كيف يفكر بوتين: كروت بوستال من الجحيم

أطلس الحرب والسياحة

خالد يوسف خالد يوسف

كيف يفكر بوتين؟ ربما الأهم أن نسأل كيف تنفجر الأوضاع في المنطقة التي يعتبرها بوتين خريطة إمبراطوريته الافتراضية؟ في الدول التي تخلفت عن تفكك الاتحاد السوفيتي، في روسيا الممتدة وما حولها، يتبادل البشر لعب دوري الجلاد والضحية، فقد اعتادوا الحرب، وتبعاتها التي لا تنمحي، حيث الجثث، والحطام، والخرائب في النفوس والمباني.. هناك تحتفظ الذاكرة على الدوام برائحة الحرب الخرساء، بعد أن تهدأ القذائف والدانات، ويجد الناس أنفسهم وجهًا لوجه مع الأطلال التي لا تزول، ليس فقط لأن الفوتوغرافيا تحتفظ بها، مجمدة في متحف الزمن.. في متحف الخوف.. بل لأنها تعود، وها هي ذي الحرب تضرب مرة أخرى، في ميدان جديد، في المنطقة الباردة الصاخبة التي لا تعرف الهدوء.. لنعرف لماذا تشتعل الحروب في هذه المناطق الباردة.. نقدم لك هذه الرحلة/الكتاب.

مدينة

أطلس الحرب والسياحة

في منتصف كتاب “مشروع سوتشي” يوجد العنصر الوحيد الذي قد يهم المصريين على المستوى الصحفي، بورتريه لرجل في منتصف الثلاثينيات في رداء أبيض به بعض النقوش الإسلامية وعمامة بيضاء، وذقن بيضاء نصف حليقة، ينظر إلى الكاميرا في ضجر، عيون تشعر بالملل ولكن كلها يقظة، رموش بيضاء وخصلات شعر مماثلة في اللون تهرب من العمامة ولا تعبر عن المرحلة العمرية الشابة لصاحب البورتريه، محمد أدزبيكوف إمام أهم مساجد مدينة كراسني فوتسوك بجمهورية كاراتشاي شركسيا القوقازية، أدزبيكوفا دارس للعلوم الإسلامية في القاهرة، والصداع الدائم للسيدة تايسا ماكوفا عمدة المدينة، التي تؤكد أن “العديد من الشباب المسلم من المدينة يذهب للقاهرة، إلى تلك المعاهد التي تقوم بتفريخ أصحاب الذقون قبل العودة من جديد إلى القوقاز”. مايكوفا تقولها صريحة إن اللوبي الإسلامي في الجمهورية في تزايد تمهيدًا لتطبيق بطيء للشريعة، لوبي لن يتوقف عن الوصول إلى هدفه، مايكوفا تتحدث عن جهودها لإيقاف بناء ثالث مسجد كبير بالمدينة بتمويل عربي على حد قولها. مايكوفا تتحدث في لهجة حادة للصحفي الهولندي أرنولد فان بروخين وتقف أمام زميله روب هورنسترا وسط مكتبها عام 2011، الرئيس الروسي السابق ميدفيديف يحتل أعلى الحجرة إلى جانب ثلاثة أعلام روسية أخرى إلى جانب طابعة مايكوفا وحاسوبها المحمول ماركة توشيبا.

وحين يأتي الدور على أدزبيكوف للرد، يضع منطق مايكوفا جانبًا “عندما ينفق أكثر من 50 مليار دولار على تنظيم ألعاب سوتشي الأولمبية فهذا أمر محبط بالفعل، إذا حدث هذا في الغرب فستكون هناك حالة غضب عارمة واحتجاجات واسعة، ولكن الروس بشكل عام خاضعون خانعون للسلطة“.

خارج هذا الإطار الصحفي الضيق أدزبيكوف ومايوكوفا شخصيتان في كتاب أشبه بلعبة كوتشينة عرقية بالغة التعقيد “مشروع سوتشي، أو “أطلس الحرب والسياحة في القوقاز” هو كتاب عديم الأهمية عن أناس لا يكترث بهم في منطقة حافلة بالأسماء والمدن صعبة النطق، مربك في أحيان كثيرة هل هو مجرد كتاب فوتوغرافي؟ عمل صحافي وثائقي نتاج ست سنوات كاملة من الحياة في القوقاز؟ أهم عمل عن ما سمي لاحقًا بـ”الصحافة البطيئة”؟

غلاف كتاب ” مشروع سوتشي” (أطلس الحرب والسياحة في القوقاز) للصحفي الهولندي أرنولد فان بروخين والمصور روب هورنسترا

 

ألبوم الآلام العائلي

في حقيقة الأمر “مشروع سوتشي” هو الألبوم العائلي الذي ترتعد من فكرة فتحه، كتاب أوجاع قوقازي، كروت بوستال في جحيم منطقة تعيش حالة متواصلة من الحروب الصامتة لعقدين كاملين، مشروع روب هورنسترا وفان بروخين كان أشبه بطفل يمتلك مسمارًا معدنيًا حادًا لتجريح كل معالم معبد قديم متهالك يطلق عليه البعض بشكل مبهم اسم “الصحافة”، كتاب يكتظ بالعديد من البشر الذين يتبادلون لعب أدوار الجلاد والضحية على نحو مستمر، في صفحة يوجد شرطي روسي فقد بصره في هجوم من الانفصاليين الإسلاميين في داغستان، في صفحة أخرى أربع صور متناثرة لجثة مشتبه به تعرض لتعذيب متواصل على يد البوليس الفيدرالي الروسي. كل هذا يحدث على بعد مئات الأميال من سوتشي، المدينة التي احتضنت ألعابًا شتوية أوليمبية في يناير 2014.

رحلة “قلب ظلام” من النوع الذي كان يفضل خوضه جوزيف كونراد في القوقاز، لكن دون عثور على كولونيل أو جنرال في نهاية النهر، فان بروخين وهورنسترا يقرران منذ اختيار سوتشي مدينة لألعاب 2014 أن يجيبا عن سؤال بديهي عن سبب اختيار مدينة صيفية ذات مناخ استوائي تطل على البحر الأسود مثل سوتشي ميدانًا للألعاب الأوليمبية الشتوية؟ النتيجة هي إبحار الثنائي الهولندي في نهر من الأسئلة يضعهما في رحلة داخل إقليم سوتشي، وجمهورية كاراتشاي شركسيا، وكاباردينو بالكانيا، وأوسيتيا الشمالية، وأوسيتيا الجنوبية، وإنجوشيتيا، وجمهورية الشيشان، وأبخازيا، وداغستان، وجمهورية جورجيا. نهر من الأسئلة استمر من 2009 حتى 2014، أسفر عن صدام مع ما يقرب من 200 شخص، والدخول في قلب شمال القوقاز، وأوحال منطقة أغرقت الفرس والأتراك ومن بعدهم القياصرة الروس أغلب عقود القرن التاسع عشر. سوتشي أيضًا على بعد ساعات قليلة من مناطق حرب ظلت تسقط داخليًّا كقطع دومينو هشة خلال عقد التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة.

كتاب يبدأ بخريطة أطلس عن جغرافيا شمال القوقاز ومسار رحلة صاحبي الكتاب، وينتهي مع يومياتهما طيلة خمس سنوات كاملة، ما بينهما 300 مقطع، يحتل هورنسترا الجانب الأيسر بصور البورتريهات والمسطحات الطبيعية والكروت الأرشيفية، تاركًا النص والمقابلات والتعليقات لفان بروخين على الجانب الأيمن.

رغم فارق السن، شقيقان أبخازيان يتقاسمان حق القتال في أبخازيا

تراب الأمكنة

قرر الثنائي الهولندي منذ البداية إيهام القارئ بوجود ترتيب جغرافي أو زمني لرحلتهما، بداية من صورة الكوخ الخشبي المحطم عام 2009 فيما يعتقد بأنه المقر المستقبلي لصالة هوكي الجليد الخاصة بألعاب سوتشي، ولكن هورنسترا وفان بورخين يتعمدان الدخول في حالة الخداع مبكرًا بالتعرف على الفندق التاريخي لسوتشي (إحدى الحفريات المتبقية من العهد السوفيتي)، مرورًا بالمستشفى الشهير لأمراض العظام والروماتيزم، المركز التثقيفي الشبابي الخاص بإنجازات العهد السوفيتي. رويدًا تستمر الخدعة حتى نجد أنفسنا في قلب سوخوم عاصمة جمهورية أبخازيا، مع مجموعة من شباب الجمهورية التي لم تعترف باستقلالها سوى سبع دول فقط، شباب الجامعة يقفون كفريق رياضي في صالة ألعاب متهالكة، يعلق فان بروخين عليهم بأنهم لا يمتلكون فرصة في المستقبل القريب لتمثيل بلدهم الوليد في أي مسابقة رياضية، حتى بعد 20 عامًا من الحرب الصامتة للانفصال عن جورجيا.

هورنسترا يعرض كروت البوستال الدعائية لمنطقة القوقاز من الثمانينيات والسبعينيات التي تشبه البطاقات التي كان يمتلكها العديد من المصريين من محبي السفر في الثمانينيات إلى منطقتي فارنا وساندانسكي البلغاريتين وسبليت “اليوغوسلافية” آنذاك.

 كروت البوستال تتحول إلى منازل أبخازية فارغة من أصحابها فيما عدا تليفزيون قديم عاطل، بعد أن فر أصحاب هذه البيوت إلى تركيا في أثناء الحرب مع جورجيا، قاعة مسارح تكوارشال الأبخازية محطمة بمقاعدها الخشبية وتصميمها السوفيتي التقليدي، جبال جيرمي من جمهورية داغستان تبدو موحشة، بها صمت يثير القلق، هي نفسها أحد مواقع تصوير فيلم “حرب النجوم” في نسخته التي ستصدر لاحقًا هذا العام، كل مكتب ينتمي لبيروقراطي من هذه الجمهوريات ينتظر الأوامر، أكثرهم واقعية مدير مكتب بريد أبخازيا المركزي، والذي يعتبر أن طابع البريد الأبخازي هو الإعلان الأهم عن استقلال جمهوريته، عن حفظ الهوية، لاحقًا في صفحتين متقابلتين توجد صورتان لقاعة الاحتفالات بمنتجع بيتسوندا الأبخازي، واحدة في 2009 حيث تبدو القاعة مهملة بزجاجها المحطم، الثانية في 2013 القاعة تبدو أكثر خرابًا، محطة قطار أبخازية محطمة بالكامل، الخزائن الحديدية الملحقة بها أكلها الصدأ، تنتمي ليوم القيامة أكثر من كونها آخر محطة قبل دخول صحراء جليدية كاملة بلا بشر في الطريق إلى أذربيجان.

ميخائيل زيتونيان،أحد المحاربين القدماء في إقليم أبخازيا.


أحلام يقظة قوقازية

بوتين يريد سوتشي أن تصبح أفخم ألعاب أولمبية على الإطلاق، رمضان قاديروف رئيس جمهورية الشيشان يريد العاصمة جروزني أن تصبح “دبي القوقاز”، عمدة بلدة شاتاي في جبال الشيشان يريد أن يجعل من بلدته “سويسرا القوقاز”، دوكا عمروف أمير “المجاهدين” في جبال الشيشان يريد القوقاز إسلامية، آنجيلا الأبخازية تريد أن تجعل من سوخوم العاصمة الجنة التي كانت عليها قبل الحرب، عشرات اللاجئين الذين يظهرون على نحو متفرق في الكتاب يريدون غرفة إضافية بدلاً من تكدسهم في قصور سوفيتية عتيقة كانت مخصصة كمقرات لاستقبال عمال المناجم والحديد والصلب. المراهقة لونا التي كانت حاضرة قبل عقد كامل في مجزرة مدرسة بيلسان بأوسيتيا الشمالية في 1 سبتمبر 2004 تريد أن تنام دون كوابيس، العجوز إيفان أحد عمال منشآت سوتشي الأوليمبية يريد مغادرة كوخه الصفيح والعودة لعائلته دون عاهات مستديمة كرفاقه الآسيويين من الذي يعملون في ظروف طاحنة، فالعمال في تلك المنطقة “العشرة منهم بقرش” على حد قوله.

البشر في “مشروع سوتشي” مثل الأمكنة، مهمتهم الأساسية مقاومة الزمن، الرحلة “الكونرادية” لهورنسترا وفان بروخين تجعلهم في مواجهة طباخ سجن إقليم سوتشي، طفل يعاني من كسر مضاعف في قدمه أصبح نزيلاً أبديًا في مصحة البلدة العلاجية، شاب عادي لا يزال يرتدي ملابس الكشافة كحارس للعلم الأحمر القديم ضمن أحد ديكورات مركز الشبيبة السوفيت في أورلينوك قرب سوتشي، في صفحة ما يجلس نيكولاي زيتونيان ابن الثامنة والثمانين أمام هورنسترا في 2009مستعرضًا نياشينه التي حصل عليها في كل الحروب التي مرت على أبخازيا خلال القرن العشرين. في الصفحة التالية يخبرنا فان بروخين أن نيكولاي قد غادر دنيانا في العام التالي، صور عائلية بالأبيض والأسود لعائلات أبخازية هاجرت إلى تركيا مع أمل العودة إلى سوخوم للزيارة فقط، فلاديسلاف ديمانوف النشال الذي قضى 38 عامًا من أعوامه الستين في السجون، ولا يزال يضع لينين وستالين على صدره كوشمين أبديين؛ يقولها صريحة بوتين على القمة، يليه حكومته، ثم يأتي النشالون والسارقون.. لدينا قوانينا الخاصة، المواطنون العاديون يأتون إلينا لحل مشكلاتهم الخاصة، لدينا الطرق العملية لحل جميع المشكلات، إنهم يعطوننا نسبة تصل إلى 10 %”.

كوابيس عابرة

صمم الجرافيك والفنان التشكيلي الشاب بابونا بابسكيري لا يزال يتذكر رحلة أسرته الجحيمية للهروب من أبخازيا إلى جيورجيا بحثًا عن ملاذ من حرب 1993 “أنا أشعر بالخوف من العودة إلى موطني في أبخازيا، المكان هناك تغير كثيرًا عن الذي أحلم به يوميًّا”، جداريات عليها صور أبطال حرب سوفييت في كاراتشال شركسيا، جداريات عليها أبطال حرب في جيورجيا، جداريات عليها صور أطفال من ضحايا هجوم مدرسة بيسلان الإرهابي في 2004، وجوه من المئة سنة الأخيرة، المراهقان زاشريكوا آشوبا وشقيقه إدريس يجلسان في غرفة المعيشة برفقة بندقيتي كلاشينكوف، زاور بيلاجوييف أحد قدامى الحرب العالمية الثانية يقف أمام المصور الهولندي بعيون شاردة وفي الخلفية ورق حائط يظهر غابات جبال القوقاز القادمة من الفردوس وفي ركن ما تقبع صورة قديمة لستالين، ابن بلدته خيتاخوروفا في أوسيتيا الجنوبية “كل شيء في أيام ستالين كان منظمًا ومرتبًا”.

التوأم الشاب ستانسلاف وفلاديسلاف ذو الموهبة الشعرية الخاصة، أمام الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، ثلاثة من الطلبة النيجيريين في جامعة موسكو يأتون إلى سوتشي في الصيف في زي الملوك الأفارقة لالتقاط الصور الفوتوغرافية التذكارية مع السياح مقابل بضعة يوروهات، صورة فوتوغرافية قديمة للكهل رب العائلة من إنجوشيتيا، الذي ذهب قبل سنوات لشراء حاجيات عائلته، دون أن يظهر مجددًا في اشتباه لتعرضه للاعتقال من قبل البوليس الفيدرالي الروسي. المزيد من الصور الملقاة لمفقودين في إنجوشيتيا، أوسيتيا الشمالية.

المحامي روستام ماتسيف في جمهورية كاباردينو يقدم نصائحه “إذا اعتقلت سيتم تعذيبك لثلاثة أيام للخروج بأي اعتراف ممكن، ثم سيأتون بشهود زور ضدك، ثم إرفاق قنابل يدوية أو أسلحة غير مرخصة إلى ملفك، سيجهزون كل شيء قبل عرضك على القاضي تجهيزًا لإصدار حكم ضدك، بعد كل هذا سيسمحون بتكليف محامي، وهو ما يجعل من مهمتنا هنا بلا معني، هناك نسبة 0.01 % يحصلون على البراءة في مثل هذه القضايا.. لا تقدم أي اعتراف مهما تكلف الأمر، الأمر العبثي الحقيقي في روسيا أنه لا يزال يوجد نظام قضائي تقليدي وبيروقراطي، بإمكانهم قتلك أو إخفاء أي أثر لك، ولكن عدم تقديم أي اعترافات تحت التعذيب يشكل أملك الحقيقي للنجاة”.

شاب من كشافة مدينة سوتشي قبيل انطلاق دورة الألعاب الأوليمبية ٢٠١٤

غرفة دون كيخوته.. أشواك تولستوي

الوجوه مثل الأمكنة في انتظار من ينتشلها، مجموعة الملاكمين الناشئين في بلدة خاسافيورت في جمهورية داغستان يعيشون رياضتهم ليل نهار لأنها السبيل الوحيد للخروج من بلدتهم، الدكتور محمود عمروف المتخصص في إخراج الرصاص الحي والشظايا من جسد مرضاه في بلدة ماخاتشكالا في داغستان، القميص الداخلي لفتاة من ضحايا حادث مدرسة بيسلان، لا يزال محتفظًا بالدماء، وبشكل مقصود من قبل أم الفتاة ومعلمة اللغة الألمانية بالمدرسة، طارق بايراموكوف يحلم بأن يجعل من بلدته كرازني فوستوك في كاراتشاي شركسيا إسلامية رويدًا رويدًا، جينادي كوك أو “دون كيخوته” كما سماه فان بروخين يحلم بالعودة لاصطياد الدب رقم 71 في حياته هل تعلم أن دهن الدببة مفيد للرئة؟ نصف لتر منه يساوي 1000 روبل“. هورنسترا يصطاد دون كيخوته وهو يجلس وحيدًا في غرفته الكبريتية التي يشغل نصف حجمها تليفزيون عتيق، شاردًا، حالمًا بالعودة إلى الجبال والدببة، ماريكا بايور لا تتوقف عن غناء المقطوعات الروسية الكلاسيكية لزبائن أحد الكازينوهات في سوتشي؛ تعلم أن النوستالجيا هي بضاعتها الأهم، الصورة التالية هي لسوتشي وقد جهزت بالكامل لاستضافة الألعاب، بعد أن كان الموقع مجرد كوخ من الصفيح، كل هذا من أجل أسبوعين من الفخامة!

يذكر فان بروخين أن تولوستوي وبوشكين أعربا عن افتنانهما بالقوقاز وأهلها، حيث زواج البشر بقسوة الطبيعة. وفي قصيدته “نساء القوقاز” بوشكين يصور سيدات المنطقة على نحو سحري غامض، كحوريات من زمن سحيق، أقرب إلى ألف ليلة وليلة على الطراز الروسي. وفي روايته الأخيرة “حاج مراد” يروي تولستوي قصة بطله الذي يعاني من أجل تقليم ونزع الأشواك عن إحدى الورود تمهيدًا لصنع الباقة المنوعة التي يسعى لتشكيلها، ذلك البطل الذي ينتزع قسوة الطبيعة شوكة بشوكة، ورقة تلو الورقة ببطء شديد، لكن دون كلل، بالنسبة لفان بروخين هذا المشهد هو القصة القصيرة للقوقاز عبر تاريخه.

غلاف “مشروع سوتشي: أطلس الحرب والسياحة في القوقاز” يحتوي على راقصة ستربتيز في أحد كازينوهات سوتشي، تحتضن دبًا أسود محنطًا، في الصفحة الأخيرة الرحلة تنتهي مع إلينا بنت الـ31 عامًا، والراقصة بنفس الكازينو في فندق زيمشوزينا بالبلدة، القريب من المنطقة الأوليمبية، عملها الحالي هو الترفيه عن “البزيدخس”، الاسم الحركي في سوتشي للسياح من أصحاب الكروش الكبيرة، عرقهم يفوح برائحة الجعة والخمور، ويرتدون الصنادل في أقدامهم طوال الوقت، ويستمتعون بمضغ أكلهم بصوت عالٍ وسط أردأ أنواع الموسيقى.

إيرينا تحلم في يوم من الأيام بأن تصبح أمًا وتكون عائلتها الخاصة، هذه الأمنية التي تشكل السطر الأخير من الكتاب قطعتها النغمة الخاصة باستقبال رسالة على الهاتف المحمول كان مضمونها “بجد 3 أيام ببلاش حتعرف أقوى قضايا الفساد وآراء وتحليلات وائل الإبراشي، أرسل 667 على رقم 9999 .. وببلاش”!

“‘إذا لم تتمكن من قهرهم فانضم إليهم”

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في مجلة عالم الكتاب، ٢٠١٥