» قائلا له إنه يكلمه باسم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس التحرير، ويريد منه رواية لتنشر فى الجريدة على حلقات، ويقول نجيب: «لم أكن بدأت فى كتابة «أولاد حارتنا»، وبالتالى اعتذرت بأنه ليس لدى الآن رواية جاهزة للنشر، ووعدت «الجمال» بأن أول رواية أكتبها سأرسلها إلى «الأهرام»، وعندما انتهيت من كتابة «أولاد حارتنا»، تذكرت الوعد الذى قطعته على نفسى، فاتصلت بالأستاذ على حمدى الجمال، وذهبت إليه بأوراق الرواية التى قرأها وأعجب بها، وصرح بنشرها دون اى ملاحظات. ويبدو أن الأستاذ الجمال قرأها على أنها رواية عادية عن حارة مصرية يقع بها صراع بين مجموعة من الفتوات».‏عندما سألت الأستاذ هيكل فى لقاء معه (في مكتبه): كيف وصلت الرواية إلى الأهرام؟ أجاب: “وصلت الرواية إلى على حمدى الجمال، الذي شعر بالقلق، وعطل نشرها دون أن يخبرنى بأمرها، ويبدو أن نجيب محفوظ اشتكى لحسين فوزى الذي أخبرنى بأمر الرواية، وقلت لحسين فوزى: لا نستطيع أن نحجب عملا لمحفوظ مهما كان ناقدا وحادا، وخاصة أننا جرينا وراه ليكتب في الأهرام ووسطنا توفيق الحكيم أكثر من مرة، ولكن محفوظ طلب الانتظار لحين أن يحال إلى التقاعد”.  يواصل هيكل: ” طلبت “الجمال” ليحضرها لي على الفور، أخذتها معى إلى المنزل وقرأتها في ليلة واحدة‏..‏ وفي الصباح قررت نشرها على الفور وبشكل يومى لا كما كان يحدث من قبل بأن تنشر الأعمال الأدبية بشكل أسبوعى، وهذا القرار اتخذته لسببين: الأول، أن حجم الرواية كبير، ونشرها أسبوعيا قد يستغرق ما يقرب من عام كامل وهي فترة طويلة؛ قد تتيح لمن يريد أن يستغل الرواية دينيا أن يوقف نشرها، وثانيا، لأننى أدركت رسالة الرواية وخطورتها”.

عبد الناصر يكرم محفوظ

عبد الناصر يكرم محفوظ

فى البداية، مر نشر الرواية بهدوء شديد، لكن عقب نشر الحلقة “السابعة عشر” كما يقول هيكل  بدأت شكاوى وبلاغات عديدة ضد الرواية وتطالب تحرك الأزهر لوقف النشر، فسأل عبدالناصر هيكل عن الحكاية، فأوضح له ملابساتها، مختتما:” رواية كتبها نجيب محفوظ لا بد من نشرها، حتى آخر كلمة”، فقبل عبدالناصر استكمال النشر، ولكن مع تزايد صخب الشكاوى عاود عبدالناصر مناقشة الأمر مع هيكل الذى أنهاه بقوله: “خليهم يعملوا لجنة من رجال الأزهر ويفحصوا الرواية”. ويوضح هيكل لى “مخرجه الغريب هذا” قائلا:” أردت أن أكسب وقتا لاستكمال ما تبقي من الرواية، وقد جاء قرار اللجنة بمنع النشر، وكان ذلك قبل عشرة أيام من انتهاء الرواية، لكن استمر النشرحتى نهاية الرواية، وقد حرصت على أن اختم الحلقة الاخيرة بعبارة: “انتهت الرواية”. ويبدو أن هيكل استشعر مبكرا مع بداية نشر الرواية، ما ستجره عليه من تداعيات؛ كان من بينها هجوما عنيفا على الرواية طال فى جانب منه “الأهرام”؛ كان أحد الدوافع التى حدت به أن يكتب؛ بعد أسبوع واحد من بدء نشر “أولاد حارتنا”؛ مقالا قصيرا فى الصفحة السادسة بالأهرام بعنوان “حرية التعبير”، كان آشبه ببداية “هجوم مضاد” أظهر فيه دفاعا حارا عن حرية الأدباء والكّتاب، وزاد هيكل جهده فى “المعركة” الناشبة بإتاحة مساحات داخل صفحات “الأهرام” لمقالات ورسائل القراء تتحدث عن مشكلات المجتمع وتنتقد النظام، بلطف. وكان لافتا فى المقال القصير تأكيد هيكل على أن: “من أهم المشاكل التى تواجهنا اليوم، مشكلة حرية الرأى. بل إنها أكبر كثيراً من الحد المفهوم من وصف “مشكلة”. ذلك أنه فى هذه المرحلة من تاريخ تطورنا، السياسى والاجتماعى والفكرى لابد أن يبرز الرأى الحر ليكون المقدمة الحقيقية للركب وهو يسير، والدليل الأمين للقافلة وهى تسعى إلى المستقبل. ولكن الرأى الحر فى بلادنا لا يمارس الآن هذا الدور الخطير. لعدة أسباب: أسباب عامة تتصل بظروف الحياة. وأسباب خاصة متصلة بأدوات التعبير عن الرأى ووسائله. من الأسباب العامة مثلاً: أنه فى ظروف الحياة السريعة التى نعيشها الآن، طغى الخبر على الرأى وغطت الحادثة على الفكرة. ومن الأسباب الخاصة المتصلة بأدوات التعبير، أن الصحافة وهى أول هذه الأدوات تعيش تحت رقابة قاسية ‍‍! والمحنة الحقيقية أن هذه الرقابة ليست فرضاً على الصحافة من الخارج، وإنما هى قيد من الداخـل. والأسباب كثيرة: أولها – أن صحافتنا، فى كثير من الأحيان، لم تستطع أن تتحول بعد، عن كونها صحافة شخصية، ومن هنا فإن تعبيرها عن “الرأى الخاص” لأصحابها ومحرريها، أشد ظهوراً من تعبيرها عن “الرأى العام” لمجتمع بأكمله على اختلاف طبقاته. ثانيهما – أن صحافتنا، حين أعوزها إيمانها الأصيل بغايات محددة ووسائل إلى هذه الغايات، تركت رسالة التوجيه، واقتصرت على “المسايرة”، “مسايرة” الحوادث على علاتها، و”مسايرة” التطورات كما تجىء”.

 وأضاف هيكل: ” من هنا، وهذه حقيقة، فرضت الصحافة على نفسها ما لم يفرضه عليها غيرها أخذاً بالأحوط والأسهل، وإيثاراً للعافية والسلامة. وثمة من يتصورون أن هناك رقابة من الدولة على الصحف، تقيد أيديها، وتعجز أقلامها. وليست تلك هى الحقيقة لحسن الحظ. وما من شك أن هناك قيوداً على نشر التحركات العسكرية مثلاً، وعلى بعض المسائل المتصلة بأمن الدولة الخارجى، ولكنه فيما عدا ذلك ليس هناك من يفرض علينا السكوت. إن الحقيقة – أننا – نحن الصحافة – سكتنا حين زحمتنا الحوادث فلم نجد لنا فى وسطها رأياً، وحين بقينا على هامش التطورات نسايرها. ولا نغوص فى أعماقها بحثاً عن الإيمان، نجاهر به، ونقاتل دفاعاً عنه. على أنه ينبغى أن يكون هناك مفهوم لحرية الرأى. إن حرية الرأى ليست العناوين الثائرة الغاضبة على شخص بعينه، وليست الحملات المنطلقة فى ضراوة ووحشية تبحث عن كبش فداء. إن حرية الرأى، هى حرية المناقشة. إن الفكر المتحرر داخل العقل مقدمة. وانطلاق هذا الفكر حديثاً ناطقاً على اللسان، أو حديثاً صامتاً على الورق نتيجة. وبغير المقدمات لا يمكن الوصول إلى النتائج، وبغير النتائج لا تصبح للمقدمات فائدة. هذا فهمنا لحرية الرأى. ومن أجل هذا الفهم، وفى سبيله، هذه المحاولة التى يقوم بها الأهرام اليوم”.لم يحذف هيكل بنفسه من الرواية حرفا واحدا. ونفى بصورة قاطعة أن يكون قد طلب من محفوظ القيام بذلك، مؤكدا عدم صحة ما أوردته الباحثة السويدية مارينا ستاج في كتابها “حدود حرية التعبير” – والتى اعتمدت على مقال نشر فى مجلة الهلال – عن بعض وقائع الأزمة، وتأكيدها أن هيكل طالب محفوظ بممارسة دور الرقيب على نفسه بحذف فقرات عديدة منها يمكن أن تزيد المحتجين احتجاجا.

واكَب نشر الراوية إعلان الأهرام عن بداية عهد جديد من تقدير الفن والإبداع.. وهذا ما حدث فعلًا

-5-

اختار هيكل رسومات  الحسين فوزى ( 1905 – 1999 ) لتصاحب الرواية أثناء نشرها فى الأهرام. وربما يرجع اختيار فوزى كونه مدينى، وتشبه نشأته فى حى الحلمية نفس الأجواء المولع نجيب محفوظ بتصويرها فى أعماله، ويعتبره العديد من النقاد رائد فن الجرافيك، كما انه الرائد الاول للرسم الصحفي. وحسب الناقد صلاح بيصار: “يعد فوزي اول فنان مصري يرسم بالصحافة عندما بدأ مشواره الصحفي وهو طالب بالفنون الجميلة حين رسم بمجلة “الشباب” عام 1924 كما تألقت رسومه في مجلة “الرسالة الجديدة” التي رأس تحريرها يوسف السباعي في اوائل الخمسينيات، وكانت تمثل علامة كبيرة في الرسم الصحفي خاصة أغلفتها البديعة التي ظل يرسمها لفترة طويلة. كما قام بعمل رسوم توضيحية وأغلفة للكتب الادبية ورسم في عدة جرائد ومجلات منها: المصور والفكاهة وجريدة الاتحاد واللطائف وكوكب الشرق وجريدة الأهرام والشعب والجمهورية. درس فوزى فى باريس، وعندما عاد فى عام 1933 كان همه تخليص فن الحفر من سيطرة الاجانب عليه، والبحث عن سمات للفن الإسلامي، ومن هنا انجز عام 1940 رسومات لمساجد مصر ومآذنها بتكليف من وزارة الأوقاف، وصدرت هذه الرسومات في كتاب خاص في جزئين، ويعد مرجعا فنياً وتاريخياً لمعالم مصر بعد كتاب وصف مصر الذي رسمه كبار الفنانين الفرنسيين أثناء الحملة الفرنسية.

من رسومات الحسين فوزى

وقد تسنى للفنان فى هذا المطاف التاريخى أن يلم بمقومات الفنون الإسلامية التى تكشفت له تدريجيا فى أثناء خلوته لتسجيل هذه الأثار بكل ما أوتى من دقة فى الملاحظة وحدق فى متابعة المظاهر الطبيعية فى رسومه.  حكى فوزى فى جريدة الأهالى (1989) حكايته مع الرواية: “عندما جاءتنى رواية ” أولاد حارتنا” كنت مريضا بالحمى، ومع هذا خرجت من منزلى بالجيزة متوجها إلى جريدة الأهرام لمقابلة رئيس التحرير محمد حسنين هيكل، وهناك تبادلت معه الرأى وأخذت الفكرة. بدأت بقراءة الرواية وفهمها، ووجدتها رواية حية، قوية ألهمتنى الصور ثم قالب هذه الصور كما نشرت. والرواية لا ينطبق عليها ما أشاعه رجال الدين بعد ذلك من أنها تمس الأديان والرسل، الأمر الذى أدى إلى تعكير الجو حول الرواية، فلم يتح لها ان تحقق الدور الذى أراده لها مؤلفها، بما تحمل من المعانى والأهداف العميقة. وأعترف أن الرواية، بمواقفها الرائعة ووصفها الجميل، أعطتنى الفرصة لكى أقوم بدورى نحوها كفنان يخرج برسومه إلى مجال التعبير والتفسير، وعندما بدأت أنهض بهذا الدور فى الصحافة المصرية توقفت الرواية. كان كثير من القراء من طلبتى فى كليات الفنون الجميلة يقولون لى أثناء نشرها أنهم يحتفظون بالرواية من أجل رسومها. كما دفعت رسومها بعض من كان يجمعها من طلبة المرحلة الثانوية إلى دخول كليات الفنون الجميلة”. الصحفى نبيل فرج سأل فوزي: كيف تنظر الآن إلى هذه التجربة التى إلتقت فيها ريشة الفنان بقلم الروائى؟ أجاب: “أوجد هذا اللقاء حركة فى الفن، جعلت من الرسوم الصحفية قيمة تثرى العمل الفنى وتجعله يتكلم ببيان واضح”!

بلاغ فى بريد القراء

-6-

ولكن كيف بدأت المشكلات؟

قال محفوظ لرجاء النقاش في كتابه ” صفحات من مذكرات نجيب محفوظ”: ” بدأت الأزمة بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة “الجمهورية” خبرا يلفت النظر إلى أن الرواية المسلسلة التي تنشرها جريدة “الأهرام” فيها تعريض بالأنبياء. وبعد هذا الخبر المثير، بدأ البعض، ومن بينهم أدباء للأسف، في إرسال عرائض وشكاوي يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمها إلى المحاكمة، وبدأ هؤلاء يحرضون الأزهر ضدي على أساس أن الرواية تتضمن كفرا صريحا، وأن الشخصيات الموجودة في الرواية ترمز إلى الأنبياء. وقد عرفت هذه المعلومات عن طريق صديق لي هوالأستاذ مصطفي حبيب الذي كان يعمل سكرتيرا لشيخ الأزهر، وكان شقيقه يعمل وكيل نيابة، وأخبرني أن أغلب العرائض التي وصلت إلى النيابة العامة أرسلها أدباء”.  محفوظ أوضح في حوار آخر نشرته (الأهرام فى 13 يناير 2007) مع عادل حمودة، وفي وجود محمد حسنين هيكل أنه ” لم يكن ليلتفت أحد إلى ما ف الرواية، لولا أن انتبه إليها كاتب يساري في جريدة الجمهورية: ربما أحمد عباس صالح أو سعد الدين وهبة، وقال: “ياجماعة، خذوا بالكم. دي مش رواية عادية. دي رواية عن الأنبياء. ساعتها قامت القيامة”.

عريضة الاتهام التى يصوغها محفوظ ليست دقيقة فيما يتعلق: بأين، ومن، ومتى، بدأ الهجوم. قد يكون “صالح” و، أو”وهبه” قد شاركا فى المعركة لكن ليس فى “الجمهورية” وليس فى ذلك الوقت، إنما المؤكد أن أول هجوم معلن على الرواية كان في مجلة “المصور”، في رسالة أرسلها قارئ يدعي “محمد أمين” إلى الشاعر صالح جودت محرر باب “أدب وفن” في 18 ديسمبر 1959 أي قبل اكتمال  نشر الرواية بأسبوع كامل. القارئ اختار جودت- حسبما ذكر فى رسالته المنشورة- لأنه “من القلائل الذين لم يدخلوا سوق النفاق”. واعتبر أن محفوظ في روايته الجديدة: ” يحيد ويجانب كل أصول القصة، فكتابته الأخيرة لا هي رمزية ولا هي واقعية، ولا هي خيال، ولا تنطبق على أي قالب معروف”. وأضاف: ” جاء محفوظ ليتحدي معتقدات راسخة، ولهذا يتعذر على كائن من كان حتى ولو محفوظ نفسه أن يقدمها بمجرد كتابة قصة. التستر وراء الرموز أضعف قضية نجيب محفوظ في مجتمع يجل الدين بطبيعته”. جودت رد على صاحب الرسالة: “لا أستطيع أن أحكم على القصة الأخيرة لمحفوظ، الذي لا شك في أنه يعد قصاص الطليعة عندنا اليوم، فإذا كان قد نحا في قصته الجديدة نحوا جديدا غير ما تعودناه في روائعه السابقة، فالحكم في ذلك لمن قرءوا القصة”. ويضيف: “الباب مفتوح لرسائل القراء الذين قرءوا قصة محفوظ”.لم تهاجم “الجمهورية” الرواية – على عكس ما حكى محفوظ-  بل كان يوسف السباعي من أوائل المدافعين عن محفوظ عندما نشر مقالا في يومياته بعنوان “نجيب محفوظ ولوم القراء” في 28 ديسمبر؛ أى بعد عشرة أيام من هجوم “المصور”، وبعد اكتمال نشر الرواية فى الأهرام.

البحث عن الرجل الغامض فى أزمة “اولاد حارتنا”

 يتفرع شارع عبد العزيز حبيب، حيث يقيم صاحب الرسالة التي نشرها باب “أدب وفن”، الذي كان يحرره صالح جودت بعدد مجلة المصور في 18 ديسمبر 1959، منتقدًا فيها نجيب محفوظ، من شارع جمال عبد الناصر. الشارع قصير، معظم بيوته ترجع لسنوات للعهد الملكي مهجورة. البيوت القديمة تتميز بطرز معمارية وجمالية، أشبه بفيلات قديمة هجرها أصحابها، وتركوها تعاني الإهمال. بعض البيوت القديمة تمّ هدمها لتحل محلها عمارات سكنية. عندما سألنا عن كُتّاب مارسوا الإبداع أشار لنا إلى البناية رقم (3)، التي أرسل منها محمد أمين الرسالة التي يدين فيها نجيب محفوظ، خالية من السكان، فقط يسكن أمامها بائعة شاي، وزوجها الذى تجاوز الستين، وهو على معرفة كما أخبرنا بكل سكان الشارع القدامى والجدد. عندما سألتُ السيدة: هل يوجد فى البناية من يكتب الشعر أو القصة؟ أحالتنا إلى زوجها الذي أجاب: الأستاذ عبد العزيز زين الدين شاعر، رحل عام 2002، وهو معروف، يزوره الصحفيون دائمًا، كما أنه يذهب إلى قصر الثقافة، وتقام له الأمسيات الشعرية. لكن ماذا عن محمد أمين؟ أجاب: تقصد محمد (الأمين) و ليس ( أمين)؟ أشار إلى البيت المجاور ويحمل رقم (6)، كان يسكن فى هذا البيت، لكن ليس له علاقة بالكتابة أو الأدب، هو مصارع، وعمل مدربًا للمصارعة، ورحل منذ سنوات أيضًا، لكن لم نعرف عنه إطلاقًا أنه مارس الكتابة أو أبدى اهتمامًا بالأدب. سألناه عن أى من أفراد اسرته قال:” هاجروا الى إيطاليا”!

هاجم السباعي صالح جودت، وكتب: ” إذا تجاوزنا مديح القارئ للزميل (صالح جودت) وبأنه الوحيد الذي يقف على بر النفاق وأن من عداه من الكتاب- سامحه الله- منافقون يتبادلون الثناء ويرفعون بعضهم البعض وهم لا شيء. إذا تجاوزنا عن مديح القارئ للزميل صالح ولعنه سلسفيل أجداد بقية الكتاب. وجدنا الرسالة تحمل على نجيب محفوظ- رغم تقدير القارئ له- حملة شعواء. ورغم أن الأستاذ صالح جودت أعفى نفسه من مسئولية الخطاب وأبدى إعجابه وتقديره لنجيب محفوظ فأنا لا أعفيه أبدا مما جاء في الرسالة، إلا إذا كان هو يعفينى من مسئولية نشر خطاب قارئ يسبه فيه. لأن للقراء أن يلعنونا كلما شاءوا. فلا يمكن أن يعجب كل قارئ بكل كاتب. وليس أكثر من المتبرمين الضائقين الخاملين. ويستطيع كل إنسان أن يقول في كل إنسان ما يقول ويري فيه ما يري، ولكنه لا يملك أن ينشر على الناس ما يري وما يقول. إلا إذا كان هو نفسه مسئولا عما ينشر، أما إذا كان قارئا فالمسئول هو الكاتب نفسه. فأما أن يقره وينشره وإما ألا يقره. فيترك مسئولية نشره لصاحبه. فينشر في أى مكان غير المكان الذي يكون هو نفسه مسئولا عنه. وكان أولى بصاحب الرسالة -إذا لم يكن يقصد بها التشنيع الذي عاونه فيه الزميل صالح جودت أو كان على الأصح هو الركن الأساسى فيه. كان أولى أن يرسل الرسالة إلى نجيب محفوظ نفسه، إذا كان المقصود هو أن يبدى له رأيه في قصته”.لم يكن في نية السباعى أن يعلق – كما قال- على رسالة جودت لولا أنه سمع “أن بعض الجهات ترى وقف نشر القصة. فأحسست أن المسألة أكثر من مجرد رسالة قارئ وأن تفكيرنا يجب أن يكون أوسع وصدرنا يجب أن يكون أكثر رحابة. فالقصة لم تكتمل بعد، ولم نعرف ما يهدف إليه الكاتب من أحداث القصة وشخصياتها. ونحن بإبداء الآراء الحانقة إنما نتعجل الحكم على شيء لم تكتمل بعد أركانه”. لم يوضح السباعى في مقاله طبيعة الجهات التي تضغط لوقف الرواية، لكنه يذكر مبرراتها ويفنده:

 ” سأفترض ما يفترضه القراء الحانقون على نجيب وهو أنه قد صور البشرية بالحارة وأنه يروى تاريخ البشرية في تاريخ الحارة. وأنه يرمز بشخصيات القصة إلى بعض الشخصيات البارزة في تاريخ البشرية ومن بينهم الرسل. ولقد أثارت محاولاتهم إجراء عملية تطابق بين الشخصيات التي يرمز بها نجيب إلى الرسل، وبين الرسل أنفسهم، وهي عملية في ذاتها لا تخلو من التجنى لأن الرمز لا يمكن أبدا أن يطابق في كل حذافيره الأصل وإلا لما كان هناك داع للرمز(…) هل يمكن أن يبلغ بنا ضيق الأفق أن نطلب من نجيب محفوظ أن يجعل رموزه من أبناء الحارة يطابقون الرسل في كل ملامحهم وأفعالهم. أم يجب أن يكون لهم ما لبقية أهل الحارة من سمات كما تركنا للأسد والنسر سماتهما الحيوانية. وإذا طلبنا من نجيب ذلك. فلماذا لا يوفر على نفسه كتابة القصة ويوفر الرموز ويروى لنا سيرة الرسل كما أنزلت في الكتب السماوية وكما رواها التاريخ”.

وبعد صمت لأيام استعاد صالح جودت زمام المبادرة بنشره؛ على مدى أكثر من ستة أسابيع؛ رسائل للقراء فى “المصور” تتضمن تعليقات مادحة أحيانا، وعنيفة ضد محفوظ وروايته أحيانا أخرى. ثم كتب ردا على مقال السباعي مدفوعا- حسبما ذكر- بأن صديق له سأله: هل هناك ناقد اسمه محمد أمين، أم أنك أردت أن تنتقد محفوظ من وراء ستارة اسمها محمد أمين؟

وأجاب:  ترددت فى الإجابة على هذا الصديق لأننى لم أحس فى يوم من الأيام أن الشجاعة تنقصنى لأنتقد أحدا مهما تكن صلتى به، ومهما تكن مكانته عند الناس، متى رأيت أنه يستحق النقد. رحت أقلب فى الأوراق المتراكمة فوق مكتبى حتى ظفرت برسالة محمد أمين، فبحثت عن عنوانه، فلم أجد شيئا غير كلمتى ” شبين الكوم”..وأقول لكم الحق، لم تكفنى هاتان الكلمتان، وداخلنى شىء من الشك فى حقيقة وجود محمد أمين ولم استبعد أم يكون واحدا من خصوم نجيب محفوظ قد كتب هذه الرسالة واخترع هذا الاسم وأضاف هاتين الكلمتين”! لم يدم شك جودت طويلا، إذ فؤجى- كما يكتب-  برسالة أخرى من محمد أمين تثبت وجوده وتثبت عنوانه الكامل(3 ش عبد العزيز حبيب- شبين الكوم)..ومع الرسالة “صورة طبق الأصل وجهها أمين الى يوسف الشباعى يرد فيه على ما كتبه بالجمهورية”. كتب أمين للسباعى فى نهاية رسالته (نقلا عن جودت):” هذه وجهة نظر فلاح، فهل لى أن أسمع ردك عليها بشرط أن تنس لبضع لحظات أن نجيب محفوظ صديقك، وأنك تتعامل مع نكرة من الأرياف، وصفته فى ساعة غضب بالخمول”.. بناء على محتوى الرسالة يقترح جودت أن يتبنى السباعى بوصفه أمينا للمجلس الأعلى للفنون والآداب مباردة للكشف عن المواهب الضائعة فى أعماق الريف”. مبادرة جودت لقيت ترحيبا من ” أدباء الأقاليم”..وهو ما تبدّى فى رسائل القراء التى نشرها للإشادة بها..ليختتم الحملة بالإشارة إلى أن يوسف السباعى اعتذر لأمين عن لفظ ” الخاملين” الذى وصفه به فى مقاله، معتبرا أن الكلمة “غلطة مطبعية وكثيرا ما تظلمنا المطابع”!

صالح جودت (1912-1976)

-7-

لا يخلو تاريخ صالح جودت من حوادث مشابهة، بعضها أرتبط أيضا بنجيب محفوظ الذى سيحكى بعد سنوات لرجاء النقاش بألم شديد عن جودت الذى ظن أنه صديقه، بعد أن قاد ضده حملة عنيفة فى أعقاب توقيع محفوظ على بيان توفيق الحكيم الشهير فى 1972الذى اقنع فيه مجموعة من الكتاب الشباب وقتها شيوخ الكتابة بضرورة الاعتراض على حالة اللاحرب واللاسلم. يومها منع السادات كل الموقعين من الكتابة. وصل العقاب محفوظ، ليس فقط بمنعه من الكتابة فى “الأهرام” أومن الظهور فى التليفزيون، بل منعت افلامه من السينما وتحركت حملة مسعورة ضده قادها صالح جودت الذى كان نجيب يتصور انه صديقه. يقول محفوظ لرجاء النقاش:  “توطدت علاقتى به أثناء رحلتنا إلى اليمن حيث عشنا معنا فى حجرة واحدة فى الباخرة التى أقلتنا لمدة 15 يوما، اسبوعا فى الذهاب وآخر فى العودة، وفى فترة عزلته أيام عبد الناصر كان أصدقاؤه يفرون منه، ويتجنبون ذكره فى أحاديثهم الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، ولم أكن أرى مبررا لهذا التجاهل، واصر من جهتى على ذكر اسمه إذا استدعى الأمر ولا أخشى فى ذلك غضب السلطة، وإذا حدث وذكرته فى أحاديثى العلنية إلى وسائل الإعلام، يتصل بى تليفونيا على الفور وهو فى غاية التأثر شاكرا لى هذا الصنيع”! ما لم يذكره محفوظ أنه شارك صالح جودت وعبد الحميد جودة السحار فى كتابة قصة قصيرة مشتركة بعنوان ” على البلاج” نشرتها مجلة القصة فى أغسطس 1950. بعد سنوات قليلة، سيتكرر اسم صالح جودت (1912-1976) فى قضية مصادرة أيضا، بعد أن نشر نزار قبانى قصيدته الشهيرة “هوامش على دفتر النكسة” فى أعقاب هزيمة يونيو 1967  فى مجلة الآداب البيروتية، ورغم أن عدد المجلة صودر فى مصر، إلا أن صالح جودت دعا فى مجلة “المصور” إلى ” منع أغاني نزار قباني”. مؤكدا فى مقالته: “لقد انتهى نزار كشاعر وانتهى كعربي وانتهى كإنسان”، وفي الأسبوع التالى طالب جودت بوضع قباني على القائمة السوداء لأنه “يحطم معنويات قومه بمثل هذه القصيدة”. فى ” المصور” أيضا دافع رجاء النقاش على دعاوى جودت معتبرا أن من “حق نزارأن يكتب ما يحس به”. وفى النهاية انتصرت وجهة نظر جودت ليمنع نزار نهائياً من دخول مصر، وتوقفت الإذاعة عن بث أشعاره وأغانيه، فما كان من الشاعر إلا أن بعث برسالة لعبد الناصر نصها: “سيادة الرئيس.. إذا كانت صرختى حادة وجارحة، وأنا اعترف سلفا بأنها كذلك، فلأن الصرخة تكون بحجم الطعنة، ولأن النزيف يكون بمساحة الجرح. من منا يا سيادة الرئيس لم يصرخ بعد 5 حزيران؟ من منا لم يخدش السماء بأظافره؟ وماذا تكون قيمة الأديب يوم يجبن عن مواجهة الحياة بوجهها الأبيض والأسود معا؟ ومن يكون الشاعر يوم يتحول إلى مهرج يمسح أذيال المجتمع وينافق له؟ لذلك أوجعنى يا سيادة الرئيس أن تمنع قصيدتى من دخول مصر، وأن يفرض حصار رسمى على اسمى وشعرى فى إذاعة الجمهورية العربية المتحدة وصحافتها… القضية ليست قضية مصادرة شاعر، القضية هى أن يسقط أى شاعر تحت حوافر الفكر الغوغائى لأنه تفوه بالحقيقة. لا أطالب يا سيادة الرئيس إلا بحرية الحوار، فأنا أُشتم فى مصر ولا أحد يعرف لماذا أشتم وأنا أطعن بوطنيتى وكرامتى لأننى كتبت قصيدة، ولا أحد قرأ حرفا من هذه القصيدة. يا سيدى الرئيس لا أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزفه… لا أصدق أن يحدث هذا فى عصرك”. وبعد هذه الرسالة أصدر عبد الناصر قراره  بفض هذا الحصار الذى كان مفروضا على نزار قبانى وقصائده، وغنت له أم كلثوم قصيدة “أصبح عندى الآن بندقية” عام 1969 والتى كتبها نزار فى عام 1968 لصالح القضية الفلسطينية.!

كما شن جودت فى منتصف الستينيات (كما يحكى غالى شكرى فى كتابه ” من الأرشيف السري للثقافة المصرية”) هجوما شديدا على مجلة ” الشعر” وشعراء القصيدة الجديدة:”حربًا لا هوادة فيها، وأطلق عليهم لقب «القرامزة» وهى جمع قرمزى، وكل قرمزى عنده هو أحمر وكل أحمر فى معجمه هو شيوعى”. وقد أمر عبد القادر حاتم وقتها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بأن يتصدّى لهؤلاء الشعراء، وعلى الفور اجتمعت لجنة الشعر بالمجلس وأصدرت بيانًا لا تغيب عنه روح صالح جودت. رأى البيان أن الذين يسمون أنفسهم بالشعراء «الجدد» ليسوا إلا حرابًا مسمومة موجهة إلى صدر الإسلام، فهم يسمحون لأنفسهم باستخدام إشارات ورموز مستوحاة من ديانات غير موحدة بالله. وأن هذه الموجة من الشعراء  ليست معادية للإسلام فحسب، بل هى ضد العروبة أيضًا، لأنها تهدم قواعد اللغة والعروض التى ورثناها عن الآباء والأجداد وأجداد الأجداد، وهم يجمحون فى العودة بالمخيلة إلى أمجاد إقليمية، فهم شعوبيون جدد، لا يأنفون من استخدام العامية أحيانًا وكسر عنق البلاغة العربية فى أغلب الأحيان”.

-8-

يتفرع شارع عبد العزيز حبيب ( حيث يقيم صاحب الرسالة التى نشرها جودت منتقد فيها نجيب محفوظ)، من شارع جمال عبد الناصر. الشارع قصير، معظم بيوته التى ترجع لسنوات للعهد الملكى مهجورة، البيوت القديمة تتميز بطرز معمارية وجمالية، اشبة بفيلات قديمة هجرها أصحابها، وتركوها تعانى الإهمال. بعض البيوت القديمة تم هدمها لتحل محلها عمارات سكنية. عندما سألنا عن كتاب مارسوا الإبداع أشار لنا  البناية رقم (3) التى أرسل منها محمد أمين الرسالة التى يدين فيها نجيب محفوظ، خالية من السكان، فقط يسكن أمامها بائعة شاى، وزوجها الذى تجاوز الستين، وهو على معرفة كما أخبرنا بكل سكان الشارع القدامى والجدد. عندما سألت السيدة: هل يوجد فى البناية من يكتب الشعر أو القصة؟ أحالتنا إلى زوجها الذى أجاب: الاستاذ عبد العزيز زين الدين شاعر رحل عام 2002 وهو معروف يزوره الصحفيون دائما، كما أنه يذهب الى قصر الثقافة، ويقيم له الامسيات الشعرية”.

ولكن ماذا عن محمد أمين؟

أجاب: تقصد محمد (الأمين) و ليس ( أمين)؟

أشار إلى البيت المجاور ويحمل رقم (6)، كان يسكن فى هذا البيت ولكن ليس له علاقة بالكتابة أو الأدب، هو مصارع، وعمل مدربا للمصارعة، ورحل منذ سنوات أيضا، ولكن لم نعرف عنه إطلاقا أنه مارس الكتابة أو أبدى اهتماما بالأدب. سألناه عن أى من أفراد اسرته..قال:” هاجروا الى إيطاليا!

-9-

لم تنخرط “الجمهورية”، إذن فى الهجوم على محفوظ، على الأقل بشكل مباشر، بل تتابعت الأخبار عنه سواء عن قصته السينمائية الجديدة” بين السما والأرض” أو “عودة شلة الحرافيش إلى الكتابة” بعد توقف.لكن الجمهورية أرادت منافسة “الأهرام” بنشر رواية أيضا لكاتب يمكنه منافسة محفوظ، فاختارت “البيضاء” ليوسف إدريس، وهي الرواية التي ينتقد فيها بعنف التنظيمات الشيوعية المصرية. بدأ النشر بعد 12 يوما من نشر محفوظ ” أولاد حارتنا”. وقد نقلت مارينا ستاج عن يوسف إدريس قوله إنه نشر “البيضاء” في”الجمهورية” بتشجيع من صلاح سالم، أحد ضباط ثورة يوليو. وكان مشرفا على “الجمهورية” في ذلك الوقت، رغبة منه في منافسة “الأهرام”، ولكن لم تحقق رواية إدريس أى متابعة نقدية جادة فى ذلك الوقت، ولاحظ سليمان فياض فى مقال له نشر فى مجلة “الشهر” ( فبراير، 1960) التي كان يرأس تحريرها سعد الدين وهبة، المفارقة بين الضجة التي أحدثها نشر رواية “أولاد حارتنا” والتجاهل التام لنشر رواية ” البيضاء” ليوسف إدريس في جريدة ” الجمهورية”، رغم تزامن نشرهما. وعلل ذلك بأن: “نجيب محفوظ لم ينشر روايته في الأهرام إلا بعد أن كتب آخر سطر فيها وآخر كلمة، أما يوسف إدريس فقد أقدم على نشر روايته، كما يقولون، قبل أن يكتب فيها سوى صفحات معدودة، وبينما كانت عملية النشر اليومية مستمرة، كان يوسف يكتب صفحات من روايته يقذف بها إلى عجلات المطبعة يوما بيوم، وربما لهذا السبب لم تترك “البيضاء” أثرا ولك تثر ضجة، كتلك التي أحدثتها متابعة القراء وبعض النقاد لرواية ” أولاد حارتنا”. قبل ذلك، كان يوسف إدريس قد سأل محمد حسنين هيكل فى حوار أجراه معه فى “الجمهورية” (30 يناير1960) عن رأيه فى تجربة نشر قصص مسلسلة فى الجرائد اليومية؟ فأجابه هيكل: تجربة ناجحة تماما، بدليل أننا نشرنا “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ”. فأردف أدريس سائلا: وما رأيك فى “أولاد حارتنا”؟، فعاجله هيكل: “ألم أقل لك أنى تحمست لها ونشرتها”!. كما نشرت جريدة “المساء”، وهى تابعة بدورها لمؤسسة “دار التحرير” التى تصدر عنها “الجمهورية”، خبرا قصيرا في (21 ديسمبر 1959) كتبه محرر الأدب، ذكر فيه أن محفوظ “سينتهي بعد أيام من نشر روايته المسلسلة التي ينشرها بالأهرام ويتوقع الوسط الأدبي أن تثير الرواية بعد انتهائها مناقشات حامية للأسلوب الذي صاغ به محفوظ الرواية والشكل الفني لها” تاريخ نشر الخبر كان تاليا على الضجة. إشارة محفوظ التي ذكرها لعادل حمودة وفي حضور هيكل إلى أن الهجوم بدأه أحمد عباس صالح ليست صحيحة تماما، إذ لم يكتب فى أثناء الأزمة أى هجوم على الرواية، ولكنه لم يبد حماسا للرواية وقت نشرها، وربما يكون موقفه من الرواية كان شفويا أبلغه لمحفوظ فى ندوته الأسبوعية، وقد أوضح عباس صالح موقفه الكامل من الرواية فى مقال نشره فى صحيفة “الشرق الأوسط”( 14 ديسمبر 2002):

“عندما كتب نجيب محفوظ ” أولاد حارتنا” لم أتحمس لها، إذ كانت في رأيي استعارة فنية من الرؤية الماركسية للتاريخ، الذي مر بخمس مراحل تنتهي بالمرحلة التي يسودها العلم وتقنياته، وهي رواية تحاول التوفيق بين الرؤية الدينية والرؤية العلمية، وغالبا كانت قضية العلم والدين من قضايا عشرينيات القرن الماضي ولعل المثقفين المصريين كانوا قد قرأوا «نيتشه» إلى جانب «دارون» وربما أقلقهم قول نيتشه بأن الدين قد مات، وأن السوبرمان الذي ارتكز في معرفته بالعالم على العلم وأساليبه البحثية، هو الذي سيقود العالم ويطوره دون حاجة إلى الدين وثقافاته. وفي الثقافة الإسلامية بالذات جهاد تاريخي للتوفيق بين العلم والدين، والتي تداولت بين فلاسفتهم ومفكريهم وفقهائهم أيضا تحت اسم العقل والنقل أو العقل والشريعة، وهو جهاد استمر طويلاً وما زال قائماً، ومنذ المعتزلة وابن رشد حتى محمد عبده يناقش المفكرون المسلمون هذه القضية بين متمسك بحرفية النص ومحتكم إلى العقل، وسمّي الكثيرون منهم بالتوفيقيين، ويتراوح الرأي في هاتين القضيتين بين الحرفية الصارمة تجاه النص وبين المرونة التأويلية “.

ويضيف: ” بالنسبة لي كنت نافراً من تلك الصياغات التي تهتم بالرمز دون ضرورة، وكنت أعتقد أن الفن يلجأ إلى الرمز حين يكون المجال المعبّر عنه مغلقاً على العقل والخبرات الحياتية، وأن الأسلوب الوحيد الممكن في هذا العالم الغامض هو الرمز (…) وبالتالي أولاد حارتنا لا تضيف جديدا إلا تلك المصالحة الأخيرة بين الدين والعلم، وهي فكرة كامنة في الفلسفة الهيجيلية، وما أظن أن محفوظ كان مطلعا عليها جيدا”.

-10-

لم تنس مجلة “الإذاعة” شعورها بالغبن واختيار محفوظ للأهرام لنشر روايته، رغم إعلان المجلة اتفاقها معها على على نشر “أولاد حارتنا” على صفحاتها، وشاركت في الهجوم عليه، فكتب حلمي سلام رئيس التحرير مقالا بعنوان ” مواطن الشبهات” في ديسمبر 1959. شن فيه هجوما شديدا على محفوظ الذي أعلن أنه لن يكتب للسينما أي سيناريو طالما ظل في منصبه مديرا للرقابة. ابتعادا بنفسه عن مواطن الشبهات. وسأل سلام: “ما رأيك في الاعلانات السينمائية الكثيرة التي نقرأها في هذه الأيام وكلها تحمل اسم نجيب محفوظ ككاتب للقصة أو للسيناريو أو للحوار؟ “. محفوظ أرسل ردا مطولا على ما جاء في مجلة “الإذاعة” دفاعا عن نفسه. قال:

” عندما تفضل السيد ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد، بعرض هذا المنصب الدقيق علىّ قدمت له قائمة ضمنتها بيان الأعمال السينمائية التي كنت فرغت منها، أو اتممت التعاقد عليها، قبل أن يتفضل الوزير بعرض منصب مدير مراقبة الأفلام علىّ وأوضحت للسيد الوزير أنني لن أستطيع بعد قيامي بمسئوليات هذا المنصب متابعة العمل في السينما لأن ذلك سيضعني في موقف صعب، يستحيل على معه التوفيق بين العملين. ويعرضني لما لا أحب لنفسي أن أتعرض له”.

 وأضاف محفوظ في رده:

“وكان السيد الوزير كريما عندما أدخل في حسابه الخسائر المادية التي سوف تصيبني نتيجة لهذا القرار الذي اتخذته. والذي قصدت به أن أحمي اسمي، ومنصبي، من أيه شبهات قد تثار حولهما كان الوزير كريما في تقديره لهذا الموقف، عندما وعدني بأنه سيعوضني عن هذه الخسائر بتكليفي بالقيام بالأعمال السينمائية التي ينتظر أن تقوم بها أو تساهم فيها وزارة الثقافة والإرشاد.حمدت للسيد الوزير موقفه الكريم هذا والتزمت قراري. فلم أتعاقد. ولم أكتب للسينما حرفا واحدا جديدا على القائمة التي بين يدي وزير الثقافة. والتي تنطوي على بيان الأعمال السينمائية التي كنت فرغت منها قبل أن أتولي ذلك المنصب الدقيق الذي أشغله. وهذه الأعمال السينمائية التي يعلن عنها في هذه الأيام مقرونة باسمي. وكذلك التي سوف يعلن عنها خلال الأشهر القادمة من العام الجديد ليست سوي محتويات القائمة التي أشرت إليها. والتي لم أتعاقد على شيء سواها”.  لم يكن بيان محفوظ بردا وسلاما على المجلة، ولم يتوقف هجومها عليه، وإنما استمر الغمز واللمز بين الحين والآخر ضد أفلامه ومنصبه. وكتاباته!

كيف يقرأ المشايخ الأدب؟

-11-

جانب آخر من الحكاية يرويه الروائى سليمان فياض الذي كان واحدا من أوائل من كتبوا عن “أولاد حارتنا”، فكتب فى مجلة الشهر (فبراير 1960) معتبرا أن الضجة حول الرواية:” لم تكن نقدية، وإنما كانت في البيوت والشوارع والأقاليم، ومنتديات النقاد والأدباء، ولكنها لم تخرج من نطاق الكلمة الشفوية إلى نطاق الكلمة المكتوبة بين الأدباء والنقاد في الصحف والمجلات”،  وهو ما يرجعه فياض إلى سببين: أن الرواية لم تصدر في كتاب بعد، فضلا عن انعدام الثقة في أن تكون قد نشرت بنصها الكامل في ” الأهرام” كما كتبها نجيب محفوظ، فضلا عن عدم متابعة الكثيرين من النقاد والأدباء لها في الأهرام. وبالتالى فكل محاولة للتعليق الآن على “أولاد حارتنا” هي محاولة تأتى قبل آوانها، خاصة في هذا الجو من انعدام الثقة بين النقاد والأهرام ونجيب محفوظ نفسه. ويختتم فياض بالتأكيد علي أن محفوظ ” الذي كان حتى “السكرية” جبلا بلا قمة، على حد تعبير صديقه الأديب عادل كامل، قد وجد أخيرا قمته عندما كتب ” أولاد حارتنا” تلك القمة الشاهقة الباردة الرائعة، فقد اهتدى أخيرا إلى الأسلوب الروائى المعاصر الذي هو حصيلة كتاب عصرنا العظام، وهجر أسلوب الرواية الكلاسيكية في القرنيين الماضيين وتمثل أسلوبه الجديد هذا في اعتماده بالدرجة الأولى على الحوار والحركة، والوصف المركز، وتكثيفه للغة المنولوج الرومانتيكية التي كانت تميزه في مرحلته الروائية الثانية، وإدراكه لقيمة الرمز، في العمل القصصى، الرمز في الشخصية والموقف والحدث، ذلك أن الرمز هو رداء الفنان وسلاحه في أرض الكلمة”. ما كتبه “فياض” لم يكن إلا جانبا من جوانب قصته مع “أولاد حارتنا”، فعندما التقيت به في منزله (قبل رحيله-2015) حكى لى عن علاقته بالشيخ محمد الغزالي، الذي يمت له بصله قرابة، وهما من البلدة نفسها. وعندما كان فياض طالبا بالأزهر وعده الغزالي بالتعيين فور تخرجه إماما لمسجد السيدة زينب، ولكن فياض رفض رغم محاولات الشيخ اقناعه بالدخل الذي سيدخل جيبه من صندوق النذور(23 ألف جنيه وقتها)، فالمكان لا يمكن رفضه بل هو حلم كل الشيوخ القدامي قبل المتخرجين حديثا أو كما قال الغزالي: ” جامع تتقطع دونه الرقاب”! أصر سليمان على الرفض: “عباية الوعظ واسعة علىّ، كنت أريد الحرية. لا شيء آخر، كنت أريد أن أصبح كاتب قصة “. عمل فياض فور تخرجه صحفيا، مع سعد الدين وهبة، في مجلة الشهر، يحرر بابا ثابتا بعنوان “شهريات”، وكان مجرد كاتب بالقطعة، كما عمل في جريدة الجمهورية، ولكنه فصل منها في آواخر 1959، وكان مفلسا فضاقت به الدنيا، ثم تذكر عرض الشيخ الغزالي فذهب لزيارته. وانتهت الزيارة بأن اقتراح “الشيخ” أن يسعى لتعيين “فياض” سكرتيرا في مكتب وزير الأوقاف.

في تلك الفترة حضر فياض اجتماعا لما سمي بلجنة “الدفاع عن الإسلام”، وهي لجنة ابتكرها الشيخان سيد سابق ومحمد الغزالي بهدف “رصد افتراءات المستشرقين على الإسلام والرد عليها”. والشيخان كلاهما كان عضوا سابقا في جماعة الإخوان المسلمين، لكن “الشيخ سيد” يمتاز بأنه كان مسئولا عن تلقين شباب الإخوان الدروس الفقهية، من أجل تأهيله للدخول إلى التنظيم الخاص “الجناح العسكري” للجماعة، وقد تصدرت صورته غلاف أحد أعداد مجلة “الإخوان المسلمين” وهو يتدرب على حمل السلاح، كما إنه أفتى بمشروعية قتل فهمي النقراشي باشا، رئيس الوزراء، عام 1948، ولذا سمى “مفتى الدم”، وتم اعتقاله مع عدد من أعضاء الجماعة في سجن الطور، لكنه ظل يؤدي دوره في الحفاظ على لحمة التنظيم من خلال تعليم وتلقين أعضاء الجماعة المستمر لمبادئ التنظيم وأفكاره حتى جاءت ذروة الصدام مع الضباط فى 1954 وتباعد الشيخان عن جسد التنظيم الساقط على أعواد المشانق وخلف أسوار السجون. والآن- آواخر 1959- أضحى الشيخان مفيدين للسلطة التى تخوض معركة كبرى مع “الشيوعية” فى مصر وفى عدد من البلاد العربية- العراق بالأخص- ولذلك بدأت أدوارهما تكبر، فبالإضافة إلى أنهما كانا مسئولين كبيرين نافذين فى وزراة الأوقاف، فإنهما سعيا لحشد جهود الشيوخ فى لجنة “الدفاع عن الإسلام” التى ترأسها “الشيخ سيد” وضمت فى عضويتها اثنا عشر من كبار رجال الدين، وفى أحد الاجتماعات كان محور”الدفاع عن الإسلام” مناقشة كيفية “التصدى لرواية أولاد حارتنا”، وكان فياض- للمصادفة- حاضرا، وها هو يتذكر: ” كنت كاتب الجلسة، عندما بدأ الكلام عن ” أولاد حارتنا” هاجم الشيخ الغزالى الرواية هجوما شديدا وقال إنها “إلحاد، عبث بتاريخ الديانات”، فارتعش القلم في يدي، فنظر إلىّ الغزالي، وكان يعرف أننى أكتب القصة، وأمرنى ألا أكتب شيئا من مناقشات اللجنة، بل هو من سيقوم بالكتابة. حصل فياض على نسختين من التقرير النهائى الذى تضمن نقدا حادا لمحفوظ وإدانة له، وفى يوم ندوة محفوظ الأسبوعية أعطاه نسخة من التقرير..يقول فياض:” عندما قرأ محفوظ الورقة تغير لونه. أصبح أصفر مثل الليمونة”. أسأله عن النسخة الثانية..يجيب: ” حصل عليها غالى شكرى..”. أسأل فياض هل تتوقع أن يكون عمل اللجنة بأوامر حكومية؟ يجيب فياض: لا أظن، هؤلاء عملوا من وراء عبدالناصر لنشر الأخونة بين الأئمة وفي المساجد، هؤلاء هم الخلايا النائمة داخل الإخوان، ولم يتم القبض عليهم”. ويضيف: ” نجيب محفوظ لم يكن ينتقد الدين أو السلطة فقط في “أولاد حارتنا”. وإنما المنظومة الثقافية العربية، كلها، وهو أمر لم يكن مقبولا من الجميع”. أسأله: معظم شخصيات لجنة ” الدفاع عن الإسلام” تضم أعضاء سابقين في جماعة الإخوان. كيف وصلوا إذن إلى مناصبهم المؤثرة داخل جهاز الدولة الإدارى؟

يجيب: الغزالى وسابق من تيار الإخوان داخل الأزهر، وهو تيار كان يكره سيد قطب ووافق  على العمل مع الدولة بعد أن خدع جهاز الأمن، هم لم يتخلوا عن أفكار تنظيم الإخوان على الإطلاق، الوحيد الذي ترك الإخوان ورفض أفكارهم هو الباقورى. يصمت فياض قبل أن يضيف:” كانوا خلايا نائمة للإخوان داخل الدولة،  والأمن لم يكن واعيا بهم، عملوا من وراء عبد الناصر، ونشروا أفكار تنظيم الإخوان بين أئمة المساجد، ولم يعتقلوا”.  يتذكر فياض اللقاء الوحيد الذي جمعه بسيد قطب، الذي كان يسكن وقتها في حلوان، في بيت مساحته نصف فدان، أكثر من نصفه حديقة بلا أزهار، وكان البيت ملكا لمأذون حلوان، اشتراه قطب بـ 2000 جنيه. في اللقاء بينهما، دارت مناقشات كثيرة ومتعددة، لا ينسي فياض ما قاله قطب له يومها: ” يا سليمان يا حبيبي، بين الناس وحوش وذئاب. ولا يجرئ الناس على الذئاب إلا الدين” هكذا كان الدين وتصوراته في نظر قطب. محاولة للوصول وممارسة السلطة من خلاله.

-12-

التزم محفوظ الصمت تماما طوال أيام نشر الرواية التي انتهي نشرها يوم الجمعة 25 ديسمبر 1959، في اليوم ذاته ذهب محفوظ إلى ندوته الأسبوعية في “كازينو الأوبرا”. اعتاد أن ينصرف كل أسبوع في الواحدة والنصف، ولكنه في ذلك اليوم حرص على البقاء حتى الثالثة والنصف لسخونة النقاش حول الرواية الجديدة. تزعم رفض الرواية في الندوة مدرس أدب في كلية الآداب وناقد صحفي في إحدى الجرائد اليومية، لم تشر جريدة “الجمهورية” التي غطت تفاصيل اللقاء إلى اسميهما. ولكن محفوظ أوضح -لأول مرة- وجهة نظره كاملة في الرواية. قال محفوظ: ” إنه يريد الكشف عن الهدف الأساسي للبشرية، وهو البحث عن سر الكون، وحتى تستطيع البشرية الكشف عن هذا السر، تحتاج إلى التفرغ له والاستعداد، وهي لن تتمكن من هذا إلا بعد القضاء على استغلال الأغنياء للفقراء، والصراع بين الناس من أجل لقمة العيش”. وأضاف محفوظ: ” القصة تصور هذا الصراع المرير الذي تزعمه الأنبياء والرسل دفاعا عن الفقراء وتهيئة العيش السعيد للناس أجمعين حتى يتفرغوا للبحث الأعظم، ولكن ما إن تنتهي الرسالة حتى يعود الأغنياء فيقبضون على زمام الأمور، وتعود المعركة من جديد للوصول إلى العدل والرفاهية للجميع، ثم تدخل “العلم” بعد انتهاء الرسالات ليقوم بنفس الغاية وهي إسعاد الناس، ولكن المستغلين سخروا العلم لمصلحتهم أيضا، وقتلوا رمزه في القصة، إلا أن شخصا آخر استطاع الهروب بسر الاختراعات العلمية الحديثة ليعاود الكفاح من أجل إنهاء الصراع بسبب لقمة العيش والتفرغ لمعرفة سر الحياة”. الناقد الذي لم تذكر الجريدة اسمه اعترض على ما قاله محفوظ معتبرا أن ” القصة لم تضف جديدا، هي فكرة قديمة، هي مجرد تسجيل لتاريخ البشرية بلا إضافة من الكاتب الذي لم يحاول أن يستخلص من هذا التاريخ مغزي عاما جديدا، أو موقفا فكريا خاصا، وأنه فضلا عن ذلك قد جعل العلم يتمسح في الغيبيات، في حين أنه نبذها من أول ظهوره حتى الآن”.

فى 2 يناير 1960، أى بعد أقل من أسبوع من الانتهاء من نشر الرواية أجرى أحمد حمروش حوار مطولا مع محفوظ نشرته “الجمهورية”..تحدث فيه محفوظ عن اندهاشه من الضجة ضد الرواية وأوضح قصده من كتابتها:”هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية..وأبعد ما يكون عن ذهنى أن أكتب سير الأنبياء فى حارة، ولكن أود أن أبلغ الرجل العادى أنه حتى لو كانت حياته فى حارة، فإن الظروف تقتضيه أن يقتدى تماما بما يفعله النبى..أى نبى. سأله حمروش: ولكنى سمعت يا نجيب- وأنا لم أقرأ الرواية بعد- أنك أظهرت الشخصية التى تمثل نبينا محمد وهى تدخن الحشيش؟

أجاب محفوظ: هذه الشخصية ليست محمد فى ذاته، وهى ليست النبى الذى ندين بديانته، ولكنها “إنسان” فى الحارة..وإلا فقل لى هل كان واجبا أن نحرق ” كليلة ودمنة” والحيوانات فيها ترمز إلى البشر..والكلب فيها يرمز إلى ” الوفاء” رغم أنه ” يهوهو” وأنه كلب”.

فى الحوار تحدث محفوظ عن انتهاء المرحلة الواقعية التقليدية فى إبداعه:”هذا ليس نتيجة التفكير الفنى، ولكنها نتيجة تغيير الشخص نفسه، كنت فى الماضى أهتم بالناس وبالأشياء..ولكن الأشياء فقدت أهميتها بالنسبة لى، وحلت محلها الأفكار والمعانى، وأظن هذا تطورا طبيعيا بالنسبة لسن الكاتب..أصبحت أهتم اليوم بما وراء الواقع”..هو الأمر الذى اعتبره حمروش فلسفة جديدة..اعترض محفوظ على استخدام كلمة فلسفة لوصف الأمر:” هى ليست فلسفة..أرجوك، فأنا لست فيلسوفا، ولكنى أحلم وهذه هى أحلامى. أتطلع إلى لون من ألوان الحياة تستطيع أن نطلق عليه” الصوفية الاشتراكية”. وأوضح محفوظ مقصده من المصطلح: ” هو التطلع إلى الله، والإنسان لا يستطيع أن يعرفه إلا إذا ارتفعت حياته إلى مستوى نظيف خال من المفاسد والشرور. وطالما هناك إنسان يستغل الآخرين فالفساد والشر باقيان، الذى يستغل شرير، والمستغل بائس..والعلاقات بينهما فيها حقد وكراهية، وما بين الشر والبؤس، أتطلع الى الله. ويضيف محفوظ: ”  أتطلع إلى حياة بإنسانية، علاقات الناس تقوم على الحب والتعاون حتى يستطيعوا أن يتجهوا الى الله، وهذه هى الاشتراكية التى اطلبها”. يسأله حمروش: وهل تتفق رواياتك الأخيرة مع أفكارك الجديدة..؟ يجيب محفوظ:” أظن ذلك”. وفى حوار آخر نشرته “الجمهورية” (9 إبريل 1960) تحت عنوان “رحلة فى رأس نجيب محفوظ” سأله إبراهيم الوردانى: فى ” أولاد حارتنا” لماذا حبست نفسك ومعك القراء فى زنزانة الأسلوب الرمزى؟!

أجاب محفوظ: اسمع، كل واحد وله فكرة بالنسبة لهذا الكون الذى نحيا فيه، وقد أحسست أننى أريد أن أقول فكرتى بتلك الطريقة التى عرضتها بها.. وحتى الآن لم أعرف لماذا كتبتها هكذا، وأصارحك بأننى أعود إلى نفسى أحيانا، فأقول إنها دعوة للاشتراكية وتقديم العلم بطريقة الدين..نعم، لماذا لا يكون العلم مقدسا مثل الدين؟ أو لماذا لا أصارحك.. ربما فى هذه الرواية تطور فكرى لى شخصيا لم يتضح لنفسي حتى الآن”.

لم تكن أفكار الرواية، وأسئلة محفوظ داخل النص هو فقط ما يشغل الوسط الثقافى وقتها، طرح البعض سؤالا هاما: هل نشرت الرواية كاملة فى الأهرام أم تعرضت للحذف؟ وهو الحذف الذى أشار له سليمان فياض من قبل فى مقالته بمجلة ” الشهر”؟

ملك إسماعيل حاورت نجيب محفوظ فى “المساء”( 26أكتوبر 1960) سألته: روايتك الأخيرة “أولاد حارتنا” التى كانت تنشر فى “الأهرام” لماذا لم تستمر فى نشرها حتى نهايتها؟ صمت محفوظ قليلا، وابتسم قبل أن يجيب:: إزاى الكلام ده؟ أنا نشرتها لآخرها بس القراء لم يفهموها..ولما تطلع لهم فى كتاب ويقرأوها على بعضها ستزيد قوتها ويتأكدون أننى اكملتها للآخر فى الأهرام”!

استمر محفوظ يدافع عن روايته، واستمر اهتمام الوسط الثقافى والصحفى بها، مرة أخرى تعود مجلة ” الإذاعة”( فى 12 نوفمبر 1960) لتسأل محفوظ  فى تحقيق بعنوان ” الجديد الذي أحلم بتحقيقه”، شارك فى التحقيق عدد كبير من الأدباء والفنانين، من بينهم عبدالوهاب، وأمينة رزق، وصلاح جاهين. قال نجيب محفوظ: “حلمي أن أترك الأدب وأعيش مرتاح البال في مزرعة أعمل بها بعيدا عن ضجيج المدينة وأهل المدينة”. ولكن محرر المجلة لم يترك محفوظ، وذهب به بعيدا عن طبيعة التحقيق.. فسألته المجلة: ” أنت مثلا كنت تسير في كل رواياتك وقصصك ككاتب واقعي طبيعي. يصف ويحلل. ثم ظهرت لك فجأة آخر رواية كتبتها ” أولاد حارتنا” وكان لونك فيها يختلف تماما عن واقعيتك التي عرفناها عنك في كل قصصك، كانت “أولاد حارتنا” رواية رمزية، تناولت فيها شخصيات صغيرة ورمزت بها إلى شخصيات خطيرة أنت تقصدها؟ فرد محفوظ: “أبدا، أنا لم أرمز إلى شخصيات كبيرة أنا قصدت الرمز من خلال هذه الشخصيات الصغيرة إلى أفكار كبيرة، فبعض الشخصيات رمزت بها إلى التفكير الديني، وبعضها إلى التفكير العلمي، لأصور أفكار العصر الذي نعيشه، ونعيش قلقه، وأنا أعرف فترة القلق النفسي والخوف التي يعانيها الفنان قبل أن يقدم على تحقيق فكرة جديدة أو حلم جديد.أما ما هو الجديد الذي أريد أن أكتبه بعد ” أولاد حارتنا” فأرجوك يا عم. انت عاوز توديني في داهية”.

-13-

سألت الأستاذ هيكل: هل توقعت أن يتم استغلال الرواية سياسيا أيضا وليس فقط دينيا؟ أجاب: كان واضحا هجوم محفوظ على السلطة، ولكن كان لدى مبدأ واضح في الأهرام أن أى نظام لا بدَّ أن يكون له نقاد، وإذا لم يتحمل النقد يفقد مبرر وجوده كنظام، وتحول إلى “زنزانة”. ثانيا هناك كتاب لا يمكن أن تضع عليهم رقابة أو وصاية حتى من رئيس التحرير نفسه، ومنهم نجيب محفوظ وهو صاحب تجربة عريضة وهو وحده من يتحمل مسئولية ما يكتب أمام الرأى العام”!

سألته: هل كان الهجوم على أولاد حارتنا. مقصودا به نجيب محفوظ أم محمد حسنين هيكل؟ ابتسم: المقصود به الأهرام، ليس شخصى ولا محفوظ، هناك داخل السلطة من أزعجهم نجاح الأهرام، لم نكن في طوع الاتحاد الاشتراكى، ولا الحكومة، ولم نكن نطلب مساعدات منهم، بل كنا نحقق أرباحا، ولذلك عندما اشتكى علي صبرى الأهرام للرئيس، أجابه عبد الناصر قائلا: والله، هيكل لم يطلب منى شيئا على الإطلاق، ولا يوجد مليم واحد دخل الأهرام من الدولة، حتى في الفترة الأولى، على عكس ” الجمهورية” التي كانت تطلب دائما مساعدة الدولة.

قلت لهيكل: إذن لم تكن السلطة الناصرية مجرد جناح واحد منسجم، بل جناحين، أحدهم يمينى والآخر يميل إلى اليسار؟أجاب: “بل عدة أجنحة، لم يكن فقط الاتحاد الاشتراكى ضد الأهرام، بل الحكومة أيضا وأذكر أن سعد زايد محافظ القاهرة وقتها أهان أحد محررى الأهرام في اجتماع عام، فأصدرت قرارا بألا تنشر أي أخبار عنه في الأهرام حتى يعتذر، وقد شكانى لعبدالناصر ولكنى صممت على موقفى، حتى اعتذر في النهاية. ومن المفارقات أن الأهرام الذي كنت أراس تحريره وإدارته، وأنا أقرب الناس لجمال عبد الناصر كان هو الذي تعرض بانتظام لهجوم لم تتعرض له صحيفة أخرى. فقد كان هناك من ضايقه دور الأهرام في ذلك الوقت، ولذلك تقرر اعتقال عدد من محرريه، كل هذا وأنا فيه، وكل هذا وأنا القريب لجمال عبد الناصر”.

-14-

فى المصعد، التقى نجيب محفوظ حسن صبري الخولى ” كان يعمل معى فى المبنى ذاته الذى أعمل فيه” كما قال محفوظ الذى كان وقتها رئيسا لجهاز الرقابة على السينما، بينما الخولى رئيسا للاستعلامات، ومسئولا بالتبعية عن الرقابة على المطبوعات والصحف، ولم يكن وقتها قد أصبح مبعوثا شخصيا للرئيس عبد الناصر. رغم أن محفوظ أشار فى إحدى حواراته أنه كان يطلق عليه ” مندوب الريس” دار بينهما حوار حول ” أولاد حارتنا” فاقترح الخولى أن يرتب لقاءا بين محفوظ وعدد من شيوخ الأزهر المعترضين على نشر الرواية، وكان من بينهم ثلاثة كتبوا تقارير أوصت بوقف نشر ومصادرة الرواية وهم: الشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ أحمد الشرباصي. ذهب محفوظ إلى مكتب الخولي في الموعد المحدد وتخلف الشيوخ الذين – ربما- خشوا من المواجهة، ودار حوار بين الخولي ومحفوظ انتهي إلى اتفاق “جينتلمان” أنه بإمكان محفوظ نشر الرواية في أي بلد عربي باستثناء مصر إلا بموافقة الأزهر. “لا نريد أن ندخل فى مشكلات مع الأزهر” كما قال الخولى. محفوظ قال فى حوار مع مجلة باريس ريفيو(1992) أن ما فعله مدير جهاز الرقابة على المطبوعات حسن صبري الخولى مجرد “نصيحة” بألا يطبع الرواية فى مصر، مع تعهده بألا تهاجم الرواية فى الصحافة المصرية.  استجاب محفوظ للنصيحة وظل ملتزما بالاتفاق. معتبرا أن لديه في الرواية رسالة لم تصل: “شعرت أن رسالتي لم تصل فلم أسع للدفاع عنها ولم أسع إلى نشرها”…ولكن ما الرسالة التى أرادها محفوظ..ولكنها لم تصل؟ هل كانت رسالة سياسية؟

كيف تراقب رقيبًا؟

حورب محفوظ بسبب منصبه الجديد، ومن أبرز الطرائف التي يحكيها فى مذكراته: “لقد اختلفت مع مثل هذه العقليات كثيرًا، فعندما ظهرت أغنية “يا مصطفى يا مصطفى” للمطرب الشهير بوب عزام، وتقول كلماتها: “يا مصطفى يا مصطفى، أنا بحبك يا مصطفى، سبع سنين في العطارين”، فوجئت بمراقب الأغاني يصدر قرارًا بمنعها، رغم أن الأغنية تذاع في الراديو، ويغنّيها الناس في الشارع، ولمّا سألته عن سبب قرار المنع أعطاني أغرب إجابة يمكن أن أسمعها في حياتي، إذ قال لي إن مؤلف الأغنية يقصد بها “مصطفى النحاس” وأن “سبع سنين” الواردة في الأغنية تشير إلى مرور سبع سنوات على قيام ثورة يوليو 1952، إلى هذا الحَدّ من ضيق الأفق كانت العقليات التي تعمل معي في جهاز الرقابة”. فى حوار مع محفوظ حول “القبلة” قال محفوظ أنه كرقيب كان يوافق على القبلات بأنواعها كافة، ما عدا واحدة، تلك التي تستقر على العنق، خصوصًا لو طال زمنها على الشاشة أكثر من دقيقة. سألوه في حوار صحفي: هذا عن الشاشة ماذا عن الواقع، ماذا تفعل كنجيب محفوظ الإنسان لو رأيت شابًا وفتاة يختلسان قبلة في الشارع؟ أجابهم: “أبدًا أُبعد وجهي الناحية الأخرى، وأبتسم وأقول: أوعدنا يا رب”. لم يبق محفوظ فى منصبه طويلًا، مجرد عام واحد فقط، بعد نشر “أولاد حارتنا”. رفض محفوظ أن يخوض معركة دفاعًا عن روايته” القاهرة الجديدة”، التي رفض الرقيب عبد الرحيم سرور أن يتم تحويلها إلى فيلم. اعتبر محفوظ أن هذه المعركة تخص المخرج وكاتب السيناريو، وليس له الحق فى أن يخوضها. استمر رفض الرقابة تقديم “القاهرة الجديدة”، و أيضا رواية ” السراب” لسنوات..قبل أن ينتصر الفن في النهاية!

-15-

كان نجيب محفوظ قد توقف عن الكتابة طوال خمس سنوات، أسماها “سنوات اليأس” أو “سنوات الجفاف”(1952-1957)، كان قد أنهى روايته ” الثلاثية” ورفض ناشره عبدالحميد جودة السحار نشرها لحجمها الكبير، وإن كان البعض يرجح أن رفض السحار للرواية ليس بسبب حجمها ولكن لأسباب أخرى يمكن استنتاجها مما حكاه محفوظ لجمال الغيطانى فى “نجيب محفوظ يتذكر”: “أخطأت خطأً كبيرًا، لم أكرره فيما بعد أبدًا في حياتي، في هذه الفترة تحدثت كثيرًا عن هذا النوع من الروايات، وأفضت في شرح أفكاري، ونيتي في كتابتها يومًا ما. أحد الأدباء الذين استمعوا إليّ ذهب وشرع في كتابة رواية من هذا النوع، أي رواية أجيال، وأصدرها بعد ستة شهور”.. لم يذكر محفوظ اسم الكاتب الذى تحدث أمامه عن الفكرة، لكن يعرف المقربون من محفوظ أنه يقصد السحار نفسه وروايته “الشارع الجديد”. يقول محفوظ للغيطانى:”.. أذكر الفترة التي تلت رفض السحار لنشرها بأسى، كانت صدمة فظيعة، بل إهانة، خاصةً عندما قال لي لحظة رؤيته لها: إيه الداهية دي؟”. سليمان فياض حكى الواقعة بطريقة أخرى..:” قال محفوظ للسحار: أريد أن أكتب رواية عن مصر، استحسن السحار الفكرة وراهن محفوظ أنه سيكتب هو أيضا رواية “مصر”..فاتفقا ان يلتقيا بعد سنة..أيهما يستطيع أن ينتهى أولا”. السحار نتهى قبل الموعد المحدد..ونجيب قال لفياض فى وصف رواية السحار: “حلوة..بس لو استنى عليها شوية وما استعجلش”. خدعة السحار، وصدمة محفوظ كانت من أسباب توقف محفوظ عن الكتابة، وخاصة مع تأخر نشر “الثلاثية” خمس سنوات كاملة،  يضاف إلى ذلك أنه تزوج عام 1954 فأصبح مسئولا فجأة عن ثلاث عائلات: امه، وزوجته، وشقيقته التى توفى زوجها بأبنائها،..يقول:” كان لابد لى من عمل أحصل منه على دخل إضافى أواجه به مسئوليات الزواج والأسرة الجديدة”. فوجد ملاذا فى فن آخر هو السينما التى أتاحت له دخلا معقولا فكتب فى تلك الفترة  نحو اثنى عشر سيناريو. كما كان يكتب القصة القصيرة بين الحين والآخر، فنشرت له مجلة  “الرسالة الجديدة” فى (سبتمبر 1958) قصة قصيرة حملت عنوان ” لك ما تشاء” لم يضمها إلى أى من مجموعاته القصصية فيما بعد، ولا تشير إليها “الببليوجرافيات” التى تم اعدادها عن أعماله!.  عندما كان الصحفيون والنقاد يسألون محفوظ عن أسباب هذا التوقف..كان يقول دائما ” الثورة حققت الأهداف، والمجتمع لم يعد فيه القضايا التى تستفزنى”..كما أن “عصر ما قبل الثورة أصبح جثة هامدة” ولم يعد هدفا للكتابة. محفوظ فى أعلى درجات صراحته مع جمال الغيطانى قال له:” كان السؤال حول أسباب التوقف له جانب سياسى، وكانت هذه الإجابة تبعد عنى الشبهات.. بدا لى أن إجابتى هذه سبب معقول، ولكن هل هذا حقيقى؟ إنه مجرد تفسير الحقيقى”. ويضيف محفوظ:”ربما كانت الثلاثية هى السبب، إذ يمكن القول إننى أشبعت من خلالها رؤيتى، ولكننى لا استطيع الجزم بذلك أيضا..كان السيناريو عزاء محدودا،  وكنت فى أسوأ حالات عمرى، لدرجة أننى كنت أشتهى الموت”! ومن الممكن أيضا، نجد تفسيرا لتوقف محفوظ عن الكتابة فى تلك الفترة، فى رواية محفوظ ” السمان والخريف” التى نشرها عام 1962.

ربما يحمل محفوظ بعض ملامح بطل الرواية عيسي الدباغ، الوفدى الذى ينتمى الى جيل ما بين الثورتين، ولكن يوليو تعاملت مع هذا الجيل بمنطق المنافسة، واصرت – كما يقول صلاح عيسي فى كتابه ” شخصيات لها العجب”- على ان تقتلعهم من الخريطة السياسية المصرية، وخيرتهم بين امرين لاثالث لهما: ان يقروها على انها بداية تاريخ الوطن، وان كل ماقبلها لم يكن شيئا الا فساداً وخيانة، فيغتالوا بذلك تاريخهم، او ان يلتزموا الصمت التام وينسحبوا من العمل العام، ويضعوا على افواههم اقفالاً من حديد. لهذا يقول الدباغ:” كنا طليعة ثورة، فأصبحنا حطام ثورة”.  يضيف عيسي: “كانت مشكلة الدباغ، انه يكره العهد الجديد بقلبه، ولكنه لايستطيع ان يكرهه بعقله، ومع انه تلقى نبأ نجاح الثورة فى اجلاء الانجليز عن مصر، بارتياح، الا انه لم يخل من فتور مشوب بالغيظ لا لشئ الا لأنه لم يتحقق على يد حزبه. وهكذا يظل عيسى الدباغ وجيله، اسرى الاحساس بالخيبة، لانهم شاركوا فى صنع الثورة، وحين انتصرت عادتهم بلا سبب، واكرهتهم على خيار شرير، ان يؤيدوا بلا تحفظ، او ان يصمتوا الى الابد! لم يدم صمت الدباغ طويلا،ذات ليلة من خريف 1957 بينما كان جالسا تحت تمثال سعد زغلول بالإسكندرية، يلتقى بشاب ممن حقق معهم من قبل، حين كان حزبه فى السلطة، ويدور بينهما حوار طويل. يدعوه الشاب أن يتحاور معه فى أحوال الدنيا، فذلك أفضل من أن تجلس فى الظلام تحت تمثال سعدغلول. وأدرك عيسى ان الشاب يدعوه لأن ينفض عنه ثوب الاحساس بأنه زائد عن الحاجة ليستأنف نضاله فى سبيل وطنه وشعبه، ومع انه تردد قليلا، الا انه انتفض فى نشوة حماس مفاجئة مضى فى طريق الشاب بخطى واسعة.. تاركا وراء ظهره مجلسه الغارق فى الوحدة والظلام!

في 1957 شعر نجيب محفوظ بدبيب غريب يسري في أوصاله وكما حكى لرجاء النقاش: “…وجدت نفسي منجذبا مرة أخرى نحو الأدب”.. كانت أفكار محفوظ فى تلك الفترة تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية “أولاد حارتنا” لتحيي في داخله الأديب الذي ظن أنه مات. ولكن مع ذلك فالرواية – كما قال للنقاش: “لا تخلو من خلفية اجتماعية واضحة.. لكن المشكلات التي صاحبتها والتفسيرات التي أعطيت لها جعلت كثيرين لا يلتفتون إلى هذه الخلفيات..”. يوضح محفوظ ” الخلفيات الاجتماعية” التى يقصدها في حوار معه (جريدة القبس الكويتية – ديسمبر 1975): لا أكتب إلا إذا حدث انفصام بيني وبين المجتمع، أي إذا حدث عندي نوع من القلق وعدم الرضا، بدأت أشعر أن الثورة التي أعطتنى الراحة والهدوء بدأت تنحرف وتظهر عيوبها، بدأت تناقضات كثيرة تهز النفس، بدأت أشعر أن هناك عيوبا وأخطاء كثيرة تهز نفسي، وخاصة من خلال عمليات الإرهاب والتعذيب والسجن، ومن هنا بدأت كتابة روايتي الكبيرة ” أولاد حارتنا” والتي تصور الصراع بين الأنبياء والفتوات. كنت أسأل رجال الثورة: هل تريدون السير في طريق الأنبياء أم الفتوات؟ “. وبعد حصوله على نوبل، وفى حفل لتكريمه أقامه قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، دارت أسئلة الحضور حول أولاد حارتنا..فأوضح محفوظ أن الرؤية التى حكمته فى كتابته لأولاد حارتنا تتعلق بالسلطة ومواجهتها. الفتوات الذين كانوا يمثلون السلطة ويستخدمونها ضد الحارة، وأن هناك القيم التى يجب أن تسند العلم، فكان هدف أبناء الجبلاوى أن يعيدوا إحياء هذه القيم كى تسند العلم. قال محفوظ بوضوح: “الرواية لا فيها حملة على الدين ولا سخرية من الأنبياء ولا زراية بهم”. ويضيف: “يصح أن الرواية كانت تثير مشكلات سياسية، وهى أثارته فعلا بدرجة، لكن لما وجد أن هناك حاجة أقوى يمكن أن تهدمها سكت عنها من كان يمكن أن تثيره سياسيا، أولاد حارتنا كما كانت تخاطب على مستوى ما البشر فإنها تخاطب أيضا رجال الحكم بلا شك. فى ذلك الوقت 1959، كان هناك نشوة بانتصارات ما، فجاء واحد يقول لهم الوقف أهه، الحارة أهى، الفتوات أهم، وهذا المعنى فيما أعتقد لم يفت على السلطة؛ لأنه تم التلميح لى به، وهل هناك أحد سيأتى ليسألنى ماذا تقصد بالفتوات؟ الفتوات هما الفتوات، السؤال هنا له مغزى، لكن لما وجد رجال السلطة أن الرواية أثارت أمرا آخر بعيدا عن اللى سألوا عنه سكتوا”. الأزمة كلها من وجهه نظر محفوظ” أزمة قراءة..لا أكثر ولا أقل”.

شَعَر الكاتب أن رسالته لم تصل فلم يسع للدفاع عنها ولا نشرها، هل كانت هذه الرسالة سياسية؟

مَن منع الرواية؟

-16-

كانت الرواية فى أحد تأويلاتها تحمل رسالة سياسية واضحة. هى – حسب ترتيبها الزمنى- كانت بداية مرحلة إبداعية جديدة في حياته. مرحلة ما بعد الواقعية التي انتهت بالثلاثية التي شعر بعدها أن ” الإطار الواقعي استنفد كل ما لديه من طاقة فنية” يري غالي شكري أن النهاية الحزينة للثلاثية تقول بصراحة وجرأة أن هناك أزمة في المجتمع، وأن هذه الأزمة هي أزمة الحرية والتخلف الحضاري”. المرحلة الجديدة بدأت مع “أولاد حارتنا” وانتهت مع هزيمة 67. وحسب غالي شكري: ” نستطيع أن نتلقف معظم الأفكار الواردة في “أولاد حارتنا” حول الوقف والبيت الكبير والجبلاوي والنظار والفتوات وأخيرا عرفة والحنش، في بقية الأعمال التالية ابتداء من اللص والكلاب وحتى ميرامار، ولكننا حين نتلقف هذه الافكار الرئيسية سوف نشهد ما طرأ عليها من تغيير كبير يحول دون التعرف على الأصل البعيد”.

الرسالة السياسية للعمل يؤكدها أيضا محمود أمين العالم فى كتاب “حكاية أولاد حارتنا”( كتاب اليوم- أخبار اليوم):” جوهر الرواية فى تقديرى هو النقد القيمى الفكرى الرمزى للسلطة الناصرية، للتناقض بين شعاراتها ومبادئها وبين بعض ممارساتها، وخاصة تلك المتعلقة بالديمقراطية السياسية. إلا ان الرواية فى الوقت نفسه تسعى لتقديم رؤية تبشيرية تزيل بها هذا التعارض بين المثال والواقع، بين السلطة والمجتمع، بين السياسي والأخلاقى، بين النظرى والعملى، بين الموضوعى والذاتى فى مصر بشكل عام”. وهو الأمر ذاته الذى أشار إليه جون رودنبك فى مقدمته للترجمة الإنجليزية لرواية” الشحاذ”: أوحت الرواية بأن النظام الجديد لن يختلف كثيرا فى نهاية المطاف عن النظم القديمة، وقد فعلت الرواية ذلك بذكاء قوى وثاقب بدا وكأنه حوّل خيبة الأمل السياسية- او حتى اليأس السياسى- إلى حرية جديدة للتعبير”. هذا التفسير السياسي، أزعج السلطة نفسها، وخاصة أن “الجناح اليميني” للسلطة الناصرية كان في حالة صعود، فعقدت مؤتمرات عديدة بهدف “تعبئة الفن والثقافة لمكافحة الاستعمار والشيوعية”. ويرصد شريف يونس في كتابه “نداء الشعب” العديد من الإجراءات التي تمت لتحقيق ذلك، سواء أفي مؤتمرات أو بيانات صادرة من جمعيات الأدباء أو عن لجنة “التوجيه القومي” التي أصدرت في أعقاب نشر “أولاد حارتنا” “ميثاق شرف” للأدب والعلم والفن أعلنوا فيه “الاستمرار في دورهم التوجيهى. والمشاركة بما يملكون من طاقات فنية وعلمية في بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني.صون الإنتاج الفني والفكري من عوامل الهدم والانحراف والعمل على جعله وسيلة إيجابية وإعلاء شأنه”. كل هذه الإجراءات – حسب تعبير شريف يونس- تهدف إلى “إدماج كل فروع الفن والأدب فضلا عن المؤسسة الدينية الإسلامية بالذات في الآلة الدعائية للنظام”.

 كانت الرواية –إذن-  جزءا من معركة أكبر في ذلك الوقت، ضد محاولة السلطة الهيمنة على المجتمع دينيا وسياسيا وثقافيا. وقد رصد شريف يونس فى كتابه ” باسم الشعب” العديد من الوقائع التى تبين مطالبة رجال الدين بنوع من الحصانة والقداسة لهم ولمهنتهم، ومحاولات مفكرى الجانب الآخر من المفكريين العلمانيين تقويض هذه المطالبات: ” هاجم أحمد بهاء الدين استغلال منابر المساجد في الهجوم على المتحررين أو المطالبين بحقوق المرأة، وقرر أن الخطباء باعتبارهم موظفين لدى الدولة لا يجوز لهم أن يستغلوا منابرهم لعرض آراء يستنكرها سواهم، كما رفض فكرة ” الحكومة الدينية” التي نادي بها آنذاك حزب “التحرير” الأردنى، مؤكدا أن الدولة الإسلامية احتوت خلال ألف سنة على صور بشعة من الظلم والفسق والتهتك، وأن الخلفاء الإسلاميين لم يكونوا كلهم عمر بن الخطاب، وهاجم بهاء مجلة “المساجد” الصادرة عن وزارة الأوقاف، على أساس انها تعادى جهود الدولة برفضها فكرة التأمين على الحياة والممتلكات وغيرها من أفكار الحداثة”. ومن جانبه اتهم الشيخ محمد أبو زهرة بهاء بالانحلال لدفاعه عن فكرة مساواة الرجل بالمرأة. ورد عليه بهاء بعنف.وفي الوقت نفسه استنكر فتحى غانم الاحتفال بأبى حامد الغزالى واصفا إياه بأنه فقيه معاد للإشتراكية والعقل. ورد عليه الشيخ أحمد الشرباصى بأن الدين لا يعادى العقل، وأن هناك محاولات بادية أو مستورة لهدم الدين والسخرية من المتدينين، ودعا الشرباصى إلى ايقاف نشر الكتب المخالفة ومصادرتها، وقد استنكر “غانم” دعاوى “الشرباصى” إلى المصادرة والحجر على الأفكار المخالفة، متهما إياه بأنه يفكر بعقلية موظف في الأمن العام”. المعركة لم تكن مجرد معركة بين صحفيين ومشايخ، فقد ظهر أيضا صحفيون موالون لفكرة سيطرة القيم المحافظة التي دافع عنها رجال الدين، فظهرت حملات في الصحف على “الأغانى الخليعة” وغير ذلك بتشجيع من كمال الدين حسين .توابع “أولاد حارتنا” ألقت بظلالها على مناقشات “الميثاق”1962، وقد دارت معركة شهيرة على صفحات الأهرام بين الشيخ الغزالى وصلاح جاهين. أثناء المناقشات طالب الغزالي بتحرير القانون المصري من التبعية الأجنبية، وتوحيد الزي بين المصريين، وهي آراء اعتبرها جاهين غير معبرة عن روح العصر، فخصص رسوماته الكاريكاتيرية مفندا آراء الغزالي، كانت الرسمة الأولى للشيخ وهو يخطب في الجماهير ويقول: “يجب أن نلغى من بلادنا كل القوانين الواردة من الخارج كالقانون المدني وقانون الجاذبية الأرضية”.

غضب الغزالي وهاجم جاهين في جلسات الميثاق: «إن مهاجمة العمامة البيضاء أمر يستدعي أن يمشي العلماء عراة الرأس إذا لم تحم عمائمهم». وأضاف: “إن هذا المؤتمر يعطي الحق لكل فرد ليقول الكلمة الأمينة الحرة التي يجب ألا يرد عليها بمواويل الأطفال في صحف سيارة ينبغي أن تحترم نفسها”. هجوم الغزالى استفز هيكل الذي كتب في ” كلمة الأهرام” مؤكدا احترام الأهرام للدين، ولكن: ” نرفض محاولة الشيخ الغزالي أن يجعل من الخلاف في الرأي بينه وبين صلاح جاهين رسام الجريدة قضية دينية، وإن الجريدة تؤمن بحرية الرأي، لذلك تنشر نص كلمة الغزالي احتراما لحقه في إبداء رأيه مهما كان مختلفا مع رأي الجريدة، مع إعطاء الحق لصلاح جاهين أن يبدي رأيه هو الآخر فيما يقوله الشيخ”. ونشر جاهين رسومات جديدة وتحتها كتب إن “ملابس الشيخ الغزالي لا تعطيه حصانة تجعل آراءه فوق النقد”. كما كتب جاهين شعرا ناقدا للشيخ: (هنا يقول أبو زيد الغزالي سلامة/ وعينيه ونضارته يطقو شرار/ أنا هازم الستات ملبسهم الطرح/ أنا هادم السينما على الزوار/ أنا الشمس لو تطلع أقول إنها قمر/ ولو حد عارض. يبقي من الكفار/ ويا داهية دقي لما أقول ده فلان كفر/ جزاؤه الوحيد الرجم بالأحجار/ فأحسن لكم قولوا (آمين) بعد كلمتي/ ولو قلت! الجمبري ده خضار!). وانتقلت المعركة إلى منابر المساجد هجوما على جاهين والأهرام. حتى تدخل كمال الدين حسين الذي طلب من هيكل تجاوز موضوع الخلاف بين الجريدة والشيخ الغزالي، وضرورة الانصراف إلى مناقشة الميثاق، كما أكد أن احترام الدين وإجلاله أمر يحرص عليه الجميع”. ويبدو أن معركة (جاهين- الغزالى- هيكل) كانت واحدة من توابع أولاد حارتنا. وسط كل إجراءات التوجيه والتعبئة وقف النظام حائرا ماذا يفعل تجاه نجيب محفوظ. وروايته؟

 -17-

لم تكن رسالة محفوظ، فقط سياسة، بالمعنى المباشر السطحى، طبقات الرواية تتيح تعدد التأويلات، فى جانب منها كانت تعبيرا عن فكرة انشغل بها محفوظ كثيرا، ومبكرا تحديدا في أوائل الثلاثينيات عندما التقي سلامة موسي لأول مرة. روي محفوظ تفاصيل هذا اللقاء في “ثلاثيته”. عندما يلتقي أحمد شوكت (في شخصيته جانب من جوانب نجيب محفوظ مثله مثل كمال عبدالجواد في الرواية ذاتها) بعدلي كريم (الذي يبدو في الرواية معادلا فنيا لسلامة موسي) ليعمل معه في مجلته “الإنسان الجديد”. نصيحة عدلي لشوكت كانت: “أنت تدرس الأدب، إدرسه كما تشاء، ولكن لا تنس العلم الحديث، يجب ألا تخلو مكتبتك، إلى جانب كتب الأدب، من كتب داروين وفرويد وماركس وإنجلز، هؤلاء علماء. لكل عصر أنبيائه، وأنبياء هذا العصر هم العلماء”. سلامة موسي هو الأب الروحي لنجيب محفوظ، القارئ الأول لأعماله الأولي، مرشده أيضا لما ينبغي أن يقرأ، ثلاثية محفوظ تكشف ذلك بجلاء، وأيضا حواراته المتناثرة: “وجهني سلامة موسي إلى شيئين مهمين هما العلم والاشتراكية ومنذ دخلا مخي لم يخرجا منه إلى الآن”. إذن بذرة الفكرة الأولي ألهمه إياها “موسى” الذي كان: ” أكبر مبشر في جيلنا بالعدالة الاجتماعية وبالعلم وبالرؤية العصرية، وبقدر تطرفه في الدعوة للعلم والصناعة وحرية المرأة كان في الجانب السياسي معتدلا فلم يجنح إلى الديكتاتورية. لذلك اعتبره الأب الروحي للاشتراكية والديمقراطية”. محفوظ نفسه احتفظ بتلك الأفكار، كان مشغولا بالفعل بدور العلم في حياة البشر وتقدمهم. في 22 أغسطس 1959 (أي قبل أقل من شهر على نشر “أولاد حارتنا” أجري عبدالله أحمد عبدالله حوارا مع محفوظ في مجلة “الإذاعة”. سأله عن حكمته التي التقطها من الحياة: أجاب محفوظ على الفور: “العلم أساس الملك”. وكثيرا ما كرر فى حواراته: “أتمني أن يأتي اليوم الذي نتفق فيه جميعا على أن العلم وحده هو ديوان العرب”.

فن تسريب الأفكار

  تعلَّمَ نجيب محفوظ من أستاذه سلامة موسى أنه لا يمكن لأي رقابة أن تمنع الأفكار. أصدر موسى في الثلاثينيات كتابه “الاشتراكية” وتمت مصادرته ومنعه، حتى أن محفوظ نفسه لم يستطع أن يقرؤه حتى في دار الكتب إذ كان ممنوعًا استعارته. لم يطلب محفوظ الكتاب من سلامة موسى فيما بعد عندما التقاه وتصادقا. وقد فسر محفوظ الأمر فى حوار خاص معه :” لأن سلامة موسى عَبَّر فى مجلة “المجلة الجديدة” عن الأفكار الموجودة في الكتاب، لكن بأسلوب آخر”. لم يتوقف محفوظ طويلًا أمام الهجوم أو المديح لروايته “أولاد حارتنا”. أعاد كتابتها مرات ومرات بأسلوب آخر كما تعلم في “اللص والكلاب”، حيث يبحث أحد أبناء الحارة بطريقته الخاصة عن العدالة، وكذلك فعل في “الطريق”، ” الشحاذ”،” الحرافيش”، وفى قصته القصيرة” زعبلاوي”.. لهذا لم يصر على نشرها عندما طالبه الكثيرون بذلك بعد نوبل أو بعد حادث الاغتيال. كان يبدو فى موقفه أنه يسخر من الجميع:”ابحثوا عن نفس الأفكار بصيغ أخرى في أعمالي”!

فن-تسريب-الأفكار

يعتبر تقرير مجمع البحوث الإسلامية 1975 أن ما قدمه الكاتب عمل فني ممتاز، لكنه يوصي بعدم نشره مطبوعًا أو مسموعًا أو مرئيًا

-18-

بدت ” أولاد حارتنا” كنز سياسيا تتصارع عليه كل القوى السياسية، وتحاول توظيفه لمصلحتها الخاصة، صراع على المكشوف. وهكذا جرت الرواية على محفوظ المشكلات، أصبح مثل راوى “أولاد حارتنا” الذى احترف الكتابة “رغم ما جرته عليه من مشكلات”. سياسيا، شن وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي (1917- 2014) وكان معروفا بميوله الصوفية، وأصبح بعد أن ترك منصبه عضوا فى مجمع البحوث الإسلامية، شن هجوما شديدا على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة الرقابة لرجل ” متهم في عقيدته الدينية”. ونشر حسن عباس زكى فى الأهرام  بعد يومين من نهاية نشر ” أولاد حارتنا” تحديدا يوم 27 ديسمبر 1959 مقالا بعنوان ” الفن الذى نريده”..وتلى هذا المقال عشرين مقالا آخرين نشروا ما بين “الأهرام” و”الأخبار”، تناول فيهم  عن نظريته “الاشتراكية الإسلامية”..مؤكدا أن علة المجتمع المصري هى ضعف المعانى الروحية”.  وأقترح توظيف كل الامكانيات لتربية المواطنين تربية صالحة، بما فيها الفن:” من حقنا عليه(الفنان) أن يتجه بفنه إلى الأفكار التى رسمتها الدولة لحياتنا”..وأضاف:” أما الحرية فيجب ألا تكون أداة تجريب وتضليل أو تكون مبعثا لزيغ العقائد”. هذا المشروع يرأه شريف يونس فى كتابه الهام” نداء الشعب”:” مشروع ثقافى بالدرجة الأولي، لا يعنيه كثيرا كيفية تنظيم الاقتصاد، ولكن يعنيه فرض انضباط اجتماعى شامل وقائم على الرقابة المتبادلة، والدولة هى أداة هذا الاخضاع الشامل، فهو مشروع هوية بامتياز، وبالتالى مشروع سلطوى”.!

وعلى جانب آخر اتصل مدير مكتب كمال الدين حسين (وزير الإدارة المحلية ونقيب المعلمين فى ذلك الوقت) بمحفوظ  يخبره بغضب الوزير على موافقته على تحويل “أولاد حارتنا” إلى مسرحية، وهو ما نفاه محفوظ الذي أوضح له أن المسرحية التي تعرض له مأخوذة من رواية ” بداية ونهاية” وليست من ” أولاد حارتنا”. وكان الشيخ محمد أبوزهرة، الذي كان عضوا في المجلس الشعبى لمحافظة القاهرة في ذلك الوقت، قد اعترض على تقديم رواية “بداية ونهاية” على خشبة المسرح القومى، قام بإعدادها أنور فتح الله وأخرجها عبدالرحيم الزرقاني، وقال أبوزهرة في أحد اجتماعات المجلس: ” ها هم يعرضون “أولاد حارتنا” باسم جديد، وأين؟ في مسرح الدولة، فالبداية والنهاية هي بداية الكون ونهايته. وهذه “أولاد حارتنا”، لم تظهر في كتاب بل في ثياب الممثلين والممثلات. وأمام هذا التصيد طلب ثروت عكاشة من محفوظ أن يترك جهاز الرقابة ويتولي مسئولية جهاز السينما، وهو جهاز جديد مهمته إعانة نقابة السينمائيين، ودعم جوائز المهرجانات! لكن المدهش أن الرواية تحولت إلى مسلسل إذاعي عام 1970 بالاسم ذاته، وأذاعته “صوت العرب” من إخراج حسين أبو المكارم، وسيناريو عبد الرحمن فهمى وبطولة سميحة أيوب عبد الله غيث عبد الرحمن أبو زهرة، وتوفيق الدقن وكريمة مختار، ومحمد رضا. ومر المسلسل بدون أن يعترض أحد. كما لاحظ  محفوظ  أنه يخضع للمراقبة، وأخبرته بنت أخت الدكتور حسن صبري الخولي في ندوته الأسبوعية التي كانت تتردد عليها أن ” سيارة محملة بمجموعة من العسكر ومعهم ضابط برتبه كبيرة توجهوا إلى بيت محفوظ لاعتقاله، ولكن صدرت لهم أوامر بالعودة وعدم إكمال المهمة” وهذه الرواية حكاها محفوظ لرجاء النقاش فى “المذكرات” باعتبارها حدثت فى أعقاب نشر ” أولاد حارتنا”، وإن الروائى محمد سلماوي يسرد القصة ( حوار معه فى الأهرام – 28 أغسطس 2015) باعتبارها حدثت بعد” ثرثرة فوق النيل”..معتمدا على ما حكاه له سامي شرف مدير مكتب عبد الناصر:” عرض محفوظ فى رواية «ثرثرة فوق النيل» فساد الحلول الأمنية ومراكز القوى فثارت ثائرة عبد الحكيم عامر و أصدر قرارا بالقبض على نجيب محفوظ وتحركت القوة بالفعل وقد روى لى السيد سامى شرف سكرتير الرئيس عبدالناصر آنذاك أنه كان الى جوار الرئيس وهو يتحدث الى عبد الحكيم عامر، ويطلب منه غاضبا أن يوقف فورا إجراءات القبض على محفوظ، فقال له عامر: ان القوة قد تحركت بالفعل وانها فى طريقها الى منزله الآن للقبض عليه فقال له عبد الناصر بالحرف الواحد: «زى ما طلعتها ترجعها..احنا عندنا كام نجيب محفوظ؟!»

سألت سامى شرف عن حقيقة الحكاية قال:” كتب التقارير ضد أولاح حارتنا، مثقفون وسياسيون ورجال دين، كانوا غاضبين بسبب الرواية، كما كان عبد الحكيم عامر غاضبا ايضا..ولكن عبد الناصر رفض اتخاذ أى إجراء ضد محفوظ وسمح باستكمال نشر الرواية”.
سالته: هل يمكن الحصول على نسخة من هذه التقارير؟
أجاب: المفروض أن هذه التقارير موجودة فى أرشيف رئاسة الجمهورية فى قصر عابدين”.
سألته: ولكن ألم يغامر حسنين هيكل باستكمال نشر الرواية على مسئوليته الشخصية؟
قال شرف:” هيكل لم يكن يتصرف من دماغه، كل من كتب فى الأهرام كان بأوامر عبد الناصر شخصيا وتوجيهاته، حتى المعارضين للنظام، وعبد الناصر هو الذى طلب أن يكتب محفوظ لأنه كان قارئ جيد لكل أعماله”.

فى تلك الفترة استدعت المخابرات العامة نجيب محفوظ، لاستجوابه حول الرواية. قال محفوظ لرجاء النقاش: “أتذكر أن الفنان فريد شوقي عرض على الدكتور ثروت عكاشة فكرة فيلم سينمائي يدور في إطار عمل المخابرات المصرية، وطلب تدخله لدي المخابرات لكي تسهم في تمويله، وافق عكاشة وأسند إلى مهمة كتابة السيناريو وعندما فرغت من الكتابة استدعاني للقائه في مكتبه، وطلب مني الذهاب إلى مبني المخابرات ومقابلة المسئولين هناك واستطلاع رأيهم في السيناريو، ومعرفة مدى رغبتهم في تمويل الفيلم. ولم أكن أعرف مكان مبني المخابرات فحدده لي وذهبت. وفي المبني التقيت نائب رئيس المخابرات طلعت خيري الذي كان مختصا بمثل هذه الأمور (…) لاحظت عند دخولي مكتب نائب رئيس المخابرات وجود شخص يحدق في ثم هم بالانصراف، فاستبقاه خيري طالبا منه الانتظار لأن الحديث سيدور عن السينما ويمكن أن يفيدنا هذا الشخص في المناقشة. لم يعرفني هذا الشخص بنفسه وفتح معي حوارا طويلا عن الثلاثية، ثم حدثني عن ” أولاد حارتنا” والمشكلات التي ثارت حولها، وسألني عما أقصده من ورائها ومدي صحة ما يقال عن وجود تجاوزات دينية بها؟ انتهي اللقاء وانصرفت. وبعد عدة شهور شاهدت صورة في الصفحة الأولي لجريدة الأهرام للرئيس عبدالناصر في إحدى جولاته الإفريقية وتوقفت أمام صورة شخص يظهر في الصورة خلف عبدالناصر. إنه نفس الشخص الذي كان يتحدث معي في مكتب طلعت خيري. وكانت دهشتي شديدة عندما علمت أنه رئيس المخابرات صلاح نصر”. على الفور قفز في ذهن محفوظ أن اللقاء مدبر، وأن ذهابه إلى مبني المخابرات سبقته ترتيبات ما. يشير محفوظ إلى أن أصدقاء كثيرين له أخبروه أن المخابرات كان لديها اعتقاد بأن الرواية موجهة ضد النظام، وأنهم اشتموا فيها رائحة مؤامرة، وذهب آخرون إلى أن الأزمة التي أثارها الأزهر ضد الرواية كانت بتدبير المخابرات نفسها!

-19-

على الصعيد العربى، اهتمت مجلة الآداب البيروتية بأزمة “أولاد حارتنا”..مراسلها فى القاهرة محيى الدين محمد كتب فى عدد فبراير 1960 منتقدا الهجوم على الرواية التى لم تنشر فى ” كتاب جامع بل قرئت متفرقة فى جريدة يومية مع ما يؤديه ذلك من نسيان للملامح، ومن فواصل زمنية، ومن تشتت، ومن فقدان للخيط الرئيسي الذى يلملم الشخصيات ويعطيها الطابع الإنسيابى الحياتى”.. وأشار فى مقالته إلى أن سر الضجة التى أثيرت حول العمل قام بها بعض المسئولين فى الأزهر، وبعض النقاد فى الصحف اليومية والندوات، بربط شخصيات الرواية بالرجال العظام فى التاريخ كالأنبياء”..وأوضح الكاتب: “هجوم الأزهر يستند إلى ما يسميه تطاول الروائى على مقدسات الأمة العربية، مسلمين ومسيحيين، يرفض أن يكون شخصية الرسول مرسومة بهذه الألوان “الضحلة” التى لا دلالة لها سوى الرغبة فى السخرية من الأديان، أما هجوم النقاد فقد استند إلى نوعية أكثر نضجا ووعيا، فالبعض أقام فى ذهنه مقابلة بين هذا العمل وبين أمثاله فى الغرب، ودافعهم إلى إقامة المقابلة هو رغبة شخصية لنجيب محفوظ بأن يكون كاتبا على غرار توماس مان كروائى إنسانى، على أن يكف نهائيا عن مجرد التصوير الحرفى لحياة الطبقة الوسطى فى المدينة”. لكن محيى الدين محمد نفسه يدافع عن هذا الهجوم النقدى والدينى على محفوظ: ” لم يتخل محفوظ عن طبقته، لم يقفز بعمله الفنى إلى المستوى الإنسانى، إنه مغمور مازال فى وحل شرقنا العربى، يحاول أن يداواى أمراضه، ويشفى قروحه، والظن الساذج يرجع إلى انخداع بعض هؤلاء النقاد برموز الرواية وتسرعهم فى الاستنتاج”..وأضاف الكاتب:” استعانة الروائى بشخصيات التاريخ لا يمكن أن يفهم منها أنها محاولة للسرد، أكثر مما يفهم منها أنها محاولة لتكثيف خطأ الوسيلة التى تردى فيها الشرق أكثر من مرة بعدد الأنبياء والرسل والمصلحين الذين ظهروا فى تاريخه، إن الجواب لابد أن يكون عصريا وعلميا للغاية..يقفز بالعربى الى منتهى التحرر واللاعبودية..” وفى النهاية يدعو محيى الدين محمد النقاد ومهاجمى محفوظ إلى التمهل فى الحكم والصبر حتى “تخرج الرواية كاملة فى كتاب”.

كما حاور غالى شكرى مراسل مجلة “حوار” اللبنانية ( إبريل 1963) نجيب محفوظ حول الرواية، التى وصفها شكري بأنها لا تضيف جديدا للفلسفة الإنسانية، الجديد هو إضافتها هذا الشكل الفنى إلى الأدب العربي. علق محفوظ بهدوء: “أولاد حارتنا” لا تضيف جديدا إلى الفلسفة الإنسانية. هذا حق ولكنى متى أدعيت أننى فيلسوف بالمعنى الحقيقى، لهذه الكلمة؟ الفيلسوف هو الذى يضيف جديدا للفلسفة الإنسانية، أما الأديب المتفلسف فهو الذى يعبر تعبيرا فنيا عما يأخذه من هذه الفلسفة. وهو يفيد الفلسفة بذلك، لأنه يحولها إلى تجربة حية تعيش فى النفس البشرية، بعد أن كانت معادلة عقلية يختص بها الفلاسفة وتابعوهم. ماذا أضاف شكسبير أو جوته، أو إبسن أو شو إلى الفلسفة الإنسانية؟ لا شىء. الأدب لا يخلق الفلسفات، ولكنه يعالجها. وإذا وجد أدب، وفى الوقت نفسه أضاف جديدا للفكر، فذلك لأن مؤلفه فيلسوف وأديب معا، مثل سارتر”. وحاول محفوظ أن يقدم رؤيته للشكل الفنى الذى اختاره إطارا لفكرته فى الرواية..قال: “لكن ما هو الشكل الفنى لـ ” أولاد حارتنا”؟ لعله- أقول لعله- شىء نقيض ما فعل سويفت فى رحلته المشهورة. فقد نقد الواقع عن طريق الأسطورة. أما هنا، فأنا أنقد الأسطورة عن طريق الواقع. لقد ألبست الأسطورة ثوب الواقع لتزداد للواقع فهما وأملا”.

-20-

فى مايو 1963 سأل سعد كامل المحرر بـ” آخر ساعة” نجيب محفوظ: لماذا لم تصدر “أولاد حارتنا” حتى الآن فى كتاب؟ أجاب محفوظ: لم تنشر لأننى لم أتمكن من الحصول على تصريح من رقابة الكتب حينذاك بنشرها، ومع أن هذه الرقابة ألغيت فإن أى ناشر يخشى عرضها نظرا لاعتراض الأزهر”. يسأله المحاور: وما مصيرها الآن؟ يجيب محفوظ: “حاولت لبنان الحصول على حق طبعها ولكننى أجلت ذلك لحين أن تنشر فى مصر أولا بعد أن يزول سوء التفاهم الذى آثاره الأزهر والأخذ والرد الذى دار حولها”! كانت هذه هى المرة الأولى التى يتحدث فيها محفوظ عن منع رسمى للرواية داخل مصر لعدم تمكنه من الحصول على تصريح من الرقابة، ثم خشية الناشرين من نشرها.  بعد أكثر من عامين على هذا الحوار تساءل الروائى محمد جبريل فى مقال له بجريدة “المساء” (26 يونيو1965): “متى تصدر أولاد حارتنا فى كتاب”؟ سرد جبريل الكثير من التفاصيل مؤكدا إحجام ناشر محفوظ عن طبع ” أولاد حارتنا” مكتفيا بأن يعلن فى آخر كل  كتاب جديد لنجيب محفوظ أن ” أولاد حارتنا” تحت الطبع..دون أن يقدم على طباعتها بالفعل. وأضاف جبريل:”ولعل فى حرص الناشر أن تكون “أولاد حارتنا” تحت الطبع دوما ما يؤكد أن قرارا بعدم النشر لم يصدر..وإلا لما أصر أن يعلن فى نهاية كل فصل عن قرب موعد صدورها..ألا تعنى ” تحت الطبع” قرب موعد الصدور. اقترح جبريل حلا بأن: “تنهض بمسئولية طبع ” أولاد حارتنا” دار نشر عامة- أى تابعة للقطاع العام مثل الدار المصرية للتأليف والترجمة والدار القومية وغيرها..فليس من المعقول أن يرفض محفوظ عرضا مغريا من دار نشر بيروتية بطبع ” أولاد حارتنا” ويصر على أن تصدر الرواية مثل باقى أعماله فى القاهرة. وليس من المعقول أن يكون هذا هو موقف الفنان ثم لا تنهض دور نشر القطاع العام بأول واجباتها وهو تذليل عقبات النشر أمام الأدباء والفنانين وأديبنا ليس نكرة إنه واجهة مضيئة لتطور أدبنا العربي الحديث”.

طال انتظار محفوظ، لأكثر من سبع سنوات، ظل مترددا حتى استجاب لعرض دار الآداب البيروتية، لتصدر الرواية فى ديسمبر عام 1967.  يحكى سليمان فياض أنه التقى محفوظ  فى جلسته الأسبوعية فى مقهى ريش، وسأله عن مصير نشر الرواية فى كتاب..أجابه محفوظ  ” يبدو أن السحار متردد فى نشرها، ولا أظن انها ستنشر فى مصر”..قال فياض: على أيه حال لدىّ الناشر إذا رفضت أى دار مصرية نشر الرواية. سأل محفوظ: من؟ أجاب فياض: دار الآداب البيروتية. لم يعترض محفوظ، واتصل فياض بسهيل إدريس الذى قال: سأكون فى القاهرة خلال أسبوع من أجل الرواية..وبالفعل جاء سهيل واتفق مع محفوظ على نشر الرواية، التى مهدت لها مجلة الآداب بحملة إعلانية تحت عنوان “الرواية التى طال انتظارها”. طوال سنوات الانتظار، لم يكن هناك قرار رسمى مكتوب بمنع نشر الرواية. لم ترفض الرقابة أو توافق لأن أحدا لم يقدم على طباعتها.. وفى هذه السنوات كانت الضجة قد هدأت قليلا، وانشغل محفوظ بأعماله الأخرى، وانشغلت الدولة بمشروعها. بين الحين والآخر تنشر الصحف دراسة هنا أو هناك عن الرواية المثيرة للجدل، لكن فى 12 مايو 1968، أى بعد خمسة شهور من صدور الرواية فى بيروت، أصدر مجمع البحوث الإسلامية، برئاسة محمود حب الله الذى كان يشغل منصب أمين عام المجمع فى تلك الفترة، أول تقرير رسمى بمنع الرواية، استعرض التقرير أحداث الرواية وشخصياتها.. ورصد التقرير:”جوانب المؤاخذة في القصة، ولا يخفف من وقعها الانتقال من الأحداث الطبيعية وشخصياتها إلى أحداث دالة وشخصيات رامزة، فإن ذلك كله لا يخفي الوجه الحقيقي لكل حادثة ولكل شخصية. كما لا يخفف من وقع هذه المؤاخذات أن ما قدمه الكاتب من حيث هو-  بعيدا عن المعتقدات والمقدسات – عمل فني ممتاز، وقد كان في مقدور الكاتب أن يخرج عمله الفني بعيدا عن هذا السقوط”… وانتهى التقرير إلى توصية: ” بعدم نشر القصة مطبوعة أو مسموعة أو مرئية”. لماذا صدر هذا التقرير فى هذا التوقيت؟ ليس لدينا إجابة مؤكدة، ولكن ثمة استنتاج أن طبعة الرواية البيروتية تسربت إلى القاهرة، وخشى مجمع البحوث أن يطلب البعض توزيع الرواية فى مصر، فاستبق المجمع هذا الطلب بهذا التقرير.

أين مخطوط الرواية؟

  عندما سأل ستيورت محفوظ عن مخطوط الرواية أجابه: ” الأهرام لم تعد المخطوط الأصلي للرواية، فاستنتجت ضياعه، فلم أسأل عنه”. في أثناء الترجمة، طرح فيليب العديد من القضايا على محفوظ، حاول مناقشته في تصوراته الدينية والفنية. سأله محفوظ: ماذا في الروية يثير غضب الرأي العام؟ طرح فيليب ثلاث قضايا: تجسيد الأنبياء روائيًا، موت الجبلاوي في الرواية وكأنه تمثيل لموت الإله، وأخيرًا محاكاة القرآن على اعتبار أن الرواية تنقسم إلى 114 فصلًا (عدد سور القرآن). محفوظ قال لمترجمه عندما سرد له الاعتراضات ضاحكًا: “أعوذ بالله”، سأوضح لك الأمر. قال: ” الرواية بالمقدمة 115 فصلًا، هذا تقسيم، لم يكن في ذهني في أثناء الكتابة، كان في ذهني أن تكون الرواية من خمسة فصول رئيسية، أما التقسيم داخل الفصول فتمّ بعد أن انتهيتُ من الرواية، أرقام لمجرد تسهيل القراءة ليس إلا، وسور القرآن تحمل أسماء لا أرقام، كما أنها متفاوتة الطول”، يضيف محفوظ:”أما ما يتعلق بفكرة تجسيد الأنبياء، هو أمر مرفوض من معظم رجال الدين، وفي كل الأديان، وقد تعرض كازنتزاكس لهجوم شديد بسبب روايته “المسيح يصلب من جديد”. هم لا يريدون أن يتصوروا أن الأنبياء بشر مثلنا، يأكلون ويشربون، وردي عليهم من القرآن: “وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق”. رغم ذلك أنا لم أكن أقصد الأنبياء في روايتي، قاسم ليس هو النبي محمد، هو شاب ينتمي إلى قاهرة القرن التاسع عشر، ليس شابًا من مكة ينتمي إلى القرن السابع”. يضيف محفوظ: أما ما يتعلق بالجبلاوي، فالماركسيون هم الذين تصوروا في نقدهم أنني أدعو إلى موت الإله. الجبلاوي ليس هو الله المطلق الخالد، وإنما هو الإله في أذهان بعض البشر. لا يمكن أن يمثل الله شيئًا لأنه ليس كمثله شيء”. أضاف محفوظ: “عندما انتهيتُ من الرواية شعرت أنني وجدت إيماني”. تعددت النقاشات طوال أيام الترجمة، وفي كل لقاء يكشف محفوظ بعضًا من مصادر إلهامه. قال محفوظ إنه تأثر في الرواية بجورج برنارد شو تحديدًا في مسرحيته ” العودة إلى متوشولح”، التي تتضمن خمسة فصول عن تاريخ البشرية: ” إنه الكتاب الغربي الوحيد الذي يمكن إقامة علاقة بينه وبين أولاد حارتنا”.

فى عام 1981 صدرت ترجمة في طبعة أكاديمية محدودة وفقيرة. لم تبَع من الترجمة الإنجليزية للرواية سوي 400 نسخة طوال ثماني سنوات حتى حصول محفوظ على جائزة نوبل. عندما طلب منه نشر الترجمة مرة أخرى قام بمقارنة نسخة الأهرام، وطبعة دار الآداب، ليجد 961 اختلافًا بين النص الذي نشرته الأهرام ونص الرواية الصادر عن دار الآداب، وهي تمثل ما يقرب من 1241 كلمة ناقصة بخلاف آلاف الاختلافات في علامات الترقيم. استنتج ستيورت أن طبعة دار الآداب اعتمدت علي المخطوط الأصلي:”ربما باعه أحد من الأهرام لدار الآداب”، حسبما يقول. طبعة الأهرام بها العديد من الكلمات التي سقطت فى أثناء عملية الكتابة، كما أن طبعة الآداب بها فقرات كاملة محذوفة. النصان غير مكتملَين. محفوظ أبدى غضبه من طبعة دار الآداب، “ناقصة. ولم أشارك في مراجعتها” حسبما قال. الترجمة الإنجليزية قد تكون هي النص الوحيد المكتمل للرواية بعد مقارنتها بالنصَين، فضلًا عن مراجعة محفوظ بنفسه، ومساعداته في الترجمة التى وصفها محفوظ فى رسالة إلى المترجم:” إنك جدير بكل شكر، أولًا لترجمتك الرواية بأسلوب شهد له كل من قرأه بالجودة والجمال، وثانيًا بكتابة هذا المقال الجيد”. المقال الذي كتبه ستيورت قرأه محفوظ وأعجب به، وقال فى الرسالة: وجدتُ فيها حلًا موفقًا بين من اتهموا روايتي بالإلحاد ومن وصفوها بأنها عمل صوفي. وأعجبنى كذلك متابعتك لأصلها عند برنارد شو، وهذا يتفق مع إعجابي به وبعمله الكبير”الرجوع إلى متوشولح” بصفة خاصة. ولعل الدكتور (محمد) مندور كان الناقد الوحيد الذي ألمح إلى مثل هذه الفكرة عندما قال عني أنني نقلتُ فكرة تقليدية عن الله دون تعرض لله ذاته”. الحوار مع ستيورت يطرح السؤال أين ذهب مخطوط الرواية الأصلي؟

سألتُ رنا إدريس ابنه الكاتب سهيل إدريس صاحب دار الآداب الذي نشر الرواية، فأحالتني إلى والدتها عايدة إدريس، التي شهدت نشر الرواية فى الدار: “الرواية نُشرت من تجميع الدكتور سهيل إدريس لما نُشر في جريدة الأهرام، وبموافقة نجيب محفوظ الذي رفض التوقيع على عقد، إلا أننا نملك جميع الإيصالات الموقعة من قِبله بأنه استلم حقوقه كاملة من دار الآداب منذ الطبعة الأولى”. أبو السعود إبراهيم رئيس قسم المعلومات والأبحاث بالأهرام الأسبق، التحق بالعمل فى “الأهرام” عام 1965 أي بعد نشر “أولاد حارتنا” بحوالي ست سنوات كاملة، لكن طوال فترة عمله بالأرشيف لم تمر عليه أي مخطوطات لروايات نجيب محفوظ: “عادة كانت الأصول تذهب إلى قسم التصحيح، ثم إلى صاحب العمل نفسه ليراجع المراجعة النهائية، ولم يحدث أن جاءت روايات محفوظ إلى قسم المعلومات طوال فترة عملي”. أبوالسعود قام أيضًا بتصنيف مكتبة الأستاذ هيكل ووثائقه، وعلى خبرة ومعرفة كبيرة بما تضمه المكتبة من وثائق ومراجع يؤكد: “أكاد أجزم أن مكتبة الأستاذ هيكل لا تتضمن أي أصول لروايات محفوظ التي نشرت أثناء رئاسة الأستاذ للأهرام”. الفنان جميل شفيق أحد أقدم أعضاء شلة الحرافيش نفى أيضًا أن يكون محفوظ قد أطلعهم على أعماله المخطوطة قبل نشرها، أو تحدث فى أي مرة عن مخطوطاته:”كان لديه أسراره الخاصة التي يحرص عليها”، سألتُه: “هل تضمنت مكتبة الراحل عادل كامل أي مخطوطات لمحفوظ؟”، أجاب: “بعد أن قرر عادل كامل الهجرة، كتب لي توكيلًا خاصًا للتصرف فى أعماله، وقد حصلت بموجب هذا التوكيل على كل مخطوطات صاحب “مليم الأكبر”، وقد طلبها مني الروائى سليمان فياض ومنحته إياها، وكان من بينها رواية كاملة غير منشورة بعنوان”الله والجسد والشيطان”، لكن لم يكن من بين أوراق كامل أي مخطوطات لمحفوظ”.

معركة متجددة

-21-

بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل تجدد الجدل مرة أخرى، وخاصة مع إشارة لجنة الجائزة في تقريرها إلى الرواية باعتبارها “رواية بحث الإنسان الدائم عن القيم الروحية”. ليبدأ هجوم جديد على الرواية. في الحفل الذي أقامه الرئيس الأسبق حسني مبارك لتكريم محفوظ ومنحه “قلادة النيل” أرفع وسام مصري، أثار عدد من المثقفين قضية منع ” أولاد حارتنا”. وقال مبارك: ليس هناك ما يمنع نشرها. وهو ما تحمس له وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني الذي أعطي تعليماته لهيئة الكتاب بالبدء فورا في نشر الرواية مادام لا يوجد حكم قضائي يمنع نشرها. وقد نشرت جريدة “الجمهورية” هذا الخبر في صفحتها الأولي، المدهش أن اجتماعا لمجلس الوزراء في 30 نوفمبر 1988 ناقش موضوع طبع الرواية، وانقسم المجلس إلى فريقين. فاروق حسني المتحمس للنشر. وعلى الجانب الآخر وزير الإعلام صفوت الشريف الذي رفض طبع الرواية، وطلب عرض الموضوع على الرئيس مبارك مرة أخرى، واستقر الرأي على عدم نشر الرواية بعد مكالمة جرت بين الشريف ومبارك. لا يتذكر فاروق حسني هذه الواقعة، مؤكدا أنه أعطي أوامره لسمير سرحان رئيس هيئة الكتاب وقتها بطبع الرواية دون تدخل من مبارك، لكن جابر عصفور ويوسف القعيد اللذين شهدا تكريم محفوظ يؤكدان على صحة الواقعة.  ويبدو أيضا أن لنظام يوليو في مراحله المختلفة جناحين، ودائما ما ينتصر العنصر الأمني اليميني، حيث أصدر مجمع البحوث الأسلامية بعد يوم واحد من اجتماع مجلس الوزراء بيانا يجدد فيه منعه لصدور الرواية، رغم أن أحدا لم يطلب منه أساسا إذنا أو يقدم له طلبا لإبداء الرأي. هل كان صفوت الشريف وراء هذا المنع الثاني. وبالتالي وراء هذا التقرير؟ لا أحد يعلم الإجابة.

-22-

فى يونيو 1991 كان الشيخ محمد الغزالى ضيفا على صالون الأوبرا والذى يحمل اسم “صالون إحسان عبد القدوس الثقافى” اعترف الغزالي لأول مرة أنه كتب تقريرا رفعه للرئيس عبدالناصر يعترض فيه على نشر الرواية، وشاركه فى كتابة تقارير أخرى الشيخان محمد أبو زهرة وأحمد الشرباصى. وقال الغزالى إن الرواية ” كانت ناضحة بأن الحضارة محت الدين كله”. ودعا الغزالى محفوظ إلى التبرؤ من “أولاد حارتنا” معتبرا أنه كاتب ثرى ولديه أعمال رفيعة القيمة”..ولكن محفوظ علق باختصار على ما طالب به الغزالى: “الانسان لا يستطيع أن يتراجع عن عمل كتبه” وأعلن أنه على استعداد لمناقشة شيوخ الأزهر فيما جاء فى الرواية..ولكن للمرة الثانية لم يكن أى من شيوخ الأزهر مستعدا للمناقشة! ويتجدد الجدل مرة أخرى بعد أن أصدر الخمينى فتوى بقتل الروائى سلمان رشدى (فبراير 1989) بسبب روايته “آيات شيطانية”. فى التوقيت ذاته سئل عمر عبدالرحمن مفتي الجماعة الإسلامية فى الأنباء الكوييتية (أبريل 1989) عن رأيه في رواية رشدي فأجاب: “لو أن الحكم بالقتل نفذ في نجيب محفوظ حين كتب “أولاد حارتنا” لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان رشدي.”. وكرر إجابته تلك في العديد من الصحف وفي خطبته للجمعة. بصيغ أخرى: “لو قتلنا محفوظ من 30 سنة مكنش طلع سلمان رشدي”. والغريب أن رجال الأمن المصري اتصلوا بمحفوظ لكي يخصصوا له حراسة خاصة، فرفض قائلا: “عبارة عمر عبدالرحمن ليست فتوى بالقتل، ولكنها جملة شرطية لأنه بيقول لو قتلنا محفوظ من 30 سنة”. بالفعل ما قاله عبدالرحمن لم يكن فتوى، كان رسالة أو إشارة لقتل محفوظ.

 وهو ما استجاب له بعد خمس سنوات، شاب فى العشرينيات من عمره يدعى محمد ناجى لم يقرأ لمحفوظ حرفا ليرتكب الجريمة في يوم الجمعة 14 أكتوبر 1994، وكان محفوظ يستعد لركوب السيارة متجها إلى ندوته الأسبوعية وطعنه في رقبته محدثا جرحا غائرا، ولاذ بالفرار إلى أن تم القبض عليه وعلى المجموعة المشاركة في الجريمة. اعترف بأنه ارتكب الجريمة بسبب “أولاد حارتنا” التي لم يقرأها. وفي تحقيقات النيابة أعاد محفوظ التأكيد على هدفه من الرواية: “أولاد حارتنا” مثل “كليلة ودمنة” ترسم عالما متصورا لتوحي بعالم آخر. فنحن بين الحيوانات عايشين في غابة، لكن نحن نعرف والقارئ العادي يعرف إن قصدنا نقد البشرية ونظام الحكم والعلاقات بين الأفراد، وحكمة الحكماء، وسفاهة السفهاء، ولكن مادام التزمنا أن احنا في الغابة، فلازم يكون أبطالنا من الحيوانات، ولا نحاسب ونحن نعاملهم معاملة الحيوانات، لأننا نعامل المرموز له بالحيوان، وعلى نفس النمط أنا مشيت في “أولاد حارتنا”، بأعرض فيها لمصريين في حارة، وأسلوب حياتهم الظالم بكل ما فيه”. ويضيف محفوظ في التحقيق معه: “هؤلاء (يقصد محاولي قتله) لا يقرؤون القصص الأدبية بعين أدبية أو إنسانية تريد أن تعرف الحقيقة وصراع الخير والشر، المهم في نظرهم أن العمل يكون خاضعا حرفيا لتعليمات الدين، وحتى في ذلك هم يغالون، لأن الدين نفسه عرض قصة الخير والشر، وقصة عصيان إبليس على الذات الإلهية، وروايات كلها تدور حول مفاهيم واضحة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون القصد منها التعرض لأي دين من أديان السماء، أو الازدراء به والقول بانني كافر أو مرتد فيه افتراء”. بعد أن أدلي محفوظ بأقوله طلب منه رئيس النيابة أن يوقع على أقوله، لكن اليد المصابة لمحفوظ لم تستطع إمساك القلم، فاضطر وكيل النيابة أن يأخذ بصمة محفوظ.

بعد الحادث كان أول ما كتبه نجيب محفوظ – حسب الروائى يوسف القعيد-  صباح الجمعة الثامن والعشرين من اكتوبر 1994 تفويض  لصحيفة “الاهرام” بحقها منفردة فى  نشر الرواية.  وكان الهدف من هذا التفويض منح الأهرام اللجوء الى القضاء المستعجل لوقف نشر الرواية التى تسارع العديد من الجرائد لنشرها، وبدأت هذا السباق المحموم  جريدتى: “المساء” و “الأهالي”. اذ اعلنت الاولى عن بدء نشرها الرواية ابتداء من يوم السبت 29 اكتوبر1994. وقالت في الاعلان ان ذلك النشر انما يتم بناء على رغبة نجيب محفوظ نفسه وهو ما نفاه محفوظ الي جملة وتفصيلا، وقد نشرت الجريدة ست حلقات من الرواية قبل يتوقف النشر بناء على طلب محفوظ، وتعتبر هذه هى المرة الثانية التى تعلن ” المساء” عن نشر الرواية، إذ قامت بنشر حلقة منها بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل، وقتها تدخل ثروت أباظة باعتباره رئيسا لاتحاد الكتاب لوقف النشر. كما أعلنت  صحيفة الأهالي المصرية التي تصدر عن حزب التجمع  عن نشرها الرواية في عدد خاص منها. لتصدر الرواية لأول مرة  “أولاد حارتنا” كاملة بعد أيام من الحادث في عدد خاص ” يوم الاحد 30 أكتوبر 1994 وأعلن أنه نفد بالكامل. وحملت عناوين الصفحة الاولى: “لاول مرة في مصر.. النص الكامل لرائعة نجيب محفوظ.. أولاد حارتنا.. بعد 35 عاما من غيابها عن الشعب المصري”.  ومهدت الصحيفة لنص الرواية بمقالات لنقاد وصحفيين بارزين هم محمود أمين العالم وشكري عياد وفريدة النقاش وجابر عصفور وسلامة أحمد سلامة والممثل عادل إمام. فضلا عن رسومات للفنانين عبد الغني أبو العينين وجودة خليفة.عقب نشر الرواية في «الأهالي» أصدر كتاب وفنانون بياناً طالبوا فيه بعدم نشر الرواية في مصر بدعوى حماية حقوق المؤلف الذي نجا قبل أيام من الذبح، في حين وصف كتاب آخرون ذلك البيان بأنه «محزن». وفى ذلك الوقت، أعلن أيضا عدد من المثقفين والادباء والكتاب جمع تبرعات بهدف اصدار طبعة شعبية من الرواية، استجابة للنداء الذي وجهه محمود أمين العالم في لقاء المثقفين الذي عقد في مسرح البالون تضامناً مع محفوظ، حين دعا الى صدور الرواية فوراً، كرد على المتطرفين. وإذا بمبادرة الكتّاب الى طبع الرواية تشكل رفضاً لمصادرة ومنع اي عمل أدبي، مع أن بعضهم اشترط الحصول على موافقة كتابية من نجيب محفوظ، قبل البدء بجمع التبرعات.

كان المزاج الرسمى فى مصر، مع نشر الرواية، وخاصة أن صفوت الشريف وزير الإعلام وقتها الذى كان معترضا من قبل على النشر، زار محفوظ فى مستشفى الشرطة حيث يعالج، فسألته زوجة الأديب عن منع رواية “أولاد حارتنا” من النشر. قال لها وللصحافيين الذين كانوا موجودين وقتها في المستشفى: “لا مصادرة لأي فكر في مصر الآن”. وهذا ما اعتبر موقفاً رسمياً جديداً من “أولاد حارتنا”. بل ان صحيفة الاهالي قدمت للتلفزيون المصري اعلاناً عن نشرها “اولاد حارتنا” فأذيع من دون اعتراض. كما اتصل نبيل اباظة رئيس تحرير “كتاب اليوم”، وهي سلسلة شعبية شهرية تصدر عن مؤسسة “اخبار اليوم”، بعدد من النقاد لكي يكتبوا مقدمات للرواية وقال لمن اتصل بهم ان لديه وعداً من الدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي الديار المصرية بكتابة مقدمة لها… وإن الرواية والدراسات ستصدر في ديسمبر 1994 فى السلسلة الشهيرة. وقد صدر بالفعل الكتاب الذى حمل عنوان ” حكاية أولاد حارتنا” متضمنا مقالات لمحمود العالم، وسمير سرحان، والشيخ عبد الجليل شلبي، ولم يكتب شيخ الأزهر كما كان متوقعا! لم يتحمس محفوظ لنشر الرواية، فى ذلك الوقت، قال لجمال الغيطانى ويوسف القعيد وهو يرقد على سرير المرض عندما علم بمحاولات نشر الرواية: ” مش كفاية اللي انا فيه، هوه شوية؟”.. وبرر موقفه معتبرا أن القضية الآن هي محاولة اغتيال كاتب. ونشر الرواية سيجعلها طرفاً في القضية، وربما اصبحت الحكاية كلها هي حكاية الرواية وموقفها من الأديان. وأضاف محفوظ حسبما روى القعيد (الحياة-):” فالرواية لن تقرأ في هذا السياق سوى قراءة دينية، في حين ان المفروض ان تكون القراءة أدبية فحسب. ولو تم هذا، فسيفتح الباب الى اعادة النظر في الأدب الروائي كله من خلال الدين فقط. ان المطلوب الآن هو الكفاح والشرح والتحليل لرفع تهمة الكفر عن الرواية وتهمة الارتداد عن مؤلفها. اما نشرها فيمكن ان يتم بعد هذا”.

فى ذلك الوقت زاره، بعد الحادث زاره محمد الغزالي الذي كتب أول تقرير طالب فيه بمنع الرواية، وكانت الزيارة إعلانا منه لرفض محاولة الاغتيال. وقد روى يوسف القعيد تفاصيل اللقاء، وقد علق الغزالي على اتاحة الرواية في مصر قائلا إن “السموم أيضا تنشر خلسة والناس تقبل عليها” وشدد على أنه ضد الرواية ولكنه أدان محاولة الاغتيال التي “لا يقرها شرع ولا دين”. وردا على التمهيد للمحاولة ببعض الكتب التحريضية ومنها كتاب الشيخ كشك قال الغزالي إنه “رجل جاهل”.  وفى نفس التوقيت طلب المفكر الإسلامى خالد محمد خالد أن يكتب مقدمة للرواية. وبالفعل التقي بمحفوظ وسأله عدة أسئلة عن الرواية وأجابه محفوظ عن ظروف نشر الرواية. وكيف فهمها الأزهر. قال محفوظ: ” الأزهر قرأها باعتبارها تاريخا وليس كونها عملا فنيا”. وأوضح:” إنك حين تكتب عملا أدبيا فإنك قد يكون لك فكرة وتكون للقارئ فكرة أخرى، وللناقد فكرة ثالثة، والله أعلم أيها الصحيح، لكن تلك هى سمة الفن فهو يشع بالمعانى ولا يتوقف القارئ عن اكتشاف معان جديدة فيه كلما قرأت، لكن الكتب الفكرية كتب ذات معنى واحد محدد، والبعض نظر إلى أولاد حارتنا ككتاب فكرى، وهكذا ضاعت معانيها، لأنها لم تقرأ كرواية ولم تفهم إلا بمعنى واحد محدد”.

 -23-

فشلت عملية اغتيال نجيب محفوظ، ونجا من الموت بإعجوبة. بعد أسابيع قليلة على خروجه من المستشفى، وقبل أن يتعافى تماما، وجد نفسه متهما ومطلوبا في القضية (رقم 1787 لعام 1995 جنايات المنصورة)، وكان أحد المحامين ويدعى السيد السيد       عبد الرحمن من المنصورة قد أقام دعوى ضد محفوظ يتهمه فيها بإزدراء الأديان، وإضافة اسم جديد إلى أسماء الله الحسنى وهو “الجبلاوى”، وهي تهم تستوجب الحبس والغرامة، بل والتفريق بينه وبين زوجته قياسا على ما حدث لنصر أبوزيد. كانت هذه هي المرة الأولى التي تذهب فيها ” أولاد حارتنا” إلى المحكمة، رغم كل الجدل الذي أحدثته فقد ظل جدلا مكتوبا في مقالات أو بيانات رسمية تصدر من مجمع البحوث الإسلامية، أو اتفاقات بعدم النشر داخل مصر. تكنيك جديد إذن اعتمد فيها المحامى على ما نشرته جريدة الأخبار بأن محفوظ عندما أفاق من التخدير سأل زوجته عن موعد إجراء الجراحة له. فقالت له: لقد تم إجراء الجراحة. فضحك محفوظ وقال: ” إذن الجبلاوى راضى عنى”. حسب تحقيقات النيابة، لم يقرأ المحامى “أولاد حارتنا”. (مثله مثل من حاول اغتيال محفوظ) بل قال في التحقيق: ” حاشا لله أن اقرأها لما تنطوى عليه من خروج)!

ترافع عن محفوظ طوال الجلسات المحامى أحمد السيد عوضين الذي نشر تفاصيل المحاكمة والمرافعة في كتابه “محاكمة أولاد حارتنا”. وبعد خمس جلسات على امتداد الفترة من 23 مايو وحتى 30 نوفمبر 1995 قضت بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرطى المصلحة والصفة، وألزمت المدعى بالمصروفات. عدم براءة محفوظ يفسره محاميه بأن “القانون يوجب على المحكمة ألا تتصدى للحكم في موضوع أية دعوى إلا بعد أن يقضى في الدفوع الشكلية، أو بعبارة أخرى أن الحكم لا يعرض للموضوع إلا بالنسبة لدعوى مقبولة شكلا، فإذا شاب الشكل عيب يجعل الدعوى غير مقبولة، توقف القضاء عند ذلك وحكم بعدم قبول الدعوى لثبوت ذلك النقص الشكلى في شروط قبولها، وعلى راسها انتفاء شرط المصلحة بالنسبة للمدعى!”.

-24-

وفى عام 2005..ذهب عضو مكتب جماعة الإرشاد عبد المنعم أبو الفتوح إلى نجيب محفوظ ليهنئه بعيد ميلاده، وكانت أيضا “أولاد حارتنا” حاضرة فى المناقشات. أبوالفتوح قال أنه جاء ليهنئ محفوظ بشكل شخصى، لا يعبر عن الجماعة، وأنه مع نشر “أولاد حارتنا”، بل يلوم محفوظ أنه يشترط موافقة الأزهر قبل نشر الرواية..محفوظ استمع..وقال:” أنه ضد موافقة جهات دينية على نشر الإبداع، ولكن ” أولاد حارتنا” حالة خاصة..حالة خاصة جدا!”.  ورغم أن أبوالفتوح قال أنه لا يعبر عن شخصه فقط، وغنما عن جماعة الإخوان، إلا أنه سرعان ما تراجع تحت ضغط الهجوم عليه، تفجرت أزمة بينه وبين جماعة الإخوان التى أعلنت أنها لا توافقه على ما قال، الحملة الشرسة على أبو الفتوح عبرت عن تيار قوي ما زال يرى أن «أولاد حارتنا» رواية كافرة وملحدة وكاتبها يستحق القتل، واضطر أبو الفتوح إلى نشر تصحيح قال فيه «إنه لا يتفق أو يوافق على بعض ما ورد في الرواية».

-25-

 مرات قليلة لجأ فيها إلي القضاء، بحكم تركيبته الشخصية، وسلوكه الهادئ اختار دائما أن يواجه العواصف بطريقته الخاصة! ى نهاية عام 2005 أرسل محامى  أحمد عوضين إنذارا إلي دار الهلال لوقف طبع رواية (أولاد حارتنا) بعد أن أعلنت دار الهلال أنها تجهز للقارئ في سلسلة روايات الهلال في منتصف يناير (مفاجأة كبري..وأهم حدث أدبي في العام الجديد)!  ورغم حرص الدار علي أن يكون الأمر سرا ومفاجئا للجميع بمن فيهم محفوظ نفسه، إلا أن مجدي الدقاق رئيس تحرير الهلال خرج في أحد البرامج التلفزيونية ليعلن أن المفاجأة هي (أولاد حارتنا).بل إنه دفع بها إلي المطبعة وجهز غلافها واستخدم اللوحات التي نشرتها الأهرام أثناء النشر الأول للرواية في نهاية الخمسينيات. قال رئيس التحرير ( عضو الحزب الوطنى ولجنة السياسات)..أنه لم يحصل على موافقة أى جهة أمنية: ” أنا استفيد فقط من المناخ الديمقراطي الموجود في مصر. وأرفض الحصول علي أي ضوء أخضر أو أحمر من أية جهة سياسية أو دينية أو حزبية. لا توجد لدي مرجعية دينية أو سياسية أعود إليها عند نشر الإبداع، وليس من حق أحد أن يحتكر حق الإبداع والنشر”..وأعتبر أن  (أولاد حارتنا) لم تعد ملكا خاصا لنجيب محفوظ. ومن غير المقبول أن تظل الرواية ممنوعة في مصر تحت أية حجة أو سبب. إبداع نجيب محفوظ مثل أم كلثوم ليس ملكا له وحده وإنما ملك للجميع.

 بدء الأمر كأنه مناورة سياسية..ولكنها طرحت أسئلة شائكة حول حرية الإبداع والنشر وبين الحقوق المالية والأدبية للكاتب. هل يمكن أن نعتبر نشر رواية أصبحت جزءا من تاريخ الإنسانية ضد رغبة مؤلفها (اعتداء)جديدا عليه وعلي ناشره الأصلي؟ وهل سيجرؤ أحد من المثقفين علي إدانة نشر الرواية التي ظلت ممنوعة لأكثر من أربعين عاما في مصر ولا يتعرض لاتهام بأنه ضد (حرية )الإبداع…بينما لن نلتفت إلي شئ آخر هوحق المؤلف أو المبدع نفسه في تحديد زمان ومكان نشر عمله؟ باختصار السؤال الأهم هو: هل يبحث رئيس تحرير روايات الهلال عن (بطولة) علي حساب نجيب محفوظ…سواء أنجح في نشر الرواية أو فشل في ذلك؟ وخاصة انه سيتحمل ­ كما يقول ­ ما سينتج عن النشر؟ وخاصة مع تلميح البعض أن الأمر كله مجرد بالونة اختبار لموقف الإخوان المسلمين من الإبداع واستفزازهم للتحرك ضد نشر الرواية سواء إظهار وجههم الحقيقي أمام المجتمع الدولي، أو إحراجهم أمام المثقفين وخاصة بعد زيارة عبد المنعم أبوالفتوح عضو مكتب الإرشاد لمحفوظ وتأكيده علي عدم الاعتراض علي نشر الرواية! أيضا لم تنشر الرواية، كان على الجميع احترام رأى محفوظ الذى لم يكن راغبا إلى آخر لحظة في حياته في طباعتها لخشيته من ردود الفعل على أسرته التي لطالما أبقاها بعيدا عن الأضواء. لذا اشترط  موافقة الأزهر، وأوضح موقفه: “أولاد حارتنا، رواية إسلامية إيمانية مظلومة، وهذا ما جعلنى لا أوافق على نشرها فى مصر إلا بعد موافقة الأزهر عليها، أى بعد اتفاق الأزهر معى فى فهمى لها، ولماذا أشترط ذلك؟ لأنى لست ضد الدين، ولا ضد الأزهر، ولو كنت ضده، ولو كانت الرواية ضده، لدخلت فى تحد للأزهر، ولسعيت لنشر الرواية رغما عن الأزهر، لكننى لست كذلك، فأنا لست ضد الأزهر، ولا ضد الدين، فأنا أزهرى المولد والمنشأ، إننى أزهرى مدنى!”. ورغم حرصه على موافقة الأزهر، إلا أنه رفض بإصرار طلب البعض بأن يتقدم بطلب للأزهر لكى يعيد فحص الرواية، واعتبر ذلك ” سابقة خطيرة ضد الإبداع وحريته”! وهكذا أصر محفوظ  على التمسك بالشرطين اللذين وضعهما لنشر الرواية في مصر، وأعاد تأكيد الأمر على ناشره الجديد «دار الشروق»، أن تسبق النشر موافقة «الأزهر»، وأن يكتب الدكتور أحمد كمال أبو المجد مقدمة تسبق الرواية. كان محفوظ يريد أن يحصل على جواز مرور لروايته ممهوراً بتوقيع من مفكرين لهم مصداقية عند جمهور الجماعات الإسلامية، خصوصاً إذا كانوا من غير المحسوبين على النظرة المتطرفة لموقع الدين في المجتمعات الحديثة، وهو الأمر الذى جرى بعد رحيله عندما كتب أحمد كمال أبو المجد مقدمة للرواية لتصدر فى مصر فى طبعة شرعية لأول مرة.

-26-

لم يهدأ الجدل حول “أولاد حارتنا” فى أى وقت من الأوقات، كانت محورا رئيسيا فى كل لقاءات نجيب محفوظ مع ضيوفه، العرب والأجانب، فى الحوارات الصحفية التى أجريت معه، لابد من السؤال عن الرواية “المحرمة”..تنشر أو لا تنشر؟ كان السؤال سؤالا سنويا؟ فضلا عن أسئلة أخرى عن “تأويل” الرواية..ومقاصد محفوظ منها. محفوظ كان حريصا على أن يترك تأويل أعماله للنقاد، لم يتحدث عن أى عمل مفسرا أو موضحا، ربما كانت “أولاد حارتنا” التى حظيت من محفوظ نفسه بالتأويل والتفسير! كان هناك لقاء نادر حدث بين الراحلين محفوظ ونصر أبو زيد في أحد أيام (ديسمبر) 2003. يومها زار أبو زيد القاهرة بعد 8 سنوات من النفي إلى هولندا. جاء نصر ليحتفل بعيد ميلاده الستين و«يسوّي» أوراقه في «جامعة القاهرة». في تلك الزيارة، طلب نصر من بعض أصدقائه لقاء  نجيب محفوظ،  كان نصر قد تردّد على ندوة محفوظ في «مقهى ريش»، لكنّهما لم يتبادلا حديثا منفردا. فى اللقاء كان نصر مهموما بـ “أولاد حارتنا”..وانصبت أسئلته كلها حول هذه الرواية ” الإشكالية”. سأله بداية عن رواية «الحرافيش»…هل كانت صيغة أخرى من «أولاد حارتنا»؟ نفى محفوظ ذلك، قائلا «إنّهما روايتان منفصلتان». سأل أبو زيد: «لماذا حدثت ضجة عقب نشر «أولاد حارتنا» ولم تحدث الضجة نفسها عندما كتب توفيق الحكيم روايته «أهل الكهف؟» فأجاب محفوظ: «قد يكون اختلاف الزمن هو السبب، أو قد يكون الحكيم نجح في شرح فكرته أفضل منّي». وتحسّر محفوظ على الجو الليبرالي في العشرينيات والثلاثينيات، عكس ما هو سائد هذه الأيام. عدّ «أولاد حارتنا» امتدادا لتيار الإصلاح الديني كما أرساه محمد عبده. بدت أسئلة أبو زيد كأنّها تصبّ في رغبته في معرفة أسرار أزمة «أولاد حارتنا». هل كان في صدد كتابة شيء عن المصادرة حينها أم عن نجيب محفوظ؟ المهم أنّ محفوظ استفاض يومها في الحديث عن الرواية. وحكى- بطريقته الساخرة- عن لقاء جمعه بأحد شيوخ الأزهر: «جاء لزيارتي في مقهى «على بابا» قبل جائزة «نوبل»، وتناقشنا طويلا في رواية «أولاد حارتنا»، وبعدما اقتنع الشيخ بتفسيري للرواية، أخرج من جيبه كراسا وقال «أنا كاتب مسرحية عايزك تقرأها وتقولي رأيك».

ثم تحدث أبو زيد باستفاضة عن أزمته مع الجامعة، وكان محفوظ ينصت باهتمام، ويقطع الحوار أحيانا بـ«قفشة» من قفشاته الساخرة. بعد ثلاث سنوات، كتب أبوزيد في وداع محفوظ مقالا بعنوان «المقاوم العظيم»، موضحا أن «أولاد حارتنا» كانت «التعبير الأدبي عن تيار عميق الجذور في الفكر العربي المصري الحديث، وهو تيار يمتد إلى محمد عبده رائد الإصلاح الديني الحديث بلا منازع». وهكذا من كل هذه الوقائع، كانت ” أولاد حارتنا” “حالة خاصة، حسب وصف محفوظ لها، لم تكن مجرد رواية طرح فيها أسئلته حول العدل والحرية. هي حكايتنا مع السلطة، والرقابة. حكاية المجتمع نفسه وصراعه للتفكير خارج الخطوط الحمراء. الكتاب الرمز لمعركة ثقافية وإجتماعية وسياسية، لم تنتهى بل تتخذ كل فترة شكلا جديدا ومثيرا. لم يفعل محفوظ شيئا سوى أنه سجل الحكايات التى يتناقلها شعراء الربابة، أو يرويها الرواة الشعبيون، سجلها الرواى لأن أحد أصحاب عرفة أوصاه بذلك: “أنت من القلة التى تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا؟ إنها تروى بغير نظام، وتخضع لأهواء الرواة وتحزباتهم، ومن المفيد أن تسجل بأمانة فى وحدة متكاملة ليحسن الانتفاع بها”..سجل الرواى/محفوظ الحكاية الشفهية المتوارثة..ليحكى عن حلمه، حلم البشرية بأن تمضى الحياة فى الحديقة والناى والغناء، وأن تشهد الحارة مصرع الطغيان، ومشرق النور. فى الرواية، كان محفوظ يحقق، ربما دون أن يدرى أو يتعمد ذلك –ذلك الحلم القديم لكمال عبد الجواد (قرينه فى الثلاثية)..كان كمال:” يحلم أن يؤلف كتابا، هذه هي الحقيقة، أي كتاب؟، لن يكون شعرا، إذا كانت كراسة أسراره تحوي شعرا، فمرجع ذلك إلى أن عايدة تحيل النثر شعرا لا إلى شاعرية أصيلة فيه، فالكتاب سيكون نثرا، و سيكون مجلدا ضخما في حجم القرآن الكريم و شكله، و ستحدق بصفحاته هوامش الشرح و التفسير كذلك، و لكن عم يكتب؟ ألم يحو القرآن كل شيء؟ لا ينبغي أن ييأس، ليجدن موضوعه يوما ما، حسبه الآن أنه عرف حجم الكتاب و شكله و هوامشه، أليس كتاب يهز الأرض خيرا من وظيفة و إن هزت الأرض؟! كل المتعلمين يعرفون سقراط، و لكن من منهم يعرف القضاة الذين حاكموه؟!”. هكذا ظلت الرواية في دائرة الضوء..منذ نشرت مسلسلة في جريدة الأهرام وحتي بعد رحيل محفوظ (2006) عندما صدرت الرواية بمقدمة كأنها صك براءة لاهوتية لعمل فني خيالي. وبين الحدثين.. جرى فى الكواليس وعلى خشبة المسرح حكايات..بأبطال عديدين: رؤساء جمهورية ومسئولين ورجال مخابرات وكتاب وشيوخ، وقتلة.

صلاح جاهين ضد الغزالى

-27-

اللص المجهول الذي سطا على فيلا أمير الشعراء في اليوم الذي بدأ فيه نجيب محفوظ نشر “أولاد حارتنا” لم يعد مجهولا، فقد سطا بعد أيام على فيلا أم كلثوم، وتمكن البوليس من القبض عليه، وحكي في التحقيقات أنه ارتكب 58 جريمة. ولكنه تمكن من الهرب قبل محاكمته! وبعد شهور قليلة. كانت الصحف تتتبع خطوات اللص: محمود أمين سليمان، تفتش في تفاصيل حياته وعلاقاته، وتاريخه، وعائلته. وزواجه الفاشل. “السفاح” أصبح لقبا له. إذ لم يعد لصا يسرق بيوت المشاهير وإنما قاتل أيضا. قاتل بحثا عن العدالة كما قال. حكاية محمود أمين سليمان كانت الموضوع الرئيسي لكل الجرائد في مصر، باعتبارها قضية رأي عام. على مدي ثلاثة شهور تقريبا. الصحف تفتش في حياة اللص الذي تحول كما كتبت جريدة “المساء”: ” في خيال بعض الناس إلى أسطورة شعبية”. في اليوم الذي تمكنت فيه الشرطة من محاصرة اللص في إحدى مغارات حلوان. طلب سليمان من محاصريه أن يسلم نفسه بشرط أن يأتي له البوليس بزوجته سبب مأساته. ثم طلب بعد ذلك أن يأتوا له بالكاتب الصحفي رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل، ثم طلب أيضا أن يأتوا له بورق أبيض لأنه يريد أن يكتب مذكراته. الغريب أن الشرطة فتشت آخر شقة أقام فيها اللص في شارع محمد على، لتجد رسالة موجهه إلى رئيس تحرير الأهرم. كتبها سليمان في كراسة مدرسية، ونشر هيكل نصها في الصفحة الأولي من الأهرام، طلب اللص منه أن ينشر له الأهرام سيرته الذاتية، في حلقات، بل كتب اللص عناوين الحلقات: “محمود أمين يتكلم بعد صمت ويخص الأهرام بهذه الرسالة” وشرح لهيكل بأسلوب روائي ملئ بالأخطاء اللغوية دوافعه للسرقة، وخيانة زوجته له”. ونفي عن نفسه أن يكون ” سفاحا، بل مجرد إنسان منكوب بخيانة زوجته”. نشر هيكل الرسالة كاملة. لتنتهي قصة “السفاح” صحفيا. مع صخب هذه الأحداث، كان هناك “عقل” آخر يتتبع، ويربط الحوادث والدوافع. ويتابع الرسائل. وينشغل بها. لم يتوقف نجيب محفوظ كثيرا أمام الصخب والضجيج الذي احدثته “أولاد حارتنا”. المعركة حولها لم تشغله طويلا، فقد كان مشغولا بالسفاح، أو اللص الغامض، والذي سيكون فيما بعد بطلا لروايته “التالية”، حتى إن الكاتب يحيي حقي سأله في تلك الأيام: ماذا تقرأ هذه الأيام وما يشغلك؟ فأجابه: لا شغل ولا تفكير إلا في محمود أمين سليمان. وإذا كان هم محفوظ في “أولاد حارتنا” كان الوصول إلى ” مشرق النور والعجائب”. فإنه حاول أن يختبر ذلك في “اللص والكلاب” التي كانت إعادة كتابة لـ “الرواية الممنوعة”. هي قصة واحد من أبناء الحارة، باحث عن العدالة، مستخدما نبوته الخاص منفردا للوصول إلى العدالة. ولكن دون أن يقدم بديلا فيكون مصيره الفشل.

ربما كان ذلك مما تعلمه من استاذه سلامة موسي، إذ لا يمكن لأى رقابة أن تمنع الأفكار. موسي أصدر فى الثلاثينيات كتابه “الاشتراكية” وتمت مصادرته ومنعه، حتى أن محفوظ نفسه لم يستطع أن يقرأ الكتاب فى دار الكتب إذ كانت استعارته ممنوعة.  لم يطلب محفوظ الكتاب من سلامة موسي فيما بعد عندما التقاه وتصادقا.. وقد فسر محفوظ الأمر فى حوار خاص معه:” لأن سلامة موسي عبر فى مجلة “المجلة الجديدة” عن الأفكار الموجودة فى الكتاب ولكن بأسلوب آخر”. ولأن الرواية عند نجيب محفوظ هى رحلة بحث، سؤال مفتوح، فقد حاول أن يختبر الأسئلة الممنوعة فى ” أولاد حارتنا” فى رواياته الأخري.. أعاد كتابتها مرات ومرات بإسلوب آخر، فى “اللص والكلاب”، وفى “الطريق”، وفى ” الشحاذ”..وفى الحرافيش..وفى قصته القصيرة” زعبلاوى”..لهذا لم يصر على نشرها عندما طالبه الكثيرون بذلك بعد نوبل أو بعد حادث الاغتيال، كان يبدو فى موقفه أنه يسخر من الجميع:” ابحثوا عن نفس الأفكار بصيغ أخرى فى أعمالى”. كانت “اللص والكلاب” أول صفعات محفوظ ضد من تآمروا على “أولاد حارتنا”، هي إعادة كتابة لها، فكادت أن تمنعها الرقابة أيضا!

المساهمون

ميجو

ميجو

رسوم