سياسات المدينة: الكتلة والمعمار والتمثل

تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة- الجزء الثاني

عبد الناصر حنفي عبد الناصر حنفي

هذه المرة ننظر إلى المدينة من داخلها وفي داخلها.. نراقبها وكأننا نراقب ذواتنا من الداخل.. في محاولة لاكتشاف التفاصيل الصغيرة التي تكون علاقتنا بحدودنا الأقرب؛ بالمعمار، الرحم الثاني.. المحاولة التي تجبر الفراغ على التراجع والتخلي عن لا محدوديته، بسجنه داخل كتلة.. نحن إذن أسرى للمعمار منذ اللحظة الأولى لظهوره..وهو الرحم،  الحل الأخير الذي قدمه التطور لمشكلة انتقال الحياة من كائن إلى كائن، بينما المعمار هو اختيارنا الأساسي للمحل الذي يمكن أن تستمر عبره ممارسة الحياة.

تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة – الجزء الثاني

ولنبدأ تلك المهمة، التي ستتخذ طابعًا استكشافيًّا بقدر ما هو استطرادي، بتحديد المراحل الأساسية لرحلتنا التي ستقودنا إلى المدينة، حيث سنتوقف أولاً عند اللاعبين الأساسيين في مجال المدينة كل بمفرده، إذ سنتناول “المعمار” بوصفه حالة خاصة لحضور الكتلة الشيئية، و”الحكاية” بوصفها حالة خاصة للترابط المعرفي. ثم سنتتبع كيف قاد هذان اللاعبان حدث ظهور المدينة، وأسسا له عبر أفعال الظهور في علاقتها بالحدث أو بالعالم، لنتوقف في النهاية عبر إطلالة سريعة بقدر ما هي مؤقتة عند عمليات حفظ مسارات هذه الأفعال وإعادة إنتاجها أي ما يمكن أن نطلق عليه “سياسات المدينة”.

يقدم ما هو معماري نفسه بوصفه حالة خاصة للكتلة، ولحظة من لحظات تطور علاقتها بالفراغ، ومن ثَم فأي مقاربة لما هو معماري ينبغي أن تنطلق من حضور الكتلة بوصفه نقطة البداية التي تقودنا إلى لحظة ظهور المعمار.

الكتلة المصمتة: أو الاختلاف المستقر للقوى. الحالة العامة، والأولية، لحضور الكتلة تتضمن وجود مصمت ومنطوي على ذاته، إنها تومئ باستمرار إلى كيان ساكن وثابت بقدر ما هو متماسك وبلا فراغ داخلي تقريبًا؛ حيث لا يوجد سوى أمواج من “القوى الفيزيائية” التي “طويت” معًا على نحو يجعلها بمثابة تسجيل دائم لاختلاف مستقر للقوى يعيد إنتاج نفسه باستمرار داخل حدود تلك الكتلة، حيث ستنهمك هذه القوى المختلفة في ممارسة تأكيدها لنفسها عبر الإغراق في عشق ذاتها ورفض ما هو خارجها، والتجول حول بعضها البعض في حركة محصورة ذات أنماط قد لا تتغير ولكنها تتكرر بلا نهاية، ولذلك فالكتلة المصمتة هي كيان يكره العالم من حوله ويعزل نفسه عنه ويرفض الاندماج فيه ويرسم بحزم بالغ حدود وجوده الذاتي حيث المجال الداخلي لحركة قواه التي لا ينبغي لأحد أن يتطفل عليها، ومن ثَم  فالكتلة لا توجد خارج ذاتها إلا في حالة “معية” أو تجاور مع شيء ما، أو باعتبارها “تحايثًا” ما يقع خارج شيء ما، أي أنها لا توجد إلا بوصفها إعلانًا دائمًا عن اختلافها وتمايزها. ونتيجة لهذا التخارج المعمم فهي عادة ما تفتقد القدرة على الحركة داخل محيطها، وهو ما يجعلها تثأر لنفسها دائمًا بوقوفها ضد ما يتحرك عبر مقاومة أسست لظهور مفاهيم الاصطدام والإزاحة والتدمير حيث سيتبدى “لعب القوى” وهو يتسلى بمداعبة ذاته واختبارها في سلسلة من ألعاب الظهور التي لا تنتهي أبدًا، والتي قد تفضي إلى إعادة تشكيل هذه الكتل وإعادة توزيع القوى المسجونة أو المنطوية داخلها.

الكتلة المجوفة: ومعظم الكيانات التي أفرزتها الطبيعة تنطوي تحت الحالة العامة للكتلة المصمتة، ولكن مع اضطراد لعب القوى ستبدأ الحالات الخاصة بالظهور، بحيث سنجد فئة منها قد تعرضت لانتهاك عنيف أدى إلى ثقبها أو تجويفها على نحو يفضى إلى إجبارها على تغيير علاقتها بالفراغ، ودفعها للانفتاح تجاهه وتركه يتسلل إلى داخلها ويجلب خصائصه الذاتية إليها، بحيث ستصبح تلك الكتلة المجوفة كيانًا يسمح بأن تمر إلى داخله حركة تنبع من الخارج وتعود إليه؛ مثلما ستصبح قادرة على استيعاب وتأطير حضور كتلة مصمتة أخرى مختلفة ومغايرة، بحيث تحتويها داخلها وتعزلها عن الخارج فيما تبقى في الوقت نفسه على تمايزها واستقلالها (لنستحضر في أذهاننا هنا ظاهرة الكهوف الجبلية  على سبيل المثال، فهي بوصفها كتلة مجوفة تسمح بالحركة داخلها، مثلما تستطيع احتواء كتلة أخرى وعزلها عن الفراغ الخارجي العام)، وهكذا سيمنح الفراغ خصائصه الذاتية للكتلة، وسيعطيها أكثر مما أعطته، ومقابل ذلك سيخضع هذا الفراغ الناشئ للتو بدوره لمحاولة الكتلة أن تجعله محدودًا بشدة وفقًا لحدودها الخاصة، ولكنه بالرغم من ذلك سيجد طريقه دائمًا للتواصل مع مصدره الأصلي، أي ذلك الفراغ الهائل للطبيعة الخارجية، أو للعالم الخارجي، عالم القوى، إلا أنها صلات تتباعد باستمرار بعد أن اكتسب هذا الفراغ لنفسه بعض الحدود الصلبة التي تجبره على التواصل مع ما هو خارجي عبر نقاط بعينها وتمنعه فيما هو دون ذلك، وهي حدود في نفس صلابة ذلك الوجود الذاتي الداخلي لتلك الكتلة التي باتت منتهكة ومثقوبة أو مجوفة .

الكتلة الأداة: استغلال استجابة القوى لذاتها لصالح تضحيم امتدادات الفعل الإنساني

 كان ظهور أول حالة خاصة للكتلة نتاجًا مباشرًا للعب القوى الذي أدى إلى تغيير علاقة الكتلة بالفراغ وانبثاق ” الكتلة المجوفة”، أما الحالة الخاصة التالية في رحلتنا هنا، فكانت نتاجًا لأفعال الظهور التي يقوم بها الإنسان عبر محاولته أن يستثمر لصالحه اختلاف القوى وألعابها المنهمكة في إعادة توزيع وتشكيل الكتل، وهو ما قاده في النهاية إلى اكتشاف” الكتلة الأداة” بوصفها ما ينبع من تغيير علاقة الكتلة بالحركة، وكما رأينا فإن الحالة العامة للكتلة تجعلها معدومة الحركة تجاه الخارج ومانعة ومقاومة في الوقت نفسه لتلك الحركة، أما الكتلة الأداة فسيقوم الإنسان نفسه بانتهاك عدم قابليتها للحركة الخارجية وذلك بتحريكها، أو إجبارها على الحركة في الفراغ لتتجه نحو كتلة أخرى ثابتة مستغلاً نزعتها إلى مقاومة تلك الحركة على نحو يفجر آليات الاصطدام والتدمير ويحقق عملية إعادة تشكيل بعض الكتل.

الكتلة المعمار: ومع ظهور كل من الكتلة المجوفة، والكتلة الأداة، بات المسرح مهيئًا لظهور “المعمار”، الذي ينشأ في النهاية عن دمج نشاط هاتين الحالتين؛ باستخدام “الكتلة الأداة” لتحقيق ما سيبدو وكأنه “كتلة مجوفة”.

ومع ذلك فإن ما هو معماري ليس مجرد كتلة جرى تجويفها، فهو يختلف عنها في نقطة مهمة وجذرية للغاية، ففيما يظهر تجويف الكتلة عبر تعرضها لانتهاك داخلي، أو لعملية ثقب وتفريغ، فإن المعمار يبدأ من انتهاك الفراغ ذاته باقتطاع جزء منه، إنه محاولة لإجبار الفراغ على التراجع والتخلي عن لا محدوديته عبر سجنه داخل كتلة تعيد تشكيل علاقته بالعالم ضمن علاقات وحدود تطورت أشكالها مع التاريخ. ما هو معماري إذا ليس إعادة تشكيل للكتلة، بقدر ما هو إعادة تشكيل للفراغ ذاته، ذلك الفراغ الذي قد لا يعد العالم بأكمله سوى مجرد ضيف يقيم داخله.

المعمار إذا خطوة “جدلية” طارئة في العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبوصفها طارئة فهي إنسانية بامتياز، وهي تأتي بمثابة “رفع جدلي” للإمكانيات المتناقضة في تلك العلاقة بين الكمون الآمن الذي يتيحه الفراغ المحدود للكتلة المجوفة المنتهكة والذي ينتج عن تقليص مجالات الحركة؛ من جهة، وبين الحركة غير المحدودة التي يسمح بها الفراغ الخارجي اللانهائي؛ من جهة أخرى، ومن ثَم  فالمعمار ليس فقط محاولة لشكلنة العلاقة بين الكتلة والفراغ، بقدر ما هو أساسًا نزوع لشكلنة حركتنا وأفعالنا نحن، ومحاولة للسيطرة على مناطق بأكملها من وجودنا وحياتنا، وقدرتنا على الحضور، فمنذ لحظة ظهور المعمار أصبحنا أسرى له، تمامًا مثلما كنا أسرى أرحام أمهاتنا.

ولو أننا استطعنا أن نبدي القدر الكافي من الإنصات للتحليل النفسي، فلن يدهشنا كثيرًا أن نجده يهمس بتأكيد مطمئن حول العلاقة بين المعمار والرحم، فالفراغ المعماري لا يحيل مباشرة إلا إلى “الرحم”، أي إلى ذلك الفراغ الأولى الذي طردنا منه بلا رجعة، أو تلك الجنة المفقودة التي نسعى بيأس للعودة إليها، وما نطلق عليه “المعمار” ليس في النهاية إلا السجل الحافظ لهذا السعي المحموم لاستعادة رحم الأم من جهة، واستبداله من جهة أخرى.

والحديث عن الرحم في علاقته بالمعمار ليس مجرد استعارة سيكولوجية ولا إزاحة استطرادية نتجت عن اجتماع طارئ أو تصادفي للفظتين متباعدتين بحيث بدءا في تبادل بعض ترابطاتهما، الرحم والمعمار ليسا فقط حالات خاصة للكتلة المجوفة، بل يمثلان أيضًا أهم مناطق تقاطعها مع ظاهرة الحياة، فالرحم هو الحل الأخير الذي قدمه التطور لمشكلة انتقال الحياة من كائن إلى كائن، بينما المعمار هو اختيارنا الأساسي للمحل الذي يمكن أن تستمر عبره ممارسة الحياة، مثلما بات هو المكان الذي ينبغي أن تحفظ فيه تلك الحيوات المنتهية (القبر).

من التمثل إلى الحكاية

التمثل والتمثيل: ومثلما يقدم المعمار نفسه بوصفه مجرد حالة خاصة لظهور الكتلة، فإن الحكاية تكشف عن نفسها بوصفها حالة مشتقة من آلية ” التمثيل” (representation).

ولكن بما أن “التمثيل” هو نفسه حالة خاصة للـ”تمثل” وقد أصبح قابلاً للاستعادة، فإن مسار الرحلة التي ستصل بنا إلى مشارفة ظهور الحكاية يجب أن يبدأ من “التمثل” بوصفه أولاً حالة خاصة من حالات الحضور في العالم، ثم باعتباره -ثانيًا- ما يشكل الحالة العامة لكل ما هو معرفي.

ولنلاحظ أولاً أن التمثل (presentation) هو آلية كنائية بالأساس لأنه يدمج مخرجات عمليات الحضور والعمليات الحسية في مكون “كنائي” متمايز ومتعين أما “التمثيل” أو “إعادة التمثل” فهو يبدأ بوصفه آلية استعارية لأنه يربط بين مكونات تمثل قد تكون متباعدة بذاتها، ولكنه أيضًا يتحول إلى آلية كنائية عندما يقوم بدمج هذه التمثلات وكأنها تمثل مفرد.

التمثل: عملية ذاتية محضة، منكفئة على نفسها ومحصورة داخل حدودها الذاتية ولا تنطوي سوى على علاقة مباشرة وآنية بمكونها الذي يحدث أو ينتج في فضاء الحضور، وهي غير قادرة على نشر ذاتها أو على خلق علاقة تربطها بأي شيء سوى ذلك “المكون” الذي تظهر بظهوره وتختفي باختفائه. وبعبارة أخرى فهي تفتقر إلى القدرة على حفظ ذاتها بحيث تظل في حالة عبور لحظي دائم يزيح نفسه باستمرار وفقًا لتبدل موضوع أو “مكون الحضور”.

ما يميز التمثل إذن هو أنه يكون في حالة امتلاء كامل بمكوناته على نحو لا يترك الفرصة لظهور أي فراغ داخلي، مثلما لا يسمح بأي حركة داخلية سوى عبر تلك المساحات التي ينتجها تغاير المكونات بذاتها، ولذلك فالتمثل هو بالأساس عملية “كنائية” تبدأ باستحداث ترابط كنائي بين بعض مكونات حدث الحضور، وتفضي إلى دمج هذه المكونات في مكون كنائي واحد يشبه في تركيبه حالة الكتلة المصمتة التي مررنا بها من قبل، فهنا أيضًا سيبدو “التمثل” وكأنه يكره ما هو خارجه، ويعزل نفسه عنه ويرسم بحزم بالغ حدود وجوده الذاتي حيث المجال الداخلي لحركة قواه يبقى أسير عشقه لذاته، بحيث لا يتطلب سوى نفسه، ويقاوم أي حركة تحاول اختراقه أو ربطه بشيء خارجه.

وهذا يعني أن ما نطلق عليه “مكون الحضور” أو الموضوع الحاضر بوصفه مصدر الامتلاء الداخلي لأي تمثل ليس في النهاية سوى نتاجًا لعملية حصر داخلية لبعض اختلافات القوى على نحو لا يختلف كثيرًا عما تقوم عليه الكتلة المادية المصمتة. ولكن مقابل التملك الدائم والمستقر الذي تمارسه هذه الكتلة على القوى المحصورة داخلها، فإن “كتلة التمثل” ليست سوى ساحة استقبال مؤقت أو عبور طارئ ولحظي للقوى التي تشكل موضوعها. والكتلة المادية لا تحظى سوى بنهاية واحدة لوجودها، وهي تدمير علاقاتها الداخلية، الأمر الذي إما أن يدفع بها إلى الاختفاء التام، أو يجبرها على إعادة تشكيل ذاتها، أما “كتلة التمثل” فمصيرها الأخير، ونهايتها المتكررة باستمرار تكمن في فصم أو انقطاع علاقتها بموضوعها، أو بذلك الذي يظهر، وهو ما يؤدي إلى تفريغها من الداخل تماما، بحيث تذوب وتتلاشى، أو تزاح في الفراغ، وتخلي الساحة لتمثل تالي.

إلا أن لحظية التمثل العابرة والمُزاحة أبدًا لا تعني أنه سيبقى بمنأى عن “لعب القوى”، فعبر ذلك الخضم الهائل الذي يسفر عنه “عالم القوى” (الفيزيائي) فإن أي ظهور لحالة من حالات اختلاف القوى سيتبعه على الفور استدعاء ظهور فعالية لعب القوى التي ستحاول إذابة هذا الاختلاف، والعودة به إلى حالة اللاتمايز الأساسية التي لا يطمئن عالم القوى إلا إليها، ولا يجد نفسه ويعرف ذاته إلا وفقًا لها، وهكذا، فإن كل ما يتعلق بالظهور أو الحضور وتغايراته وأنماطه وتطوره يأتي باعتباره مجرد شكل للعلاقة بين اختلاف القوى ولعبها.

ومن ثَم، فما أن تبدأ حالة “التمثل” بالظهور بوصفها اختلاف قوى يعلن عن نفسه، حتى تبدأ فعالية لعب القوى على الفور في انتهاك مجاله الداخلي وخلخلة امتلائه بموضوعه، وكأنه يحاول تحرير القوى التي يختزنها داخله ومحو اختلافها، والتمثل –خلافًا للكتلة– لا يستطيع مقاومة هذا اللعب استنادا إلى قدرته على التماسك، بل يقاومه عبر قدرته الفائقة على معاودة الامتلاء بالموضوع، أو على معاودة استقبال اختلاف القوى، ولذلك فإن محاولة لعب القوى المستمرة في خلخلة الامتلاء الداخلي للتمثل ستسفر في بعض الحالات عن تمثل ممتلئ بموضوع هجين، أي تمثل يستقبل موضوع تال قبل أن يزاح موضوعه السابق، بحيث يتداخل حضور الاثنين معًا، وهو ما سيؤدي إلى تعكير تلك العلاقة المباشرة بين التمثل وموضوعه، فهناك الآن أكثر من موضوع واحد يتنازع مجال التمثل، وكل منهم يصدر عن حالة مغايرة لاختلاف القوى، بحيث أن مجال التمثل هنا وإن كان لم يفقد امتلاءه بعد فقد أصبح يفتقر إلى تجانس مكوناته، وهو ما يعني أنه لم يعد يشكل مجالا مصمتا بقدر ما بات ساحة عبور يخترقها الفراغ جيئة وذهابا، أو بالأحرى ساحة لاختلاف قوى تتناحر على نحو يسمح بالحركة الداخلية التي تخترق الحدود الفاصلة بينها، أي أننا هنا إزاء ظهور لحركة لا يمكن إحالتها إلى مجرد حضور موضوع بذاته، إنها حركة “إطالة” (temporalizing) لحضور التمثل تؤدي إلى جعل هذا الحضور متجاوزًا لحدود موضوعه الخاص.

وتحليل الإطالة هنا، بوصفه يقدم لحظة ظهور خاصة، يختلف إلى حد ما عما نجده لدى جاك دريدا الذي لا يكاد يرصده إلا في أفق ما هو مؤجل، ولا يمنحه سوى دور محسوب ومستغرق بالكامل في حركة التأجيل، بحيث سيبدو الأمر مع دريدا وكأننا إزاء حركة يؤديها التمثل بحبور لصالح ذاته، أكثر مما نحن أمام مفاجأة ظهور حدث طارئ واستثنائي ينتهك طبيعة عملية التمثل ويحفر داخلها مسارًا يلحقها بحالة مغايرة، ويجبرها على الانفتاح تجاه التحول إلى عملية أخرى. والخلط الذي يقع فيه دريدا بين “الإطالة” بوصفها حركة أو حدث ظهور يبدأ الآن بالكاد في تقديم ذاته وإتاحتها لتصبح عنصرًا في ميدان لعبة الحضور، وبين الإطالة بوصفها الاشتقاق الذي أسس لمفهوم الزمان بعدما أصبحت بالفعل أحد اللاعبين الأساسيين في مجال ألعاب الحضور؛ هذا الخلط يؤسس نفسه عبر تجاهل فوارق المجال الخاص لكل من آليتي التمثل والتمثيل، ومن ثَم  فهو لا يشي فقط بالحدود التي يتوقف عندها تحليل دريدا عن العمل بقدر ما يؤشر في الوقت ذاته إلى وفاء دريدا المبالغ فيه للأجندة الهيدجرية التي لم يطمح قط إلى تجاوزها فعليًّا.

وعلى هذا النحو سيقدم لنا لعب القوى حالة خاصة لكتلة تمثل جديدة ومختلفة بعد أن أصبحت تحتوي داخلها على تجويف قلق يطالب بالامتلاء، أي يطالب بما هو خارجه وينفتح عليه.

وهكذا فعبر آلية “التمثل” سيجري إنتاج الحالة الخاصة التي تعد ميدان ظهور “التمثيل” أو “إعادة التمثل”، والذي يبدأ في الظهور بقوة عندما يصبح من الممكن التحرك من التمثل إلى خارجه، أي عندما ينفتح التمثل على فراغه الخارجي ليبدأ تخلق فضاء الوعي العام. والحركة في الوعي عند هذه المرحلة لا تعني سوى إمكان إجراء “ترابط” بين عدة تمثلات، أي إمكان الانتقال (الاستعاري) من تمثل إلى آخر، ومع أن هذا الانتقال لم يصبح ممكنًا إلا بفضل خلخلة وانتهاك حدود حضور موضوع التمثل، فإنه لم يعد يتوقف عليه، كما أن الموضوع الحاضر هنا سيتحول من حالة الحضور المفعم بنفسه إلى ما يشبه حضور ظلي باهت، ومن ثَم فهنا أيضًا سيعطي الفراغ بعض خصائصه للتمثل فيما سيسلب منه بعض ما كان يتمتع به. وهكذا فإن التغير في علاقة مجال التمثل بالفراغ (الذي سيتحول هنا إلى ما نطلق عليه فضاء الوعي) هو ما ينتج “التمثيل”.

التمثيل: وكما هو واضح فإن مرحلة ظهور “التمثيل” تتكافأ إلى حد كبير مع مرحلة ظهور “الكتلة المجوفة”، وهو تكافؤ سيمتد ليشمل أيضًا قدرة الكتلة المجوفة على استقبال واستيعاب كتلة أخرى غريبة عنها وغير متجانسة معها داخل فراغها الداخلي مقابل قدرة التمثيل –المستمدة من آليته الاستعارية- على أن يستقبل ويستوعب داخله كتل التمثل (أو بقاياها) مهما كانت غريبة عنه وغير متجانسة مع تكوينه. ولنطلق على هذه الحالة اسم “ظاهرة الوضع” (أو ظاهرة التطوي) والتي ستعني هنا دائمًا قابلية “فراغ داخلي ما” على أن يصير محل تموضع يؤطر بالكامل حضور كتلة أخرى أو فراغ آخر ويطويهما داخله.

وعبر تحليل حالة تطوي “ما هو تمثل” داخل “ما هو تمثيل” سيصبح في مقدورنا تلمس بعض العلاقات المربكة والملغزة التي تجمع بين حضور عمليات التمثل والتمثيل، إذ سيظهر المكون الكنائي للتمثل، أو كتل التمثل، بوصفها تقع ضمن الحدود الداخلية لمجال التمثيل؛ وكأنها بقع كثيفة أو جزيئات صلبة ومصمتة ألقي بها في داخل كهف التمثيل، ومجال حضور هذا الكهف لن يستجيب هنا لمقاربته عبر استعارة الرحم، بل يتوجب التفكير فيه بوصفه “معدة” هاضمة، فالتمثيل منذ هذه اللحظة سيتعيش على ما يلقى إليه من تمثلات داخل فراغه الخاص الذي سينمو من الآن فصاعدا طبقا لقدرته على خلخلة التماسك الذاتي لهذه التمثلات ودفعها إلى الترابط استعاريًّا مع غيرها على نحو يكفل استعادتها واستحضارها من جهة؛ مثلما يملأ فراغه ويوسع امتداد حدوده من جهة أخرى. وفيما سيوالي التمثيل استعراض ونشر خرائط الترابطات التي تضم نقاط فضائه الداخلي الآخذ في الامتلاء سيعلن نفسه لنا بوصفه تأطيرًا مطلقًا ونهائيًّا للعالم، أي بوصفه المجال الذي يقع داخله كل ما هو “حاضر” وكل ما يمكن أن يوجد، وسيعضد إعلانه هذا بأن كل ما يمكن للتمثل أن يستقبله من حضور للموضوعات سيحدث داخله وتحت قيادته الخاصة، وما أن نصادق على هذا الإعلان حتى لا يصبح بمقدورنا بعد ذلك أن نتأمل كتل التمثل أو نقاربها إلا بوصفها مكونات تمثيلية أو باعتبارها ما لا يظهر إلا بوصفه اقتطاعًا من مجال التمثيل وإحالة إليه في الوقت نفسه، إنه إعلان عن موت “التمثل” الذي لم يعد لديه ما يخصه ومن ثَم  فمن الممكن تجاهله ونسيانه، وفي هذا الإطار تأتي الترانسندنتالية الكانطية بوصفها أشهر وأهم المصادقات على هذا الإعلان، فهي المصادقة التي لا يزال توقيعنا عليها نافذًا وملزمًا على نحو قاوم كل المحاولات المستمرة لشطبه وحذفه ونفيه، وهو ما دفع هيدجر في النهاية إلى تدشين مصادقة أخرى مناهضة حول نسيان التمثل بوصفه نسيانًا للوجود، إلا أن هذه المصادقة لم تحظ حتى الآن بالتوقيعات الكافية، وهو ما يعود –ربما- لما يستلزمه التوقيع عليها من جرأة مفرطة واندفاع استثنائي لا يجد الكثير مما يبرره أو يعضده .

إن آلية التمثيل التي تهيمن على العلاقة بين فضاء الحضور وفضاء الوعي تتمتع بالقدرة على إعادة إنتاج مكوناتها، مثلما تمتلك ما يؤهلها لدرجة ما من استطاعة حفظها، وهو ما يعني أن بمقدورها الحركة عبر حضور مكون ما ثم العودة إليه مرة أخرى من خلال عمليات الاستحضار أو الاستعادة، ولذلك فهي ليست آلية مصمتة ذاتيًّا، أي أنها ليست منغلقة على حدود مجالها الذاتي على النحو الذي نجده لدى آلية التمثل، والنتيجة المباشرة لهذه الخاصية تعني أن ما يجري تمثيله عبر مجال حضور ما، يمكن حفظه أولاً، ثم نقله ثانيًا إلى مجال حضور آخر، وهذا الحراك هو ما يدشن لظهور “فضاء المعرفة”.

وهكذا فإن فعالية التمثيل تطال الفضاءات الإبستمولوجية الثلاثة، أي الحضور والوعي والمعرفة، فهي تعمل داخل نطاق “فضاء الوعي” بصورة أساسية وفي الوقت نفسه تؤسس للعلاقة بينه وبين فضاء الحضور الذي يسبقه وفضاء المعرفة الذي يليه. وما يمكن أن تنتجه عمليات التمثيل في فضاء الوعي الخاص بأحدنا بحيث تجعله مادة لنشاط فضائه المعرفي؛ قد يجد فرصته للانتقال وللتوزيع على بقيتنا، وهو ما سيتم عبر آليات توزيع كان شحذها وضبط نطاق عملها بمثابة الشاغل الرئيسي والوحيد تقريبًا لتاريخ الممارسات المعرفية، ولنلاحظ أن آليات التوزيع المعرفي تشابه كثيرا آليات إعادة إنتاج التمثيل لذاته، وذلك لأنها في الحالتين تقوم على نفس آليات تأسيس واستحضار واستعادة الترابطات التي يتيحها فضاء الوعي.

وهكذا، فإن آلية التمثيل تشكل نقطة البداية لظهور المسار الإبستمولوجي الذي يبدأ بتحرر “المكون” من حدث حضوره الخاص، وصولاً إلى ذلك الإنجاز التطوري الفريد والباهر، أي تحرير ما هو معرفي من نطاق الذات الفردية، وإعادة تقديمه إلى الفضاء المعرفي الإنساني العام.

ومع ذلك فلم يكن هذا المسار التقدمي الظافر يخلو من متاعب وتنازلات وتضحيات، فمع كل خطوة يحققها التمثيل ستتباعد الصلة التي تربطه بأي حدث حضور يمكن تعيينه، وهو ما سيتيح له المزيد من الانفتاح على الحركة في الفضاء المعرفي في نفس الوقت الذي سيحرمه فيه من الارتكاز إلى مصدر مشروعيته الوحيد، أي ذلك الموضوع أو الحدث الذي نطلق عليه “التمثل” المستمد “مباشرة” من فضاء الظهور.

ولتوضيح هذه النقطة فلنفترض أن لدينا “مكون تمثل” كنائي ينتج في فضاء الحضور بوصفه استجابة مباشرة لحدث ظهور، فهنا سنجد أن هذا المكون يطرح نفسه علينا في أثناء عملية تمثله على نحو لا يمكن فصله عن الحدث الذي يظهر فيه، ولا عن ذات محددة بوصفها الذات التي تشارك في الحدث وتستجيب له، وهو ما يشكل حالة تستمد مشروعيتها وبداهتها من نفسها، ولا تثير أي قلق بشأن الحاجة إلى تأكيدها، خصوصًا وهي تمرق عابرة في لحظة لا تعود قط، أي أن حالة التمثل تتمتع بقدر من التأكيد المفرط، والذي يعد المصدر أو الحالة العامة لكل تأكيد يمكن التفكير فيه، وذلك مقابل افتقارها شبه الكامل لكل حظوظ الحفظ والبقاء وإعادة الإنتاج.

ثم لو افترضنا أن هذا “المكون” نفسه، أو ما يبقى منه، قد أصبح جزءا من عملية “تمثيل”، أي أنه يتحول إلى “مكون تمثيلي”، وعندها فإن هذا سيؤدي إلى ظهور مسافة تفصله عن حدث ظهوره الأصلي، وهي مسافة تتزايد كلما جرى إعادة استحضار المكون، أما مع خضوعه إلى عملية انتقال أو توزيع من مجال الذات التي أنتجته إلى مجال الحضور المعرفي العام القائم بين عدة ذوات؛ فستظهر مسافة أخرى تفصله عن أي ذات متعينة، وهو ما يعني في النهاية فصل المكون عن مصدر مشروعيته وتأكيده ليظل معلقًا داخل هذا الفضاء المعرفي العام عبر حالة من الخفة المدوخة التي تتيح إزاحته أو نفيه أو التشكيك فيه بسهولة بالغة، وهكذا، فمع كل التغيرات التي ستعتري هذا المكون وهو يخوض رحلته الإبستمولوجية، ومع كل الخصائص التي سيكتسبها أو يفقدها عبر هذه الرحلة، فإنه لن يفقد قط قابليته للإزاحة، أي أن تلك الخاصية ترسم مصيره النهائي، وقدره الوحيد الذي ينتظره، وبعبارة أخرى فإن هذا “المكون الإبستمولوجي” يظل دائمًا في حالة استقبال وترقب لالتقائه بنقطة نهايته، أي أنه يظل يطرح نفسه بوصفه كيانا يمكن إزاحته، بحيث سيبدو وكأنه لا يتوقف أبدًا عن السعي إلى موته الخاص.

وهنا يكمن الوضع التراجيدي والمأساوي الذي يجد التمثيل نفسه فيه، فالتمثيل بتطلعه إلى ما هو خارجه وسعيه الدائم إليه قد خلق فراغه الخاص، ولكنه أصبح أيضًا منذ هذه اللحظة فصاعدًا مهددًا بالتبدد داخل هذا الفراغ، وهو ما يقاومه عبر تقطيع هذا الفراغ ذاته إلى مسافات تقع بين نقاط مترابطة استعاريا، ثم تحويل هذه المسافات إلى مسارات يمكن تكرارها، وبمعنى آخر فالتمثيل يخلق الفراغ –أو المسافة- عبر حركته، ثم يحاول أن ينتهكه ويدفعه للتراجع عن طريق إحالته إلى مجال ممتلئ بالترابطات الاستعارية، ولكنه يفعل ذلك عبر حركة هي ذاتها ما يعيد خلق الفراغ الذي قد يأخذ في التقلص أو التمدد ولكنه لا يختفي قط، ومن ثَم  يظل التهديد قائمًا. وليس احتفاء التمثيل باستعارة الرحم إلا صدى لحلمه في ظهور فراغ منتهي يستوعب كل ما هو ممكن ويظل مع ذلك محدودًا، أي فراغ يمكن السيطرة عليه بالكامل، فراغ لا يمثل تهديدًا لأنه ببساطة قد اختفى عبر إجباره على استيعاب قابلية تحويله إلى فضاء. وفي هذا السياق فإن ظهور كل من المعمار والمدينة هو بالدرجة الأولى محاولة لتأطير هذا الفراغ الذي لا ينتهي ولا يكف عن معاودة الظهور، وهي محاولة تقودها الحكاية.

وبالنسبة لفضاء التمثيل، فإن استعارة الرحم تأتي بوصفها استثمار مربح للغاية لظاهرة أو حالة “الوضع” أو “التطوي” التي تحكم علاقته “بالتمثل” والتي سيقدمها بوصفها ما يحيل كل ما هو تمثل إلى مجرد نقطة ظهور لا يمكن رصد إحداثياتها إلا بوصفها تقع في مكان ما داخل فضاء التمثيل، أي أن التمثل هنا هو ما لا يظهر إلا تحت قيادة التمثيل أو سيطرته، وأحيانًا بفضلها. وبقدر ما يلزمنا هذا التأطير ويفرض نفسه علينا، فإنه بالمقابل لا يملك ما يؤهله لفرض ذلك على اختلاف القوى (ولعبها) الذي سيظل ينتج عمليات التمثل خارج وداخل فضاء التمثيل.

وعبر المسار التاريخي الذي يرسم تطور ظاهرة التمثيل لن نجد دائمًا سوى تكرار لا ييأس لمحاولاته في حشد كل طاقاته تجاه الاستثمار المفيد لما يلقى داخل فضاءه من تمثلات، أما تلك التي تظهر خارجه فستظل تشكل تهديدًا له. تهديد يعيده على الفور إلى محدوديته الذاتية الخاصة والمتواضعة أمام عالم القوى، وسيتفاقم هذا التهديد ليتحول إلى صفعة وقحة بقدر ما هي مدمرة أحيانًا عندما تتعرض بعض كتل التمثل التي تظهر خارج فضاء التمثيل إلى فعالية عملية “الإطالة”، فهنا سيجد التمثيل نفسه مجبرًا على الاستجابة إلى التصدع الذي ينال من حدوده، وهو ما لا يستطيع مواجهته إلا عبر السعي إلى التمدد تجاه الفراغ الذي ظهرت فيه حالة الإطالة، إذ سيكون دائمًا مطالبَا بأن يستوعب ويؤطر من الفراغ بأكثر مما يطيق، وهنا نصل إلى آلية “السامي” (sublime) بوصفها أحد المنابع الرئيسية لما يمكن أن نطلق عليه “شقاء التمثيل”.

وتشكل هذه الحالات الموصوفة هنا المصدر أو الحالة العامة لما يجري اكتشافه المرة تلو الأخرى بوصفه “أزمة التمثيل” أحيانًا، أو أزمة المعرفة نفسها أحيانًا أخرى، وهي كشوف تحاول دائمًا معالجة الأمر وكأنه لا يتعلق سوى بمرض طارئ أصاب التمثيل وينبغي علاجه الآن، ومن ثَم  فهي تحتفي أكثر مما ينبغي بتلك الرغبة اليائسة التي يعتاش عليها التمثيل، أي الرغبة في الحفاظ على الفراغ الذي يخلقه بما يتيحه من حركة، وفي نفس الوقت استعادة التأكيد الذي يبدأ منه كل ما هو معرفي عبر إحالة هذا الفراغ إلى مجال ممتلئ أي إلى حقل أو فضاء معرفي، تلك الرغبة المشروطة بحالة من السيطرة غير الممكنة على عمليات ظهور التمثلات، أي بعبارة أخرى، السيطرة على مجال عالم القوى نفسه، ولكن بما أن التمثيل ذاته ليس سوى أحد النطاقات التي يشكلها عالم القوى عبر اختلافاته وألعابه، فنحن بالتالي أمام ظهور تدشنه رغبة القوى في مداعبة ذاتها. وفي ظل تلك الرغبة، ومن أجلها، وبالتوافق معها، سينتج التمثيل كل الحالات الخاصة التي تنضوي تحت لوائه، ومنها – إن لم يكن من أهمها الحكاية.

وهكذا، فبالنسبة لحالة شقاء التمثيل، سيظل الأمر بعيدًا عن التعلق بمجرد وعكة أو مرض طارئ بقدر ما يتعلق باعتلال مزمن وبلا شفاء، اعتلال يستمد فعاليته من تهديد لعب القوى الدائم لمكونات التمثيل بالموت أو الإزاحة، ولكنه في الوقت نفسه يمنح آلية التمثيل أفق حياتها، أي الانفتاح على الحركة في الفراغ. وسيفشل التمثيل دائمًا في خلق أي تأكيد مباشر، أو حتى في حفظه، فهو مقضي عليه بأن يعمل إلى الأبد على انتهاك وخلخلة كل ما يمنح تأكيدًا مباشرًا، وذلك بسبب وظيفته الأساسية التي تقوم على خلق الفراغ وزرع المسافة واستحداث التباعد داخل العلاقات التي تنتج التأكيد المباشر. ولكن هذا لا يعني أنه يفتقد إلى رهان أساسي في التعامل مع هذه الحالة، فسيحاول دائمًا أن يمضي في عكس اتجاه حركة ” التمثل”، آملاً، أو مراهنًا، في الوقت نفسه، أنه سيلتقي به في النهاية، وأنه سيتمكن يومًا ما من العودة إلى خلق ما هو مؤكد عبر قدرته على الاستعادة، وانطلاقًا من هذا الرهان الاستراتيجي سيؤسس لمجموعة من الآليات التي تسعى إلى السيطرة على أفق الفضاء المعرفي الذي يفتحه لذاته، ليقوم بما يشبه عمليات شق طرق آمنة داخل هذا الفضاء، طرق تتيح، وتعجل، عمليات الاستعادة والاستحضار.