مدن للصدمة

مثل خفاش صغير في دورة مجنونة

حكيم عبد النعيم حكيم عبد النعيم

نسخة هذا النص أعيد ترتيبها وتحريرها خصيصًا للنشر في مدينة. هذا النص الذي بدأت في كتابته في العام 2015 عقب المشاركة في الحلقة الدراسية “بنيامين والمدينة” التي أقيمت في ديسمبر 2015. وقتها طرح كل من سامي خطيب، الباحث والمحاضر المتخصص في دراسات فالتر بنيامين، والكاتب هيثم الورداني أسئلة نقدية بشكل جذري انطلاقًا من أطروحات فالتر بنيامين حول “النوستالجيا.. أو الحنين إلى الماضي” ومفهوم “سرديات المدن”، ذاك اللقاء الذي نظمه الصديق على حسين العدوي باستضافة وتعاون معهد جوته في الإسكندرية. وقد نُشرت بعض كتابات المشاركين في الحلقة، في مطبوعة يدوية بعنوان “بنيامين والمدينة” ونشرت مقاطع من النص المشار إليه تحت عنوان أربع شذرات عن مدينة زائلة” و“أربع شذرات أخرى عن تلك المدينة الزائلة”.

في تلك اللحظة بالأخص، كنت قد انتقلت نهائيًّا للعيش في القاهرة، كُتب النص في تلك اللحظة، لحظة الانتقال من العيش في المدينة الأم، إلى الاستقرار في المركز، في القاهرة؛ التي بدأت في انتقالي إليها قبل تلك اللحظة ببضع أعوام.
مر عامان على تلك الحلقة الدراسية وذلك النص، وبالتحديد في العام 2017، كتبت بعض المقاطع الأخرى بالشكل نفسه الذي كتبت به المقاطع الأولى، ووضعت تلك المقاطع الجديدة تحت عنوان “مدن الصدمة”، وهي مقاطع لم تُنشر، ولم تستخدم حتى 2019. 

في عام 2019 أتيح للنص المضاف والمعنون بـ “مدن الصدمة” فرصة عظيمة؛ إذ طَلب مني معهد العالم العربي في باريس أن أشارك في فاعلية La Nuit de la Poésie والتي ينظمها المعهد كل عام، وهي واحدة من الفاعليات الثقافية الأهم في المدينة العجوز باريس. تُرجم “مدن الصدمة” إلى الفرنسية، وقُدم في القراءة التي أقيمت في نوفمبر 2019؛ أي بعد مرور أربعة أشهر على انتقالٍ ثانٍ، لكن هذه المرة خارج حدود السياق تمامًا، لقد انتقلت للعيش في باريس في يونيو 2019.

وفي يونيو 2020، بعد مرور عام كامل على الخروج من مصر في لحظة لم تشبهها لحظة أخرى، كما نظن، أو أن لحظة أخرى كان تشبهها لكننا لم نعشها، لكن المؤكد أن ما نعيشه الآن لم نعشه من قبل، ولن نعيشه مرة أخرى، أو كما نأمل. في هذه اللحظة أحاول أن أقدِّم تصورًا إضافيًّا لذلك النص الذي بدأت كتابته للمرة الأولى قبل خمس سنوات، بامتداد ثلاث مدن أنهكها الكليشيه؛ الإسكندرية، القاهرة، باريس.

مدن للصدمة

الإسكندرية مدينة إشكالية، تُدفع دفعًا لأن تكون مدينة ساحرة، فقط بوصف الكورنيش.. عند الدفع بذلك الطرح الذي يرى في الإسكندرية سحرًا في كورنيشها، نرى تطابقًا شديدًا بينه وبين فكرة الدولة عن المدينة، والتي تتمثل في تطوير مستمر ودقيق ومتأنٍ وحريص للكورنيش، والحفاظ عليه عنوانًا لمدينة كاد انهيار بنيتها التحتية أن يودي بحياة المئات غرقًا أو صعقًا بكهرباء أحد أسلاك الترام الذي وقع في ماء الشتاء التي لم تجد مكانًا تُصرَّف فيه، ومع ذلك فحتى التطوير الدقيق المتأني لم يعد دقيقًا أو متأنيًا، فقط لا بد وأن يحدث كي يخزي العين.

تلك المدينة، هي مدينة شوارع، الميدان فيها مفهوم لا يخصها، ميادينها مجرد مساحات واسعة في قلب منطقة ما وفقط، مدينة تربطها الشوارع ربطًا غير محكم، ربطًا لا هيبة له، مجرد إمتدادات بطول المدينة وعرضها، فهي مدينة تتقاطع فيها خطوط أفقية ورأسية، أشبه برقعة شطرنج بائسة، شوارعها تمتص الذكريات المؤلمة وتنفثها مرة أخرى بدفقات ضعيفة.

في الحقيقة، لم تعد الشوارع كما كانت من قبل بالنسبة لي، لم تعد أكثر من مسارات مجردة تمامًا، مسارات نسلكها كي نقطع مسافة ما، بين مكانين، لم تعد ذات أي معنى أو ذكرى، أصبحت مجرد مدة زمنية ثقيلة تمر ببطء فيطول الزمن حتى ولو كان المسار قصيرًا، قصيرًا جدًا.

شوارع تلك المدينة، خطوط تصل بين نقطتين أشعر تجاه كليهما بارتباك شديد،تخلصت – متعمداً- من الذكريات. تجريد مقصود نتج عن محاولة تجنب آثار نفسية مركبة، إلا أن نقاطًا بعينها كانت أكبر من قدرتي على تجريدها وتحييد ذكراها، فصار تجنب المرور منها أمرًا لا خيار فيه.

مدينة بطيئة، يحمل يومها ذلك الثقل التاريخي المرتبط بها، تجبرك على أن تلتزم بإيقاعها، وأنتَ لا تملك رفاهية الاختيار، أنت مُلزم، وكل محاولاتك في خلق إيقاع موازٍ للمدينة محض محاولات خاسرة؛ ستواجهك تلك المدينة المضطربة تمامًا.
مدينة على وشك أن تواجه مصير سابقاتها المختفيات تحت الأرض والبحر، وتُبنى فوقها مدينة أخرى، يظل إيقاعها بطيئًا كأنها حريصة على ألا يتسارع، كبهلوان يسير على الحبال، مهدد بالسقوط إذا تحرك حركة غير محسوبة؛ فتغيب وتختفي، وتستجيب لكل محاولات إجبارها وتصميمها على البقاء في حيز البطء الآمن، مكان بلا مناورات، مداخل لها مخارج، ويستطيع أي شخص الوصول إلى تلك المخارج، ومحاصرتك من الجانبين، الطرق المتوازية المقطوعة بأخرى عمودية، كلها دوائر مغلقة، جميعها تبدأ في نقطة وتصل إلى النقطة نفسها. يومًا ما حاولت الهروب من إحدى الممرات الضيقة المؤدية لشارع خلفي، قطعته وسلكت الشارع الخلفي متبعًا مساره، لكن للأسف وجدتهم أمامي، كش ملك!

لم تعد علاقتي بالمدينة على ما يرام، نوبات من القلق المستمرة المصاحبة في كل مرة أعود إليها، لكل حركة في شوارعها، أخبرني صديق أنني أصبحت أمشي في الشارع بسرعة شديدة، أنظر أمامي، لا أنظر يمينًا ولا يسارًا، أسير في حذر وتوتر. بعض المعارف ظنوا يومًا ما أنني لا أرغب في تحيتهم، ولم تفلح بأي شكل من الأشكال محاولاتي لإقناعهم بأنني لا أتذكر مطلقًا أنني قد رأيتهم تلك المرة، حاولت أن أشرح لهم أكثر عن أن لحظة اضطراري إلى النزول للشارع والسير فيه هي لحظة ثقيلة جدًا، لكنها بالنسبة لي مجرد مهمة لا بد وأن أقوم بها كي أصل إلى النقطة التالية، أصبحت لا أستطيع الانتظار في الشارع لأكثر من ثلاث دقائق.

قيل لي إن المواقف الإنسانية صعبة التجاوز تكون هكذا في البداية لكن لا بد وأن تعلم أنه سيأتي يوم ما وتصبح تلك الخبرات نكتة وحدوتة للمزاح، لأنه في تلك اللحظة ستكون قد تجاوزتها تمامًا وما سيتبقى منها هو صورة قديمة لذاتك، تثير بداخلك الاستغراب فيكون رد فعلك الأوحد هو السخرية من صورتك، من ذكراك وخبرتك الثقيلة. 

لكن مدينة اعتادت الوقوف كشاهد لا يتأثر إلا بالظواهر الطبيعية العنيفة، لن تقترن بها أي مشاعر سعيدة، حتى ولو كانت تلك المشاعر مبنية بالأساس على خبرة ثقيلة تحولت إلى مزحه بفعل الزمن، هي مثل شخص غمرته النشوة حتى فقد المعنى ولم يعد يستمتع، ويحاول فقط أن يمتلك ناصية اتزانه وغريزة بقائه التي لم تعد تعمل جيدًا.

الحنين للماضي ميكانيزم دفاعي ضد كل ما يشعر به الإنسان من خطر وتهديد مباشر. شعور الإنسان بالخطر يخلق لديه شعورًا عميقًا بالاحتياج للحظة أمان حتى ولو كانت مزيفة. استدعاء الماضي كصورة في ألبوم وضعت فيه بعناية وإبداء الرغبة في استعادة تلك اللحظة بصرف النظر عن أية تفاصيل أخرى وُجدت في ذلك الماضي هو وصف ناقص لصورة المدينة.. ومُزيَّف.. لحظة ماضٍ مُزيَّفة.

لا نستطيع أن نفصل الصورة الحقيقية للمدينة عنوة عن سياقها التاريخي. هذا السياق الذي يُعنى بالضرورة بوصف دقيق للحظة بكل تفاصيلها؛ أي أنه من الصعب أن تصف صورة لمدينة دون أن تقدم كذلك وصفًا متأنيًا للسياق الاقتصادي الاجتماعي لتلك اللحظة التي أُخذت فيها صورة هذا الشارع الفخم، أو ذلك الميدان الواسع المزين بالأشجار وتماثيل الرخام.

الخفاش الصغير ومن معه من خفافيش صغيرة ينطلقون في العصر، يطيرون في دوائر: حركة جنونية، ذهابًا وإيابًا، كأشباح تبحث عن مخرج، يشبهون هؤلاء الذين يقودون دراجات بخارية صغيرة في منتصف الليل تحت تأثير البرشام.

خلق الإيقاعات الموازية، ومحاولات الإنقاذ المستمرة المنطلقة من شعور بهزيمةٍ ساحقة تكون نتيجتها الحتمية صورة بائسة لمجموعة من المتلاشين الذين يبذلون جهدًا كبيرًا للحفاظ على وجودهم من التلاشي، وهم يلتقطون صورة تذكارية أخيرة يظهر فيها أجزاء من أجسادهم التي لم تتلاشَ بعد.. البلكون الضخم المُشيد بعناية ودقةٍ سيميترية صارمة، سيبقى فارغًا كالآخر الذي بُني على عجل كي يلحق بسباق الاستهلاك، هو الآخر سيظل مهجورًا بفعل التضخم والوفرة.

المعنى غير المجرد للشوارع مرتبط دائمًا بذكرى/حادثة، أو أشخاص أو خبرة تترك آثرًا، السعي الدؤوب لتجريد ذلك المعنى عن قصد ووعي هو رد فعل لعدم القدرة على تحمله، الذكريات لم تعد تعيسة لأنها يومًا ما كانت سعيدة وانطفأت فتحول مجرد تذكرها محرك للحنين والافتقاد، إنما الأصعب أن الذكرى كانت عنيفة في ذاتها وخلفت آثارًا ممتدة، في الحقيقة لم أعد أشعر بأي اغتراب، أظن لأنه لم يعد لديَّ أي مشاعر بعدم القدرة على افتقاد أي شيء، أو حتى ذلك الشعور المستفهم عن أين مكاني هنا؟ لكنني أفتقد الأشخاص، مجرد افتقاد، ليس حنينًا، ولا رغبة في استعادة أي شيء من تلك اللحظة.

كل الأماكن تقترن بالصدمة، بكرب ما بعد الصدمة، بخبرة انفعالية مهولة لم تكتمل، لم تجد الفرصة لأن تنتهي نهاية خفيفة، أو حتى ثقيلة، لكن دون قطع مفاجئ، كأن يموت الشخص حرقًا فيظل على وضعه الأخير، وضع الصدمة، ومن يعلم إذا ما كان قد مات مصدومًا أم بفعل الانصهار..

أنا أبغض الحنين، وكل ما له علاقة بالحنين، وكل ما يجعلني أشعر بأنه جزء من الحنين، أبغضه وأخاف منه ومن دائرته المغلقة.

مر من هنا بائع السجاد الرديء محاولًا كسب الود بترديد نداءاته “كازيووون” بإيقاعٍ رتيب ممل وبتكرارٍ ملتزم بلا روح. لم يشترِ أحد، ولن يشتري أحد، وستظل سجاجيده مفروشة على أسفلتٍ متآكلٍ بفعل الزمن.