معرض دمشق

ليالي معرض دمشق الدولي من القاهرة

(سهرتنا عَ دراچ الورد)

عمرو ماهر عمرو ماهر

سيداتي وسادتي، مساء الخير.. في معرض دمشق الدولي يُقام مهرجانٌ فنيّ تُعرَض فيه ألوانٌ من الفنون الشعبية العربية.. وفي مهرجان هذا العام قَدّمت فرقة الفنون الشعبية اللبنانية، بالاشتراك مع فيروز، ألوانًا من الغناء، نقضي معها هذه السهرة.. وتبدأ بقصيدة سائليني، تُقدِّمها فيروز والمجموعة

معرض دمشقصوت المذيع من إذاعة صوت العرب، ينقل حفل معرض دمشق الدولي لعام 1960، وفي الخلفية تبدأ موسيقى قصيدة سائليني من كلمات الشاعر سعيد عقل ولحن الأخوين رحباني

سائليني حينَ عطَّرتُ السلام.. كَيفَ غَارَ الوَرْدُ واعتلَّ الخُزَام
و أنا لو رُحتُ أسترضي الشذا.. لانثنى لبنانُ عطرًا يا شآم

***

المتتبع لإنتاج الأخوين رحباني وفيروز يعرف أهمية الليالي الدمشقية لهم؛ فقد دأبت فيروز والفرقة الشعبية اللبنانية على إحياء حفلات معرض دمشق الدولي منذ 1959 وحتى 1977.. وطول هذه السنوات لم تتخلف فيروز عن معرض دمشق إلا مرة واحدة في 1965 لظروف حملها. ولم يفت جمهور المعرض أية مسرحية من مسرحيات فيروز الغنائية باستثناء أوبريت أيام فخر الدين 1966قدمت فيروز منوعات غنائية في المعرض ذلك العامومسرحية يعيش يعيش، وفي 1970 (قدمت مسرحية جديدة هي صح النوم)..

في أوائل 1958 حدثت الوحدة بين مصر وسوريا، صارت سوريا هي الإقليم الشمالي ومصر هي الإقليم الجنوبي؛ فكانت حفلات أضواء المدينة حفلاتهم، وبشكل أو بآخر صار معرض دمشق معرضنا وفخرنا..

في أبريل 1958، وبينما فيلمإسماعيل يس في مستشفى المجانينيحصد الإيرادات في دور العرض، استدعي الفنان ذو الشعبية الجارفة لتقديم فيلم جديد يتغنى بالوحدة الوليدة بين البلدين، فكان فيلم إسماعيل يس في دمشق. ومن أصلح من إسماعيل يس صاحب سلسلة أفلامفي الجيش1955في البوليس1956في الأسطول1957إسماعيل يس بوليس حربيسيُعرض لاحقًا في نهاية 1958!

في بداية الفيلم الطريفة يسافر إسماعيل يس إلى بيروت ويفقد حافظة نقوده بصورة ساذجة مضحكة، فقط ليدخل المطعم اللبناني ويأكل دون أن يكون معه أي نقود.. وحين تتأزم المسألة يعترف إسماعيل للنادل أنا هقولك الحقيقة.. بقا أنا مصري، وجيت هنا ووقعت محفظتي.. وكنت ميت من الجوع فجيت علشان توكلوني.. ليقول له النادل في كرم وأريحية وليش ما قلت هيك من الأول؟ أنت هون بوطنك، وواجب علينا نكرمك من دون شي..

في الفيلم يسافر الجميع لحضور معرض دمشق الدولي؛ يركض إسماعيل يس وخلفه الشرير توفيق الدقن يبغي قتله.. وتهرول الكاميرا بين أقسام المعرض ونوافيره لترينا مساحته الشاسعة وأجنحته المختلفة؛ جناح جمهورية المجر الشعبية Hongrie، وجناح الهند، وجناح الجمهورية الديمقراطية الألمانية Deutsche Demokratische Republik، وجناح جمهورية ألمانيا الاتحادية Bundesrepublik Deutschland، وجناح اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتيّة CCCP..

شارك إسماعيل يس في الفيلم أحمد رمزي وسميرة أحمد والمونولجست اللبنانية جاكلين مونرو، والتي شاركت قبله بشهرين فقط في فيلم آخر صُوّر أيضًا بين مصر ولبنان هومهرجان الحبمع صباح وأحمد رمزي.. تقول فنانة الإغراء جاكلين، الطامحة للشهرة

أنا اليوم عاشقة للنيل، وأعيش على أمل أن يتحد لبنان مع مصر وسوريا حتى يتاح لي العمل في الجمهورية العربية المتحدة، ويكون لي الصيت البعيد والشهرة الواسعة“.

وينتهي الفيلم نهاية سعيدة ويعود الجميع إلى مصر، أما إسماعيل يس فيقرر البقاء في سوريا قائلاً أنا حاطط عيني على بنت سوريّة.. هاتجوزها وأخلّف منها

ذرية عربية متحدة.

 

في 1959 قدم إسماعيل يس فيلمعريس مراتي“.. ما علاقة هذا الفيلم بالوحدة؟ إسماعيل يس في الفيلم شخصية إنسان لا يتوقف أبدًا عن الكذب.. ويضطر لادعاء الموت والهرب، وحين يراه عبد السلام النابلسي صاحب العمل، على الفور يختلق كذبة جديدة فيرد فورًا باللهجة السورية أنا چمعة أخو سمعة الكْبير، سيدي.. كنت في الإقليم الشْمالي.. چ. ع. م. سيدي.. هل يوجد من هو أظرف من إسماعيل يس؟

بعد استحداث وزارة إرشاد في الإقليم الشمالي أجري حوار معرياض المالكيأول وزير لها، وفي الحوار أوضح مهمة وزارة الإرشاد والثقافة وآمال التعاون بين البلدين والنهوض بالفيلم السينمائي السوري..

وبما أن البلدين صارا بلدًا واحدًا، اهتمت الصحف المصرية بالدعاية لمعرض دمشق الدولي، والتنوية بالمشاركات المصرية فيه، وصار موعدًا سنويًّا تغزو فيه إعلانات الخطوط الجوية السورية واجهات الصحف، في الفترة ما بين وسط أغسطس وأول سبتمبر، داعية الناس لزيارة المعرض الكبير..

ومع أن الوحدة مع سوريا انفضت في أواخر 1961 إلا أن أخبار معرض دمشق لم تنقطع عن مصر.. كل عام في سبتمبر كان الفنانون والصحفيون حاضرين للمشاركة والمتابعة والتغطية، وفيما يلي نستعرض بعض من تلك التغطيات المصرية لمشاركات فيروز، نجمة المعرض، والفرقة الشعبية اللبنانية..

يا قمر أنا ويَّاك 1959

كان المفترض أن تشارك فيروز للمرة الأولى على خشبة المعرض في 1958؛ الدورة الخامسة للمعرض والدورة الأولى في ظل الوحدة مع مصر.. وقد أُعلِن عن الحفل بالفعل، ونفدت التذاكر بالكامل، غير أن الحفل أُلغى ورُدّت الفلوس، وذلك بسبب مرضهليابن فيروز الوليد بداء اليرقان وملازمة أمه له.

في 1959 شاركت فيروز والفرقة في المعرض، وضمن إطار الوحدة مع مصر غنت فيروز في الفصل الأول وصلة فلكلورية مصرية كاملة بدأتها بـالحلوة ديلسيد درويش.. ثم غنت الفرقةطلعت يا محلا نورهاوعطشان يا صبايابإعداد الأخوين رحباني وبدون مشاركة فيروز..  واختتمت بـزوروني كل سنة مرةللشيخ سيد أيضًا..

في ختام الفصل الثاني قدمت فيروز مع الفرقة المغناة التي قدمتها في بعلبك 1959.. فتاة قروية تدعىهيفاءتغنى للقمريا قمر أنا وياك“.. يسرق الشباب المشاغب عنزة هيفاء، فتغني فيروز أغنية حزينةما في حدا“.. ثم تبدأ في البحث عن العنزة وتحاور أهل الضيعة عوافي، هيفا، لقيتي العنزة؟.. لا ما لقيتا.. برمتي عليها؟.. دنيي مشيتا..

(مشهد سرقة العنزة من بعلبك ومن مسرح المعرض)

مشوار 1960

فيروز

في فبراير 1960 نشرت الصحافة المصرية خبر تأسيس الفرقة الشعبية اللبنانية للأخوين رحباني.. تحت عنوان فيروز أصبحت من أصحاب الأعمال التجارية، وجاء الخبر كالتالي أصبحت فيروز والأخوان الرحباني من أصحاب الأعمال التجارية في لبنان، بعد أن ألّفوا (الفرقة الشعبية اللبنانية) وحصلوا على إذن خاص باستثمار هذه الشركة التي تضم الأعمال الآتية؛ إنتاج واستثمار وتوزيع الأفلام السينمائية والتسجيلات الغنائية والموسيقية للإذاعة والتليفزيون والسينما والمسرح، كما يحق للفرقة أن تنتج وتستثمر وتوزع الأعمال المسرحية من راقصة وغنائية في لبنان وخارجه.. وكذلك يحق للفرقة احتكار كل الأعمال الفنية التي تشتق من هذه المواضيع باسم الفرقة الشعبية اللبنانية“.

في 15 يونيو 1960 انتقل مذيع برنامجمجلة الهواءللإذاعة المصرية إلى لبنان، لعمل لقاء مع فيروز وعاصي الرحباني، يقول المقدم على بعد نحو عشرة كيلومترات من مدينة بيروت، تقع قرية أنطلياس، وهي قرية موجودة فوق رابية تحفّها البساتين من جميع الجهات.. وفي هذه القرية تعيش المطربة الكبيرة فيروز وزوجها الأستاذ عاصي رحباني“.

يُعرِّف المذيع عن فيروز بالمطربة الكبيرة.. متى أصبحت فيروز مطربة كبيرة؟ نحن ما نزال في 1960، أي في عصر ما قبل إنتاج المسرحيات الغنائية الرحبانية المعروفة لفيروز.. لكن السيدة فيروز كان لها عشر سنوات تغني، ومئات الأغاني، وصوتها يتنقّل بين إذاعات لبنان وسوريا وصوت العرب ومهرجانات بعلبك..

يطلب المقدّم من عاصي الرحباني سماع أحد الألحان الجديدة للسيدة فيروز، فيبدأ عاصي بالعزف على البيانو، وتغني فيروز مطلع قصيدةمشوارلسعيد عقل.. القصيدة التي ستغنيها للمرة الأولى في حفلتيّ معرض دمشق الدولي في دورته السابعة..

***

في معرض 1960 شاركت مصر اقتصاديًّا، وتصدرت إعلانات الشركات المصرية المختلفة الصحف القومية الثلاث داعية الناس لزيارة أجنحتها في المعرض؛ جناح بنك مصر، والشركة العامة للأدوية، وشركة مصر للتجارة الخارجية، والشركة العامة للبترول، والشركة المصرية لاستخراج السكر وتكريره.

وضمن الوصف الدعائي للدورة السابعة لمعرض دمشق الدولي أما الزائر فلن يستطيع أن ينسى هذا المعرض الحافل، في نهاره وفي لياليه.. ففي نهاره يستطيع أن يتزود بفيض من العلم والمعرفة والخبرة، حين يشاهد أفضل ما تمخّضت عنها حضارة الشعوب وتقدمها.. وفي لياليه سيجد السحر في ليالي الشرق التي لا تتهيأ إلا في مثل هذه المناسبة، وفي مثل هذه المدينة العظيمة العريقة (دمشق).. وفي ليالي المعرض يستطيع الزائر أن ينعم بألوان من التسلية والترفيه، فهناك فرق عديدة من دول مختلفة تقدم ألوانًا رفيعة من فنونها، وهناك ألعاب نارية تُحيل الليل إلى نهار، وموسيقات منوعة ومسارح وتسليات قلّ أن تجتمع في مكان واحد غير معرض دمشق الدولي“.

ويوجد لدى الإذاعة المصرية التسجيل الكامل للحفل من البداية للنهاية، بالفواصل والإلقاءات بين الأغاني والسكتشات.

***

يتحاور الملحن فيلمون وهبي مع وليم حسواني في سكتش فكاهي قصير

حسواني: دخلَك، أديش الساعة هلأ؟

فيلمون: لَمين عم بيحاسبك بالوقت بهالليل؟! شو مسكَّر الشركة؟! قافل المكتب؟!

لا.. بَدْنا نعرف أيّة ساعة بيطلع القمر..

فيلمون: بيطلع القمر بس غيب أنا.. قمرين سوا ما بيلتقوا..

يضحك الجمهور، وتشرع الفرقة في العزف، وتدخل فيروز تبدأ في غناءنحنا والقمر جيران“..

الليل والقنديل 1963

على خشبة معرض دمشق الدولي قُدِّمت مسرحية الليل والقنديل للمرة الأولى، قبل أن تُعرَض على مسرح كازينو لبنان في بيروت، في أحد الاستثناءات التي عُرِضَت فيها مسرحية رحبانية في سوريا قبل لبنان.. يا منتورة سمعنا كتير بحكاية قنديل كبير صاغ الرحبانيان المقدمة الموسيقية في توليفة مُجمَّعة لتيمات موسيقية من داخل المسرحية، ممزوجة بقناطر موسيقية وموزعة بفخامة ورشاقة. تبدأ المقدمة الموسيقية بالتيمة المصاحبة لهذا المقطع بالذات. تبدأ الموسيقى خافتة منذرة، ثم تزداد في الارتفاع والشدة مكررة المقطع ذاته، حتى تصبح التيمة مشحونة بالكامل. إنها الفكرة الكليّة للعمل؛ منتورة هي فيروز، والقنديل الكبير هو سبب الصراع.

تأتي القرى المجاورة لشراء القناديل من ضيعة منتورة المسؤولة عن حفظ المالكيس الغلّة؛ هناكهَوْلوقاطع الطريق الذي يكره الضوء، وهناكنصري الحارس” /نصري شمس الدين، كبير الضيعة وحاميها.. وهناكديبةالمريضة بذكرى حب كسير، فباتت تتربص بالجميع.

الجو المسرحي في البداية بسيط.. “منتورةتغنى لحبيب مجهول، تتمناه في خيالها.. وديبةتحاول أن توقع بين اثنين متحابين هما وردة وفارس، فتطلب من فارس أن يحمل لها المنديل حتى تساوي شعرها، ثم تعطيه تفاحة لتغيظ وردة.. تغضب وردة من فارس، فيصالحهما نصري الحارس، ويغنى لوردة أغنية دبكة في منتهى اللطف هييا أم الأساور“.. ويبدو أن الأخوين كان لديهما ماكينة عمل أغاني دبكة لنصري شمس الدين، يدخلون اسم الأغنية من جهة، فتخرج الكلمات من الناحية الأخرى.. يا أم الأساور.. يا أم الزنار.. يا أم الحلق والزينة (اللحن لفيلمون وهبي).. وهي أغاني غاية في اللطف والهضامةلدرجة أنك لست بحاجة أبدًا لحفظها.. ما أن يبدأ المذهب حتى تجد نفسك تقول مع نصري ومع الأغنية، كأنك تعرف الكلمات مسبقًا، ولن تخطئ إلى حد بعيد..

بسهر ليالي من شَوقي لَيْها.. وهيي عَ بالا ما حَدَا خاطر
يا ام الأساور.. يا ام الأساور

ذات يوم يتسلل هَوْلو للضيعة فيطارده الأهالي، فلا يجد سوى خيمة منتورة ليتوارى بها، فتوافق على مداراته دون أن تعرفه.. وبعد أن يفر تعرف أنه قاطع الطريق المشهور، ولكن الشفقة مع الحب كانا قد تسللا إلى قلبها. فتجلس على حافة بئر القرية، وتغنىفايق عليّأيهل تتذكر؟“.. تُرى هل كانت هناك صلة صداقة ومحبة قديمة بين هولو الغريب ومنتورة، أحيتها تلك الزيارة الخاطفة؟ لتستعيد منتورة ذكريات حب الطفولة مع الأغنية..

نحنا اللي كِنّا بهاك العليّة.. ونبقا نلعب بالقناطر وقت الشتوية

يقص نصري الحارس على منتورة خبر هَوْلو من مبدأه، بجمل قصيرة مكثفة، تجعلك تتخيل الصورة أمامك كمشاهد مرسومة متتالية في قصة مصورة صوت دياب.. هواش كلاب.. شِفْنا هَوْلو على الباب.. يحذّر نصري الحارس منتورة من هولو، حتى لا يضيع كيس الغلّة، والذي به تعب الضيعة كلها..

هولو الذي استولى على قلبه حب منتورة، يعيش في صراع بين عالمه الموحش الذي ألفه، وبين عالم منتورة البريء، وأمام الإلحاح والإغراء يأخذ هَولو كيس الغلة، في الليلة التي ينتظرها أهالي الضيعة للتقسيم والاحتفال.. ويحاول نصري الحارس أن يتدارك الموقف لو فينا نأجَّل سهرتنا، بلكي بتدبّر قصتنا، لكن وصولديبةيكون أسرع من أي محاولة.. ديبة التي تتلبسها نشوة الحقد الظافر تنادي على أهالي الضيعة، وتخبرهم عن الفاجعة بأسلوب كله تحريض لَيْش لبستوا تياب جديدة؟.. وتزيَّنتوا؟.. لا في عيد، ولا في سهرة.. الغلّة راحت كِلّا.. راحت.. طارت.. غلّة سنة كِلّا.. الموقف عصيب جدًا، وهو على رؤوس الأشهاد. في البداية، يصيب الأهالي البسطاء حالة من الإنكار، رافضين تصديق تلك الفاجعة تعبنا وشقينا.. ما نمنا ليالينا.. تـضِجرت عينينا، وانهدت ايدينا.. مش معقول بلمحة.. دقيقة.. تضيع الغلّة، نصير بضيقة.. نوقع، نتهبَّط، نتهدّم مِتْل الحيطان العتيقة.. تحاول منتورة إظهار أسفها الشديد وحزنها تجاههم يا رَيْت يا أهلي يا أصحابي.. بتفوتوا ع قلبي تـَ تشوفوا عذابي.. لكن ديبة تتولى زمام الأمور وتصير فجأة المدّعي العام والقاضي والجلاد، تقذف الاتهامات والأسئلة قذفًا وبقوة في وجه منتورة كل الناس بتعرف إنه هَولو مجرم.. هَولو بيغدر.. ليش تلفّيه؟.. ليش خبيتيه؟.. الأهالي المستمرون في دهشتهم من الصدمة إنتي!! منتورة!! خَبّيْتي هالمجرم؟فتجيب في أربع كلمات معبرة خَبّيته.. ما عرفته.. مسكين ومعذَّب. الأهالي محبون لمنتورة، وقلوبهم معها رغم كل شيء، وهم على استعداد دائم للين والصفح، لكن ديبة تلاحقهم بكلمات حادة كالخناجر يصعب تجاهلها منتورة غَشّتكُن.. خانتكُن.. بإيدا طعنتكُن.. ما كانت بتصاحب هَوْلو، لو ما هي كانت مِتله“.

 

 

منتورة بثوبها الزاهي الجديد الذي لبسته للعيد، بدلًا من الفستان الأزرق الأول

وأمام كلمات ديبة لا يجد الأهالي مفرًا من الحقيقة المؤلمة، وبيأس وأسى على حالهم وحال منتورة يوجهون لها الكلام في استسلام يا منتورة جايي أعياد، وعِنّا ولاد، وعدناهم بتياب جداد.. شو منقلّن؟ شو منعملّن؟.. منقلّن ضاعت غَلِّتنا، ومنتورة هي الـ خانتنا؟.. تنتفض منتورة من فكرة وصمها بالخيانة وبجَزَع قاتل تهتف لأ. لا تقولوا.. هَيْك بتقولوا؟.. ما بقالي حَيْل، الليل عم يوميلي.. رَح إطفى قنديلي، وفِلّ بهالليل.. وفجأة ينقلب المشهد دراميًّا لنجد الأهالي هم من يرفضون رحيل منتورة ويسألونها البقاء، وهي التي ترفض في يأس.

بعد إعلان منتورة الرحيل، تعلو الوتريات الحزينة، مع توجُّه منتورة بالخطاب لقنديلها المعلق على باب بيتها، تودعه لآخر مرة ضُوَّيْت يَا قَنْدِيلْنَا وغِنَّيْت.. ومَا كان ظَنّى يشحّ فِيك الزّيْت.. بخاطرك، تبقى تذكّرني، واسأل عني كِلما ضُوّيْت.. ثم تطفئه ويسود الظلام المشهد وتستمر الوتريات المحمومة في نعيها لمنتورة.. وفي ظلام المسرح تبكي منتورة، وتبكي معها فيروز، ويردد أهالي الضيعة في ذهولٍ وأسى كِيف عَتّمت هالأرض، بس انطفى القنديل؟ في مشهدٍ حالك، هو الأكثر ظُلمةً وحزنًا في المسرح الرحباني بأسره، وكأنها لحظة موت نبيّ. لكن الأخوين رحباني لن يتركانا في هذه العتمة طويلًا؛ سيُضَوّي قنديل منتورة مجددًا ويغمر النور المسرح، ويتطلع الأهالي بدهشة فإذا هوهولوقد عاد ليرد كيس الغلة مرة أخرى.

بعد المسرحية المكونة من فصل واحد، يُرفع ديكور الضيعة من خيمة منتورة والقنديل، ولا يبقى إلا البئر الثابت على المسرح.. تقدم فيروز في الفصل الثاني من العرض فاصلًا من موشحات وأغاني.

هالة والملك 1967

ازداد الاهتمام المصري بدرجة كبيرة بفيروز والأخوين رحباني بعد زيارتهم إلى مصر في أواخر 1966.. غير أن الاهتمام تضاعف بعد نكسة 1967؛ فأكثرت الإذاعة المصرية من بث أغاني فيروز، ليست فقط المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ولكن أيضًا الأغاني العاطفية لأنها كانت صالحة للإذاعة في جو الحزن العام، وهو ما حدث عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، إذ جاء في تعليق مجلة الإذاعة والتليفزيون على بث أغاني فيروز في فترة الحداد أن أغانيها تخاطب المستمع في جميع حالاته النفسية، لأنها تخاطب الوجدان الإنساني في حالات حزنه وألمه وراحته على السواء..

قدّمت فيروز مسرحيةهالة والملكلأول مرة في بداية 1967 على خشبة مسرح بيكاديللي في بيروت، ثم أعيد تقديمها في مهرجان الأرز في شهر أغسطس بعد النكسة. افتتحت فيروز المهرجان بزهرة المدائن للأخوين رحباني، وتلتها بقصيدةسكن الليللجبران خليل جبران ولحن محمد عبد الوهاب. زهرة المدائن التي قدمت للمرة الأولى، وبسبب الأحداث الحامية وقتها، صورت كفيلم سينمائي قصير لفيروز والمجموعة في أثناء عروض مهرجان الأرز، وأخرج الفيلم هنرى بركات. وفي مصر ناشد المثقفون والصحفيون وزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة لعرض الفيلم في دور العرض المصرية، لكن هذا لم يحدث. وكان عبد الوهاب قد سافر إلى بيروت في ١٥ مايو ١٩٦٧ قبل بداية العدوان، وبعد الأخبار المؤسفة قام بتسجيل نشيديّحيّ على الفلاحوسواعدٌ من بلاديبصوته ولحنه، من نظم وتوزيع الأخوين رحباني، وقام بإرسالهما عبر السفارة المصرية إلى الإذاعة المصرية..
جاء معرض دمشق لعام 1967 في ظل ظروفٍ عصيبة، بعد ثلاثة أشهر من النكسة التي حطّت على مصر وسوريا، وكان هناك توجه لتأجيل المعرض، ولكنهم تراجعوا وافتتح المعرض الدولي في موعده دليلًا على الصمود والاستمرار.

افتتحت فيروز ليالي المعرض بقصيدةمُرَّ بيلسعيد عقل ولحن محمد عبد الوهاب، الذي ما يزال في بيروت رغم الغمز واللمز  في الصحف لعدم وجوده في مصر من بعد الهزيمة، وادعاء الاستشفاء في بيروت! وفي لقاء تليفزيوني لمحمد عبد الوهاب مع ليلى رستم على شاشة تليفزيون لبنان، سألته ليلى رستم عن نتاجه الأخير، ومنه قصيدةمُرَّ بيواستمعا معًا لجزء منها.. وقال عبد الوهاب بألفاظه المنمقة وطريقته الأنيقة العتيقة اتقالت في حفلة المعرض.. في هناك المعرض بيعملوه كل سنة، وبيعملوا فيه تياترو كبير.. في دمشق.. القصيدة دي معمولة في دمشق.. يعنى تحية لدمشق.. أفتكر من يوم ما المعرض ابتدأ من سنين، والأخوين رحباني بيساهموا في هذا المعرض بمجهود فني.. فالمرة دي أنا كمان يعني، من نفسي، انضميت“.

جاءت نسخة المعرض من هالة والملك بإخراج جديد وتعديلات تختلف عن النسخة الأولى للمسرحية في بيروت.
حين يعتقد جميع أهل مدينةسيليناأن الفقيرة هالة هي الأميرة عروس الملك، يلبسونها الزينة والجواهر والثوب الغالي، ويحضر الملكداجور“/نصري شمس الدين، ليراها ويرحب بها مع حاشيته، فترتبك هالة البسيطة من كل هذه المراسم، وتبدأ في الترحيب بهم على طريقتها، وتقول مع الحوار الغنائي يا جماعة منمسّيكُن فتقف جميع الحاشية وينحنون لها ثم يجلسون مرة أخرى.. فتعيد عليهم مرة تانية.. منمسّيكُن فينهضون من جديد.. لا تعرف هالة ماذا تقول فتبدأ بالشكر على هذه المحبة والزينة والفستان، وهي لا تفهم لهم سببًا، ثم تقول لهم منمسّيكُن مرة ثالثة فينهض الجميع من جديد وينحنون لها كما يقتضي البروتوكول، وعلى هذا المنوال المضحك مرة رابعة أيضًا، في مشهد طريف يشبه مشهدًا في رواية وفيلمسجين زندا” 1952 حين كان الملك المزيف يتوقف عن الرقص بعفوية في قاعة الحفل، فتتوقف الفرقة الموسيقية عن العزف ويتوقف الجميع مجبرين، وهكذا دواليك.

حين يحضر أهل الحي الشعبي إلى هالة لتسليتها والغناء لها، تغني معهم هالة أغنيةبيعدِّلها البيعدِّلبدلًا منع الكرم انزليفي النسخة الأولى.. وقرب ختام المسرحية تغنيمرق الحببدلًا منشايف البحر“.. هذه هي التعديلات الخاصة بفيروز.. وقبيل انتهاء المسرحية، وبعد إعلان عرس الملك، تنطلق المجموعة ترقص رقصة سريعة احتفالية مع الموسيقى فقط.. وضع الأخوان رحباني كلامًا على هذه الموسيقى وغناها ملحم بركات قبيل انتهاء الفصل الأول زيز الحصايد، زيز الحصايد.. راجع بالصيف يغني قصايد..

تنتهي المسرحية بالمصارحة بين هالة والملك.. ترفض هالة البسيطة الفقيرة أن تخدع الملك وأن تكون أميرة بالكذب. تعود لتلبس ثيابها الفقيرة الأولى؛ ثياب البائعة الجوّالة والطبلة على كتفها للتدليل على بضاعتها، وتغني

رايحين من ساحة سيلينا

رايحين والعيد بسيلينا

خطرت ع بالي فكرة

ابعت بيي ع بكرا

يقعد يسكرلو سكرة

هو وملك سيلينا

وتبدأ بالدق على طبلتها، تمامًا كما دخلت أول6 مرة، بينما الحضور الدمشقي يكاد يجن من النشوة وهو يشاهد فيروز الخجول المتحفظة تدق على الطبلة كما يقتضي الدورأيواااانطلقت من الحناجر مع الآهات للجمهور الذي استخفه الطرب. وتنتهي المسرحية وتصعد الفرقة الشعبية بكاملها للتحية، مع غناء الأغنية الجماعية الأولى في المسرحية؛ أغنيةعيد الوجّ التانيومع نهايتها تطل فيروز ونصري للتحية الأخيرة

رِمّاني فوق رِمّاني.. عيد الوجّ التاني.. بمدينة سيلينا.. يا ساحة سوحي فينا.. الليلة فيها وما فيها.. فيها ناس منكّرين بوجُّن التاني.. ورِمّاني فوق رِمّاني، بمدينة سيلينا.. ماشي ع المماشي، احترقت الفراشي.. واطلعوا من حالكُن، وقولوا ياللي في بالكُن.. أرجيلي فوق أرجيلي، حاجي تندهيلي.. إذا حدا بدّو يحكي ، الليلة مش طويلة.. من ساحة لساحة، ضاعت المساحة.. شيحا فوق شيحا، واحد قهوة ع الريحة.. واتكسروا القناني، بعيد الوجّ التاني..

جبال الصوّان 1969

قُدِّمَت مسرحية جبال الصوّان أولًا في مهرجانات بعلبك في يوليو 1969، غير أنها قوبلت بهجوم من الصحافة، ذلك لأن فيروز تستشهد في نهاية المسرحية؛ لم يلتفت أحد إلى ملحمية العمل وفخامته في التوزيع، وأحسّت لجنة مهرجانات بعلبك أنها خُدِعت، حتى أن الملحن فيلمون وهبي، وهو مشارك بالتمثيل والتلحين في المسرحية، تبرّأ منها وقال باقتضاب مسايرًا الموجةإن المهرجانات يجب أن تكون مفرحة“..

انتقلت المسرحية بعد ذلك لمعرض دمشق الدولي في سبتمبر كالعادة، حيث استقبلها الجمهور السوري المحب لفيروز بالحفاوة البالغة المعتادة.. تبدأ المسرحية ببرولوج غنائي   Prologueعلى طريقة الدراما الإغريقية.. رجال عابسون ونسوة نائحات في خلفية المشهد، يقدمون للأحداث المأساوية التي سنشهدها

بَعْدا جبال الصوّان عمبتقاوم

زحف الزّحف عليها

وقع الوَيْل عليها

خَيْل وعسكر وقواس النشّابة تعنّ وتردي رجالا

يا حَيْف الإيّام الحلوة يختمها الدم

ينهبها الموت الصارم

طلعوا عليها من السهل

طلعوا بلا خَوْف، ولا حِزن، ولا أهل

طلعوا على ناس في عندن

حِزن وولاد وأهل

وبعدا جبال الصوّان عمبتقاوم

مرقت ميّة ليلة

وهَيدي آخر ليلة

يا جبال الصوّان، وأرض العالية

هَيدي آخر ليلة

الناقد الموسيقى المصري كمال النجمي سافر إلى دمشق وحضر جبال الصوان في المعرض، وكتب مقالين عن المعرض وجبال الصوان جاء في أولهما وفي شوارع دمشق تطالعك نفس الأسماء، بعضها تعرفه وبعضها لا تعرفه.. وفي فندق سميراميس الجديدأكبر فنادق دمشقيحتشد خليط من أهل الفن.. وتدخل شريفة فاضل صباحًا أو مساءً وعلى رأسها شعر أصفر اللون، والماكياج الثقيل يغطى وجهها، وعلى باب الفندق يتجمع الأطفال حولها يتفرجون ويصخبون.. وعلى بعد خطوات من الفندق يحتشد الجمهور أمام المسرح الذي تغني فيه فيروز طيلة ليالي معرض دمشق الدولي، والمقاعد محجوزة حتى آخر أيام المعرض.. وعندما قلتُ لرجال وزارة الإعلام السوريّة نريد سماع فيروز، غابوا أربعة أيام كافحوا خلالها كفاح المستميت حتى حصلوا على تذكرة لي وأخرى لزميلي محمد عودة“.

ويستطرد كمال النجمي وفيروز هي بلا جدال مطربة معرض دمشق الدولي، ففي كل مرة يُقام فيها هذا المعرض تصبح فيروز أهم معروضاته، وتصبح تذاكر حفلاتها أصعب عملة متداولة فيه.. والناس يدخلون أجنحة الدول في المعرض، ويتطلعون إلى المعروضات الحبيسة وراء ألواح الزجاج، ويحملقون في البيانات والإحصاءات والصور، ثم يجلسون حول النافورات الملونة الكثيرة العدد، ويحلمون بدخول المسرح الذي تغني فيه فيروز“.

***

يكتب الأخوان رحباني مشهد الدخول الأول لـغربة/ فيروزعلى المسرح.. “غربةهي بنتمدلجبطل جبال الصوان الذي مات وهو يقاوم الغزاة في بداية المسرحية.. عادت الابنة إلى أرض أبيها بعد سنين لمواصلة الكفاح المسرح بيعتّم وبتصير تضوّي شجرة الجوز أحمر.. بنت بتطل ع العالي، لابسة فستان أزرق، إيديها فاضيين. بتوقف لحظة ع العالي، وبتصير تنزل ع مهلا صوب الأهالي، وكلما بتتقدم بتصير الطريق تضوّي قدامها.. هيي ونازلة، بيجي أهالي جداد يتطلعوا عليها مأخوذين.

وبعد أن حضر كمال النجمي المسرحية كتب مقاله الثاني مسرحية جبال الصوان، أو أوبرا جبال الصوان كما وصفها المذيع من ميكروفون المسرح، أو أوبريت جبال الصوان، مثقلة بالغناء المسرحيأو الأوبرالي كما يحب الرحبانيان تسميتهوقد بلغ في جبال الصوان ذروة الإتقان والتأثير، ولم يصدم ذوق المستمع العربي أقل صدمة، بل سايره وأرضاه وأعطاه حقه، ولم يهدد من حق الفن الغنائي والموسيقى شعرة واحدة.. وبرهن الأخوان الرحبانيان بعملهما في هذه المسرحية على دقة ذوقهما وفهمهما لما ينبغي أن يكون عليه المسرح الغنائي العربي، وبخاصة في مرحلة الانتقال هذه التي اضطربت فيها آراء الموسيقيين العرب، وتباينت اتجاهاتهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب“.

ويواصل كمال النجمي من يستمع إلى أوبرا، أو أوبريت، أو مسرحية جبال الصوان يتخمه السماع، فالأصوات الجماعية مُدَربة تدريبًا عاليًا، ولا تهاون في الأداء، بل تشدد فيه وسيطرة تامة عليه.. كأنما المسرح آلة تعزف وتغني بمن فوقها وتحتها من المغنيين والعازفين.. والأصوات الفردية أيضًا مبدعة، قديرة، منضبطة.. والألحان الهارمونية والميلودية وأرباع الأصوات والمواويل والفولكلوريات تبدو نسيجًا واحدًا برغم اختلاف خيوطها.. وفيروز متألقة صوتًا وأداءً ومظهرًا“.

يستمر النجمي في كلامه عن المسرحية، والمستمع السوري الشغوف بفيروز والطرب، وجمهور المعرض الذي انفجر في ضجة هائلة، بعد إسدال الستار على نهاية المسرحية بعد منتصف الليل، مطالبًا فيروز بالغناء وحدها..

والمسرحية كلها تحفة غنائية، تؤكد أن المسرح الغنائي العربي يمكن أن ينجح ويزدهر ويقنع الجمهور، إذا لم يكن امتدادًا ساذجًا للمسرح الغنائي الأوروبي.. وتؤكد أيضًا أن الموسيقيين العرب إذا كانوا في حصافة وموهبة الأخوين الرحبانيين، فلابد أن ينجحوا في التأليف للمسرح الغنائي العربي تأليفًا أصيلًا مستقلًا، عربي اليد والوجه واللسان، عالمي المستوىعلى حد التعبير الشائعلا يشوبه التقليد القرودي للمسرح الأوروبي، ولا النقل الأعمى من موسيقاه وغنائه وروحه، ولا تطغى عليه السرقات الفنية الجريئة الغبية“.

ويختتم كمال النجمي مقاله والأخوان الرحبانيان لم يهربا من الواقع ولم يتجاهلاه في مسرحيتهما الغنائية الكبيرة، بلا حاولا باجتهاد صادق أن يجدا حلًا لمشكلاته، ونجحا بالفعل في معالجة قضايا التوزيع الأوركسترالي، والبناء الهارموني، والتلحين المسرحي وربع الصوت، فلم تستعص المقامات ذات الأرباع الصوتية على الغناء المسرحي.. وهكذا يرتقي الرحبانيان وفيروز بذوق المستمع العربي، ويعملون في الوقت نفسه على تعديل مساره.. وإذا فات جمهور القاهرة أن يشاهد مسرحية جبال الصوان فسيفوته الكثير“.

لولو 1974

عرض لولو أولى مسرحيات الأخوين وفيروز بعد عام كامل من المحطة، وتعافي عاصي من إصابته في بيكاديللي في أواخر فبراير ١٩٧٤، ولاقت نجاحا قلّ مثيله، فاستمر عرضها لأكثر من ستة عشر أسبوعًا، وهو رقم كبير بالنسبة للموسم الفني في بيروت.. لتكون لولو أطول مسرحيات فيروز عرضًا..

كمال الملاخ، مؤسس الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، حضر العرض في بيروت، وكتب في الأهرام تحت عنوان عودة الأضواء إلى الرحباني قائد موسيقى فيروزفجأة ظهر موسيقار لبنان، عاصي الرحباني،تحت الأضواء ليقود مسرحيته الجديدة لولو، بطولة زوجته فيروز، على مسرح بيكاديللي الأنيق في بيروت.. هكذا جاءت عودته إلى الأضواء مثيرة لمعجزة الشفاء وتغلُّب الإرادة.. وجمهور القاعة مهووس بالتصفيق له، بعد أن ظهر في ردائه السموكينج القاتم وبابيون أحمر عريض، يكاد يغطي بياض قميص صدره وكأنه عريس النغم.. إنها ليلته“.

انتقلت المسرحية بعد ذلك إلى معرض دمشق الدولي.. وحضر محمد عبد الوهاب العرض الدمشقي مع زوجته نهلة القدسي..

أنا قلبي ع إيدي 1976

بعد مسرحية ميس الريم 1975، لم تقدم فيروز مسرحية جديدة في العام التالي بسبب بداية الحرب الأهلية، واضطراب الأحوال الأمنية في لبنان.. فأحيت فيروز مع الأخوين رحباني والفرقة الشعبية عدة حفلات غنائية منوعة، في عمّان ثم في بغداد.. وفي سبتمبر طاروا إلى معرض دمشق الدولي، حيث غنت فيروز للمرة الأولى أغنيتها الأيقونيةبحبك يا لبنان، وقد افتُتِح العرض بكلمة مسجلة للمحامي السوري نجاة قصّاب حسن عودة فيروز وآل الرحباني إلينا هذا العام ذات معنى خاص.. ليس لقوة العادة، ولا لمجرد احترام تقليد استمر منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، بل هي أكثر من تعبير عن علاقة حب ووفاء بين فنان ومدينة.. إن فيها معنى جديدًا هو إصرار الحلم اللبناني على البقاء والاستمرار.. إنه صوت لبنان القديم يعلو في صوت فيروز فيلمس قلوبنا كما لم يفعل من قبل.. إنه يحدثنا عن الانسان الوديع الذي لم يلطخه الدم.. إنه يقول أن الحب لم يمت في لبنان، وأن قوة الجمال تعلو على صوت المدفع.. فلنصغ جيدًا هذا العام، فإذا كان صوت فيروز يحمل في ارتعاشاته الحزن اللبناني، فإن في نقائه قوة الحياة العنيدة التي لا تندحر أمام الكوارث.. الفرح وحده يُخرِج من بين الأنقاض قوة إنسانية متفائلة تؤمن بالمستقبل وتبنيه.. والفرح وحده يُبقِي الرابطة التي تربط بين فنان ومدينة.. بين دمشق والنغم الرحباني، الذي يَبرُز مضاعَف الألق في صوت فيروز“.

***

كانت بروفات فيروز والفرقة تُجرى في قاعات أوتيل الشرق بدمشق، ومنصور يقود الأوركسترا، والفرقة تتدرب على عزفبحبك يا لبنان؛ اللحن سريع وصارم كنشيد عسكري.. عاصي يجلس بعيدًا يرقب الجميع؛ لسانه أصبح ثقيلًا من بعد العملية، يرفع يده للفرقة مشيرًا لهم أن يتمهّلوا في العزف، ويبدأ في إدارة اللحن، فيبطئ سرعته ليجعله مليئًا بالحنان والشجن. وفي الحفل يسمح لعازف الكمان الأشهر عبود عبد العال بعزف صولو شجيّ في بداية الأغنية.

قبل بدء حفلات المعرض بأيام قليلة، سافرت فيروز ودون ضجة صحفية، وللمرة الأولى دون عاصي الرحباني، إلى القاهرة، ولكن هذه حكاية أخرى!