مايراه “الإنسان الطائر” في المدينة

تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة

عبد الناصر حنفي عبد الناصر حنفي

هذه تجربة فكرية جديدة في فهم المدينة. لماذا نريد التفكير المدينة؟ ربما لنفهم العالم ونفهم أنفسنا.. إذا كانت المدينة هي العالم كما شكله الإنسان، وفق رغباته وأفق تطوره؛ وحسب عالم الاجتماع روبرت بارك “أصبحت المدينة هي العالم الذي حكم على الإنسان بالعيش فيه، بالتالي وعلى نحو غير مباشر ودون أي فهم واضح لطبيعة مهمته في تشكيل المدينة، أعاد الإنسان تشكيل ذاته..”. أى أننا لن نغير أنفسنا؛ كما نتمنى ونرغب ونسعى؛ إلا بتغيير المدينة.. ومن هنا تظهر أهمية هذه التجربة الجديدة التي سنتابعها في أجزاء تبدأ من هذا المقال.. التجربة ترسم حدود اكتشاف المدينة من خلال استعادة فعالية الفلسفة بوصفها ذلك المجال الذي يعيد باستمرار استكشاف علاقتنا بالعالم وبما فيه. وبالتحديد أكثر تستخدم أدوات علم الفينومينولوجيا (أو كما ترجم في العربية لعلم الظواهر) الذي يدرس الوعي بالظواهر وطريقة إدراك الواقع لها. إدموند هسرل أعلن تأسيس المنهج الظاهراتي،وشرح تفاصيله في محاضرة فرايبورج عام ١٩١٧ مستلهمًا اكتشاف الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في تأمله الشهير “أنا أفكر إذن أنا موجود”، والذي جاء في إطار البحث عن أشكال جديدة يتسنى بها للعقل الذي لم يهدأ أن ينمو بحرية أكبر. العقل الذي لم يهدأ يريد فرصة للتأمل بعيدًا عن النزعات الاجتماعية والنفسية التي “تريدنا أن نرى كل شيء بمنظار ونرد كل شيء إلى مقولاتها..” كما قال هسرل في تقديمه للمنهج الذي كان جديدًا في ذلك الوقت المبكر من القرن الماضي. لكن هذه الثورة “أصبحت قديمة..” وأدواتها كلاسيكية.. وتحتاج إلى بحث جديد يمكنها من أن تتناول ظواهر صعبة ومعقدة مثل “المدينة” …وهذا هو الباب الذي تفتحه التجربة

…..

وائل ٠٠٠

تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة

ما أن نلج إلى المدينة أو نبدأ التفكير فيها إلا ونجدها تقدم نفسها إلينا بوصفها حقلاً لتعينات لا تنضب ولا يمكن استنفادها، فما من مدينة على سبيل الحصر إلا وهي تبدو مستغرقة في حالة من التباهي والزهو بكثافتها وامتلائها وتنوعها الذي يستطيع أن يفرض نفسه على مجالنا الحسي وكأن هذا المجال يخصه أكثر مما يخصنا؛ إذ ستبدو المدينة دائمًا وكأنها لا ترضى في أي لحظة بما هو أقل من وضع حواسنا وأفكارنا في حالة انخطاف كامل تجاهها، وهو ما تحاوله عبر مراوغاتها الدائمة لنا بصور وعلاقات تلمع فوق أسطح متراكبة بلا قاع، والتي ما إن ننزلق تجاه إحداها حتى تباغتنا أخرى في وقاحة مغوية تدفعنا إلى الغوص أكثر خلف ما تواريه لنظل في حالة انزلاق دائم بين تلك الأسطح التي يسلمنا كل منها إلى الآخر، في دورة سيبدو أنها لن تصل أبدًا إلى حيث ينبغي أن تتوقف، وهي دورة قد نعتقد أننا نستطيع الخروج منها في أي وقت نشاء، دون أن نلاحظ بنفس الوضوح أنه أيًّا كانت طبيعة هذا الخروج؛ وأيًّا كان ما نخرج إليه فلا يوجد وصول أو عودة إلا إلى ما غادرناه. وهكذا، فبفضل هذا الحراك الذي لا ينتهي تظل ظاهرة المدينة غير شفافة تجاه ذاتها ولا تجاه ما يكونها ويؤسس لإنتاجها وإعادة إنتاجها.

وقد يبدو أن بمقدور بعض التأمل في حالة “إعادة إنتاج المدينة لذاتها”؛ بوصفه ينطلق من سؤال ينصب على لحظة آنية تقع في متناول قدرتنا على الملاحظة، أن يبطئ من حركة الدوار المحمومة التي تقذفنا إليها المدينة دائمًا، وأن يقربنا بعض الشيء من الملامح الأكثر أساسية للظاهرة بحيث نستطيع أن ندفع تأملاتنا نحو التشبث بنقطة أقل انزلاقًا أو أكثر استقرارًا على نحو يسمح باستخدامها كمنصة موازية قد تمكننا من مراقبة المدينة من زاوية تكشف عن بعض كيفيات ما تكونه. 

غير أنه إذا كنا نقر بداية أننا لا نعرف ما يكفي عن مسارات إنتاج المدينة لذاتها في العالم، فهذا يعني أن تأملات “إعادة الإنتاج” لا تستطيع أن تضمن لنفسها ما هو أكثر من تكرار اجترار ما تقدمه المدينة من حكايات متداخلة ومتقاطعة تنتشر في التاريخ بقدر انتشار ظاهرة المدينة نفسها.

ولكن، إذا ما كنا نفترض أن الحكاية بطبيعتها هي شبكة من الترابطات التي تحيل دوما إلى ترابطات أخرى في حركة لا تتوقف أبدًا، فمن الممكن أن نفكر في أن ظاهرة المدينة تستغل هذا الحراك “الحكائي” لمواراة ذاتها والتخفي داخله. واللطيف هنا أن هذه الفكرة تضعنا أمام علاقة يمكن اختبارها فينومينولوجيا بطريقة تقنية قد تبدو فعالة بعض الشيء: فماذا لو أننا حاولنا حذف كل “ما هو حكاية” وإبعاده مؤقتًا عما يجمعه بظاهرة المدينة، ما الذي سيتبقى حينها من الظاهرة، إن تبقى منها شيء؟ وكيف يمكن أن يساعدنا هذا على النفاذ إلى ما تكونه المدينة بالفعل؟

لنتوقف قليلاً أمام هذا الفحص أو الاختبار الفينومينولوجي التقني الذي يدعوه هوسرل بالإيبوخية (epoche)، فيما يحظى بأسماء عديدة في الترجمات العربية، مثل التعليق والاقتضاب والتقويس… إلخ، ولكنني أفضل لفظًا أكثر بساطة ووضوحًا في دلالته الإجرائية وهو “الحذف”، أو الحذف الفينومينولوجي.

و”الحذف” بصفة عامة أحد التقنيات المنهجية التقليدية التي جعلت الفينومينولوجيا ما هي عليه حاليًا، ولكن يبدو أنه قد أصابه شيئًا من التقادم والعطب نتيجة ما يعتقده بعض الفينومينولوجيين -وغيرهم- من أنه يعطي نتائج شديدة الأولية حينًا؛ وأكثر إبهامًا مما ينبغي حينًا آخر؛ وخاصة إذا ما طُبّق على ظواهر متعينة ومحددة أو أقل ذاتية من ظاهرة الشعور أو الوعي التي استخدم هوسرل هذه التقنية في تحليلها، إذ من الطبيعي أن أي ظاهرة واقعية حين تفقد بعض عناصرها تتعرض لتغيرات كبرى، ولكن ما لم نحظ بخبرة ملاحظات واقعية ترصد هذه التغيرات في علاقتها بما نشأت عنه فالاكتفاء بتوقعها عبر تحليل فينومينولوجي تأملي يمكن أن يذهب بنا إلى حيث نشاء من تأويلات أو يمنحنا نتائج متضاربة لا يمكن تسويتها أو حسم تعارضاتها. وهناك من حاول دحض هذا الرأي من داخل منهج هوسرل الذي كان يؤمن أن ما هو بديهي لا يمكن حذفه مهما حاولنا ذلك، ومن ثَم فهذه التقنية قد تضعنا على الأقل أمام الأسس البديهية لأي ظاهرة نحاول تحليلها، ولكن بما أن هوسرل ذاته قد حصر مجمل عمله داخل ما يمكن اعتباره “حقل حضور البداهات الذاتية”، أو داخل “ميتافيزيقا الحضور” كما قد يطيب لهيدجر أن يقول؛ فإن هذا يفقد منهجه الكثير من تماسكه إذا ما حاولنا تطبيقه على الظواهر الأقل ذاتية.

وبصفة عامة فقد أدى تصاعد هذا النقاش –الذي يمتلك وجاهته كما رأينا- إلى تقليص انتشار مبحث الفينومينولوجيا على نحو حاسم، بل وإقصائه تقريبًا من بعض المجالات التي تقوم برامجها البحثية على الترابط أكثر فأكثر مع ما يقع بالفعل في العالم متجاوزًا فعالية أي ذات بعينها، وهو ما عرقل طرح أي محاولة جادة للتعامل الفينومينولوجي مع المدينة، ومن ثَم فهذا يفرض علينا أن نقارب هذه العقبات ونحاول تخطيها على نحو يسمح بالشروع في تأسيس مبحث “فينومينولوجيا المدينة”.

وبالعودة إلى الإشكاليات المتعلقة بالايبوخية أو تقنية الحذف الفينومينولوجي سنجد أن تلك الايبوخية الهوسرلية ليست، في أصلها، سوى تعميم خاص مشتق من الكوجيتو الديكارتي، المنحدر بدوره من تجربة الرجل الطائر عند “ابن سينا”! إذ في تلك التجربة الفكرية “البنسينوية” (نسبةً إلى ابن سينا) تطرح فرضية حول رجل مُعلَّق في الهواء بحيث تفقد حواسه كل صلة بالعالم الخارجي أو حتى بأعضاء جسده، ومن ثَم لم يعد هناك ما يظهر بالنسبة له، أي أن ابن سينا هنا يحذف بشكل كامل أو شبه كامل فضاء ظهور العالم، ثم يفحص ما الذي يبقى لدى هذا الرجل ليستخلص أنه لا يزال يتمتع بفضاء حضور يخصه. وبغض النظر عن التأويلات القروسطية التي أغرقت نتائج هذه التجربة فيها، بخاصة فيما يتعلق بالنفس وعلاقتها بالجسد وما إلى ذلك، فإن لدينا هنا تجربة تحاول الفصل للمرة الأولى بين فضائي الظهور والحضور عن طريق حذف ما يخص أحدهما وإبقاء الآخر، وحذف الظهور هنا أسفر عن بقاء حضور “حكاية” الذات عن نفسها، وصحيح أن ابن سينا يفترض أن هذه الحكاية أصلية ومستقلة أكثر مما ينبغي، بحيث لا يتطلب حضورها أي ظهور سابق عليها (وهو ما أسس فيما بعد لمفهوم القبلية لدى كانط)، فهذا أمر يمكن تنحيته جانبًا بسهولة إذا ما أقررنا بمبدأ أن الحضور في النهاية ليس سوى حالة خاصة من حالات الظهور، أو أحد اشتقاقاته الأكثر تطورًا في التاريخ الكوني، وأن حدث الحضور الداخلي ينبني على أحداث ظهور تخص عمليات البيولوجيا العصبية بحيث لا يمكن لأي “مكون” أو عملية حضور أن تحفظ نفسها وتعيد إنتاج حضورها إذا انقطعت هذه العمليات أو الأحداث البيولوجية، ومن ثَم فلا يوجد أي حضور يمكن تخيله إلا وهو يقبل الخضوع للتساؤل عن حدث أو عمليات الظهور التي أنتجته وتعيد إنتاجه.

وعموما فقد صمم ابن سينا قفص أو صندوق “الرجل الطائر” بحيث لا يحتوي سوى على حضور منقطع الصلة على نحو تعسفي بفضاء الظهور، ثم استخلص نتائجه من وجهة نظر مُراقب يتموضع خارج ذلك الصندوق، وبقدر ما يمكننا تقبل هذا الحذف التعسفي وفرضياته بقدر ما ستبدو نتائج ابن سينا مقنعة وربما يقينية. أما ديكارت فقد خطا إلى داخل هذا القفص وأغلقه على نفسه في محاولة لإنجاز ترتيب داخلي لحكاية اليقين الذاتي (الكوجيتو) على نحو يجعلها صالحة للعب دور الحكاية المركزية التي يتأسس عليها كل ما يكون (بالضبط كما حاول الغزالي قبله)، وهو ما استمر حتى هوسرل الذي توسع قليلاً تجاه تعميم حكاية “الكوجيتو” لتشمل كافة حكايات “البداهة الذاتية”، ولذلك فما يُطلق عليه هيدجر ميتافيزيقا الحضور جدير بأن يسمى بميتافيزيقا صندوق الرجل الطائر! أي أنها ميتافيزيقا “بنسينوية” بالضرورة، وستظل كذلك طالما لم نستطع الخروج من صندوقه الذي اختارت الفلسفة الفينومينولوجية أن تسجن نفسها داخله لأنها كانت تراهن أن القدرة على التحرك داخل هذا الصندوق سيجعله يتلاشى من تلقاء ذاته!

وهذا الرهان العجائبي غير المفكر فيه يردنا إلى رهان مشابه أكثر غرابة وقدمًا وجذرية، فمنذ أفلاطون وأرسطو فصاعدًا راهنت الفلسفة بكامل مباحثها على أن إعادة ترتيب مكونات الحكاية في ترابطات تراتبية يستلزم كل منها الآخر يعني التحرر التام من الحكاية ذاتها أكثر مما يعني أننا رتبنا انتقالاتنا في فضائها الداخلي فأنتجنا حالة خاصة –بل وشديدة الخصوصية إذا ما وضعنا علم المنطق في الاعتبار- للحكاية، وهذا الأمر يماثل الرهان على أنه كلما بنينا طرقًا أكثر داخل المدينة يستلزم أحدها الآخر ويفضي إليه، فإننا نكون بذلك قد تحررنا من فضاء المدينة!

والتشابه بين هذين الرهانين قد يمكِّننا من تفهم لماذا لم يطرح فضاء المدينة نفسه قط بوصفه مبحثًا فلسفيًّا، فكما استغرقت الفلسفة في تنظيم ترابطات الحكاية على نحو جعلها تعتقد أنه لا حاجة إلى طرح فضاء الحكاية ذاته للبحث، فقد فعلت الشيء نفسه مع المدينة وانهمكت منذ جمهورية أفلاطون في بحث و”تنظيم” العلاقات الداخلية للمدينة، بينما في الواقع فإن هذين الرهانين جعلا موضوعيهما غير مرئيين بذاتهما من فرط ما تعرضا له من انقسام.

وهكذا، فمن الواضح أن التصدي لفضاء المدينة بوصفه أفقًا للبحث الفينومينولوجي يقتضي كسر العديد من الرهانات، واقتحام ما لا حصر له من الالتباسات والارتباكات التي باتت تتعاضد معًا وكأنها طبقة عازلة تحجب المدينة عن أفق فضائها الخاص وتكسبه إعتامًا مُراوغًا.

وسنبدأ هذه المهمة بإخضاع ظاهرة المدينة لتقنية الحذف الفينومينولوجي، ولكن ليس من منطلق تفعيل “الإيبوخية” من أجل استكشاف ترابطات حقل البداهة الهوسرلي؛ بقدر ما سنعود إلى أصل هذه التقنية عند ابن سينا ونحاول تطويرها إجرائيًّا ليتحرك فعل الحذف بين ثنائية الظهور والحضور، ولكن بما أننا نتناول هنا ظاهرة متعينة بالفعل فلا حاجة لنا إلى التعامل مع مفاهيم الظهور المطلق والحضور المطلق بكل تضميناتهما الميتافيزيقية التي تفترض حكايات شديدة الإشكالية، ومن ثَم فسنتعامل هنا مع فضاء حضور “ظاهرة المدينة” بوصفه  ذلك المستوى من الحضور الذي تبدأ فيه الظاهرة في أن تصبح موضوعًا أو طرفًا في ترابطات الحكاية، مثلما سنتعامل مع فضاء ظهور المدينة بوصفه ذلك المستوى من الظهور الذي تتبدى فيه مكونات ظاهرة المدينة عبر المجال الحسي على نحو مباشر بوصفها “ما يظهر”، وهو ما لا يعني أننا خرجنا تمامًا من صندوق ابن سينا تجاه تبني افتراضات حول الوجود “الأنطولوجي” المباشر والمستقل للظاهرة؛ بقدر ما يعني أننا سنحاول تمديد هذا الصندوق تجاه حافته القصوى أي إلى حيث تبدأ -أو لا تبدأ- الحكاية في فرض ترابطاتها على “ما يظهر”. 

وانطلاقًا من هذه التصنيفات التي تحاول أن ترسم خطًا فاصلاً بين تبدي “ما يظهر” من جهة؛ وبين حضوره داخل ترابطات الحكاية من جهة أخرى؛ سنحاول هنا إجراء تجربة الحذف الفينومينولوجي (أو البنسينوي) وهو ما سنقوم به عبر خطوتين: الأولى ترصد ما يبقى بعد كل عملية حذف، والثانية ترصد إمكانية استمرار هذا الذي يبقى وهل يستطيع مواصلة إنتاج وإعادة إنتاج ذاته، أم أنه في غيبة ما حُذف سيواصل التقلص والأفول؟ وهل يمكن أن تمتد عمليات إعادة الإنتاج هذه إلى استحضار شيء مما حُذف؟

أولاً: الحذف والاستبقاء: لنبدأ إذا بحذف كل الحكايات التي تتعلق بكل ما يعود إلى المدينة، وعندها سنجد أنفسنا أمام حالة ظهور محض تقع بأكملها في المجال الحسي، أي أننا لا نستطيع التواصل معها إلا بوصفها استجابة مباشرة للفعل الحسي، إذ أن ما كان يبدو بالنسبة لنا في اللحظة الماضية بوصفه “المدينة” سيتبدى الآن بوصفه مجموعة منتشرة من الكتل المادية أو المعمارية التي يحددها تلاقي أو تقابل الخطوط والأسطح الملونة فيما تربط بينها بعض الطرق التي يتحرك فوقها البشر والسيارات.. إلخ. وإذا ما حذفنا كل ما يتحرك على الطريق، فلن يتغير المشهد كثيرًا، باستثناء أنه سيصبح أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، أما إذا حذفنا “الطرق” أيضًا فسيبدو أن ما كان يجعل مكونات المشهد تترابط في صورة واحدة قد اختفى لتصبح لكل مبنى طوبوغرافيا تخصه بالنسبة للمكان الذي يحيط به مباشرة، أي أن حذف الحركة والطرق (وكلاهما يحيل مباشرة إلى “الفعل”) سيفكك من ترابط الكتل المعمارية، غير أن المشهد سيعود للترابط نسبيًّا إذا ما حذفنا الطرق وأبقينا ما يتحرك بحيث يمضي في نفس مساراته، ومن هذا المنظور سيبدو أن الطرق، والحركة داخل المدينة، يؤديان معًا –أو على حدة- نفس الوظيفة.

 والآن إذا ما حذفنا تلك الكتل المعمارية وأبقينا الطرق والسيارات والحركة؛ فسنجد المدينة تختفي تمامًا من فضاء الظهور (الحسي)، وأن هذا المشهد الذي نعاينه يمكن أن يكون ظهورًا لأي شيء ولكنه بالتأكيد لا يخص المدينة، ومن ثَم فإن تبدي تلك الكتل المادية المعمارية بأسطحها وخطوطها سيبدو بمثابة الحد الأدنى لظهور المدينة والتي تنمحي تمامًا إذا ما حذفناه.

والآن دعونا نعكس اتجاه حركة الحذف بحيث نسترد كامل الحكايات المتعلقة بهذه المدينة ثم نحذف كل الكتل المعمارية التي تظهر داخلها، ونستبقي الطرق بمن يتحرك فوقها، وبالعودة إلى سجل الحكايات سنجد أننا نعرف كل شيء تقريبًا عن هذه المدينة، وكيف بُنيت كل كتلة معمارية قبل حذفها، وإلى أي مبنى تتجه كل حركة من تلك الحركات التي لا تهدأ على الطريق، ولو أننا حذفنا الطرق والحركة معًا وأبقينا المكان الخاوي فقط فإن معرفتنا لن تنقص شيئًا، وستبدو المدينة بالنسبة لنا حاضرة في عنفوانها بقدر ما نعرفه عنها.

وهكذا، فبقدر ما قد يبدو هذا الاختبار مرضيًا بقدر ما يمكننا القول إنه يفضي بنا إلى عنصرين أوليين لازمين لكل ما يمكن اعتباره مدينة، أولهما “الكتل المعمارية” والتي تقدم الظهور الآني للمدينة، بمعنى أنها يجب أن تكون جزءًا من أي حدث ظهور يخص المدينة بما هي مدينة.

والعنصر الثاني هو “الحكاية”، والتي تقدم حضور المدينة، بمعنى أنها تربط حدث الظهور الآني بكل ما سبقه من أحداث ظهور حفظت أو استجيب لها بحيث أصبحت ممثلة في الحكاية بوصفها مكون حضور. أما عناصر “الفعل” والحركة بأدواتها المساعدة مثل الطرق؛ فهي تؤثر في نمط ظهور المدينة ذاته أكثر مما تؤثر في حالتي نفيه أو تقديمه.

ثانيًا: الحذف والاستمرار: والآن لنأخذ هذا الاختبار إلى الخطوة التالية، بحيث نفترض حذف عنصر مع استمرار بقية العناصر، وذلك لنرى هل يوجد فارق يطال الظاهرة بين حالة البقاء الساكن لعناصرها وحالة الاستمرار التي تسمح بإعادة إنتاج هذا العنصر لذاته ولمساراته سواء في علاقته بالمدينة أو علاقته بالعالم:

ولنعد إلى حالة حذف سجل الحكايات المتعلق بالمدينة، ولنقم بحذف الحكاية العامة للمدينة وكذلك حذف كل الحكايات المتعلقة بكل ما يظهر داخلها، أي أننا سنقوم بحذف كامل فضاء الحضور المتداخل مع المدينة بكل ما فيها، بحيث يصبح لدينا فضاء من الظهور الحسي المحض، فما الذي سيحدث إن استمرت هذه الحالة؟

وهنا سنجد أن كتل المعمار والطرق ستبقى على حالها من الظهور، بينما ستفقد كل حركة داخل المدينة نقاط توجهها التي كانت تمنحها لها حكايتها الخاصة، فبرغم إن إمكانية الحركة والفعل والقدرة عليهما لا زالت كما كانت، إلا أن حذف حكاياتها سيؤدي إلى كبح إمكانية تكرارها فما أن تنقضي كل حركة آنية حتى تتوقف تمامًا لافتقادها إلى الدافع الذي يستحدثها من خلال ترابطات الحكاية، وعندها لن تبدأ الحركة مرة أخرى إلا إذا ترابطت بطريقة ما مع حكاية تمنحها مكانًا في العالم.

 ثم لنقم بحذف يقتصر على الحكاية العامة للمدينة مع استمرار كل الحكايات الجزئية داخلها، وعندها فإذا ما كان لهذه الحالة أن تستمر فستبدو كل حركة محصورة بحكايتها الخاصة التي تؤطر لها متى تبدأ وإلى أين تنتهي وما الذي يمكن أن تمر به، وما الهدف الذي يتعين عليها تحقيقه.. إلخ، ومن ثَم ستتحول هذه الحركات إلى حركات فردية متناثرة لا يجمعها سوى أنها تتحايث معًا في المكان، وترتبط بعلاقة معينة مع الكتل المعمارية ذاتها التي تحدد لها بعض ممكنات الحركة وتجعلها متاحة وتتجاهل أخرى وتجعلها أصعب، ولا توجد حكاية عامة إذا تجمع هذه الحركات في أفق مشترك، ولكن كلما استمرت هذه الحالة ستبدأ تلك الحكايات المتناثرة في التجانس والتوافق معًا، ومع زيادة درجة هذا التوافق يمكن أن تظهر حكاية عامة تضمها في فضاء مشترك حدوده هي حدود المدينة نفسها. وهو ما يعني أن حذف الحكاية العامة للمدينة واستمرار حكايات بقية العناصر الأخرى سيقود بذاته إلى إعادة إنتاج الحكاية العامة للمدينة مرة أخرى، وحتى إن جاءت بترابطات مختلفة أو مغايرة لما كانت عليه قبل حذفها، ولكنها ستظل محافظة على مهمتها الأصلية بوصفها حكاية تؤطر لفضاء المدينة.

 أما إذا حذفنا كل ما يظهر داخل المدينة وأبقينا كل الحكايات المتعلقة بها في حالة استمرار، فسنجد أننا نعرف جيدًا كل مسارات الأفعال والأحداث اللازمة لاستعادة هذا الظهور برمته خطوة فخطوة، بحيث لن ينقصنا سوى تكرار ما يفترض أنه كان الفعل المؤسس لظهور المدينة، وهو ما يعني أن حضور الحكايات بذاته يستطيع استعادة أو إعادة إنتاج الظهور، أو على الأقل ترسيخ ترابطه مع أفق يسمح بإبقاء هذا الظهور، مثلما يجعله في حالة من التهيؤ لاستعادة ذاته وإنتاجها من جديد.

وهكذا، سيبدو أن تجربة الحذف الفينومينولوجي التي أجريناها هنا تضعنا أمام نتائج واضحة يمكن تطويرها حول ذلك الفضاء العام الذي يجمع بين ظهور وحضور المدينة، بما هي مدينة،  لنجد أن كل ما يتعلق بهذا الشأن يمكن رده في النهاية إلى علاقات عنصرين أساسيين هما: المعمار والحكاية، وتأتي الحكاية هنا باعتبارها ما يستحدث الترابط بين الفعل والفاعل والحدث على نحو يسمح بإنتاج ظهور المدينة، وكذلك باعتبارها الأداة الأساسية لإبقاء واستمرار ما يتعلق بحضور هذا الظهور وحفظه ونشره وتطويره، أي أنها –باختصار- تمثل الساحة التي تنطلق منها؛ وتتقاطع عندها كل تلك الأفعال والأحداث التي ستكون في النهاية ” فضاء المدينة”.

أما الكتلة المعمارية التي تصبح بلا حضور تقريبًا في غيبة كل حكاية ممكنة، فإنها ما أن تظهر حتى يصبح بقاؤها واستمرارها رهنًا بتفاعلات القوى التي تكونها أي أنها تستقل عن الفعل والحدث الذي أُنتج عبرهما، بينما إذا استعدنا فضاء الحكاية الذي يكسب هذه الكتلة حضورها، ونظرنا إلى تلك الكتلة المعمارية من الخارج فستبدو وكأنها توجد دائمًا عند أطراف عيوننا باعتبارها تنتمي إلى الطوبوغرافيا البصرية للألوان والخطوط المحيطة بنا، ولكن برغم هذا الحضور الحسي المباشر والواضح لما هو معماري فلن يمكننا تصوره أو استحضاره أو المثول أمامه دون أن نشعر بتطلبه لمدينة ما، إذ سيبدو المعمار وكأنه عطاء المدينة الخاص للإنسان، لدرجة أنه حتى لو وقعنا على مبنى منفرد بنفسه في الفراغ، فربما لن نستطيع أن نراه إلا جزءًا من شيء آخر يظل يحيلنا إليه باستمرار، وسيبدو وكأنه نداء لمدينة آخذة في الظهور، ابتهال لحضورها، تبشير بقدومها، أو حتى نعي ونواح على غيابها! وهنا أيضًا سيبدو أن ثمة علاقة بين ظهور المعمار وحضور المدينة، وهي علاقة تتأسس أيضًا في الحكاية، وكأن الحكاية تستبطن المعمار وتنشر داخله ترابطاتها بالحكايات الأخرى إذ سيبدو وكأن المعمار ذاته يتمدد مطالبًا باعتباره جزءًا من المدينة، والنتيجة أننا لا نستطيع رؤية ما هو معماري إلا عنصرًا في حكاية تربطه مع فضاء يتجاوزه على نحو يدفعنا إلى تخطي تبدياته الحسية المحدودة والانزلاق تجاه هذا الفضاء. وبغض النظر عما إذا كانت أطراف هذا الترابط الحكائي واضحة أو مبهمة فإنها تضع نفسها على قدم المساواة مع ما هو محسوس، بحيث ندركها ككيان محايث للكتلة المعمارية، أو جزء لا يتجزأ من ظهورها المطروح أمامنا. 

ولكن كيف لهذا الترابط “الحكائي” أن يتأسس على هذا النحو المراوغ بحيث يستولي لنفسه على سلطة ما هو حقيقي؟ فالكيان المعماري لا يمكنه أن يحيل مباشرة، أو من تلقاء ذاته إلى المدينة، وانفتاح شعورنا تجاه حضور صرح معماري بعينه سيحيلنا إلى حدس معرفي بكتلته، وصلابتها، ومرونتها، بعلاقات الخط واللون، وقبل كل شيء، بالفراغ الداخلي القابل لاحتواء غيره، أو القابل للامتلاء، ومن ثَم فأين توجد تلك النقطة التي نبدأ عندها في الانزلاق دون أن ندري تجاه مجال حضور المدينة؟ وكيف يتأتى للحكاية أن تنتج هذا الانزلاق وتقوده؟

لمعالجة هذا السؤال ينبغي أن ننتقل إلى مهمة فينومينولوجية أخرى، أي مهمة الرد والوصف التي سيتعين عليها أن ترسم المراحل الأساسية لرحلة حدوث كل من المعمار والحكاية وتفاعلهما صعودًا إلى حدوث ظاهرة المدينة ذاتها.