شهادة أيام النسيء

قصة

محمد عبد الله سامي محمد عبد الله سامي

1

هنا، في هذه الحكاية، أحتفي بفرط العشوائية. إن كنا في سياق آخر، لا يعلم فيه أحد شيء عما نعيشه، كنت سأقول بكل ثقة إن كل اللحظات التي تستحق الذكر في حيواتنا، وأنا أقصد كلها دون استثناءات، حدثت في ظروف عشوائية لم توضع لها خطة. لكني هنا سأستبدل “كلها” بـ”معظمها”، لترك مساحة “رجلاش” كافية لمنع جدال أراه ينشأ في رأي من يقرأ.

بداية أحد اللحظات التي تستحق الذكر، كانت يوم ٢٤ مساءً، والتي نتجت عنها أربعة أيام من العشوائية المحببة، لكن بدايتها بكل وضوح هي يوم ٢٤ بالليل. فبخلاف الدعوات بالنزول المطروحة أونلاين، لم يحدث يومها شيء يذكر سوى مكالمة حسن.

***

2

حسن، وإن كنت لا أظنه قد لاحظ هو شخصيًا، أنه على مدار ٢٠ عامًا، كان هو المكافئ المنطقي لكل قراراتي في الحياة. إن أقدمت على قرار دون الوصول لمبررات كافية للقيام به، كان “حسن” يقدم على نفس القرار، لكن بمبررات منطقية واضحة، وخطة تبدو صلبة في البداية على الأقل.

أصدقاء منذ الحضانة. اخترت شعبة علمي رياضة دون تفكير، فأنا أحب الرياضيات، اختارها هو بناءً على تحليلاته المنطقية للميول والمهارات والاستفادة العلمية. اخترت الهندسة لأني لا أرى مكان أقرب لاهتماماتي، أما حسن فبناءً على متطلبات سوق العمل والمستقبل المنتظر. حتى اختيار القسم، كانت لديه أولويات، ومواءمات، وقعت به في قسم الأجهزة الطبية. أما أنا، وبفرط العشوائية، اخترت قسم الكمبيوتر واستقرت بي درجاتي للقسم المدني فطلبت تحويل أوراقي للأجهزة الطبية فهو الأقرب للبرمجة. وذلك كله دون اتفاق مسبق مع حسن.

تحدث إليَّ حسن هاتفيًا يوم ٢٤ مساءً:

  • هتنزل بكرة؟
  • مش متأكد، أنت نازل؟
  • لو حصل ‘x’ هنزل لكن لو حصل ‘y’ مش هنزل..
  • طيب كلمني لو نازل.

أنهيت المكالمة، ولم أفكر مرة أخرى فيما سيحدث في اليوم التالي، لا خطة بالطبع، سأرتجل إن استلزم اليوم النزول. لكن درجة ارتجالي مع الخبر الذي قرأته في الصباح لم تكن لتنجح على أي حال.

***

3

ذكر الخبر في البداية، ثم جولة في درجة استعدادي له.

الخبر على الجزيرة هو:

“٨٠٠٠ متظاهر أمام دار القضاء العالي”

كانت هذه هي الحالة ‘x’ في احتمالات “حسن”. ولا يجوز عدم النزول.

والآن مع درجة استعدادي:

تاريخيًا، لم اشترك في تظاهرات قبل ذلك اليوم، قط، صفر، أبيض، عيل، ساذج. لم أهتم بأي شيء يمت للسياسة بصلة من قبل، لم أدخل قسم البوليس إلا مرة واحدة إثر خناقة لم أشترك فيها، لكن هذا ليس المقام لحكيها.

تأمينيًا، لم أخبر أبي بالطبع بنزولي، فهو لن يفهم أو يوافق. أخبرت أمي أني نازل “أتفرج”، فلم توافق ولم ترفض. غير أني لم اتفق مع أي من أصدقائي المهتمين كي ننزل “عزوة”، لم أخبر أي منهم حتى بمكان نزولي.

لوچيستيًا، نزلت دون أن أفطر، ارتديت طبقة واحدة من الملابس في طقس شتوي واضح، ليس معي سوي ٤٥ جنيه، وموبايلي لن يصمد أكثر من ثلاث ساعات على أقصى تقدير.

قررت ترك سيارة أبي التي أسرقها منه حين يقرر هو، وبكامل، إرادته عدم ركوبها، وآثرت النزول في عبد المنعم رياض على أن استقبل المسيرة في شارع الجلاء، وهو ما حدث. لكن إذا استقبلتهم سأكون أنا، “حيلة أمي”، في مقدمة المسيرة، وقد كان.

ساقتني المسيرة إلى ميدان التحرير، وأنا ارتجف لسماع نداءات لأول مرة ترج الشوارع مثل “الشعب يريد إسقاط النظام” أو “يسقط يسقط حسني مبارك”.

زيادة في الأمان، لم أكن أردد معهم، عسى أن يشفع لي عدم ترديدي للهتافات حين يتم القبض علينا، حتمًا سيتركونني لأني لم أسب أحدًا، وكأننا أطفال في حوش المدرسة.

الميدان كبير جدا مقارنةً بالمسيرة التي كانت تبدو ضخمة في أحضان شارع الجلاء. وفي الميدان، تشتتت المسيرة إلى مجموعات، جزء إلى كوبري قصر النيل، وجزء إلى طلعت حرب، وجزء إلى مجلس الشورى، وبارتجالي المبهر المعتاد انضممت لمجموعة مجلس الشورى، فقد تكون هذه هي المنطقة الأكثر تأثيرًا وأمانًا، وبالطبع حسمت القرار لما رأيت عمو فريد في مجموعة مجلس الشورى.

سامح الله عمو فريد.

***

4

عمو فريد، أبو أحد أصدقائي المقربين بالجامعة، إن وصفته لك الآن ستميزه في التظاهرة دون أن تراه من قبل، هو رجل ستيني، ضخم، له كرش، شعره أسود هائل لا يهندمه، له شنب رمادي ضخم ليس له مثيل، يرتدي نظارة أيقونة لم أرها من قبله ولا بعده. كنت قد رأيته وسلمت عليه عدة مرات في زياراتي لمنزل صديقي.

لم أظن أنه سيذكرني إن رآني في محفل كهذا بالطبع، لكني شعرت بالأمان لمجرد وجودي حوله في التظاهرة، وقررت البقاء قريبًا منه تحسبًا لأي أمر طارئ. لكن حتى هذا القرار كان غير محسوب ولا صحيح. فبشهادته هو الشخصية بعدها بسنوات، قال لي: “لما تلاقيني في مظاهرة روّح يابني.. ماتمشيش فيها”.

غاية ما هنالك. وقفت المسيرة، أو ما تبقى منها، أمام مجلس الشورى، والهتافات لا تتوقف. هتافات فقط، لكنها هتافات قوية، مخيفة… ومبهجة. وبالطبع من باب الأمان لم أشترك حتى في الهتاف. كان كل شيء سهل والأمن لا يشتبك معنا بأي شكل، وكان ذلك مريحًا بعض الشيء.

ظل الوضع مثاليًا، حتى تحمس أحد الشباب الذي أكاد أجزم أني رأيته عدة مرات في حفلات لمنير، يتحمس ويشق قميصه تزامنًا مع منتصف أغنية “حرية”. تحمس الشاب مرة أخرى في المظاهرة وخلع فردة كوتشيه وألقى بها داخل مجلس الشورى في محاولة لإصابة أحد العساكر. وزاد الوضع غرابة أن أحد العساكر ألقاها هو الآخر في محاولة لإصابة الشاب المتحمس.

كانت عودة فردة الكوتشي إشارة إلى انتهاء حرب الهتافات الجميلة، وبدأ الضرب. وتزامن ذلك مع انضمام مسيرة أخرى لنا كنت أظن انها انفصلت عنا في الميدان. لكنها كانت مسيرة عجيبة، لا بنات فيها، ولا نساء، ولا حتى رجال. كانت مجموعة من المسوخ لهم نفس الشكل والسمت وحتى الچاكيتات الجلدية. ولما صاروا بيننا، بدأ القفش، وكان ذلك مفاجئًا.

حاولت أن أتذاكى وأهرب من أطراف الكردون الذي حاوطوا به المسيرة، لكن كما بدا لي الأمر أنهم خصصوا لكل متظاهر منا مخبرًا خاصًا به. بالطبع أمسك بي مخبري الخاص، وكرد فعل منطقي مني، التففت ودفعته لأحاول الهرب، فضربت موبايله بذراعي ووقع أرضًا متفككًا إلى أربعة قطع.

توقف الزمن، نظر إليّ المخبر شزرًا، وكأن “سبوت” إضاءة المسرح قد تسلط عليّ أنا والموبايل والمخبر، ولا حاجة للقول إن باقي المخبرين قد رأوا المشهد مبالغًا فيه، فترك أربعة منهم كل ما كان يشغلهم وانضموا إلى مخبري الخاص، في مهمة ترويض العنصر المشاغب. أتمنى أن يكون هذا الوضع قد أتاح فرصة الهروب لأربعة متظاهرين لا أعرفهم في أثناء انشغال مخبريهم في القبض عليّ.

رفعتني أيدي المسوخ عاليا، كالفرخة، حاولت أن أستنجد بعمو فريد، لكنه كان قد هرب من قبلها بحدسه الفريد. هرب عمو فريد بهيئته المميزة وكرشه الضخم وبكل ما به ما أمراض وعلل، ولم أتمكن أنا الشاب، أسرع فرد بين أصدقائي، من أن أجري سوى أربع خطوات قبل أن يلقوا بي في البوكس الأبيض الذي حدث فيه كل شيء.

***

5

البوكس الأبيض على ما يبدو هو هجين من العربية الثلاجة التي تنقل اللحوم، وسيارة الترحيلات الكحلي الضخمة. قد تبدو هذه الحكاية طريفة الآن، إلا أنها في وقتها، كانت الرعب المركز من فيلم “إحنا بتوع الأتوبيس”، مضروبًا في مئة.

دخلت البوكس، وسمعت أذان العصر من ميكروفون عمر مكرم، أي أن الساعة لم تكن قد تجاوزت الثالثة عصرًا، أي قبل أن تحدث أي تطورات أو اشتباكات، أي قبل أن يقرر أي ممن أعرفهم النزول للتظاهرة، أي قبل أن يعود والدي من عمله، أي قبل أن تنتهي أمي من طبيخها، أي قبل أن يبدأ الخلق، كنت أنا محبوسًا بالفعل.

دخلت البوكس. كان مظلمًا، شبه خالٍ. كنت على وشك أن أحظى بلقب “أول/أغبى سجين في الثورة” عن جدارة، لولا أن البوكس حين دخلته لم يكن خاليًا تمامًا، وكان يجلس في عمق الصندوق شابًا رفيعًا هادئًا في وضع القرفصاء، مواجه للباب، ساندًا ظهره على حديد الصندوق. مرحبًا بك يا أول/أغبى سجين في الثورة، أجل أنا الثاني.

مددت يدي فأخرجت موبايلي. أظن أنه بمعرفة فرط العشوائية الملاصق لي، لا داعي أن أقول إن الموبايل كان بالطبع فاصلاً شحن، لم يكن السوني إريكسون يحتفظ حتى ببعضٍ من شحنه حتى يمكنني إيقاظه مرة أخيرة لإرسال رسالة طارئة مثلما كان يفعل الموبايل النوكيا.

دققت النظر في الشاب الجالس. شكله مألوف. (تحذير بحرق أحداث فيلم عمارة يعقوبيان) نعم، إنه الممثل المغمور الذي قام بدور الشاب الذي قتل خالد الصاوي في نهاية فيلم “عمارة يعقوبيان”. بدا واثقًا هادئًا معتادًا للوضع، يدخن سيجارته في صمت. بدوت أنا خائفًا ساذجًا مترددًا، لا أدخن سجائر، وقليل الحيلة.

طلبت منه أن اقوم بمكالمة مدتها دقيقة واحدة من موبايله كي أطمئن أهلي، فوافق في دماثة لا تليق بقاتل خالد الصاوي. أحمد الله أني أحفظ أرقام من يهمني أمرهم عن ظهر قلب. تناولت الموبايل، وقمت بأربعة مكالمات ملحميات.

***

6

المكالمة الأولى بالطبع لأبي.

أخافُ أبي بشدة، وأقدر حجم المصائب التي أسببها له. إلى يومنا هذا لا أخبره بأي شيء قد يغضبه، ومع ذلك فهو غاضب طوال الوقت بسببي، ولا أعرف السبب.

حتى ممارستي للرياضة، الذي لا أظنها تعتبر بأي حال شيئا قد يُغضب أب من ابنه، كانت تغضبه. أمر يدعو للتساؤل أن يحثني هو على ممارسة الرياضة في طفولتي ثم يطلب مني تركها حين أكبر كي ألتفت لدروسي.

غاية الأمر أني قررت ممارسة الرياضة سرًا هي الأخرى، وكأن كل شيء ممتع أو جميل أو محبب في الحياة هو إما حرام، وإما سيغضب أبي. حاولت تجنب كل ما هو حرام، ولم أتجنب كل ما كان يغضب أبي، كنت فقط أفعله سرًا، لذلك لم أخبره بنزولي للنظاهرة.

لكن خوفي من أبي وما سيفعله بي لم يكن بأي حال بنفس مقدار خوفي في تلك اللحظة في البوكس. يمكنه أن يجلدني إن شاء، فإن استطاع أن يخرجني من هذه الأزمة فله الحق في أن يبيعني في سوق الجمعة إن شاء.

رن الجرس:

  • ألو.. بابا.. أنا نزلت المظاهرات واتقبض عليا…
  • إيه.. أنت فين دلوقتي؟
  • … في البوكس!

صاح بلهجة تربوية غاضبة:

  • وأنت إيه اللي نزلك المظاهرات يا ابني أنت…

رددت بإحباط:

  • وده وقته يا بابا!
  • طب فين البوكس ده دلوقتي؟
  • في القصر العيني

رد متوترًا:

  • طب اقفل لما اشوف نتصـ…

وأغلق الخط كعادة كل الآباء دون سلام. نظرت إلى زميل البوكس الأوحد وأجريت مكالمة أخرى دون أن أستأذنه.

***

7

المكالمة الثانية لأمي.

أمي هي أمي. تعرف الأشياء حتى إن لم أخبرها بها. لا تعترض كثيرًا على الأشياء، لكنها إن غضبت عليها لا تباركها، وإن لم تباركها، خرِبت. كانت لا تزال تعد الغداء في المطبخ.

اتصلت فردت أختي الوسطى، قلت بهدوء:

  • أيوة يا وسام.. ماما جنبك؟
  • أيوة.. في حاجة؟
  • طب واحدة واحدة كده من غير ما تصوتي.. أنا اتقبض عليا في المظاهرات.

رقعت أختي بالصوت، ثم سمعت الكلام بعد ذلك ليس موجهًا لي:

  • (أختي باكية) ماما محمد اتقبض عليه في المظاهرات
  • (أمي بغضب وقلة حيلة وملل من كثرة مصائبي) يوووووه!

ثم سمعت صوت خبطة كبشة أمي على طرف الحلة وأُغلق الخط.

نظرت حولي فكان لدينا في السيارة زوار جدد، أعتقد اثنان أو ثلاثة، يحاولون كلهم أن يتصلوا بذويهم، تجاهلت الوضع ونظرة قاتل خالد الصاوي لهاتفه في يدي وقمت بمكالمة أخرى.

***

8

الثالثة لأنور.

أنور هو أحد أقرب أصدقائي على الإطلاق. من فئة الأشخاص الذين أحفظ أرقام موبايلاتهم عن ظهر قلب دون مجهود أو حتى دون أن أعلم متى حفظتها.

لم أكن أفكر وقتها أن تركه الهندسة واتجاهه للعمل بالصحافة قد يفيدني في أحد الأيام، بل إنني كنت قد نسيت وقتها أنه يعمل في صحيفة مهمة من الأساس، كنت أتصل فقط أريد أن أطمئنه عليّ، أو يطمئنني هو، لا أعرف.

قلت مختصرًا:

  • أنور، أنا اتقبض عليا!

رد ساخرًا:

  • يخربييييييتك.. فين؟!

ضحكت:

  • في شارع القصر العيني!

رد بشكل عادي:

  • طب اقفل وهكلمك كمان شوية.

لم يتكلم أنور مرة أخرى؛ بالطبع لأن موبايلي كان مغلقًا، لكنني لا زلت أحمل القليل من الغضب تجاهه حتى يومنا هذا لأنه لم يعاود الاتصال. بالتأكيد لا يمكنني أن أنكر أن اسمي ثلاثيًا، قد نُشر ثلاث مرات، في ثلاث صحف مختلفة، ولثلاثة أيام متتالية بفضل أنور.. يا فرحتي.

نظرت إلى صديقي الممثل المغمور صاحب الهاتف، وكدت أن أقبّل يده كي يترك لي دقيقة أخيرة، فمارس تعبيرًا سينمائيًا بوجهه ردًا على طلبي، لم أحدد ماهية ذاك التعبير بالضبط، لكني فهمت من حركة يده أنه وافق على مضض.

***

9

المكالمة الرابعة كانت من نصيب هاني.

هاني هو أخي الذي لم تلده أمي، حلّال كل العقد، يتصدر المشهد ليدافع عني دون أن يفهم، صاحب مبدأ “نتخانق وبعدين نبقى نفهم”، يلقي بنفسه في أي “حوار” طالما أنا فيه، وأحاول جاهدًا أن أكون أنا له كذلك.

  • ألو.. هاني.. أنا اتقبض عليا في المظاهرات!
  • أحا.. طب أنت فين؟
  • في البوكس في شارع القصر العيني..
  • خدت رقم البوكس؟
  • لا طبعا!
  • طب شكله إيه البوكس ده؟
  • أبيض وأصغر من عربية الأمن المركزي شوية…
  • طب اقفل أنا جايلك.

لم يأت هاني، كنت أعلم أنه لن يصل، لكني لم أكن أريد أن أسمع سوى تلك الكلمات “أنا جايلك”، أني لست وحيدًا، أن هناك من يحاول أن يدخل لي فنخرج معًا، مع احتمالية عدم خروجنا المرجحة بشدة.

عرفت من هاني بعدها أن خطته كانت باختصار هي جمع مبلغ كبير من المال، قدره ٥٠٠ جنيهًا على ما أذكر، والوصول لسائق البوكس، ليعطيه المبلغ ويدخل البوكس فيخرجني. لعل عدم وصوله للبوكس كان أفضل من إحراج محاولة تنفيذ الخطة.

بدأ البوكس يتحرك، كان يقف كل دقيقتين ليركب بعض المتظاهرين، ثم يتحرك مرة أخرى. وقفت بمحاذاة الجدار الأيسر، عن يميني الباب وعن يساري صديقي السجين الأول، أتفرج في صمت. كأنها مسرحية ولكل من يدخل إلى البوكس مشهد وجملة يقولها ثم يجلس.

***

10

يدخل عن يمين المسرح (مزقوقًا) شاب ضخم، بدين، ينظر لنا في محاولة لطلب المساعدة، ثم… طراخ، يسقط مغشيًا عليه، أول شيء لمس حديد الأرض من جسده هو عظام وجهه. يرتبك زملاء البوكس ويحاولون طلب المساعدة من عسكري الباب دون جدوى، فركنوه على جانب المسرح.

يدخل عن يمين المسرح (مزقوقًا) قهوجي قصير رفيع، يحمل صينية، ثم يلتفت ويتحدث لعسكري الباب غاضبًا: “يا باشا ده أنا جي أجيب شاي للعساكر والمصحف.. يا باشا الكوبايات لسه معاهم أهي والمصحف.. يا باشا والله ماخدتش تمن الشاي حتى اسألهم.. يا باشا الله يخربيت أمك”. يجلس القهوجي وهو لا يزال يسب ويلعن ولكن بصوت خافت.

يدخل عن يمين المسرح شاب لم يتخط السابعة عشر بعد، معه كيس بلاستيك، ثم يفتح الكيس ويخرج بنطلون جينز، يشير إليه ويقول لعسكري الباب: “والمصحف كنت شاري بنطلون من مول طلعت حرب وجي الميدان عشان أضيقه عند ترزي في التحرير.. والله ما كنت أعرف.. والله ما كنت أعرف”، يبدأ في تقطيع البنطلون من الغضب. يهدئه زملاء البوكس.

يقف أحد الجالسين وينظر من شباك البوكس “ده احنا رايحين ناحية شارع الشيخ ريحان.. يبقى هيودونا لاظوغلي في أمن الدولة”، ثم يبكي ويجلس. (ارتجفت مما أسمعه عن حكايات لاظوغلي).

يقف جالس آخر وينظر من شباك البوكس هو الآخر، “دول طالعين أكتوبر.. يبقى هيودونا مدينة نصر في أمن الدولة”، ثم يخبط بكف على كف. (ارتعشت مما أسمعه عن حكايات مبنى مدينة نصر).

يتحدث قاتل خالد الصاوي للمرة الأولى منذ بدء المسرحية دون أن يقف “هيطلعوا بينا على طريق السويس ويسيبونا في الصحرا.. نروح مشي”. (أحببت هذا السيناريو جدا، سأعود إلى البيت جريًا إن تركوني في الصحراء).

يغلق الستار على البوكس في معسكر الأمن المركزي بطريق الإسماعيلية. فكل التكهنات كانت هجص.

***

11

معسكر الأمن المركزي مكان عجيب، يشبه مناطق التجنيد. يبدو أنه بنزول عساكر الأمن المركزي للشوارع، صار المعسكر خاليًا. ويبدو أيضًا أنه من فرط أعداد المقبوض عليهم، امتلأت الأقسام فلم يعد لنا مكان غير المعسكر. ويبدو أخيرًا أن هناك بوكس آخر يشبه بوكسنا تمامًا كان يمشي ملاصقًا لنا، فحين وصلنا إلى المعسكر فُتِح باب البوكس الآخر أولًا.

كان أكبر همي منذ اللحظة الأولى ألا يضربني أحدهم بالقفا، أو يقابلنا العساكر بالتشريفة الشهيرة. لم يحدث هذا أو ذاك والحمد لله، وإلا لما سارت حياتي إلى ما سارت إليه الآن. نزل زملاء البوكس الأول ومروا بسلام إلا تسليم الأمانات، ونزلنا بدورنا لنفس الخطوات. في طابور تسليم الأمانات رأيت بعض الوجوه المعروفة نوعًا ما، كمال خليل، أمين إسكندر، محمد واكد، مع غياب مدوٍ لعمو فريد.

استقر بنا الأمر في زنزانة حبس العساكر داخل المعسكر. كل من استطاع أن يهرّب موبايل ليتحدث لأهله هرّبه، وكل من كان له واسطة قد تفيده طلبها. وكانت كل الردود واحدة “هيخرجوا على بالليل”.

أذّن المغرب وحل الهدوء على الزنزانتين وجلسنا في صمت ننتظر قرار الخروج الموعود، بينما كمال خليل في الزنزانة الأخرى لم يكن هادئًا، عرفت فيما بعد أن شهرته “عم كمال”، وأنه بالفعل لا يتوقف عن الهتاف. كلنا صامتون بينما هو يهتف: “يسقط يسقط حسني مبارك” ولا يرد عليه أحد. رديت في سري: “اسكت يا ابن المفضوحة هيودونا فين أبعد من هنا”. تمنيت لو أن يسكته أحدهم خوفًا من إثارة غضب الضباط الذين كانوا حتى هذه اللحظة غاية في اللطف.

بعد ثوانٍ قليلة من هتاف “عم كمال”، سمعنا صوت باب الزنزانة الثانية ينفتح، وصوت عم كمال وهو يستغيث: “الحقني يا أبو الدهب.. أنا هتاخد انفرادي يا أبو الدهب.. ماتنسانيش يا أبو الدهب”. حتى مع وصوله للحبس الانفرادي، لم يتوقف عن هتافه إلا بعدها بوقت طويل.. أظن لأنه نام.

كانت الساعة تمر ببطء، مل الجميع، يقوم أحد زملاء يسأل عن الساعة. فيرد آخر: تسعة. ويمر زمن طويل يبدو لنا كأنه ساعات، ثم يسأل زميل آخر عن الساعة فرد صاحب الساعة: تسعة وربع. ملل ما بعد الملل، وأسوأ ما في الأمر هو الوعد المزيف بالخروج ليلًا.

دقت الساعة الحادية عشر. قدموا لنا وجبة العشاء؛ مربى “فيتراك” وجبنة “دومتي” وعيش بلدي ساخن، يبدو أنهم يعتبروننا ولاد ناس فعلًا. وكان وصول العشاء هو الإشارة التي بدأ بعدها أصحاب الوسايط في الاستسلام أنه لا خروج الليلة، وإلا لتركونا نتعشى في بيوتنا.

تمكنت خلسة من أن أعطي رقم موبايل والدي لأحد العساكر المناوبين الذين يقدمون لنا العشاء، لعله يتمكن من الاتصال بأبي وإخباره بمكاني. وتنبهت بعدها أني لم آكل شيئًا منذ خروجي صباحًا، فأكلت بنهم، وأكل الزملاء، ثم بدأ وقتها الجميع يعدون لمبيت الليلة.

أرض الزنزانة مفروشة بالبطاطين، عددنا بالكاد يكفي لينام كل فردين على بطانية واحدة، فكان عليّ الاتفاق مع زميل بطانيتي إما أن ننام عليها ولا نتغطى، أو أن نتغطى بها وننام على البلاط، فاخترنا بالطبع ألا نتغطى. وعرفت أن العشوائية في التحضير للنزول للتظاهرة وعدم لبس سوى طبقة واحدة من الملابس سأدفع ثمنها الآن.

ساد الصمت لمدة لا أعلمها، حتى انفجرت الخناقة بين شريف ومروان.

***

12

شريف ومروان صديقان، دخلا إلى زنزانتي من البداية معّا، بدا الأمر لهما نزهة، يعلمان أنهما سيخرجان منها خلال ساعات. شريف أبيض قصير، رفيع، ذكي، يبدو واثقًا من كل ما يقوله، وعلى علم بالكثير من الخبايا السياسية التي يتفاخر بها أمام صديقه مروان. مروان أطول بقليل من شريف، أسمر، بدين، خفيف الظل، لا يبدو على علم بأي مما يقوله صديقه.

مع العشاء، بدأ التوتر يظهر على مروان، وتعكر الصفو بينهما قليلًا. كأنهما بدآ يشعران بخطورة الموقف، وبأننا لن نخرج في تلك الليلة. بدأ الزملاء يخلدون للنوم، وبدأ شريف يستسلم هو الآخر لفكرة المبيت في الحبس. وعلى ما بدا، فقد قال شيئًا ساذجًا ما يثير الغضب، شيء مثل “دي تجربة تستحق التأمل”. فضربت الجملة وترًا عند مروان وبدأ “كريشيندو” الغضب…

  • يا ابني اسكت بقى! كفاية خرة..
  • إيه يابني أنت..
  • أنا كنت نازل أصلح عربية أبويا في العباسية.. إيه اللي يخليني اسمع كلام واحد زيك وأنزل معاك المسيرة؟
  • وأنت حد كان ضربك على إيدك؟
  • منك لله.. أبويا زمانه بيدور عليا أنا والعربية.. منك لله يا شيخ..
  • والله أنا غلطان إني اعتبرتك بني آدم وخدتك معايا..
  • أنا يا عم حيوان.. متاخدنيش معاك في حتة تاني..
  • أنت شخصيتك السياسية لم تكتمل..

وصل مروان قمة الغضب، وقام من على بطانيتهم المشتركة وصاح في شريف:

  • وطالما يا ابن الوسخة شخصيتي السياسية لم تكتمل واخدني معاك ليه!

ترك مروان البطانية لشريف مستشيطًا، وسار في حالة من الهياج إلى باب الزنزانة، ثم أخذ ينادي على الضابط النوبتجي المسؤول عن حراسة الزنازين مثل فيلم “وش إجرام”: “باشا.. بااااشا”. وعلى ما يبدو أن هذه الطريقة كانت فعالة تمامًا مثل الفيلم، فبعد ساعة من الاستجداء المستميت رد عليه الضابط…

  • كفاية زن يا ابني أنت صدعتنا..
  • باشا أنا ماليش دعوة.. أنا كنت نازل أصلح العربية..
  • عايز إيه يعني؟
  • أبوس إيدك خرجني من هنا.. إنشالله أطلع أقعد جنبك على الأرض بس ما تسيبنيش هنا.. أنا عندي القلب..

ضحك الضابط ثم قال:

  • طب اقعد دلوقتي وأنا هشوفك.

جلس مروان مستندًا على الباب حتى غلبه النوم. وبعد ما يقرب من ساعة أخرى، انفتح الباب ووقع مروان على جانبه الأيمن فاستيقظ متوترًا ونظر للضابط وقال: “الحقني يا باشا”.

خرج مروان لمكان آخر لا نعلمه. وبعدها بدأ بعض الزملاء أصحاب الوسايط في الخروج تباعًا ليلحقوا بـمروان؛ يدخل الضابط على فترات متباعدة فينادي على اسم تلو الآخر ثم يأخذه للخارج. كنت أظن أنه يأخذهم ليتركهم لحال سبيلهم، لكني اكتشفت حين نادى الضابط اسمي أننا لن نرحل بل سننتقل إلى عنبر أكل العساكر، أو “الميز” كما يسمونه.

كنت مندهشًا من أن اسمي قد ورد في أسماء من كانت لهم واسطة، فعلى ما يبدو أن العسكري قد اتصل بأبي واستطاع أبي أن يتصل هو بدوره بواسطة استطاعت أن تنقلني من الحبس إلى “الميز”.

***

13

الميز واسع. شبابيكه كثيرة. ستدخله الشمس حتمًا في الصباح. أزالوا منه موائد الطعام ليسع بعض النزلاء، وفرشوا لنا فيه بعض البطاطين.

بدأ الزملاء ينضموا إلينا في الميز، كان بعض من جاء منهم يقول بأنهم بدأوا العرض على النيابة، وبأن وكلاء نيابة أمن الدولة قد حضروا إلى المعسكر ليتم التحقيق معنا واحد واحد. هبط أمين إسكندر بعدها بدقائق أرض الميز، لم أكن أعرفه، ولا أظن أني أعرفه الآن أيضًا، لكنه كان بطريقة ما يمشي فيمشي مجموعة من الشباب حوله كأنه أرسطو في حديقته وحوله المشاؤون. سمعته يقول لطلبته: “اللي يدخل لوكيل النيابة مايقولش إنه كان نازل المظاهرة.. يقول إنه اتاخد غلط وهم كدا كدا هيخرجوكو كلكم ويسيبونا احنا”.

نودي اسمي من الميز بعدها بنصف ساعة، كان الفجر على وشك أن يؤذن، موعد غريب للتحقيق، لكن إن كان هذا معناه الخروج من هنا فما المانع. خرجت واقتادني العسكري إلى مكتب من بين مجموعة من المكاتب في الفَسَحة التي يتدرب فيه العساكر، يجلس عليه رجل أربعيني دمث. اقتربت وجلست فسألني:

  • إيه اللي نزلك المظاهرات يا محمد؟

تذكرت نصيحة أمين إسكندر لتلاميذه، فرددت…

  • لا ده أنا كنت رايح ألعب كورة..
  • كووورة إممم.. انت منين يا محمد؟
  • إمبابة..
  • تعرف سعيد الحافي؟

لم أفهم هذا التحول العجيب في الحديث…

  • ااا… أيوة طبعًا
  • شفته بيلعب قبل كده؟
  • اه.. وباصينا كورة مع بعض كده تفاريحي..
  • أنت عارف إنه هو اللي اتعمل عنه فيلم الحريف؟
  • أيوة.. شفت محمد خان كان بيتكلم عنه في برنامج.

صمت وكيل النيابة للحظات، وابتسم وهو ينظر في الورق أمامه..

  • طب يا محمد ماتبقاش تلعب كورة في التحرير تاني.

عدت إلى الميز محتارًا. وقبل أن يهل الصباح كان قد امتلأ عن آخره، كل الزملاء انتقلوا من الحبس إلى الميز، لم يعد هناك فرق بين أصحاب الواسطة وغيرهم، مفارقة جميلة وإيماءة لطيفة من رجال الشرطة في المساواة أراحت ضميري بعض الشيء.

وفي الصباح، قدموا لنا وجبة الإفطار؛ مربى “فيتراك” وجبنة “دومتي” وعيش ساخن، لا أدري ما اسم الجهاز المنوط بتأمين وجبات مثل هذه للسجناء، وكيف كان لا زال قيد العمل الآن، ومن هو الشخص الذي اهتم بإصدار الأمر بتقديم هذا الإفطار لنا في أوج الفوضى التي تجوب كل الأجهزة. لا أدري كيف تم كل هذا لكني استمتعت به جدًا، فهو إفطار جيد شئنا أم أبينا. أصابني إحباط طفيف بالطبع، لكن كان الزملاء جميعهم يأكلون وكأنهم لم يفهموا أن هذا إشارة أخرى بعدم خروجنا، على الأقل قبل موعد الغداء.

وكعادة كل البشر، ينتابهم حالة من المزاج الجيد بعد تناول الإفطار، حتى وإن كنا في الحبس. فبعد الإفطار بدأت نشاطات اجتماعية مختلفة تأخذ وضعها في الميز لم أشترك في أي منها.

***

14

بدأ نشاط بدائي من التعارف اقترحه أحد الشباب الإسلامي؛ أنا فلان الفلاني وأعمل في كيت وكيت، فيرد الآخر بنفس الطريقة، ويلتقط الأول طرف الخيط ليستمر الحديث لدقائق حتى يدخل ثالث للحوار.

في منتصف الميز نشأ نشاط آخر حين تحصّل شخص ذو علاقة جيدة بالعساكر على جورنال اليوم، كان يزينه مانشيت تاريخي مختلف عن المانشيتات المعتادة من قبل “١٠,٠٠٠ متظاهر في ميدان التحرير”، والتف حوله الزملاء ليستمعوا له وهو يقرأ، وفي تفاصيل الخبر التي قرأها صاحب الجورنال أن المتظاهرين رفضوا مغادرة الميدان وبأن هناك اشتباكات حدثت بينهم وبين قوات الأمن.

أصابني إحساس متناقض بين رغبتي في مواصلتهم التظاهر حتى يزيحوا النظام ويقتحموا السجون فيخرجوننا، وبين رغبتي في أن يتفرقوا ويعودوا لمنازلهم فتقرر الشرطة إخلاء سبيلنا بعد أن تهدأ الأمور.

كان ثالث النشاطات الصباحية هو أن الضابط المناوب أمرنا بأن نخرج مجتمعين إلى الفَسَحة الترابية أمام الميز، ليصفونا في صفوف قبل أن يحصوا عددنا، وكأنهم يجهزوننا للخروج. كانت الأجواء خفيفة وتشي بالفرج القريب، إلا أنهم بعد ساعة من العد، أمرونا بالدخول للميز مرة أخرى.

لم نخرج. ساعتان. دون جديد. أذّن الظهر. صليناه. ثلاث ساعات. لا أخبار. تحول المزاج الجيد إلى ملل، والملل إلى غضب، والغضب إلى نشاطات منفعلة.

وقف أحد الشباب في منتصف الميز بصوت واثق وهادئ يشجب الطريقة التي يتحفظون علينا بها، وأننا يجب أن نبلغ أهلنا بمكان حبسنا. ثم بدأ يتلو علينا من ورقة في يده بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كي يعرف كل منا حقوقه ومتى يتم انتهاكها. فكرت في نفسي، ماذا عساي أن أفعل إن أنتهك أحدهم حقوقي الآن في هذا الحبس؟ ثم أني لا أطالب سوى بحق واحد، الخروج من هذا المكان، أو على الأقل أن أعرف موعد الخروج.

أذن العصر فصليناه. ثم ظهر من العدم نفس الشاب الذي خلع كوتشيه وألقاه داخل أسوار مجلس الشعب، الشاب الذي يشق قميصه في منتصف أغنية “حرية”، الشاب الذي بدأ بسببه كل هذا، ظهر فجأة وقفز متحمسًا بيننا صائحًا: “إضراااااب… إضراب عن الطعام… لو دخلوا لنا أكل ماحدش ياكل لحد ما نعرف هنخرج إمتى”.

كدت أصفعه؛ أنا لا أكره في حياتي أكثر من ذوي الحماس الزائد، بل وأكرهه هو بالتحديد، ولا أحب في هذا الحبس سوى الطعام الذي يحاول هذا المعتوه أن يمنعني عنه، فضلاً عن أني أظن أن الإضراب لا يفلح إلا إذا كان هناك بالخارج من يعلم بأننا مضربون عن الطعام فيحدث الضغط.

انفتح باب الميز مرة أخرى ليقدموا لنا الغذاء. كان بالطبع، كما توقعت، عيش ساخن مع مربى “فيتراك” وجبنة “دومتي”. وكما توقعت أيضًا، تجاهل كل الزملاء دعوة الإضراب الخائبة من فتى الكوتشي، وبدأوا في الأكل، فأكلت حتى امتلأت نكاية في فكرة الإضراب، ثم عاد الملل واختفى الغضب تدريجيًا.

وفي المساء، وكنشاط أخير، اجتمع مشّاؤو أمين إسكندر حوله يستمعون إليه، وانتهت محاضرته وهم يغنون بطبيعة الحال للشيخ إمام. لم أكن قد تعرفت على أي منهم فانزويت حتى هدأ الجو، ثم طلبت من الشخص الذي استطاع أن يهرب موبايل داخل الميز أن يسمح لي بمكالمة.

***

15

اتصلت بموبايل والدي، فردت أختي، سألتني عن حالي فأجبت أني بخير، وبكت هي. تناول والدي الموبايل، سألني عن أخبار المكان الذي أقيم فيه ولكن بروح مرحة هذه المرة، فأجبت أن المكان جيد والمعاملة طيبة، أخبرني بأن هناك عسكري يدعى عبد التواب قد اتصل بهم ليخبرهم بأني طلبت منه أن أتصل بهم لأخبرهم عن مكاني. شكرت عبد التواب في سري وحمدت الله على هدوء أهلي بسبب مكالمته. سمعت أختاي الأخريين وهما يشجعانني بصوت متوتر في الخلفية، ففهمت أني على مكبر الصوت، وألقيت عليهم تحية حماسية ولكن بصوت منخفض، فكان عليّ أن أختبئ خلف عامود في الميز كي لا يراني العسكري المراقب.

وقع الموبايل في يد أمي.. أخيرًا. فلم أكن أنتظر أن أسمع أحدًا سواها، وكما لم أخطط من قبل، لم أتمكن من احتواء فيض المشاعر الذي فجره صوتها في قلبي، انهالت دموعي دون حساب، وبدأت أمي سؤالي، “بتاكل؟”، أجبت “جبنة ومربى وعيش سخن”. سألت إن كنت أنام جيدًا، كذبت “جدًا”. أشار لي صاحب الموبايل بقرب العسكري وحلول موعد إنهاء المكالمة. فأنهيتها بـ”لا إله إلا الله”، ودخلت في نوبة من “السححان” الذي أنهيته سريعًا خوفًا على مظهري بالميز.

طفت في الميز بالقرب من منتصف الليل، أشعر بهدوء نسبي. أهلي بخير، ويعلمون أني بخير. الوضع ليس بالسوء الذي توقعته، كل ما يؤرقني فقط أني لا أعلم إلى متى سيستمر هذا، لو أنهم يخبروننا بالمدة التي سنقضيها هنا لهان الوقت، أسبوع على سبيل المثال، أو شهر، سأدرب عقلي الباطن وأُعد درجة “خُلقي” و”طَقَطَاني” كي أتحمل المدة، لكن في حالة كالتي نحن فيها، ماذا أخبر خُلقي، كم سيتحمل طَقَطَاني، كيف سيتصرف عقلي الباطن؟

الإسلاميون يقرأون في مصاحفهم. مشّاؤو أرسطو ما يزالون يلتفون حوله في محاضرة لا تنتهي، وهناك ثلاثة منهم في الركن لا يتوقفون عن الغناء للشيخ إمام، ولكن بصوت خافت، فالزملاء بدأوا ينامون. مروان يجلس غاضبًا بالقرب من الباب لا يتحدث لأحد، يبدو أن صداقته بشريف انتهت فعلًا. شريف وجد من يتلو عليه نظرياته ويتبادلون معًا ما يملكون من أخبار عن التاريخ والسياسة. فتى الكوتشي، أو بطل شق التيشيرت في أغنية “حرية” كان قد غلبه النوم، بالطبع، أنهك من فرط الحماسة واتهد ونام. أما قاتل خالد الصاوي، أو أغبى سجين في الثورة، فكان في آخر ركن بالميز، مع مجموعة من الشباب، يدخنون ويحملقون في السقف، الحبس لهم لم يكن كما كان لي، لم يكن أمرًا طارئًا اعترض خط سير حياتهم دون ترتيب، بل يبدو أنهم كانوا مستعدون له تمام الاستعداد، من أخبرهم ليستعدوا؟

وجدت مساحة على بطانية في الأرض، فخلعت الكوتشي، واستخدمته كمخدة، ونمت في أقل من دقيقة.

***

16

أشخاص لم ير أحدهم الآخر من قبل، كلهم في مكان واحد. أنا ألعب في ملعب كرة قدم خماسية، هناك جمهور كبير يشجعني، ومن بينهم فتاة لا أعرف من هي، فأنا لا أنظر إلى الجمهور، اللعب أهم. لكني أشعر بضغط شديد كأن الفتاة هي إحدى الفتيات اللاتي أحببتهم من طرف واحد في صغري، وكأنها ستبادلني هذا الحب إن أبليت بلاءً حسنًا في تلك المباراة، هذا هو نوع الضغط الذي كان يثقل صدري ويوترني في الملعب.

معي في الفريق “سعيد الحافي”، لكن بهيئته الشابة، لم يكن يشبه عادل إمام في “الحريف” أصلاً. لكنه كان ينظر لي وكأنه يعلم بشأن الفتاة التي تنتظرني بالخارج. لا يعجبه الأمر، ففي رأيه إن الكرة تُلعب للكرة، ليس لشيء آخر. لكن ما الضرر إن لعبت الكرة لذاتها، وعلى هامش اللعب أفوز بقلبها إن فزت. أعرف، أعرف يا عم سعيد، مثل الصلاة، لا يجوز أن تتعكر النية. النية الخالصة. الكرة للكرة. لن أخذلك.

بدأت المباراة، سعيد الحافي في شبابه أحرف مما تصورت، فأنا لم أره يلعب سوى تلك الباصات السريعة التي جمعتنا وهو عجوز في أحد الدورات الرمضانية. هو بالطبع أناني، لكنه إن مرر الكرة لا يمرر إلا لي، وصار الانسجام بيننا كأننا أصدقاء ملعب منذ الصغر، الجمهور يهيص كلما مررت بالكرة أو سددت تسديدة قوية، أو تمت جملة جميلة بيني وبين عم سعيد.

الجمهور من بينهم أصدقاء المدرسة، لم أرهم لكني أعرف بطريقة ما أنهم موجودون. لم يكن أصدقائي بالمدرسة يعرفوا أنني حريف إلا بعد أن انتهت المدرسة وجمعتنا ملاعب الصعلكة وقت الكلية. كانوا مندهشين أني لم أصرّح لهم بهذا وقت المدرسة، فكان ردي إنه “ماجتش فرصة”. لكني في الحقيقة كان عليّ أن أهتم بالمذاكرة وأحافظ على هيئة الطالب المتطلع للتفوق في المدرسة خشية بطش أبي إن عرف أني ألعب الكرة بالمدرسة.

لكني على الجانب الآخر كنت أعوض هذا الالتزام في المدرسة بـ”جربعة” زائدة خارج المدرسة مع أصدقائي في إمبابة، أكاد أجزم أن كرة القدم هي سبب نصف المصائب التي انتهيت فيها بملاعب غريبة بأماكن أغرب، وكأني أعيش بشخصية مزدوجة بين المدرسة وإمبابة.

كان وجود أصدقاء المدرسة بالمدرجات هو صورة أخرى من الضغط الواقع عليّ في مباراتي مع سعيد الحافي. كانت الفرقة المقابلة لنا هي إحدى الفرق التي لاعبتها في الوراق ذات مرة فـ”دعكونا”، كانوا “لعّيبة وضرّيبة”، لكن عم سعيد كان يمر بينهم كأنه يشقهم بسيف ساموراي، لا يستطيع أن يقترب منه أحد منهم، يبدو أنه بالفعل نيته خالصة للكرة، لا حاجة بي لمشاهدة فيلم محمد خان لأشعر بما أشعر من عظمة، كنت مستمتعًا بالمشاهدة، والمشاركة، وثقته أيضًا، يجب أن أكتب هذه المباراة في الـ”سي ڤي” إن أمكن، أَخذت باللعب حتى أني نسيت الفتاة، وأصدقاء المدرسة، وأعداء الوراق…

***

17

استيقظت في الميز على حركة عشوائية، الظلام لا يزال مخيمًا، يبدو أن الفجر لم يؤذن بعد، الزملاء يتساءلون، والعسكري المناوب يأمرنا بالخروج للساحة، وألا نترك أي شيء وراءنا في الميز، يبدو كأننا سنذهب لبيوتنا أخيرًا.

خرجنا من الميز إلى الساحة، وصفونا في صفوف كما فعلوا في الصباح، وبدأنا العد، ثم كررنا العد، لثلاث مرات. وبعدها تركونا في الساحة نتحرك بحرية لساعة وأخبرنا العسكري أنه من كان يريد أن يشتري شيئًا من “الكانتين” فليشتريه.

تذكرت وقتها أنهم لم يقدموا لنا عشاءً، يبدو أنهم سيعتقوننا بالفعل، سأحتفظ بشهيتي لآكل في البيت. وبدأ الزملاء يتوافدون على “الكانتين”، ولكن على استحياء. رأيت العسكري عبد التواب الذي اتصل بأبي واقفًا بالقرب من الكانتين فلم أتمكن إلا أن أشكره، سرت إليه وسلمت عليه وشكرته وأبلغته شكر أبي وأعطيته ٢٠ جنيهًا، ففرح وشكرني وعرض عليّ أن ألجأ إليه إن احتجت إلى أي شيء. فمِلت عليه في حركة صياعة وسألته:

  • هم هيخرجونا بجد ولا أي كلام؟

نظر حوله ثم مال عليّ بنفس ذات الصياعة وقال:

  • كلام في سرك.. أنتو مش هتخرجو إلا لما الكانتين دا يفضى.. فواحدة واحدة كده مع زمايلك واللي يعرف يشتري حاجة يشتري عشان تخلصوا.

نظرت له بانبهار، عبد التواب هو حكيم الجبل في قصتي، أشكر القدر على عثوري عليه، ودرت للمرة الأولى أشارك في نشاط اجتماعي متطوعًا مع زملاء الحبس. أدور عليهم واحد واحد أخبرهم أن يشتروا من الكانتين كي نغور من هنا عملًا بنصيحة “عبد التواب الحكيم”.

قاتل خالد الصاوي وشلته يبدو أنهم على وفاق مع الحبس، بل يبدو أنهم يعرفون تلك المعلومة مسبقًا، لن أكلمهم. مروان أكثر من يريد الرحيل فينا، أبلغته فتوجه مباشرة لـلكانتين واشتري صندوق “بوزو” وجلس يأكل فيه. شريف سيطر على ثلاثة من أصدقائه الجدد الذين استبدل مروان بهم، وذهبوا ليشتروا معًا. مشاؤو أرسطو، تركوا أستاذهم وأخبروه بأنهم سيشتروا له حاجة ليأكلها.

انتشر الخبر بين الزملاء بنجاح، فقررت أن أذهب إلى الكانتين بدوري. لا أملك سوى أربعة وعشرين جنيهًا، ومنتجات الكانتين لم أرها من قبل، عصير برتقال ماركة “سبوت”، “بوزو” ماركة “تيتا نانا”، كيكة بالفراولة في ورقة بيضاء ليس لها اسم، وبسكويت بالبلح ماركة “الحاجة” ملفوف في ورقة فضية وجدت فيه سرب من النمل حين فتحته، فرميته، وزجاجة مياه الواحة.

انتهت منتجات الكانتين خلال نصف ساعة. الفجر على وشك أن يؤذن، خرج علينا الضابط من مكتبه وطلب منا أن نعود إلى الميز حتى تبدأ إجراءات الإفراج، فصدرت عن الجمع آهة من الغضب. سكت الضابط للحظات ثم قال في حزم إن الأمور على وشك الانتهاء وأن علينا التعاون للمرة الأخيرة “عشان تعدي على خير”.

لم أظن أن هناك من كان يريد أن يختبر صبر الضابط، فدخلنا. كان الميز هذه المرة أصغر، أضيق، أقتم، لا أظن أني سأتمكن من النوم هنا ليلة أخرى. لم يجلس أحد، وقفنا كلنا بالقرب من الباب ننتظر الفرج. فما كانت سوى دقائق حتى بدأ العسكري في نداء الأسماء.

***

18

نودي اسمي. غادرت الميز أخيرًا. أشار العسكري إلى صندوق الأمانات كي أمر عليه فأستعيد موبايلي ومحفظتي. وقّعت واستلمت وخرجت من المكتب إلى الساحة، ومن الساحة إلى الممر الطويل التي دخلت منه سيارات الأمن منذ يومين. أذن الفجر وأنا بالممر. كنت أمشي يسبقني أحدهم بعشرة أمتار ويلحقني آخر بعشرة أمتار. متجهين إلى بوابة المعسكر.

خرجنا، وتجمع مجموعة من الزملاء، فوقفت معهم لنتدبر ماذا سنفعل، فأنا لا أملك شيئًا، موبايلي فاصل شحن، ليس معي سوى خمس جنيهات، وعلى ما سمعت منهم أن هذا هو طريق السويس. إن أردنا الوصول للمواصلات فعلينا السير حتى نصل إلى موقف العبور، فقد نجد هناك تاكسيات، أو ميكروباصات إلى رمسيس.

أعجبتني فكرة ميكروباص رمسيس باعتبار قدر ما أملك من النقود. مشينا في مجموعات بحماس شديد، يسلم أحدنا على الآخر من فرط الفرحة. الطريق مظلم للغاية ولا يعرف أحد كم سنمشي لكننا سعداء، إن كنا سنمشي حتى تشرق الشمس فذاك اختيار رائع.

لحسن الحظ أن موقف العبور لم يكن بعيدًا. لكن لم يكن هناك ميكروباصات لرمسيس، ولا لأي وجهة أخرى، لم يكن هناك سوى ثلاثة تاكسيات، ركبهم ثلاثة زملاء غيري. انتظرنا قليلاً حتى جاء غيرهم فقررت أن أركب أحدهم وحين أصل إلى البيت أطلب منه أن ينتظرني كي أحضر له أجرته.

وبالطبع، لا يجب أن أقول إني ركبت مع سائق تاكسي عجوز، فضولي، بدأ الحديث على الفور:

  • هو في إيه هنا يا ابني؟
  • هنا فين يا حاج؟
  • الزحمة دي خارجة منين؟
  • لا ده احنا كنا بنلعب كورة..
  • ده الوقت متأخر على لعب الكورة..
  • آه ماحنا توهنا ولسه واصلين ع الطريق اهو..
  • وأنت جي من إمبابة تلعب في العبور؟
  • آه يا حاج..
  • … عندك شاحن في العربية؟
  • لا والله يا ابني..
  • طب ممكن أعمل من عندك دقيقة؟
  • اتفضل..

اتصلت بأمي:

  • ماما أنا خرجت وجي في تاكسي.. هخليكم أنتو اللي تحاسبوا لما آجي عشان ماعييش غير ٥ جنيه..

سمعت وسمع السائق معي صوت زغاريد أمي وبكاء اخوتي ثم أغلقوا الخط. فنظر إليّ السائق مرتابًا، ثم سأل:

  • أنت خرجت منين يا باشمهندس؟
  • من لعب الكورة يا حاج.. أنت مش مصدقني ولا إيه؟
  • لا يا ابني العفو مصدقك..
  • طب ممكن دقيقة كمان؟
  • اتفضل يا حبيبي..

اتصلت بـهاني كي أخبره بأني متجه إلى إمبابة، فسألني:

  • أنت فين؟
  • ناحية العبور..
  • طب انزل من التاكسي أنا جايلك..

نزلت من التاكسي في صلاح سالم، وأعطى هاني السائق أجرته، واحتضنني في منتصف الطريق حضن مطارات، فنظر إلينا السائق متعجبًا، يتساءل لم كل هذه الاحتفالات لشخص أنهى مباراة كرة تافهة. ثم ركبت مع هاني سيارته متجهًا إلى إمبابة.

وفي إمبابة، عرفت ما لم أكن أعلم أنه قد صار وأنا بالداخل.

***

19

عدت إلى المنزل قبل شروق الشمس بساعة، وصلت تحت بيتنا فاستقبلتني أخواتي في الشارع بالبيچامات. ودعت هاني، فشتمني بصوت منخفض وأخبرني أن أقعد في البيت و”أهمد”، فشكرته بصوت عالٍ وبشكل رسمي أمام أخواتي ثم صعدت.

بعد البكائيات والمشاعر الجياشة والدموع الفياضة، وبعد أن حكيت لأبي وأمي الحكاية من الداخل، وحكوها هم لي من الخارج، وجدت أمي قد أعدت لي غداء عظيمًا. فأكلته مع شروق الشمس، وأنا أفتح صفحتي على فيس بوك.

كانت تلك هي المفاجأة، ما لا يقل عن مئتي تنبيه وإشعار، أخبار باسمي في الصحف، أصدقاء، وأصدقاء الأصدقاء، يدعون لي بالخروج، يتباهون بي، يقررون النزول للتظاهرات ليجلبوا حقي، منهم من حضره الإلهام، ومنهم من انتبه أن الأمر صار جَدًا، أشخاص كنت أعتبرهم قدوة لي صاروا يعتبروني أنا قدوة لهم، الحرية للشجاع.. أول الثائرين.. خط النار… أول المحبوسين (كنت أعرف أني الثاني ولست الأول).

غاية الأمر أني صرت بطلاً.. ملهمًا. كل ذلك لأني قضيت ثلاثة أيام في مكان ما بعيدًا عن أهلي، آكل فيهم، جبنة “دومتي” ومربى “فيتراك” وعيش سخن. لم أشارك في شيء، لم اتعارك مع أحد.. حتى الهتاف، فأنا لم أهتف ضد أحد، بالطبع أردت إن أهتف، لكني لم أفعل.

نمت يومها مرتبكًا من حفاوة الناس، لكني لن أنكر سعادتي بحماسهم للنزول خلفي، نمت بعمق ولم أدر ماذا حدث في الحياة إلا حين استيقظت على مئات الآلاف في المظاهرات يوم ٢٨.

نزلت لصلاة الجمعة كعادتي، وبعد أن انتهينا من الصلاة، رأيت مسيرة ضخمة تتحرك من على ناصية شارعنا، وبدافع الطبيعة والفضول، توجهت للشارع الرئيسي كي أرى المشهد العظيم، دون نية مسبقة للانضمام لها، فأنا بفرط العشوائية المعهودة لست جاهزًا للمسيرة، ألبس شبشبًا ومعي سجادة صلاة، وهذه المرة ليس معي نقود أو إثبات شخصية أو حتى موبايل.

واتتني الفكرة للحظة بالانضمام، لكن لسوء الحظ أو لحسنه، في أثناء مروري من شارع بيتنا لأخرج على الشارع الرئيسي حيث المسيرة، رأتني جارتنا الست أم كريم ورقعت بالصوت لتستنجد بأهل الشارع، كي يلحقوا بي قبل أن أنضم للتظاهرات مرة أخرى، وبالطبع انضمت إليها الست أم هدية في الصويت حين سمعت كلام أم كريم، وخرج أبو دياب الحلاق من دكانه فأمسك بي ليصحبني إلى داخل الدكان حتى أهدأ وتمر المسيرة، وكأنني مدمن تظاهرات.

لم أشارك في تظاهرات ذلك اليوم، بل قضيته في لعب الكرة في شارعنا، محبوس بأمر من أهل الشارع، حتى سمعنا عن قطع الاتصالات، وهبت علينا الرياح المحملة بدخان القنابل المسيلة للدموع، من معركة وقعت أمام قسم امبابة لم أشارك فيها أيضًا.

ما تبقى من الحكاية عشوائي كذلك.. لكنه ليس ذي صلة.

تمت

يناير 2021