الأخ الكبير الودود

عصر العبودية بالتراضي

سامح سمير سامح سمير ترجمة

“عزيزي المواطن انتبه.. الأخ الكبير يراقبك”!
هل انتبهت؟ بالتأكيد ستحاول.. ولكن حتى لو انتبهت فهل ستتمكن من الإفلات؟

 يمكن الاستجابة لهذه النصيحة بلا تردد، فلو أنك علمت أن أحدًا يراقبك هل ستلتزم بالسلوك القويم؟! غالبًا لا، لكن من يراقبك لن يتركك هكذا.. لقد تطورت الأمور كثيرًا الآن، أنت مراقب ممن في أياديهم السلطة لمراقبتك.. ومراقب بإرادتك الحرة، مع أنك تحاول عبثًا أن تحمي نفسك وخصوصياتك، لكنك في الوقت نفسه تقع يوميًّا في فخ الإفصاح عن أسرارك الشخصية الدقيقة جدًا.

في يونيو 2020، أعلنت السلطات الروسية عن أن أكثر من 43 ألف مدرسة في جميع أنحاء روسيا ستُجَهز بنظام يسمى نظام “أورويل”، وهو نظام مهمته التعرف على الوجوه، والهدف بالطبع مراقبة تحركات التلاميذ طول فترة وجودهم في المدرسة.. “أورويل” هو جورج أورويل؛ الكاتب الإنجليزي الشهير، صاحب رواية “1984”. أما المبرر فموجود، كما هو العادة في خطاب كل السلطات، التي تفرض إراداتها الدائمة “الحماية”، ولسان حالها أنها تنفق ملايين الجنيهات(الدولارات/اليوروات) كي أراقبك، هذا صحيح، لا لتسيطر عليك، بل لتحميك، ولو كانت شقيًّا فاسدًا، فعلي أن أحمي الآخرين من شرورك.. وهذا ما يطرحه المقال، وهو فصل من كتاب “السياسة النفسية: النيوليبرالية والتقنيات الجديدة للقوة” للفيلسوف الكوري الأصل بيونج-شول هان، الذي يعيش في أوروبا حاليًا، الذي يرى أن ما نعيشه اليوم هو حالة من العبودية بالتراضي!

مدينة

*بيونج-شول هان

فيلسوف ومُنظر ثقافي ألماني-سويسري من أصول كورية. وُلد عام 1959 في كوريا الجنوبية، ودرس علوم التعدين في جامعة سيول. وفي العام 1980، سافر إلى ألمانيا لدراسة الفلسفة والأدب الألماني وعلم اللاهوت الكاثوليكي في فريبورج وميونيخ، حيث حصل في العام 1994 على درجة الدكتوراه عن مارتن هيدجر. وعمل لفترة أستاذًا بجامعة برلين، ولا يزال حتى اليوم يُلقي بعض المحاضرات هناك من حين لآخر. من أهم مؤلفاته: “المجتمع المُنهك” و”مجتمع الشفافية والسياسات النفسية: النيوليبرالية والتقنيات الجديدة للقوة”، و”عبق الوقت: أطروحة فلسفية عن فن التلكؤ”.

الأخ الكبير الودود: عصر العبودية بالتراضي

“اللغة الجديدة” هو الاسم الذي يُطلق على اللغة المثالية في دولة المراقبة التي ابتدعها جورج أورويل. والغرض منها أن تحل محل “اللغة القديمة” بالكامل”، وتجتث “اللغة القديمة” من جذورها. فاللغة الجديدة لها هدف واحد فقط، وهو تقليص المساحة المتاحة للتفكير الحر؛ إذ يتناقص عدد الكلمات في كل عام، وينكمش حيز التفكير الواعي.. يهذي سيم، صديق وينستون، بطل رواية “1984”، بكلمات مهتاجة عما يتسم به تدمير الكلمات من جمال. فيقول بحماسة شديدة “ستصبح جرائم الفكر مستحيلة حين تُحذف من القاموس الكلمات اللازمة لاقترافها” ومعها، ستُلغى أيضًا فكرة الحرية. من هذه الناحية، تختلف دولة المراقبة لدى أورويل اختلافًا جوهريًّا عن عالم البانوبتيكون (برج المراقبة) الرقمي، الذي يستخدم الحرية بإفراط. فما يميز مجتمع المعلومات الذي نعيش فيه اليوم، ليس تدمير الكلمات، بل مضاعفتها إلى مالا نهاية.

يغلب على رواية أورويل روح الحرب الباردة وطابع السلب المميز للعداء والخصومة؛ إذ يعيش البلد الذي تصفه الرواية في حالة حرب دائمة، وتخمن جوليا، حبيبة وينستون، أن القنابل التي تنهمر فوق لندن كل يوم يطلقها الأخ الكبير والحزب بهدف إبقاء الأهالي في حالة دائمة من الخوف والرعب. و”عدو الشعب” اسمه إيمانويل جولدشتاين، ويتزعم شبكة من المتآمرين يعملون في الخفاء من أجل الإطاحة بالحكومة القائمة. ومن ثَم، يخوض الأخ الكبير حربًا آيديولوجية ضد جولدشتاين، حين يشن برنامج “دقيقتان للكراهية”، الذي يذاع يوميًّا على شاشة تليفزيون ضخمة، هجمات شعواء عليه. وفي وزارة الحقيقة –التي هي في الواقع، وزارة الأكاذيب- تُعدل أحداث الماضي بما يتفق مع الآيديولوجيا السائدة. وتستخدم دولة المراقبة لدى أورويل، تقنيات نفسية لغسيل المخ مثل الصدمات الكهربائية، والحرمان من النوم، والحبس الانفرادي، والعقاقير والتعذيب البدني. وتحرص “وزارة الوفرة” (“وزاوفرة” كما تُسمى في اللغة الجديدة) على وجود نقص دائم في السلع الاستهلاكية، من أجل الإبقاء على حالة عوز مصطنعة.

تختلف دولة المراقبة لدى أورويل، بما فيها من شاشات ضخمة، وغرف تعذيب، اختلافًا جوهريًا عن البانوبتيكون الرقمي في يومنا هذا، حيث شبكة الإنترنت، الهواتف الذكية، وجوجل بلاس. وحيث يسود وهم الحرية والتواصل بلا حدود. فهنا، لا وجود للتعذيب –لا يوجد سوى تغريدات ومنشورات. ولا وجود أيضًا لـ”وزارة حقيقة” غامضة. إذ حلت الشفافية والمعلومات محل الحقيقة. ولا يتضمن المفهوم الجديد للسلطة أي تحكم في الماضي، بل توجيه دفة المستقبل على نحو نفسي-سياسي.

لا تعتمد تقنية السلطة النيوليبرالية في عملها على المنع، أو الحماية أو القمع. بل تعتمد، بالأحرى، على فتح الآفاق، والإتاحة، والتخطيط للمستقبل. ولا تضع قيودًا على الاستهلاك، بل تعظمه. ولا تخلق الندرة، بل بالأحرى، تولد الوفرة، بل وفي الحقيقة، وفرة فائقة من النزعة الإيجابية. إذ يُشجع الجميع على التواصل والاستهلاك. ومن ثم، فإن مبدأ السلب، المميز لدولة أورويل، قد أفسح المجال لمبدأ الإيجاب. حيث لا تُقمع الاحتياجات، بل تُحفز. وحيث حلت الفضفضة الطوعية محل الاعترافات التي تُنتزع بالقوة. وحيث استُبدلت الهواتف الذكية بغرف التعذيب. فالأخ الكبير اليوم يرتدي وجهًا “ودودًا”، وهذا “الود” هو ما يجعل المراقبة شديدة الكفاءة.

لقد كان الأخ الكبير لدى بنتام غير مرئي، لكنه كان حاضرًا في أذهان السجناء في كل مكان. وكان نزلاء السجون يستدمجونه بداخلهم. وفي المقابل، فإن سكان البانوبتيكون الرقمي في يومنا هذا، لا يشعرون أبدًا أنهم مراقبون أو مهددون. ومن ثم لا يعتبر مصطلح “دولة المراقبة” وصفًا دقيقًا للبانوبتيكون الرقمي. فهنا، يشعر الجميع أنهم أحرار. بيد أن هذا “الشعور بالحرية” –والذي لا وجود له البتة في دولة أورويل- هو، بالضبط، صُلب المشكلة في يومنا هذا.

يزدهر البانوبتيكون الرقمي على التعرية الطوعية للذات التي يمارسها قاطنوه. وبالمنطق نفسه تُجرى عمليتا استغلال-الذات وتسليط الضوء على الذات. وفي كلتا الحالتين تُستغل الحرية. ففي البانوبتيكون الرقمي لا يوجد أخ كبير ينتزع منا المعلومات قسرًا. وبدلًا من ذلك، نتطوع نحن بتعرية ذواتنا.

لقد تحول الإعلان، الذي بثته شركة “أبل” في العام 1984 أثناء مباراة “السوبر بول”، إلى ما يشبه الأسطورة. حيث قدمت الشركة نفسها من خلاله باعتبارها قوة تحرر، تتصدى لدولة المراقبة الأورويلية. فنرى على الشاشة مسيرة لمجموعة من العُمال، فاتري الهمة، يدخلون بخطوات منتظمة –دون إرادة منهم كما هو واضح- إلى قاعة فسيحة ويستمعون إلى الأخ الكبير على الشاشة الضخمة وهو يلقي إحدى خطبه المتعصبة. ثم نرى امرأة تندفع إلى داخل القاعة، تلاحقها “شرطة الفكر” في مطاردة حامية. ثم تنطلق إلى الأمام، وهي تحمل مطرقة ضخمة أمام صدرها المهتاج. ممتلئة بالعزم والتصميم، تعدو رأسًا إلى الأخ الكبير، وبكل ما أوتيت من قوة تلقي بالمطرقة على الشاشة الضخمة؛ فتنفجر مُطلقة فيض من الضوء يغشى الأبصار. فيستيقظ حشد العمال على الفور من سباتهم. ونسمع صوتًا يعلن: “في الرابع والعشرين من يناير سوف تطرح شركة “آبل للحاسبات” جهاز ماكنتوش. وسوف ترون بأنفسكم لماذا لن يشبه العام 1984 في شيء “1984”.” لكن رغم هذه الرسالة، لم يحمل العام 1984 ما يشير إلى انتهاء نهاية المراقبة، بقدر ما حمل بوادر تدشين مجتمع سيطرة من نوع جديد – مجتمع تتفوق عملياته على نظيراتها في الدولة الأورويلية تفوقًا ساحقًا. فاليوم، أصبح التواصل والسيطرة شيئًا واحدًا، دونما أي فرق بينهما. اليوم، كل واحد منا بانوبتيكون يراقب نفسه بنفسه.

  • فصل من كتاب بيونج شول هان “السياسة النفسية: النيوليبرالية والتقنيات الجديدة للقوة”
  •  الغلاف: لوحة اللاعب الكبير، فرانز فالكنهاوس Franz Falckenhaus