السلطة والهلس: لماذا تحول سمير غانم إلى أيقونة؟

تأميم اللهو والمرح

وائل عبد الفتاح وائل عبد الفتاح

1

هي المفاجأة الوحيدة التي لم يجهزها سمير غانم عاشق المفاجآت، الماهر في صنعها، كما لو كان يدافع عنها حتى الرمق الأخير، وهذه قدرة تتطلب الخفة والخيال المشتعل، اللعوب، الهارب لا المقيم، الحر لا المنتمي إلى حكاية مضافة إلى ملل الحياة. لم يجهز سمير غانم نفسه ليكون أيقونة يتداولها جمهور مستنزف على وسائل التواصل الإلكترونية، التي تحولت إلى ساحات حروب، حول كل شيء وشخص وفكرة، بعد أن كان المجتمع يخفي صراعاته تحت قشرة “الانسجام”. من بين شظايا هذه الحروب كانت مفاجأة تحول سمير غانم أقوى الخوارج عن النص، مدمر التوقعات الجاهزة، المنفلت من القيود والخطط، إلى بطل قصة هادئة، تثير العواطف المشتركة والعمومية عن نجم استطاع أن يبني عائلة ناجحة ومحبة بلا ضغائن ولا صراعات على الوجود، ولا ابتذال في حصد الشهرة، قصة تجعلهم يقولون: إنهم يشبهوننا، عائلة مثلنا؛ سمير أب لا يزعج البنات بأبوته، ودلال مثل ابنة خالتنا في حربها من أجل التئام العائلة، ودنيا وإيمي مشبعات من الأضواء منذ الصغر، لا أحد في هذه العائلة يتكلم باسم سلطة، أو مركز، أو ملكية مكان أو مكانة. وهي صورة جعلت سمير وعائلته حكاية يتفق عليها أطراف الحروب اليومية، وتحاول السلطة بتكريمها التقرب من الجمهور، وفي الوقت نفسه تسكت الهستيريا قليلاً، الهستيريا التي تجتاح الجميع، وبالفعل صمتَ من سميتهم كورال هستيريا الخائفين خشوعًا من طغيان قصة عائلة سمير وفصولها.. المرض يخطف الأب.. انتظار موت الأم، ثم موتها بالفعل، وقبل ذلك الإصابة بالوباء في أثناء العمل، ميلودراما العائلة العادية.

2

حافظ سمير غانم على مسافة قريبة من الجمهور. بقايا علاقة قديمة كان النجم يعيش فيها وسط جمهوره. كان يمكن لشخص عادي أن يحكي لأصدقاء أو زملاء بأنه رأى عادل إمام أو فاتن حمامة أو حتى أم كلثوم وهو في زيارة لأقاربه. تلك العلاقة القديمة تقريبًا اختفت بعدما سارع النجوم إلى المعازل المحمية على أطراف القاهرة. اختبأ النجم في الـ community، الأقرب إلى جيتو مغلق وبعيد. مع الهاربين إلى سفن نوح في منتجعات سكنية، تحيط بها أسوار وشركات أمن خاصة، وحتى لو كان سمير وعائلته تبعوا نفس المسار، فإن شيئًا ما فيهم كان يشير إلى انتمائهم إلى العالم المندثر للنجوم القريبة.

ربما لأن سمير كان مشغولاً بتجهيز مفاجآته على المسرح والشاشات، ولم يهتم بحجز موقع في سلطة معنوية تمنحه زعامة، أو توفر له ضمانًا لديمومة البطولة والأجور الخيالية، لم يكن من النوع الذي تخفت نجوميته مع تقدم السن أو تسيطر عليه ضغينة صراع الأجيال في النجومية، بل ارتضى بأدوار في خلفية أعمال ابنتيه، واكتفى في ظهوره التليفزيوني بحكايات لا تدعي الحكمة، بل تفجر الضحك؛ هدفه الوحيد والأسمى من وجوده حيًّا.

3

“سمير كان يرقص بين الخرائب” قلت الجملة دون أن أفكر فيها؛ الصورة ظهرت في خيالي فجأة في أثناء العصف الذهني حول ما نكتبه عن سمير، كنت أردد داخلي: سمير، كما عرفنا اسمه لفترات طويلة قبل أن يكمله باسم العائلة: غانم. هذا التعريف بالاسم المفرد كان بداية ألفة من نوع يشبه ألفة الأصدقاء الذين تميزهم علاقة خاصة وعميقة دون سبب، لا تبعًا لروابط إجبارية مثل عائلة أو مدرسة أو وظيفة مشتركة.

سمير ابن لحظة انفصال في المجتمع، لم يعد فيها الفرد ابن بيئته الأولى، يدور في دوائرها ويتحدد مصيره بها. سمير أكبر أبناء عائلة كونها ضابط الشرطة يوسف غانم، القادم من الصعيد والمتجول بين المدن مرة كمسؤول عن قسم قبائل العربان ليصلح ما بين القبائل ذات الطبيعة البدوية، ثم مأمور وحكمدار في الفيوم. ولد سمير في واحدة من محطات الضابط المتجول تحديدًا في مدينة بني سويف، في بيت نموذجي من بيوت الطبقة الوسطى برعاية أم هادئة حنون، ابنة عائلة أصولها من شبرا؛ هاجرت إلى السودان.

عائلات الطبقة الوسطى عاشت مرحلة النمو في آخر سنوات الملكية، حين كان التلميذ سمير يوسف غانم يذهب إلى المدرسة ببدلة الطفولة (جاكيت وبنطلون قصير) وعلى رأسه طربوش الأفندية الشهير، ومراهقته استهلكت كلها في حب عن بعد لجارته الجريجية (اليونانية) فائقة الجمال الساكنة في الدور الأعلى، وينتظر منها نظرة أو ابتسامة.

سمير الابن الأكبر لم يكن مخلصًا للمذاكرة، كان ينتظر العودة لاستكمال مباريات كرة القدم في الشوارع، كما كان يستيقظ مبكرًا ليحظى بالثمرة الأكبر من المانجو في مسابقة صباحية يشجع بها الأب الضابط أطفاله على اليقظة المبكرة. سمير نجح في نظام التوجيهية، ووجد نفسه في طابور المتقدمين لكلية البوليس، وهو الذي كان يحلم بشياكة بدلة ضابط الكلية البحرية التي تأسست قبلها بسنتين فقط، أو كلية الطيران التي افتتحت في عام مولده (1937) بخمسة طلاب مصريين فقط.

في مدرسة البوليس كان قائده المباشر “اليوزباشي” (النقيب) صلاح ذو الفقار، قبل أن يصبح نجم السينما المشهور، وكان “المرعب” بالنسبة لدفعة سمير التي تخرج فيها اللواء حسن الألفي أحد أشهر وزراء داخلية مبارك، واللواء فؤاد علام نائب رئيس جهاز أمن الدولة المتخصص في الجماعات الإسلامية، وكان من الممكن أن يكون سمير غانم ضابطًا من هذا المستوى لكنه رسب لعامين متتالين في علم الشريعة، أحد علوم كلية الحقوق التي يدرسها طلاب البوليس في جامعة عين شمس.

سمير بشكل تلقائي حمل ثقل أمل العائلة في استمرار موقعها على الخريطة الاجتماعية، وتدريجيًّا مع خروجه من محيط البيت الدافئ إلى محيط أوسع في عنابر الطلاب، تعرف على الأجزاء المهملة من شخصيته، ولأن مصروفه لم يكن يسمح له بالفسحة في القاهرة ولا بالعودة الأسبوعية إلى بيت العائلة، أمضى الإجازات في السكن الداخلي، مع زملاء البوليس يقتلون الوقت بسهرات السمر، وفيها اكتشف سمير مهاراته في تقليد القادة والزملاء، والتنكيت على المواقف التي يتعرضون لها، تزامن ذلك مع تحطم أوهامه في أن يكون البطل الرياضي الذي رسمه في خياله، ولم يحمل معه وهو يخرج من عالم البوليس إلا اكتشاف نفسه في عالم السمر، الذي سيمنحه حياته تقريبًا.

4

الخروج من عالم البوليس تجربة مريرة، لكنها فتحت أمامه مزيدًا من الانفصال عن المجال العائلي، فاضطر إلى قضاء سنة إضافية لمعادلة النظام الجديد للثانوية العامة، والانتقال إلى الجامعة بعد أن أصبحت مع مجانية التعليم مقصدًا لجموع قادمة من طبقات متنوعة، وتجربة جماعية تغير المصائر المتوقعة، ومجالاً تنمو فيه الشخصية بعيدًا عن المحيط التقليدي الذي كان يحدد مسار كل فرد حسب عائلته وطبقته وأصله الاجتماعي. الجامعة مثَّلت، جزئيًّا، قطيعة لجيل الخمسينيات والستينيات؛ تربطهم أكثر بخطط الدولة ووظائفها وسلطتها دون تمرد كامل، وهو “انفصال دون قتال” عن العالم القديم الذي كان مركزه العائلة.

أبي مر تقريبًا بتجربة مشابهة؛ كان أول جامعي في عائلته الريفية، وسافر من قريته للدراسة في الإسكندرية، في نفس الفترة التي سافر فيها سمير غانم، أبي درس التجارة، بينما ذهب سمير إلى الزراعة، في لحظة انتظار الصحراء قدوم المهندس (الزراعي)، كما بشرت الأغاني بعصر جديد يأمل في الخروج من حدود الدلتا. أبي كان يحكي بسعادة عن لحظات جلوسه في الترام وأمامه مباشرة زبيدة ثروت في طريقها لكلية الحقوق التي كانت مزار الطلاب ليشاهدوا نجمة السينما الصاعدة عن قرب. كانت زبيدة فتاة الأحلام بالمعنى الكلاسيكي، ملامح تنتمي إلى بقايا عصر الأميرات، لكنها تسير في الشوارع وتركب المترو وهي تحتضن كتب الجامعة. سمتها الصحافة “قطة السينما”، واختارتها مجلة الجيل “ملكة جمال الشرق” وعمرها لا يتجاوز 15 سنة، وفي نفس الوقت اختارتها مجلة الكواكب ضمن أحلى 10 وجوه تصلح للسينما، فاختارها يحي شاهين معه في فيلم “الملاك الصغير” لتمثل بجوار شادية، في لحظة اكتمال حسيتها المتفجرة.

5

السينما كانت تختبر هوى “العهد الجديد” في النجمات بعد نجاح مريم فخر الدين في تمثيل الجمال الهارب من القصور الملكية، تلتها صباح وليلى طاهر، لكن زبيدة بالفعل سليلة الأسرة الحاكمة، جدها لأمها هو السلطان حسين كامل، وأبوها أميرالاي بحري، ورفض زواج ابنته من عبد الحليم حافظ لأنه “مغنواتي”، وفي نفس الوقت طلب الجد (الملكي)  الذي كان محاميًّا، أن تدرس حفيدته زبيدة الحقوق كي لا تكون مهنتها مشخصاتية. 

كانت لحظة “بزرميط” تتسارع فيها الأحلام ورغبات الإحلال والتبديل في مواجهة مع التثبيت، ولهذا كانت وجوه النجوم الرجال تتغير في اتجاه مختلف، وتبحث عن فرسان وأبطال وأنبياء اجتماعيين، كما كان أحمد مظهر بملامح وجهه التي تجمع بين ملامح الفارس الأرستقراطي وصورة الرجل الشرقي، بالإضافة طبعًا إلى فكرة أنه ضابط من سلاح الفرسان، تخرج في الكلية الحربية عام 1938 في الدفعة التي تضم كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسين الشافعي وعبد اللطيف البغدادي وخالد محي الدين. وقتها كان الضابط هو فتى الأحلام، يحمل رسالة تغيير للمجتمع وفي نفس الوقت يحمل إغراء السلطة والنفوذ. أحمد مظهر كان المرحلة الوسطى بين فرسان الملكية بوجوههم ذات الملامح الأرستقراطية (الأمير الظريف في الأيدي الناعمة) وأحد فرسان الثورة التي كان زعيمها ابن موظف في البوستة، وفي “النظارة السوداء”، داعية القيم الفاضلة وحقوق العمال الذي انحرف قليلاً لكنه عاد بعد قليل.

أحمد مظهر كان ينافس رشدي أباظة بوسامة العائلات الأرستقراطية القديمة، والذكورة الحسية المباشرة وقد قفز إلى مصاف النجوم الأوائل مع نهاية الحرب العالمية الثانية في ظل قائمة جديدة لنجوم ملامحهم أكثر مصرية مثل فريد شوقي وعماد حمدي وكمال الشناوي وشكري سرحان. كان هؤلاء يستعدون لاحتلال مواقع النجوم القدامى الذين كانوا انعكاسًا مباشرًا للنجوم في أوروبا وأمريكا، مثلما كان أنور وجدي، أو كلارك جيبل المصري.

لكن الحكاية الميري التي تمت بالفعل برعاية “سلطة الضباط” هي حكاية عبد الحليم حافظ، الرومانسي ذو الملامح التي تشوبها مسحة المرض والمراهقة على الدوام، لكنه ينتصر في النهاية، حليم هو أحد النماذج الصاعدة في رحلات العبور من العتمة إلى أضواء الشهرة ومن الفقر إلى الثروة ذات الأهداف العظيمة التي تمنح نفسها لكل من حوله أيضًا. في مقابله كان صعود عمر الشريف، بملامح تجمع بين الذكورة والأنوثة في مزيج عكس حنين صناعة السينما في الخمسينيات والستينيات إلى تقديم نموذج من كتالوج حياة القصور الناعمة قبل الثورة يصلح ليكون بطلاً شعبيًّا من جيل الثورة.

الجديد تمامًا هو اتساع اهتمام رادار السلطة في الخمسينيات ليشمل إلى جانب الدونجوانات حكايات الكوميديانات، لتركز على أحلام الريفيين بارتداء بدلة الأفندية والحصول على اعتراف مؤسسات الدولة الوطنية الجديدة (الجيش والبوليس)، وكان سلاح إسماعيل ياسين الوحيد هو الطيبة التي تقترب من الغفلة، والذكاء الفطري الذي يختصر الخبرات والمهارات في النوايا الحسنة التي تحقق انتصارًا في النهاية وبعد قليل من المتاعب، على الجانب الآخر كان فؤاد المهندس الموظف المثالي في جهاز الثورة وجيشها الكبير الذي تعتمد عليه في إخلاصه وقيمه وأحلامه المحدودة في مرتب ومسكن صغير وسيارة من الصناعة المحلية، متاعب المهندس ومفارقاته الكوميدية لم تنفجر من غفلة مثل التي كان عليها إسماعيل ياسين، بل من إخلاص ونقاء تميز أخلاق البرجوازية الصغيرة المحافظة في مواجهة ألاعيب الطبقات المنقرضة (الأرستقراطية القديمة والخواجات) والطبقات المتطفلة على جهاز البيروقراطية الضخم العتيد (من مرتشين وسماسرة وتجار في السوق السوداء).

سمير غانم بدأ أولاً في محاولة تقديم نسخة خاصة به من “فؤاد المهندس” لكنه عبر الحدس القوي اكتشف أنه لا بد أن يتخفف من حمل الحكاية، أو التعبير عن طبقة أو ناس أو زمن، لينطلق في كلامه الخاص وليد اللحظة، وقوة البديهة، والذي سيبقى ما دام قد ترك أثرًا في ذاكرة الجمهور، لكن سمير نفسه سينسى كلامه باعتباره ليس نصًا ثقيل الحضور، بل علامة تخترق النص المسيطر عليه، في حالة أشبه بالوشوم المرحة والغامضة، على أجساد البحارة.

6

أبي أخدته الوظيفة في مساراتها المرتبة، لكن بقي له من الفترة الذهبية في الجامعة الجانب المرهف والهش؛ متجسدًا في عشق الموسيقى والغناء، والحلم الذي لم يتحقق بالزواج من مغنية، تغني له قبل الغناء للجمهور الكبير، سمير على الناحية الأخرى استثمر حياته كلها في الجانب الهش؛ مركزًا كل خطواته حول السمر، كان نجم مسرح كلية زراعة الإسكندرية، فكوَّن في البداية مع زملاء الجامعة وحيد سيف وعادل نصيف وفرقة اسمها “إخوان غانم” مستوحيًا الاسم من “الأخوة ماركس”، الفرقة العائلية الكوميدية المشهورة في نيويورك الثلاثينيات على مسارح برودواي وفي أفلام هوليوود. سمير كان أقرب في الشبه والأداء والشخصية إلى جروتشو، سريع البديهة، الهزلي؛ وأضاف إليه روحًا قديمة للفنان المتجول، رسمت ملامحها من تقديم فقرات في صالة من صالات الشاطبي، كان نجمها الكاركتر الصعيدي ذائع الصيت عمر الجيزاوي، بالإضافة إلى الأفراح التي كانت في ذلك الوقت تضع على بروجراماتها سكتشات كوميدية، تشبه بشكل ما عروض الستاند آب كوميدي في علب الليل الأمريكية، وتقوم على علاقة مباشرة تبني فيها الكوميديا مع الجمهور وتنتقل عبره، لتكسر هيمنة الروايات المحكمة.

 

7

اتسع عالم سمير والسمر عبر دائرة جديدة هي أسابيع الجامعات، حيث تلتقي المواهب من كل أنحاء الجمهورية (مصر وسوريا)، من أجل تكوين الحشود المتخيلة للسلطة، باستخدام فنون الاستعراض والحكي وحتى الهلس. كان الاستخدام خفيفًا أيام الملكية لكن مع الجمهورية أصبح الفن والثقافة واللهو ضمن منتجات الدولة تقريبًا.

سمير التقي جورج في واحدة من هذه الأسابيع، جورج نجم جامعة عين شمس، المتقدم خطوة عن سمير نجم الإسكندرية بتجربة الظهور في فقرة سكتشات ضمن برنامج تليفزيوني، يخرجه محمود سالم الذي بدأت به “صناعة الترفيه” في التليفزيون، الذي سيحمل حكايات الدولة ضمن استعراض يومي لا يتوقف. تحت رعاية عبد القادر حاتم اللاعب المهم في تاريخ الدعاية البروباجندا عبر العصور، والأب الفعلي للتليفزيون. كان ضابطًا لكنه ليس من الضباط الأحرار، يصفونه بـ”صديق طفولة عبد الناصر في الإسكندرية”، هما مواليد نفس السنة 1918، وإلى جانب دراسته العلوم العسكرية في الكلية الحربية وكلية أركان الحرب، درس الاقتصاد والعلوم السياسية وفيها حصل على الدكتوراه في “الإعلام والدعاية”. اختاره عبد الناصر مديرًا لمكتبه، ثم كان من بين خمسة أفراد أسسوا جهاز المخابرات في 1954، ولعب من يومها أدوارًا متعددة في تأسيس “دولة الدعاية” عبر إطلاق يديه لإنشاء مصلحة الاستعلامات (للرد على الدعاية المضادة)، ووكالة أنباء الشرق الأوسط، وذلك بعد نجاح فكرته في مقاومة وجود الإنجليز قبل الجلاء عن مصر عبر “الإذاعة السرية” الموجهة ضد ضباط وجنود المعسكرات البريطانية.

لا يمكن فهم العلاقة العضوية بين ماسبيرو (التليفزيون وعالمه) وبين الأب المؤسس عبد القادر حاتم، بشكل كامل. هل سمح له عبد الناصر بتأسيس التليفزيون لأنه يفهم سر الخلطة، أم أن الخلطة أصبحت تشبهه من فرط شطارته، وخفة حركته بين التيارات المتناقضة. عبد الناصر فرض سلطته عبر إدارته لشبكة علاقات بين التيارات المتناقضة، ولعبه دور الحكم بينها والحاكم صاحب الرأي النهائي، وعبد القادر حاتم هو اليد المنفذة، المولع بتقنيات الحرب النفسية، المخلص لأساليب السيطرة عبر التحكم في أدوات الإنتاج، يؤسس لعملية تأميم متدرجة لإنتاج اللهو والفن والمرح، تبدأ بالتليفزيون، وتنتقل للسينما، ثم يخصص الدور العاشر ليكون مسجدًا، ويؤسس إذاعة القرآن الكريم، وعندما يصطحب ابنه لصلاة الجمعة في المسجد، يسمع بأذنيه إمامًا فاقدًا لحاسة النظر، يرفع حنجرته وهو يقول “الذي أدخل الجهاز الأسود (التليفزيون) بيوتنا، مصيره في جهنم وبئس المصير”، بعد الصلاة واجهه الدكتور عبد القادر حاتم “وما رأيك فيمن يؤسس إذاعة تنقل صوت القرآن الكريم إلى كل أرجاء الدنيا، ويجعل صوت الأذان في كل بيت يقطع كل برنامج”، فرد عليه الشيخ “مصيره الجنة ونعيمها”، وضحك الدكتور حاتم وهو يروى كيف أقام بين جهنم والجنة في يوم واحد، وهو هنا يمثل جوهر إدارة الضباط لدولتهم، كلما شعروا أنهم في طريق يثير عليهم الهجوم، يشغلهم إثبات أنهم عكس ذلك. وهذا في العادة يسميه المفكرون بشأن الدولة والمفسرون لأفعالها بشيء كبير من التفاخر “الوسطية”، وهو أسلوب يتلون حسب حاكمه ولا يبقى الوضع في مكانه كما لا يسمح بالتقدم للأمام، الوضع يسمح فقط بتقديس صاحب القرار، والنص الصادر منه أو الذي يوافق عليه.

8

لم يكن سمير ولا غيره يعرفون ما دار في اجتماعات مجلس الوزراء في أكتوبر 1959 لمناقشة اقتراح عبد القادر حاتم وزير الإعلام بإنشاء التليفزيون، ويقال إن صلاح سالم الضابط الحماسي الشهير بين قادة الضباط الأحرار قدم اقتراح التليفزيون في 1954 عندما كان وزيرًا للإرشاد القومي، وحصل على موافقة عبد الناصر، وعطل العدوان الثلاثي في 1956 التنفيذ، لكن اقتراح عبد القادر حاتم جاء بعد وصول الضباط إلى بداية مرحلة الاستقرار على المقاعد، وعقب انتقاله من إدارة مكتب عبد الناصر ليتولى المهمة ويغير اسم الوزارة من الإرشاد إلى الإعلام، حسب حكاياته “لا يصح أن نرشد الشعب؛ الشعب هو الذي يرشد”، فرد أحد الحاضرين “إذن نسميها الأعلام لتعني الرايات.. رايات الحرية”، فرد عبد القادر حاتم “بل الإعلام، يعنى معلومات.. وحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من حق الإنسان أن يعلم”.

في 10 يناير 1960 حين بدأ بناء الدور الأول من مبنى ماسبيرو الشهير على كورنيش النيل، كانت الخطة الخمسية الأولى في مطلعها، تحاول الخروج من الأزمة الاقتصادية، وتتصارع الطلبات بين حل مشكلات التعليم والحفاظ على موارد الزراعة والسير قدمًا في مشاريع التصنيع، وانعكس هذا على الجدل داخل اجتماع الحكومة لمناقشة اقتراح إنشاء التليفزيون، اعترض وزير التعليم باعتبار أن نسبة الأمية كبيرة جدًا، واحنا بنبني مدرستين كل 3 أيام، ولا داعي لصرف فلوس على التليفزيون الذي سيقدم الملاهي بدلاً من التعليم. ووزير الزراعة اعتبر الاقتراح إلهاءً للفلاح المصري الذي ينام مبكرًا بعد صلاة العشاء فورًا، ليستيقظ مبكرًا، والتلفزيون سيجعله يسهر طول الليل. بينما وزير الأوقاف قال إننا سنشاهد في التليفزيون آراء ورقصًا وأشياء تبعدنا عن الدين الإسلامي. ووزير الصناعة قال المصانع أهم. والمسؤول عن الاتحاد الاشتراكي قال إن المواطن المصري له طموحات كبيرة ومواردنا قليلة، وفي التليفزيون سيرى البيوت الجميلة والسيارات، ولا نستطيع تلبية هذه الحاجيات. ورد الدكتور عبد القادر حاتم عليهم جميعًا “think global and act local”.

تأسس عصر التليفزيون تحت رعاية هذا الرجل الذي تمتع بمزيج مدهش، العسكري الكلاسيكي، والسياسي الخبير بالبروباجندا لا بالأيديولوجيا، وقائد المخابرات الملتزم بالثقافة المحافظة. هذه الأبوة صنعت من التليفزيون أرضًا جديدة لصناعة الترفيه، تأسست عبر التعاون مع “صوت أمريكا” وبقية شركات إنتاج أجهزة التليفزيون في العالم، في بلد يعتبر نفسه من البلدان الاشتراكية، ويحكمه ضباط يستعينون بخبراء لتنفيذ خطط “رأسمالية الدولة”، ومسؤولون يعتبرون الفنون ملاهي تبعد الفلاح عن عمله والمواطن عن دينه.

هذه الخلطة المدهشة أدارها عبد الناصر بروح الساحر، المعجب ببراعة “أسطى الإعلام” الذي فاجأ المصريين ذات يوم مشهد سوريالي تنتصب فيه نحو 2000 شاشة تليفزيون من أكثر من 50 ماركة عالمية، معلقة على أعمدة في الشوارع، يحرسها عساكر بوليس، تبث برامج متنوعة في كل المجالات من مسرح في الأوبرا دون توقف، وأسفلها إعلان “إذا أردت أن تحصل على مثل هذا الجهاز ادفع مقدمًا خمسة جنيهات”، وبعد يوم واحد كان أكثر من 16 ألف مشترك قد دفعوا القسط الأول، وأسهموا في بناء الدور الأول من مبنى ماسبيرو التاريخي، ومنه بدأ بث “التليفزيون العربي” من القاهرة، بستوديو واحد ومسرح في قصر عابدين، هو الذي قدمت عليه غالبًا فقرات “أضواء المسرح” التي وجد عبرها سمير والثلاثي أنفسهم داخل كل بيت.

9

همست تحية كاظم في أذن ابنتها منى “عاوزينهم كمان يجيبوا بتوع دكتور الحقني”، كانت ابنة عبد الناصر الصغرى تطلب من أبيها قائمة الفنانين الذي سيحيون زفافها على أشرف مروان، الذي تخرج حديثًا وعينه عبد الحكيم عامر في المعامل المركزية للجيش، قبل أن يعمل في مكتب عبد الناصر في الرئاسة ويبدأ قصته التي لا زالت تثير الجدل.

التليفزيون الذي بدأ ليلة 21 يوليو 1960 بصوت عبد الناصر، تسبقه موسيقى حماسية ذات طابع عسكري تعلن عن ولادة “التليفزيون العربي”، المعبر عن دولة الوحدة بين مصر وسوريا، استطاع توصيل سكتش الثلاثي إلى زوجة عبد الناصر، الوقورة المتحفظة نادرة الظهور في المناسبات العامة والأوساط الاجتماعية. الجهاز الذي كان هدفه وصول الكلام إلى البيوت، لم يعرف عبد الناصر أنه سيقدم فرقة ما زالت تحتفظ بأسلوب “المغنين المتجولين” أو “الجوق المسرحية المتجولة” اسمها ثلاثي أضواء المسرح.

لجأ عبد الناصر إلى صديقه المقرب وقائد الجيش عبد الحكيم عامر ليفهم حكاية “دكتور الحقني ده”، وطلب منه أن يكون ضمن فقرات الحفل الذي أحياه كل نجوم تلك الفترة، أم كلثوم وعبد الحليم وفايزة أحمد ونجوى فؤاد وسهير زكي. قائد الجيش يعرف أكثر عن عالم اللهو والمرح والفن من الرئيس، ومع أن ابتسامته لم تتحول إلى ضحكات، كان الفرق الكبير واضحًا لسمير، فعيناه كانتا تراقبان من مكانه على المسرح تعبيرات وجه عبد الناصر المرعب.

10

لا يعرف سمير السياسة، أو بمعنى أدق يتقن كيف يبعد عنها، يخاف من لسعاتها، ومن عطاياها. ليلة زفاف ابنة عبد الناصر كان مترقبًا، وبعد سنوات في زفاف ابنة السادات، كان الاستقبال مختلفًا، فالرئيس قام ضاحكًا من طاولته المنعزلة ورحب بسمير وجورج وداعبهما، إلا أن التحفظ استمر، ولم يتحول إلى اقتراب كما يفعل نجوم الكوميديا عادة بعد استيعاب حقيقة أن الاستمرار في دائرة النجوم لا يحدث إلا بموافقة السلطة، من كبيرها إلى آخر ضابط في الدائرة المسؤولة عن إدارة عالم “الأضواء”.

لا تهمه السياسة إلا ليتفادى لعنتها. خصوصًا وأنه اختار اللعب الحر، المعتمد على قوة البديهة، وليس التعبير عن قطاعات من المجتمع يحمل وجودهم تمثيلاً لحكاية أبعد من شخصه، إسماعيل ياسين على سبيل المثال هو حكاية الريفيين في صدمتهم مع المدينة، وعادل إمام صعود الرجل الصغير إلى عالم القوة والنفوذ وهكذا. سمير لا يمثل سوى قوة اللحظة التي يكون فيها متقدًا على الخشبة، وسرعة البديهة في التقاطها لحكاية وكلام يخص الشخصية، وربما حدث الاكتشاف منذ لعبه شخصية “العروسة” في واحدة من حكايات مسرحية “حواديت”، كان البطل هو العريس وحكايته هي المسيطرة على النص، لكن تفجرت في سمير بملابس الأنثى المحتفلة كلام يخصها، مسيطرة على الممثلين في الخشبة والجمهور في القاعة. ولا يمكن أن يذهب من الذاكرة نبرة الصوت والأداء والطاقة وسمير ينادي في زي العروسة “يا فوزيييي”.

هذه لعبة تخريم في النص والعرض، تترك آثارها، وتنقل موقع الشخصية من مجرد ظل ضاحك لمفارقة “العريس” المضطر إلى الزواج، إلى احتلال أنثى لموقع السلطة في مواجهة الذكر الحزين. وهذه لعبة تختلف عن الإسقاط السياسي، أو التعبير عن الصراع السياسي، هي لعبة تخص ما يفعله الهزل بالجد القائم على الاستبداد أو فرض السيطرة. وبالتعبير المصري كيف يتحول الهلس إلى قوة اكتشاف لكلام مسكوت عنه أو زحزحة لثقل الكلام، وهو الخط الذي قدمته أفلام المخرج والمؤلف عباس كامل، مثلاً في فيلم “العقل والمال” على وجه الخصوص، حين صنع الهلس عالمًا فانهار، وكشف انهيار عالم السطو على السلطة والنهب بقوتها.

11

أحمد سعيد المذيع الشهير بالبيانات الكاذبة في يونيو 1967، كتب قبل هذه البيانات مسرحية اسمها “مطلوب لمونة”، كانت هي المسرحية الأولى لفرقة “ثلاثي أضواء المسرح” التي كونها محمد سالم لسمير وجورج والضيف أحمد، وكانت نقلة من الستوديو إلى جمهور المسرح بصحبة نفس المخرج الذي يبدو أن توليه مهمة اللهو والمرح، كان على الطريقة التي يتولى بها الضباط مهامهم، كل شيء معه، وتحت إدارته، من برامج المنوعات في التليفزيون الوليد، وحتى تنفيذ حفلات الاحتفال بالثورة وأفراح أنجال الرئيس.

محمد سالم لعب دور عزت الرسام في فيلم “الناس اللي تحت”، قبل أن يكمل دراسته في الإخراج المسرحي ويسافر ليدرس في أمريكا ويعود في اللحظة التي تفكر فيها الدولة في وضع يدها على إنتاج اللهو، الفن لا الرقابة عليه فقط، وهي نظرية في الدعاية والبروباجندا تجمع بين السيطرة في الأنظمة الشمولية والتحكم في الرسائل من خلال الأفلام والحفلات والمسرحيات. واختار محمد سالم نص أحمد سعيد وعُلقت اللافتات الدعائية في الليل، ليفاجأ الجميع عند طلوع النهار بتغطية كل الأفيشات، تعبيرًا عن يقظة الرقيب تجاه كل شاردة وواردة، وعن قراءة تحليلية تبحث عن المعاني وراء كل ما يسمعه ويشاهده الجمهور.

ذهب محمد سالم والثلاثي إلى وزير الداخلية الجبار وقتها شعراوي جمعة، الذي ابتسم ابتسامة الواثق من السيطرة، المطمئن إلى قوته “اشمعنى لمونة.. ها؟ تقصدو مطلوب لمونة في بلد قرفانة”؟ انفرد سمير بالتعليق “موش المقصود، ولا الضروري لمونة، نخليها برتقانة.. أو أي حاجة تانية”. ضحك الجبار، وقال له “بلاش دلوقتي.. البلد موش مستحملة”. بعد أسابيع كان الثلاثي قد انتهوا من تجهيز عرض جديد تأليف علي سالم، اسمه هذه المرة لا يحتمل التأويل المفرط “عزبة الورد” وحضره شعراوي جمعة في عرض خاص، وحصلوا على موافقته قبل أن يغادر القاعة.

12

كان سمير غانم يخطو بخفة، على خشبة مسرح آخر تنقله كاميرات التليفزيون الفيليبس المستورد من ألمانيا، أو النصر إنتاج المصانع الحربية، ليسخر من أغنيات شائعة من وجهة نظر القبطان عز الدين الحسيني، القادم من عالم متهدم لملوك البحار، كاره للموسيقى والغناء، وأبوية مرعوبة لا يعرف من أصول تربية “جيش الأبناء” سوى الأمر والطاعة وطوابير الاصطفاف المخصصة لسماع حكم الأب المثيرة للضحك.. لا أعرف إن كان سمير عرف شوبنهاور، أم أنه تحاشى الاقتراب منه، بعد وصمه بفيلسوف “التشاؤم” لكنه بالانتصار للموسيقى في المسرحية، وتفكيك للأبوة المهزومة، انحاز لوجه نظر شوبنهاور في أن الموسيقى هي “المادة الخام للإرادة”، والإرادة هي مزيج من الغريزة والعقلانية. الموسيقى هي محاولتنا لفهم غموض الكون أو للتمادي مع ذلك الغموض، هذا ما أصبحت أميل إليه عبر سنوات المعرفة والإدراك، وهو للغرابة ما عزز علاقتي بسمير، حين اختفي من حياتي بعد “موسيكا في الحي الشرقي”، المسرحية التي كنت أنتظرها لسبب غامض حين تعرض وأنا في السابعة من عمري، سبب أكبر غالبًا من انحيازي للطفولة في مواجهة الأبوة، أو تكسير نظام الانسجام المنضبط بتعليمات الأب القبطان، لكنها تلك السخرية التي تبني عالمًا من حطام عالم الأبوة المسيطرة. لم ألاحظ وقتها طبعًا أن سمير حلق شاربه خصيصًا من أجل القبطان، ولا أن الباروكة لونها دخاني ليناسب الأبوة الساخرة من نفسها، لكنني أحببت واحدة من بنات القبطان، تعلقت بها، وفي أحلامي وقفت معها بالزي المدرسي، متأرجحًا بين الاندماج مع الشقاوة المتمردة، أو محرضًا على الهروب من العالم المحطم، الذي أتت المربية الحسناء لتنقذه بالموسيقى. كان عالمنا وقتها قاتمًا، النوافذ زرقاء، والتحذيرات تحيط بنا، لا تلمسوا الألعاب الملقاة في الشوارع، قد تكون هدايا مفخخة تسقطها الطائرات الإسرائيلية، احذروا كل شيء غريب فإنه قد يحتوي النابالم، ذلك السائل الهلامي، الذي يلتصق بالجلد ويشتعل، رأينا آثاره على جثث أطفال مدارس بحر البقر في صور لم نستوعب أنها أفعال سلاح محرم دوليًّا، كان الرعب من اللمس، على رأس قائمة كبيرة حذرتنا من العالم، وجعلتنا نخاف من الشوارع، ونحب التليفزيون، ليصمنا بعد ذلك كل رماة السهام على المجتمع بأننا جيل أفسدته تلك العلبة التي نرى منها الدنيا.

كان أبي فرحًا قبل سنوات قليلة بتذكرة وصلته لحفلة أم كلثوم، في طنطا، وكانت متعتي في الاختلاء بالشاشة دون التشويش العائلي لأنتظر بنت القبطان، وصراع الطفولة ضد الأب المسخرة. أم كلثوم تبرعت بأرباح الحفلة للمجهود الحربي، والقبطان عز الدين الحسيني وقع في حب المربية الجديدة، وغنى معها، ولم نفق سوى على اكتساح استعراض الشيخ كشك بصوته الجهوري، المتداول على طريقة البضاعة السرية، في شرائط كاسيت، وظلت الأجهزة التي اشتراها العائدون من بلاد البترول تدوي في البيوت أو في الأماكن تنادي جمهورها المحطم، نداء الكاسيت لا يقاوم بسهولة، فالصوت يملأ الفراغ الكبير الذي عشقه أجيال أكبر، أبي الذي انتظر بعد سماع بيانات أحمد سعيد في الراديو أن يكون بين أصحاب الحظ السعيد الذين سيديرون مصلحة الضرائب في تل أبيب بعد احتلالها، والجيل الذي تلاه وخرج من الجامعات في “ثورة طلاب” ينادون بالحرب، بينما كنت أنا مع أحلام بنت القبطان وكوابيس النابالم والنوافذ الزرقاء. وكان سمير في ذات الوقت يحاول ملء فراغ فرقته بعد الغياب المفاجئ لشريكه الضيف أحمد، وتحول الثلاثي إلى ثنائي يتيم، يستضيف في كل مسرحية وجهًا نسائيًّا، لكن التراجيدية الكوميدية ماتت مع الضيف، لم يبق سوى كوميديا مضبوطة يمثلها جورج تحاول التوازن مع القوة المفرطة للارتجال؛ الطاقة المخزنة في جسد وعقل سمير كانت مفاجأة كل عرض، اختصره في لحظات دخوله للمسرح، حيث يبني عرضه الخاص لينسج مع فراغات النص علاماته التي لا تنسى. المعركة بينه وبين النص تحولت أحيانًا إلى معركة بينه وبين جورج وبقية الممثلين، فكيف يستمرون مع الأداء الحر القوي المفاجئ. إنها صدمة العرض في ظل قاعدة التهذيب المستقرة بالتزام النص، والارتجال اعتداء على النص يحتاج إلى موهبة خاصة تنسي الجميع التعليمات. كيف يحدث هذا على المسرح (وفي السينما أحيانًا) في بلد كانت تعاقبك، ولا زالت، لترضخ للنص؟

سمير كان يحفر ممراته بين الخرائب، منحازًا للهزل، أو لتكسير الجدية التي يداري بها العالم مأساويته، هذا التكسير كان يتم بآلة الضحك، وتسمى هذه العملية عند المحترفين “تفجير الضحك”، وبالطبع ليس غريبًا أن يعتبر الضحك جرمًا عند مدمني السلطة، وعند جماعات الأمر والطاعة، ويعتبر علامة سيئة في مجال كبارات العائلة، ودليل عدم التزام في رسائل مرشد الإخوان للمستهدفين بالتجنيد. مفجر الضحكات فنان، يمكن أن يكون بهلوانًا أو مهرجًا بائسًا، يستجدي الضحكة من أجل المال، ويمكنه أن يكون فيلسوفًا مثل شارلي شابلن الذي يدمر في كل فيلم معالم الحضارة الرأسمالية، لإظهار هشاشتها ومحطمًا الأوهام عن كونها مصدر قوة الإنسان السعيد في العالم الذي يعبد الأرباح.

13

 لم يعد أمام أبي وهو في الثمانين، إلا التليفزيون. لم يعبر إلى عصر الإنترنت، مكتفيًّا بمباريات الأهلي وحفلات أم كلثوم المسائية وصحيفة الأهرام حيث الدولة تكلم الشعب. الدولة نفسها ذهبت أبعد من كهانتها القديمة.أسمت أحد جسورها العملاقة باسم سمير غانم، في وقت أعادت فيه احتكار صناعة الترفيه بكاملها، والهلس ليس منتجها المميز، لا تقدر عليه ولا تقوى على التحكم فيه كما فعلت حين تسلم محمد سالم “عهدة” التسلية والهلس، فكان أول فيلم من إنتاج القطاع العام (شركة الإنتاج السينمائي العربي)، وعنوانه “القاهرة في الليل” هو دعاية للتليفزيون وهو كذلك أول عرض سينمائي لبرنامج الثلاثي أضواء المسرح، أي أن محمد سالم قدم دعاية (للتليفزيون) داخل الدعاية (للدولة) محاطًا بحبكة درامية ساذجة أبطالها الثلاثي، الذين جعلهم في فيلمه التالي “منتهى الفرح” جنودًا عائدين من اليمن(1962) في قطار يحتفلون فيه بالنصر مع العريس (حسن يوسف) الذي يعد لزفافه على عروسه (مها صبري) ببروجرام يعده شيخ من صعاليك المدينة، ويغني فيه عبد الوهاب وصباح وفريد الأطرش، وترقص نجوى فؤاد في قلب الحارة السعيدة بعودة أبطالها بالنصر السعيد، اللحظة الذهبية لاستخدام منتجات التسالي والكوميديا في الدعاية للدولة، وترسيخ حضور الثلاثي في قلب السينما والمسرح والتليفزيون، في قلب مصانع الهيمنة الهادرة، بكل طاقتها، دون منافسة. كان سمير في هذا الوقت حائرًا، يبحث عن نفسه بين الموقع الجاهز للتراجيدي الضيف أحمد الذي يثير الضحك بمجرد النظر، والكوميدي الذي يفجر الضحك مع كل حركة لجسده البدين. واستمع سمير لنبوءة الضيف أحمد: أنت بارع في التمثيل، وسيمنحك الكثير، اسمع مني وهتشوف النتيجة.. وكان هذا يعني أن يحرر سمير الطاقات من داخله، ينفجر بالخيال وكلامه المفاجئ لا ينتظر النص ولا الحكايات المنزلة الجاهزة، هذه القوة حفرها بالتدريج خطوة.. خطوة. ولأنها هزل لا يحتل مكان الجدارة في الخطابات الجادة للدولة ومعارضيها، لم يكن سمير محل تقدير تلك الأجيال التي شاركت في حرب السرديات الكبرى، وعندما صدمت الهزيمة الجميع في يونيو 1967، عاشت تلك الأجيال أزمة التنقيب عن خطابات متماسكة وسط الخراب الكبير، لكن سمير لم يقع في الفخ، وظل محافظًا على الإمعان في الهلس. وقد كنت من الذين يخفون الإعجاب ولا يمنح التقدير لهذه الاختيارات، وبعد الصدمة المرحة مع القبطان عز الدين الحسيني، أهملت سمير باعتباره معطلاً لرحلة الجدية الفخيمة، حدث هذا رغم إعادة اكتشافي لقوته في مسرحية “أهلاً يا دكتور”، شاهدته من الصف الرابع لمسرح الهوسابير، لكنني لم أعلن قط الإعجاب والمتابعة حتى مع كاريكاتير ‘ميزو”، و”المتزوجون” الذي لا ينسى، هذه الشخصيات التي كانت تقف وحدها أمام فقاعات الشيخ كشك الكوميدية، والتي تبني مع كل شريط كاسيت مسرحًا للسخرية من كل ما يمت للدولة والحداثة بصلة؛ من الرئيس وحتى أم كلثوم حبيبة الشعب. كان المونولوجست الإسلامي يهدم معبد الدولة على رؤوس الجميع، ليقيم سلطته، أو ينفرد بالسلطة على الخرائب. ولم أكن قد فهمت ما يفعله الهلس في حرب الهيمنة على حشود الشعب، إلا عندما شاهدت فيلم “العقل والمال”، وكيف يملك الهلس قدرة تفتيت حكايات السلطة وتخريم عالمها المنسجم، وبعد فترة صادفت أجيالاً جديدة ترى في سمير غانم أيقونة الكوميديا، حدث ذلك في سنوات تحلل الدولة، وانسحاب المونولوجست الإسلامي لصالح صوت القنبلة والبندقية وحز السكين للرقاب، وتابعت الخروم العميقة التي تجعلنا مثلاً نحب فيلم مثل 424، و”الحلواني لما يلعب”، عندما يتحرك فيه سمير برغبة تفجير الضحك والسخرية، منحازًا لإتاحة اللعب حتى لمن لا تنطبق شروط الصناعة والسوق عليهم، وصلت حكايته دون موعظة ولا حكمة ولا أسى.