الحالمون

الجندرية والسياسة

مهاب نصر مهاب نصر

“…ومجال الفردية الأول هو الحب، وبديهي أن يكون لكل منهم (الكتّاب الرومانسيين) قصة حب حائر أو عاثر، خائب أو منكوب، سواء استند هذا الحب إلى أساس من الواقع أم هيأوه من البداية لأنفسهم واعتصروه من ذواتهم، وفي النهاية فإن هذا الحب هو عناق الذات والألم، هو حنين إلى «المرأة» لا إلى امرأة بعينها». كتاب الأحزان ـ ناجي نجيب ص 143

“إن الكلمة قد نحّت القدرة على التجربة وعن مواقعة عالم الحواس والواقع، وأصبحت تسمية الشيء تغني عن الشيء”. المصدر نفسه ـ ص 38

“إنما يظل العنصر المشترك، وجه الاستمرارية الأكثر صدقا بين جيلين (الستينيات والسبعينيات)، والأكثر غرابة ومأساوية، هو تلك الخلطة المميزة من المواقف الفكرية الراديكالية، والمواقف الوجدانية العدمية! ولكن الغرابة هي طبيعة كل حقيقة. فالجوهر المشترك في هذه الخلطة (….) هو الهزيمة” أروى صالح “المبتسرون” ص 25، 26.

……………

أول مرة أتنبه إلى المعضلة التي يمثلها الرومانسي، (الرومانسي المصري وربما العربي) كانت عبر حوارات لا تنتهي مع أروى صالح عن الحب وعالم الصور القاسي، والمدهش أنها في آخر رسالة منها إليّ كتبت أن كلينا كان رومانسيا بطريقته. كانت هذه الخاتمة مفارقة بحد ذاتها ولا تعني بالضرورة أننا تعلمنا شيئا، فالفتنة المدهشة للعاطفة المطالبِة والمورطة أخلاقيا، والحب المبني على خيالات عطاء غير محدود لكنه مؤجل إلى ما لا نهاية، كانت مغروسة في الرحم الذي لم يفصلنا عن مشيمته؛ عن ثقافة “وطنية” كنا نتصور أننا تحررنا منها، بينما هي هنا، تصنع من الحب مسرحاً وعذابا وعجزا وإرادة مغلولة وصدقا شرسا وشهوانيا لأنه بلا واقع يستند إليه. كانت أروى أول من نبهني بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى الطابع الإجرامي للرومانسي (رجلا أو امرأة)، أو ما كانت تسميه “الحالم”. في حب “الحالمين” هكذا كنا نتصور أن عاطفة فردية يمكنها أن تفصح عن كل ما أجلناه: الحرية بالتحديد والتطابق مع الذات، أن تنجو، وتنجينا معها، وأن تكون هذه الحرية هي الاثنين وقد صارا واحدا. لكن “كنّا” هذه مشكوك فيها، إذ أن ثمة نوعا من المنطق الموحّد يؤسس للتشابه، لكنه تشابه وحدات ضرب التاريخ حول كل منها عزلة لا مهرب منها؛ أشباه وأغيار بلا شفاء. وهذا بالتحديد هو مصدر الحب المبغض، الانتحاري والمستبد في اللحظة عينها. لقد تأسس الحب كـ”مطلب” لعدالة بديلة. وكم كان هذا مشبها لكل الاحتجاجات السياسية المحلية، حتى في الوقت الذي تُطوى فيه صفحتها، وكأننا نقلب القماشة نفسها على الظهر.

لا تختلف المطالبة، وهي المحتوى الوحيد لحرية ولحب من هذا النوع، عن “سلطة” معلقة تبحث عن عالم مماثل وموضوع لها. إن سلطة الحب هذه، مثلها مثل السلطة الوطنية، كانت مرتهنة بنظام عالمي وقيمي ألقيت فيه دون أن تكون جزءا فعليا منه. أي أنها فقدت معنى التأسيس. هكذا تشكلت رغبات السياسة والحب بلا موضوع فعلي، بل وفق خيالات مبتورة، موطنها الكتب والروايات. وعلى سبيل المثال فإن ناجي نجيب في كتابه الفاتن “كتاب الأحزان” يحدثنا عن الكتاب الرومانسيين العرب “فرديو النزعة ـ عاجزون عن تحقيق هذه الفردية”، ومن ثم يلاحظ نجيب اعتصام هؤلاء بنوع من الأيدولوجيا الشعرية. يكتب نجيب عن دعوة المنفلوطي إلى عدم اتباع الغرب وإلى “الاستقلال النفسي” للشرق كرديف للاستقلال السياسي، قائلا إن مصدر نجاح دعوة المنفلوطي والإقبال على كتاباته لم يعد إلى كونها مؤسسة على دراسة عقلانية ومعرفة وخبرة تاريخية، بل هي ترفض الاجتهاد وتزدري الغريب. فالمنفلوطي يقترح أيديولوجيا الإنسان كنفس شعرية، ويقوم على تغذية الأطر الذهنية والنفسية عوضا عن التاريخ. (كتاب الأحزان  ص 46). 

عالم السياسة نفسه بحسب، نجيب، تشكل وفق “إزدراء السياسة” والخوض في الجدل الأخلاقي والحقوقي “واستخدام ألفاظ إيحائية عن الشرف والكرامة” (كتاب الأحزان ص 50)

لكن يجب التنبه إلى أن ما بين السياسة والحب (الوطنيين) لم يكن مجرد تشابه. بل المقصود هو كيف نشأت السياسة الحديثة باعتبارها “حباً”، حب محافظ أو استحواذي، مثالي أو ماجن. فالرغبة المؤسسة للحب هي عينها التي تؤسس للسياسة في مجتمع “المبتسرين”. أما من هم المبتسرون؟ فهم في الحقيقة المجتمع كله. وهكذا يمكننا أن نرى عبدالناصر نفسه وجها آخر للمبتسرين، فكلاهما، ومعهما شعب كامل، تأسسا في الوعي المُطالِب. كان ناصر مثلا يملك السلطة (أو توهم ذلك في الحقيقة). مفترضا أن سلطته واقعة مكتملة بينما كانت مبنية على نوع من التوازنات كما تذكر أروى بحق، هي بذاتها أشكال من ابتزاز المطالبة. وهذا أول إسفين في حلمه، إذ تكشف ممارسته للسلطة المحلية القاصرة، في غياب أي مرجعية حقيقية، عن عدم الأصالة والانتهازية (في عالم القطبين الرأسمالي والاشتراكي) ثم الاستسلام التدريجي للشروط باعتباره “نضجا”. 

إن تحطم الحلم لا يفطم الرضيع الرومانسي الوطني، بل يؤجل الحلم لمسافة أبعد، بينما ينخرط (الرضيع) في حياة واقعية اعتبرها من البداية قذرة، والآن لابد من الخوض فيها. إن الرومانسي الوطني غارق في الذنب والاعتراف لا بسبب إيمان ديني، بل بسبب غياب هذا الإيمان نفسه أو ما يعادله، واستحالة استعادته. فمن دون  “القذارة”، لن يجد المبرر لتسويف الحلم ودفعه خطوة أخرى إلى الأمام، ومن دونها أيضا لا يتمكن من عيش الواقع الذي رفض النظر فيه من البداية. وكما قلنا فإن ما يجمع السياسي و”المحب” الوطني هو تبخيس السياسة من جهة، والعلاقة الواقعية من جهة أخرى. وهكذا فإن استمتاعهما بالحب أو بالممارسة السياسية لا يخلو من الإثم الذي يتجلى دائما على هيئة عنف مجاني، نوع من تمزيق الأوصال للذات، وللآخر أيضا باعتباره ضمير هذه الذات. 

الأخوة الجندرية

من المحير أن التاريخ الحديث للجماعة الوطنية هو في الوقت ذاته تاريخ استعارات، ومن ثم فإن فحصنا للاستعارة ليس من باب الاستئناس والمقاربة الأدبية بل بالإفادة من الدلالات التي منحها التحليل النفسي لأشكال المجاز والتي يعبر مأزق تكرارها عن تعطل التاريخ.

فمثلا لا يمكن النظر إلى تجربة الحب في جيل السبعينات “التي توقفت عندها أروى طويلا” بدون النظر إلى النقلة الاستعارية لطبيعة الجندر بعد ثورة يوليو؛ أي في ظل مزاعم التحرر الوطني.

تشكل النقلة التحررية من الاستعمار مع يوليو، بغض النظر عن الطريقة التي تم بها أو أعلن عن نهاية الأخير، قفزة حقيقية في مضمون الحب والسياسة معا. إذا ما كانت المؤسسة البيروقراطية قد نشأت بلا معنى سياسي واضح، فإنها أدغمت السياسة في الحضور الخالص للقانون والأداء الرمزي المكمل كل منهما للآخر، وميز هذا الإدغام نضال أصحاب الطرابيش، فكان تفرغا للسجال القانوني والبرلماني وكأن السياسة مجرد مرافعة حصيفة أو مفحمة، وهو ما يفرد له صبحي وحيدة صفحات من كتابه “في أصول المسألة المصرية”.

بخلاف ذلك فإن الدفع الاستثنائي الذي شهدته الخمسينات والستينات تحت مزاعم التحرر الوطني شكل مضمونا مؤقتا، «تطهر» المجتمع فيه من الغرباء، وكأنه بذلك قد تعين، وصار «الآخر» المختلف «المستعمِر» على مسافة آمنة لتأكيد هذا الزعم.

‎⁨اروى صالح مع صديقات من زميلات جيل السبعينيات؛ توحيدة الجويلي، مها ترك⁩، لعب على صورة عثر عليها من البحث الحث الحر على الإنترنت

تحت الشعار الوطني وُجد شيء كالحلم سريع الزوال من الأخوة الجندرية. انُتقد ضمنا البروتوكول السياسي «البيروقراطي» باعتباره شيئا من الماضي الداعر، وكذا العلاقة المزدوجة بالمرأة بين الهيام المعذب كما في أغنيات أم كلثوم، والحب المحافظ في بيوت الطبقة الوسطى.

شاهدنا أفلاما عن حرية اختيار الشريك. وهبط الغناء ولو نسبيا من تمجيد العذاب إلى مخاطبة الآخر الحاضر بشخصه كما في أغنيات عبدالحليم حافظ. كان ثمة ضمانة لهذا التغير؛ هو دخول المرأة للمجال العام كامرأة مكافحة وشريكة في “الثورة”. ومن ثم فإن لقاء الرجل بالمرأة كان يتم بضمانة “الروح الجديدة” للأمة، وهي، للمفارقة، الروح نفسها التي انتزعت امتياز الجنس من المواطنين، وخلصت كلا منهم من عبء الفكرة الجنسانية نفسها في إطار اتحادهما العامل. مجدت أشكال «الجهد» العضلي والذهني للمرأة باعتبارهما كفاحا. وبغض النظر عن صدقية هذه الصيغة، وحتى واقعيتها، فقد بدت ساحرة وتقدمية ولو ظاهريا.  

لقد سمح هذا بالتعبير عن الحب كنوع مقابل من البطولة المضحية، ومنحه ذلك، في مشهد قد لا يتكرر، نوعا من الكرامة الفردية المقابلة للكرامة الوطنية. لقد صار عذاب الحب حقيقيا ومباشرا كما ألم الخيانة أو الرفض أيضا. وإذا لم يكن الحب عادلا بأي حال، أو كانت علاقته بالاستحقاق والعدالة موضعا شائكا، فإن الكرامة المكتسبة في المجال العام للمحب الصادق كانت كفيلة بنوع من التعويض والتصعيد. لقد كان ذلك زمن تمجيد التضحيات، زمن ضمانة المجال العام لعدالة مثالية. تكثفت السياسة باعتبارها رغبة الفرد في الالتحاق بالجموع، ورغبة الجموع في التطابق مع حلمها. أي أنه لم تكن ثمة سياسة، كما كانت صورة الحب التي قدمناها آنفا هي خيال جمعي لا يمثل الواقع العام بل تصورات النخب الجديدة.

الغريب أن هزيمة النظام ونكسته بعد عام 1967 لم تسقط الصورة تماما، بل أزاحت حلم التمثيل السياسي والأخوة الجندرية في شكل أكثر مثالية، وصار حب جيتوهات الجيل المتمرد استكمالا للوعد المخفق، ولذا تأسس الطابع الجمالي الجذري لهذا النضال، والوضع المركزي أيضا لفكرة الحب فيه كما استعرضتها أروى.

إن كتاب أروى “المبتسرون” نفسه هو كتاب رومانسي (بمعنى خاص جدا للرومانسية)، يقيم حائطا نقديا من الحجاج الذكي ضد الزيف الرومانسي المرتبط بالضمير السياسي والفكري، على خلفية واقع غير ملهم. وكلمة “مبتسرون” في حد ذاتها هي استباق نبيه ومغرض في الآن نفسه، فمن حيث يجب أن يكون هذا “الابتسار” هو المشكلة، يتحول بمفارقة النبل الانتحاري إلى طيران عاجز، شهادة تفوق مطروحة في الهواء الطلق لمقصوصي الجناح، لمن ذاقوا معنى أن تحملهم الأكتاف في مظاهرة فكأن حناجرهم في منطقة بين الأرض والسماء لا ينجون من ذكراها أبدا.

قصت عليّ أروى قصة الكتاب “الأصلي”. عن رحلتها الاستشفائية إلى إسبانيا التي انتهت بردة قاصمة للهيستيريا، عن جارها الشاب الإسباني الذي زارها يوما وفوجئ بثلاجتها شبه فارغة. عن انطلاقها في كتابة “المبتسرون” بروح محمومة على شفا الجنون. ثم عن تخلصها من كل ما دونته. لا أذكر إن كانت قد أحرقته أو ألقت به إلى القمامة. لكنها ظلت نادمة، تنظر إلى “المبتسرون” الجديد الذي أعادت كتابته كنسخة باهتة عن الأصل. هذا الندم ضروري جدا. لأنه هو نفسه استباق، وقطع لمسار المستقبل بفكرة “الأصل الغائب”. الكمال هو تذويب الذات في الكتاب، حريق وخلاص، استثناء داغم يقضي على مشكلة ازدواج الارادة أو تعددها. هذه هي الكذبة الرومانسية الأكثر فداحة. 

في المقدمة التي أضيفت إلى الكتاب (والتي كتبت بينما كانت علاقتنا توشك على الانتهاء) تحدثت أروى عن لقائها بـ”الجيل الجديد” الذين اعتبرتهم متخلصين من فكرة “الحلم”، تعلموا أن ينظروا “بحياد إزاء المآسي”، كانت عبارة جاهلة ومرتعبة. ولم تكن صحيحة على إطلاقها. يا إلهي! ألم تكن القسوة وادعاءات الحياد الأخلاقي نفسها هي الوجه الآخر للرومانسي بزعم التحرر من الأوهام؟ 

ذلك أن برنامج الأخلاق الرومانسي يتجاهل الواقع بالذات، ومن ثم فإنه مع اكتمال الدورة يعود لينكر الأخلاق نفسها جملة، مسلما بالواقع، ساخرا ومتهكما بابتسامة شائهة على المواقف الأخلاقية في حماية للذات لا تخلو من النفعية.  

ليس الندم ما كنا مطالبين به إذا صحت النوايا، ولا المصالحة مع الذات بعد أن فات الأوان؛ بل العار.. الشعور بالعار.

لكن واحدا من الاستباقات الملهمة، التي تجاوزت فيها أروى أبناء جيلها، ومَنْ بعدهم أيضا، باستبصارها العميق هو ما أسمته “العدمية الوطنية”. لقد كشفت أروى بلا رحمة عن الطابع العدمي للمزاعم الوطنية من خلال نقدها للحقبة الناصرية. وربما تحتاج هذه الأفكار إلى نزع الطابع الأخلاقي منها. كان هذا النقد ضروريا لها، لتجد موطئ قدم بعد الشعور المضني بالخديعة والاقتلاع. ولكن ربما كان على الواحد أن يتقبل بشكل نهائي هذا الشعور بالاقتلاع، عوضا عن البحث عن نوع من المواساة. 

بدا “المبتسرون” في الكتاب أسرى خديعة وطنية تربوا في حجرها بالذات، لكن ربما كان من الأمانة أن نتقدم بهذا الاستباق خطوة أخرى لنتساءل عما إذا كانت تلك الأوطان نفسها، أوطان ما بعد الاستعمار، هي المبتسرة، بحيث إن الهويات المنتسبة إليها حتى حينما كانت تطمح إلى طرح أسئلتها الإنسانية،  تبدوا عاجزة بالولادة، وكلما غامر الحالمون بالقفز على “الابتسار” سقطوا في تشوهات أكثر تعقيدا، وبدت نصف أسئلتهم معلقة في الهواء، ونصف أبدانهم يمضي ببطء في الأوحال؟. 

عواء الرضيع

تحكي رواية “العسكري الأسود” ليوسف إدريس قصة واحد من جلادي السجون في العهد الناصري، محترفي التعذيب الملتذين بالقسوة والإيلام المجاني. أما الشخصية المقابلة له فهي لطبيب تعرض في شبابه للسجن نتيجة آرائه، واحتفظ ظهره بعلامات سياط “العسكري الأسود”. غادر محبسه وهو كائن آخر؛ عدمي ومصنوع، بارد ودقيق. أتوقف فحسب عند أحد المشاهد الأخيرة للرواية. يدهم “العسكري الأسود” مرض غريب؛ نوع قاتم من رهاب باطني لا شفاء له. يتواجه الاثنان (الضحية والجلاد) في ذلك المشهد بصورة مقلوبة: الطبيب يأمر ويعنّف، و”العسكري” ينكمش كالجنين على فراشه بجوار زوجته. يحكي الرواي: “وكانت المرأة أول من تحرك، تركتنا واقفين مشلولين واندفعت إلى جانب الحجرة التي تصاعد منها العواء بلا خوف أو وجل، وكأن العواء صرخة طفل رضيع هي أمه، وما إن دخلت حتى تصاعد الصوت مرة أخرى لكنه لم يستمر، وما لبث أن انقطع كأنه فطم، وارتفع على إثره نحيب لولا خشونته القليلة لحسبته نحيب طفل” كان هذا هو صوت العسكري الأسود. (الرواية ص 35)

هذا المشهد، وربما الرواية كلها، هي شكل من أشكال الانتقام الخيالي من عنف السلطة، خيال لا يقل إشكالية عن عنف السلطة نفسها إن لم يكن يقف على الأرض ذاتها. ولكنه يلفتنا على الأقل إلى السؤال: لماذا ارتبطت إهانة السلطة بالمعايرة الجنسية في أدبيات عربية كثيرة؟ إن الاتصاف بالعجز الجنسي، أو “إهانة الذكورة” من خلال أوصاف نسائية تتبادله الضحية والجلاد، الأولون من خلال اختلاق نماذج روائية والآخيرون من خلال فعل القهر المباشر. لكن الخدعة هنا أن هذه الممارسة لا تفصح عن نظرة دونية للمرأة، بل إن مزيدا من التأمل يكشف عن العكس تماما.

إن دور المرأة في المشهد السابق هو الجذري في الحقيقة: إنها خارج التصنيف لأنها أصبحت “أماً” للرجل، لتكشف عن حقيقة العلاقة الخافية في قلب خضوعها للسلطة، إنها هي بذاتها السلطة المطلقة لا الغريمان: الجلاد والمسجون. السلطة بمعناها الاحتوائي الكلي غير المساءل والمكتفي بذاته. يعيدنا هذا المشهد إلى السؤال عن طبيعة صورة “المرأة” في إطار أزمة الدولة الوطنية، باعتبارها حقيقة واقعة، واستعارة كبرى في الآن نفسه. لكن من الخطأ النظر إليها على أنها استعارة بالمعنى البلاغي فقط، بل بالمعنى الأشمل، أي كمكون أساسي للاوعي الجمعي إن صح التعبير. 

يحتاج إيضاح هذا الدور إلى شيء من التطوير لما اقترحه بارثا تشاترجي (أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا). قسم تشاترجي فضاء الدولة القومية (التي تشكلت خلال مرحلة الاستعمار وما بعده) إلى فضاء خارجي “مادي” هو الفضاء الذي فرضت المجتمعات الحديثة المستعمرة نفوذها فيه، والفضاء الروحي الذي ينبغي لأمة المستعمرة أن تحافظ على نقائه (وهو أمر مشابه جدا لاقتراح المنفلوطي)، ممثلا للفضائين بثنائية البيت/ والعالم. “البيت يمثل ذاتنا الروحية الباطنية، هويتنا الحقيقية. العالم هو أرض غادرة لمتابعة المصالح المادية، حيث تسود الاعتبارات العملية، إنه أيضا وبشكل نموذجي حقل الذكر. فالبيت في جوهره يجب أن يظل غير متأثر بالنشاطات الدنسة للعالم المادي والمرأة هي تمثيله (أي البيت). وهكذا نحصل على مماهاة للأدوار الاجتماعية عن طريق الجنوسة لتتطابق مع فصل الفضاء الاجتماعي. (استيهامات استعمارية ـ ميدا ييغينوغلو  ص 243، 244). لكن النقطة الأهم هي اعتبار تشاترجي للمرأة “بمنزلة الموقع الأساسي للتعبير عن ثقافة الأمة” فكانت النتيجة “ظهور تعريف جديد للمرأة لم يكن متباينا مع المجتمع الغربي الحديث فحسب، بل متميزا عن التراث المحلي البطرياركي أيضا” (المصدر نفسه). لابد هنا من أن نفرق بين تأهيل الأوضاع الأخلاقية العملية والقانونية الناتجة عن هذا التصور واقعيا، والمفارقة الرمزية التي تجد في المرأة “الأم” كمالها العام والخالص: أي نقاءها المستحيل. لكن بما هي استعارة بالتحديد؛ فإن كل فشل قومي واقعي يحط بالاستعارة ويدنسها. وإلا كيف يمكن أن نفهم “كسّميات” نجيب سرور المقذعة والانتقامية من صورة الأم/ الوطن بالذات، والمسترسلة في مازوخية محمومة من أجل تدنيس مزدوج للأم والجنس معاً؟ ألا تعد هجائيات سرور انقلابا في صورة “النفس الشعرية” نفسها التي اقترحها المنفلوطي، أو هي الأقل الناتج الأكثر فداحة لفكرته بالذات؟

ضياع الأب

نتوقف هنا عند فكرة جاك لاكان حول ما يسميه رمزية الأب. في دفاعه عن اعتماد “مركزية القضيب” أوضح لاكان أن ثمة إساءة فهم لفكرة “القضيب” الفرويدية من قبل المحللين النفسيين الذين عارضوها. فليس المقصود بالطبع هو العضو البايولوجي، ولا كونه فقط كناية عن الأب، بل المقصود هو مركزية الأب. يتمثل الأب في حضوره الثقافي الرمزي حتى في غياب الأب الفعلي، حضوره كمستند للنسب ولتعريف الهوية لدى الذكر أو الأنثى على السواء. إن هذا الوضع الرمزي المجسد لسلطة الأمر الأخلاقي، والذي يفرض أيضا علاقة التحريم يتجه في مسارين في الآن نفسه: أمر موجه إلى الأم بعدم إعادة الطفل إلى الرحم، وأمر للطفل ياجتناب الأم وألا تكون هي موضوع إشباعه ورغبته. إنه الفصل المولد للثقافة وللدور الاجتماعي اللاحق.

جاك لاكان

فيما يتعلق بالوعي الجمعي الذي أعيد بناؤه في مرحلة الاستعمار وما بعده، أو بالأدق لحظة الدخول إلى العولمة الرأسمالية، كان الأب الرمزي غائبا. كان قد تلوث وحمل العار. حينما يغيب الاب الرمزي كمؤسس وضامن، تدخل الأم والابن علاقة التحريم والاحتواء العدمي. ثقافيا يعبر عن هذا بالسلطة الكاملة، أو الخضوع الكامل للرغبة واستيهاماتها، كما بالثورة أيضا. لكن في جميع الأحوال وحتى تمرر هذه العلاقة هناك البحث الزائف عن الأب وإنكاره. أي استعارة اسمه في غيابه، أو ادعاء مناشدته (استعادة البطل)، أو قتله المستحيل (كما يزعم الأدباء). وفي كل الأحوال يبدو الأمر هذيانا شاملا. إذ تتكشف دائما سلطة الأم، كواقعة كاملة الحضور، عن أنها هي الأصل الذي لا يمكن انتهاكه وامتلاكه: إنها شريفة وداعرة، نور وظلمة، استبداد واكتمال. تنشأ إذن ثقافة ظاهرها نداء الذكورة الذي ينحطم وينتثر في هوام الأمومة، أو ينكمش في ظلامها انكماش “العسكري الأسود”. وبخلاف “النسب”، الذي هو انطلاقة وعي وثقافة، يكون حضور الأم الطبيعي المباشر الملموس، والمتعدد واقعيا وخياليا (الأرض / الوطن/ الحقيقة..) مجالا وحيدا لانتماء عدمي لا يُسمّى، أو متعذر على التسمية. 

لا توجد رواية تفصح عن ذلك بقدر رواية “الطريق” لمحفوظ. فصابر الرحيمي يكتشف فجأة من اعتراف الأم المُحتضرة أن له أبا غائبا تسمّيه.. غير أن كل محاولاته في البحث عن “الاسم” تبوء بالفشل. الأم كانت تدير وكراً للدعارة هو كل إرث صابر الرحيمي الباحث عن كرامة النسب والاسم المفلتين كالسراب. وبسبيله في البحث يتعثر في الدعارة مرة أخرى، وتلوح المرأة في مجال شبق يقتحم حياته ويدفع به إلى الجريمة. دائرة لا تاريخية من الحلم واللعنة، الثورة والسقوط. إن فشل التسمية يعني فشل اللغة نفسها والشك في قدرتها على الأحالة وهو ما عبرت عنه قصائد شعرية لا حصر لها دون أن تفطن إلى سر هذا الفشل.

الحقيقة المستحيلة

هناك إذن حسد للأم وخوف منها واحتماء بدورها؛ خوف من الهجر ومن الإنكار، ورعبٌ من الأمومة في الداخل وفي العمق النفسي. يرتدي الابن قناع الأب الغائب، ذلك القناع الذي تهتكه الأم (الرمزية) سريعا لتكشف حقيقة النمو المبتسر للابن.. ابن بلا أب، أي بلا ضمير أو مرجع.

“الخوف من المرأة”، الذي تقول به المحللة النفسية كارين هورني*، ربما يكون تفسيرا متمماً، وهي وإن كانت تقر بمركزية القضيب إلا إنها تعدها مسألة ثقافية مرهونة بتنشئة وثقافة بعينها، بينما تطرح المقابل المباشر الواقعي لوضعية الابن من الأم والمتمثل في شعوره بالعجز أمامها لصغره وعدم قدرته على الوفاء بإشباعها. ومع هذا فبإمكاننا قلب الآية وفق ثقافة تصبح المركزية فيها للأم، حيث تصبح هذه الأم الكلية بما هي استعارة شاملة منبع الإغواء والإقصاء والعجز عن الوفاء بالرغبة. 

ما الذي يمثله هوام مواقعة الأم: إنها مواقعة الحقيقة حين لا تكون الحقيقة أكثر من اشباع مطلق غير مسؤول لا يختلف عن الموت، إنها ليست ممارسة إيجابية، بل حلم غرق فاتن، تفككٌ وانحلال. يقترب هذا النوع من تمثلات الحقيقة كثيراً من “الفن”، لكن بما هو فن فاسد، وهذا مصدر الشجن الدائم الذي لفت ناجي نجيب في “كتاب الأحزان”، إذا لا تنفتح الحياة بل تنكمش في وضعية الجنين، ولا تتقدم، بل تكون بمثابة تكرار لا ينتهي.

كلمة: “الحقيقة” في الوعي الجمعي (وهو يشمل المثقفين أنفسهم والانتلجنسيا عموما) تضع طموحا مستحيلا على مستوى الواقع، فبالطبع لا يمكن أن يتحول الواقع إلى فن، إلى لوحة للفرجة فحسب، إلى طقس احتفالي. لكن هذا ما كان يحدث بطريقة تدعو إلى التأمل. ولا يوجد أفضل تمثيلا لها من أغنية صلاح جاهين “صورة”.. صورة التئام عائلي تقصي كل من هو خارجها، لكن الأهم أنها: “صورة”. 

من أجل تأجيل الحقيقة (المستحيلة)، وبسبب من استيهاماتها، كانت تلك “الحقيقة” المزعومة تسحب من رصيد الواقع الذي تعيشه الأوطان. من جهة السياسة مثلا بدا الأداء أهم من الفعل، النوايا النبيلة (أو التي ينظر إليها هكذا) أجدر بالثناء من فهم الواقع والمصارحة. احتفظت السلطة بالأسرار (أو اعتبرتها أسرارا) حفاظا على نقاء الصورة، لكن الأهم: لأن السر هو شيء يختلف عن الحقيقة. إن السر هو معلومة مخفية وليس “الحقيقة”، وهذا الخفاء هو استراتيجية للإيهام. فحين الكشف عن السر يبدو وكأننا كشفنا عن الحقيقة.. هكذا تبتعد الأخيرة لمسافة أبعد. لعبة السر والفضيحة هي لعبة هذا المجتمع، بخلاف الإرث الثقافي الغربي الذي كانت جدليته تتعلق بالغموض والحقيقة وإن كان له مسار آخر من العنف. 

كانت السياسة المحلية تسقط في الترتيبات والإجراءات، بما فيها ترتيبات العنف. لقد كان الهدف غير الواعي في الترتيبات والنزعة الجمالية (للسلطة ومعارضيها معا) هو التشويش والإبعاد والتأجيل الدائم للحقيقة المستحيلة ذات الطابع الأمومي العدمي لوحدة الكل.. وحدة “المسيرة الكبرى” بتعبير أروى المنقول عن “ميلان كونديرا”**، أو “تحالف قوى الشعب العامل” كما كانت تُسمّى في عهد ناصر. 

حين يتحدث المثقف المحليّ، بنوع من المباهاة والتشفي، عن “موت الحقيقة”، وذلك على وقع فشل مشروع الدولة القومية أو سقوط الرموز أو الهيراركيات، فإنه يشير إلى غياب الأب وكأنه فضيلة، وكأنه لم يكن غائبا من الأساس، حاضرا في الترتيبات والعنف فحسب، وأن ما يحتاجه حقا هو مفارقة هوام الأم، إذ تبدو هي العائق الأساسي للنمو واستقلال الضمير. ويتلاءم هذا مع لوعة استحالة العودة للتاريخ، أو ضم عرى المجتمع الممزق، الذي شُكّل فقط وعلى عجل كمرادف للبيروقراطية الإدارية فحسب (كما أوضحت في مقال: البيروقراطية الماجنة)***. لذلك حملت هذه البيروقراطية المعنيين معا: النظام والدعارة. لأنها محاولة تنظيم ما لا ينتظم: أداء شكلي يستحضر منطوق القانون وبنود الإدارة، لكن ليس روحها ولا غايتها العملية أو العادلة، لأن هذه الغاية فقدت إلى الأبد. 

كلمة أخرى عن العنف

من المعلوم أن الدولة القومية بعمومها نشأت بأدوات العنف والرقابة، بما في ذلك عنف اللحظة التي تفترض وحدةً ما في أبناء التراب واللغة، ولكن ذلك كان يدخل ضمن انبثاق وتأهيل المجتمع الحديث على قاعدة العقلنة والرأسمالية. بدا هذا العنف مثمرا وربما كان ذلك ما يشير إليه فوكو وإن بشكل مرعب، إذ لم يعد العنف عقابا ولا طقسا مهيبا لسلطة بطرياركية، بل فقط نوع من التنظيم الحيوي القانوني للنشاط البشري. ويوضح زيغمونت باومان في كتابه “الحداثة والإبهام” كيف أن الدولة النازية نفسها لم تكن مجرد خطأ، بل هي مستقرة في مفاهيم التنظيم وكشف الغموض عن العالم والإنسان معا. هكذا يتحدث عن الدور العلمي الحاسم (حتى لو اعتبرنا ذلك أوهام العلم)**** في مساندة العقيدة الهتلرية ليس عن نقاء العرق فحسب بل عن خلق الإنسان المثالي. في الجهة المقابلة سنرى فشل العنف تماما في ترتيب شؤون الدولة القومية ما بعد الاستعمار. بل إن د. نزيه الأيوبي في كتابه “تضخيم الدولة العربية” يشرح على مدى مؤلفه الكبير كيف كانت الدولة العربية رغم تمركزها العنيف وضخامة آلتها عاجزة عن فرض إرادتها خارجيا أولاً، وغير قادرة داخليا حتى على تحصيل ضرائبها بشكل منتظم!.

لكن تتجلى حال العنف هنا على أنها نوع من الاضطراب العصابي؛ عنف مجاني لمن يخفي جريمة هشاشته بالتحديد. عنف يتأهب ويبادر وكأنه ممسوس. 

لكنني أتوقف تحديدا عند شكل العنف المرتبط بالإهانة المختزلة في عبارة “قل أنا مَرَة” وفي اغتصاب الذكورة. يتوجه هذا الفعل عميقا إلى نقطة يتواطأ فيها المعذَّب والمعذَّب؛ وهي اعتبار “المرَة” إهانة. وهل كان نجيب سرور في هذيانه البذيء يتهم السلطويين بأكثر من هذا؟ 

كلمة مرة (العامية المصرية) فيها ما هو أكثر بوضوح من كلمة “ست”. تبدو الأخيرة “تهذيبا” للأنوثة، ونوعا من الثوب المحتشم. بينما تظهر كلمة “مَرَة” وحشية متلونة عصية. هل يتبادل السلطوي والمعارض وصف “المرة” بشكل انتقامي فعلا؟ هنا مأساة كليهما. إذ يبدو وكأن هذا الانتهاك للآخر بوصفه “مَرة” هو ما يتمناه ويرغبه المُهين ذاته.  إنه التلذذ بالكشف عن الأمومة أو المرأة الكلية في الآخر وحسده في الآن نفسه. وهو أيضا رغبة في ان يعترف الآخرون بالدعارة المودعة فيهم.. “قل أنا مرة” تعني صرح بيأسك نهائيا، وأفصح عن الأم الداعرة.

الإبن الضال

يوسف شاهين مع ماجدة الرومي وهشام سليم في فيلمه”عودة الإبن الضال”

تعرض يوسف شاهين أكثر من مرة في أفلامه للدور القوي للمرأة بفهم نافذ إلى طبيعة الثقافة المصرية. ففي فيلمي “إسكندرية ليه”، و”حدوتة مصرية” سنرى أولا الدور الانسحابي للأب مقابل الدور السيادي للأم. وفي “حدوتة مصرية” بالذات، يهرب المراهق الجريح (الذي يمثل بطل السيرة الذاتية) من المظاهرة التي تطاردها الشرطة ليجد نفسه في بيت امرأة ناضجة تغويه وتضاجعه. يمثل هذا التعدي والانتهاك اشباعا وخرقا للنرجسية في الوقت ذاته، وجرحا يشكل هواما مستعادا واقعيا ورمزيا أيضا. لكن الفيلم الأهم هو “الابن الضال”. تلعب الأم في الفيلم كل الأدوار: السيادة والاحتواء والتمييز بين الإخوة واستبعاد الأب. إنهم جميعا يبدون أمامها متساويين أغرارا بينما تتلاعب هي بتحديد أدوارهم: السلطوي وريث الثروة القومية عقب زوال الاستعمار، والحالم بشعارات الثورة عائدا بالإخفاق إلى حضن العائلة. إن حكمة الأب الوحيدة في الفيلم، والذي يمثل جيلا أقدم من الوطنيين، هي حكمة التسليم بالدور المغوي والعدمي لقناع الأم. يربط شاهين في نهاية الفيلم بين انبثاق جيل جديد، وبين مقتل الأخوين في صراعها (الحالم والسلطوي) ولكن أيضا مقتل الأم وكأنه شرط لحياة جديدة آخذة بالابتعاد عن هذه التركة الملعونة. 

إن الطبيعة السياسية الرمزية للفيلم (رغم فجاجتها) ترفع مستوى التعاطي مع أقنعة الأم، والتي تحتاج إلى إعادة نظر جذرية في طبيعة ثقافتنا الحديثة باعتبارها استطرادا معكوسا لرغبة الآخر، بينما تبدو ظاهريا مشروعا وهميا للاستقلال على المستوى الرمزي (الفردي والجمعي)، عوضا عن الانخراط في العالم، والمبادرة والمشاركة في صياغة المجالات الرمزية بما يحرر الواقع نفسه بالمعنى المسؤول للحرية، لا بمعناها الحالم المهزوم.

هوامش

*كارين هورني Karen Horney محللة نفسية ألمانية توفيت في عام 1952، عارضت بعض الأفكار الفرويدية خاصة فيما يتعلق بـ”حسد القضيب”.

**كنت قد أهديت أروى نسخة من رواية “خفة الكائن التي لا تحتمل” لكونديرا.، وأنا أفكر في المشكلة التي يطرحها عن الخفة والثقل. وإلى الصورة التي توقفت عندها لحبيبة السارد التي ظهرت في حياته على طريقة التقاط امرأة فرعون لموسى، أي احترام القدرية بما هي ثقل محرّر. لكن، ومن أجل اكتمال المفارقة، كانت الرواية نفسها حافز أروى على استكمال المقدمة بإضافة صورة أخرى: المسيرة الكبرى، وفكرة “الكيتش”.. الحلم والخديعة. 

*** نشر بموقع “كتب مملة Boring books”

****نقل جيورجيو أغامبن في كتابه “المنبوذ.. السلطة السياسية والحياة العارية” عن عالم الأحياء الألماني أوتمار فون فروشوير قوله “ما من هدف آخر للدولة الجديدة غير تحقيق الشروط الضرورية احفظ الشعب.. كلمات هتلر هذه تعمني أن كل فعل سياسي للدولة القومية الاشتراكية يخدم حياة الشعب. نعرف اليوم أن حياة الشعب تكون مضمونة فقط عندما تكون الخصائص العرقية والحياة الوراثية للجسم الشعبي مصونة”