زيارة الغزالة

عمرو عزت عمرو عزت

وقع الخطوات على خشب أرضية التراس يبدو كنقرات حذاء بكعب عال. خمنت أنها هي.
قمت من السرير إلى الصالة بخطوات متسللة في الظلام لكي لا أحدث صوتًا، ذهبت أولًا إلى لوحة الإضاءات، شغلَّت الضوء، ثم إلى نافذة التراس وبهدوء أزحت الستائر. كانت هناك، مستلقية على الأرض توشك أن تنام. انتبهت إليّ ورفعت رأسها وهي تفتح عينيها بصبر نافد. أنا شغلت ضوء الصالة حيث أقف لا ضوء التراس، كان ذلك كافيًا لإزعاجها.

نظرت إليّ لثوانٍ من خلف زجاج نوافذ التراس الممتد من السقف للأرض، قبل أن تقوم بتثاقل وتخطو في ظلام الحديقة. 

كانت الغزالة تنظر إليَّ من خلف الزجاج؛ أنا في النور وهي في إضاءة خافتة متسللة إليها. أنا أحدق فيها وهي بالكاد تفتح عينين ناعستين.

كأنها تحلم بي.

متعاطف مع الشيوعيين

في 2010 صوّت 55% من سكان مدينة لاتور دي بيه La tour de peilz، في كانتون فود Vaud، في سويسرا لصالح إنشاء ممشى يمر بكامل شاطئ بحيرة جنيف المنتمي للمدينة، ليتمكن سكانها وزوارها من المشي على طول الشاطئ دون الاضطرار للالتفاف حول مجموعة من القصور والفيلات والمنشآت الخاصة التي تقع على البحيرة مباشرة وتتمتع بجزء منها كشاطئ خاص. 

عرفت ذلك في دردشة عابرة في حديقة إقامة الفنانين في لابيك La Becque، التي تتمتع بجزء من البحيرة كشاطئها الخاص، كما حولها من القصور والفيلات.

كنت أشرب الشاي وأبتسم ساخرًا من نفسي وأنا أفكر أن هذه واحدة من  اللحظات القليلة التي يمكنني بخفة أن أشعر بالتناقض بين مصلحتي الخاصة وبين مطلب “يساري”، مصلحتي الشخصية هنا طبعًا هي مجرد مصلحة مؤقتة لمدة ثلاثة شهور حيث أتمتع بمنحة الإقامة الفنية والتفرغ للكتابة بينما أتطلع إلى هذا المشهد الجميل لجزء خاص من شاطئ البحيرة خاليًا من البشر وهادئًا، في انتظار أن يتجلى شيء من إحدى قمم سلسلة جبال الألب على الضفة الأخرى، حيث تستقر السحب أحيانًا تحت إحدى القمم بقليل كلحية إله إغريقي ينظر إليّ من الضفة الأخرى ينتظر مني أن أكتب شيئًا هامًا يليق بحضوره المهيب.

أبتسم مرة أخرى لدرامية تعبير “صفعة على وجه الناخبين” في تقرير مكتوب عام 2015 ومنشور على موقع سويس إنفو، بعد خمس سنوات من التصويت لصالح إنشاء الممشى الذي لا يزال غير موجود.

تتلقى الديموقراطية في كل مكان تقريبًا ما يتراوح بين ضربات قاتلة أو صفعات قاسية من السلطة التي تعلوها أو تسمح بوجودها أو ربما من الناخبين أنفسهم، ولكنها هنا يمكننا أن نقول إنها تتلقى ربتات خفيفة على الخد تطالبها بالانتظار والتمهل في انتظار مواءمة ما مع السلطة التي تعلوها، هي هنا بالطبع قد تكون الملكية الخاصة.

ورغم تعاطفي الكبير مع المطلب الذي يريد توسيع مساحة المنفعة العامة مقابل منفعة القلة، إلا إن تعليق من شخص يُدعى شادراك على التقرير بدا لي عقلانيًّا ومتوازنًا بما يكفي ليبرر المزاج السويسري البراجماتي في التعامل مع الأمر أو ربما سبب التباطؤ في تنفيذ إرادة الناخبين، دون دراما ولا صفعات. يتساءل شادراك عن مدى معقولية أو أخلاقية مطلب إنشاء الممشى، الذي سيتكلف الكثير ثم سيؤدي في النهاية إلى ضرر قلة من الأغنياء، ولكنه ضرر فادح وجذري يمس قيمة عقاراتهم بعد أن تزول عنها ميزة الإطلالة المباشرة على البحيرة، وذلك في مقابل منفعة لعدد أكبر بكثير من السكان، ولكنها منفعة ضئيلة وليست فارقة، لكونهم يتمتعون بالفعل بممشى عبر معظم شاطئ البحيرة.

الشيوعية قد تكون، بقدر ما من الاختزال وبمصطلحات براجماتية، هي ضرر فادح لقلة في مقابل منفعة ضئيلة – لكن فارقة – لكثرة. 

قبل ما يقرب من 15 عامًا قال لي والد زوجتي السابقة إنه استخدم علاقاته داخل الأجهزة الأمنية ليعرف إلى أي حد خطير هو نشاطي السياسي، وأخبروه أن تصنيفي السياسي في ملفاتهم هو: متعاطف مع الشيوعيين. 

أعجبت بدقتهم، أتمنى ألا يكونوا قد غيروه بعدها بخمس سنوات في 2011، بعد “الثورة”. حيث إنني مع آخرين أصبحنا “ثوريين”، رغم أن معظمنا، مثلي، ليس راديكاليًّا بما فيه الكفاية. 

بعد انسحابنا جميعا كثوريين مهزومين، فإنني أرى أهم ما أنجزناه: الملايين في مصر الآن يعرّفون أنفسهم بأنهم “مع الثورة” بغض النظر عن كونهم راديكاليين أو لا في نظرتهم للسياسة، يساريين أو ليبراليين أو بين بين، وبغض النظر إن كان ما حدث في مصر يسمى “ثورة” بحسب تقييمات المؤرخين. ولكن نحن “ثوريين” لأن ما حدث، ما صنعناه، يسمى عندنا “الثورة” بالألف واللام، ثورتنا، ونحن، الذين مع الثورة، مع ما حدث، مع ما صنعناه. يقال ذلك كاعتراف بالتهمة، والأجيال الجديدة التي لم تشارك في ثورتنا، هي مع ما حدث كمعترفين تضامنًا مع المتهمين، ربما لأنهم على استعداد للاشتراك في الجريمة القادمة.

الأجمل أنه في الأحاديث اليومية تحولت: “فلان مع الثورة”، إلى “فلان ثورة”، كأن تقول فتاة ما في الجامعة كانت ما زالت طفلة وقت الثورة: في البيت بابا مع النظام وأخي الأكبر مع الإخوان ولكن أنا وماما وباقي إخوتي كلنا “ثورة”. 

خطير أن يقول عدد كبير من أجيال متتالية تحت نظام ديكتاتوري إنهم، هم أنفسهم، “ثورة”. ذلك يبرر ربما أنهم يعاقبون الآن على اللاشيء.

تحسدنا الأجيال الجديدة على ما حدث، لقد تمشينا كثيرًا في كل شوارع القاهرة، تمشينا كثورة. هذه الطرق المزدحمة بالسيارات والأرصفة الضيقة غير المعدة للتمشيات الطويلة، كلها كانت لنا.  تمشينا وسط نهر الطريق، وتركنا الأرصفة كاستراحات وكممرات لغير المتحمسين. على أسفلت الطريق تمشينا وجلسنا واستلقينا أحيانًا. كل القاهرة كانت غرفة معيشة كبيرة نجلس حيث شئنا، وفي المساء غرفة نوم واحدة مفتوحة تمتلئ بالخيام وبطاطين مشتركة تستمد الدفء من الأجساد المتقاربة المليئة بالحماس. في منتصف اليوم مائدة مشتركة بما هو متاح، وباقي اليوم كانت ممشى مفتوحًا.

لم أعد أمشي كثيرًا بعد ما انسحبنا من الشوارع، ربما لهذا لست متحمسًا لقطع مسافات طويلة على شاطئ البحيرة مثل سكان المدينة الذين طالبوا بممشى أطول، حتى أنني لأيام هنا لا أعبر التراس لأتمشى في الحديقة لخطوات حتى أرى البحيرة عن قرب. 

اليوم تمشيت إلى البحيرة وفكرت: لو كان الممشى المقترح تم تنفيذه بالفعل، فإن سورًا عاليًا سيكون هنا بين الحديقة وبين البحيرة، ولم تكن الغزالة في الغالب ستدخل إلى حديقتنا ولم تكن ستأتي إلى تراس شقتي ليلاً. 



أين ذهبت أرض الغزلان؟

في الغالب وصلت الغزالة إلى هنا عبر البحيرة. خرجت الغزالة من حديقة أو غابة، مساحة راحتها المفترضة، فوجئت أن العالم مُرتَّب ومُهندَّس، كل قطعة أرض مخصصة لشيء ما، أو لشخص ما، أو لعموم الناس من أجل فعل شيء معين. البحيرة أيضا مرتبة، هذه المياه تخضع لسيادة دولة ما، وكل جزء منها يخضع لإدارة كانتون ما، وكل شاطئ يقع تحت سلطة مدينة أو قرية. الشواطئ مرتبة لأغراض محددة؛ هذه موانئ، وهذه شواطئ عامة، وهذه شواطئ خاصة. حتى الشواطئ العامة مُتوقَّع أن يحدث فيها أشياء ولا تحدث فيها أشياء أخرى، أن توجد بها كائنات، ناس، كلاب، قطط. من الغريب أن توجد بها غزلان. ولكن سيطرة الإنسان على المياه سيطرة افتراضية، سيطرة مؤجلة، لحظية، ليست هناك في كل وقت. القفز في البحيرة يبدو منطقيًّا هربًا من السطوة الكبيرة للإنسان على الأرض. 

اسم الغزالة

كنت أجلس مع ليلى في مطبخ ما في لوزان. سألتها كيف وصلت إلى هنا من مصر بهذه السرعة. ردت باقتضاب: أوبر. وسألتني لماذا قررت استئجار غرفة هنا ليومين بدلًا من زيارة لوزان ثم العودة للبيات في لابيك، نصف ساعة بالقطار من هنا.

قبل أن أجيب دخل رجل إلى المطبخ، تحدث إلينا بالفرنسية أولًا وبعد ثلاث دقائق من تحديقنا الصامت فيه تذكر ثم بدأ حديثه مرة أخرى بالإنجليزية: أنا آسف جدًّا على هذا الوضع، عندما أجرت لك الغرفة عبر هذا الموقع كانت هناك غرفة بالفعل، ولكن زوجتي الآن غاضبة وطردتني من غرفتنا وأغلقت الباب على نفسها، وأنا مضطر لأن أنام في الغرفة الأخرى، لذلك فليس لدي حاليًا سوى المطبخ لكي أؤجره لك.

ضحكت ليلى وقالت لي بالعربية ساخرة إن المطبخ لطيف بالفعل، هي تتمنى فقط ألا تطردني الزوجة الغاضبة عندما تريد أن تطبخ. 

ابتسمتُ وابتسم الرجل أيضا لليلى وسألها عن اسمها. ردد اسمها بابتسامة لزجة ذات مغزى. التفتت إليّ ليلى وقالت بالعربية إننا يمكننا أن نخمن الآن سبب غضب زوجته. ارتبك لأنها تجاهلته ولأنها تحدثني بالعربية. حاول أن يجد لنفسه مكانًا في الحديث بعيدًا عن تجاهلها، أو حاول أن يستكشف أكثر طبيعة علاقتنا. التفت إليّ: هل ستبيت ليلى أيضا معك في المطبخ يا …  آسف، ما اسمك مجددًا؟ 

وأنت بعيد عن أرضك تكرر اسمك كثيرًا، تردد أشياء كثيرة عن نفسك. هكذا تحاول عبر اللغة أن تجد لنفسك مساحة في الأرض الجديدة. تخبرهم عن مساحات الحياة الخاصة بك بعيدًا عن هنا، ماذا فعلت هناك وماذا تنوي أن تفعل هنا. كأنك تستأذن لتستعير قطعة أرض هنا بدلاً من أرضك البعيدة.

ليس للغزالة فرصة أن تفعل ذلك إن هي وجدت نفسها بعيدة عن أرضها، إن كان يمكن أن نقول إن لها أرضًا. كان لا بد أن تقفز في البحيرة. 

حواف الماء

هل وقفت الغزالة للحظة على شاطئ البحيرة قبل أن تقفز؟

مثلما يفعل الناس عادة عند حواف المسطحات المائية، يحدقون فيها وفي الأفق حولها، كأنهم يحدقون خارج حياتهم. هذه المساحات التي لا نعرف كيف نسيطر عليها في كل لحظة، ليست ملكنا تمامًا بشكل ما، لهذا السبب الأراضي بجوار الأنهار والبحيرات والبحار أغلى من تلك الأخرى البعيدة عنها؟ كأنك تمتلك أرضًا على حافة أقصى ما يمكن أن يمتلكه الإنسان.  

تلك الإثارة عند القفز في الماء للاستمتاع. متعة لكن مرتبطة بمجهود ما، قدر من التحكم في الذات لكي تطفو أو تواصل حركتك بانتظام.

حتى الأسماك في المياه يجب أن تتحرك على الدوام. الفشل في الطفو أو في الحركة الملائمة، وحتى لو توقفت الأسماك عن الحركة، يعني الموت. 

في المساحات التي خارج سيطرتنا توجد المتعة والدهشة، وربما فرصة الهرب، ويوجد خطر الموت أيضا كاحتمال. يجب أن تواصل الحركة وأن تفكر من حين لآخر إن كنت لا زلت قادرًا على السيطرة على ذاتك بقدر ما وأنت تهرب من الأرض المسيطر عليها. 

لن يستدرجني ذلك لأكتب كثيرًا عن “ثورتنا” مجددًا، ولكن باختصار: قفزنا واستمتعنا واندهشنا، لكن أكثر ما يؤلمنا أن نفكر أن تلك الأراضي التي قطعناها مشيًا، وحتى تلك المياه التي قفزنا فيها، كلها أصبحت تحت السيطرة، ولم يعد لنا مكان فيها كغزلان قفزت في البحيرة ولا تجد الآن أرضًا لترسو عليها.

حب الجلوس

في كل محطة، طوال الطريق إلى برن، أرى نفس الشخص جالسًا، مُرخيًا كمامته أسفل ذقنه، يدخن سيجارة، تلتقط عيناه عينيّ عبر نافذة القطار من أول ما أراه وحتى تعبر نافذتي مقعده. 

في برن، أول ما نزلت وجدته جالسًا، التقت عينانا طويلاً، وعندما تجاوزته خارجًا من المحطة لمحته بطرف عيني يرمي سيجارته كأنه يستعد للتحرك، ولكنه لم يحرك قدمه حتى ليطفئ سيجارته التي ظلت مشتعلة على الأرض.

بيت شارل لا يبعد كثيرًا عن المحطة. وصلت وأرسلت له رسالة أنني هنا بانتظاره أمام مدخل البيت. لحظات وخرج إليّ شارل وهو يدفع عجلات مقعده المتحرك. 

في بار قريب، أزحت إحدى كراسي الطاولة لكي يقترب شارل بكرسيه المتحرك ويحتل مكانه، وجلست أمامه. كنت على وشك أن أسأل شارل ماذا أصاب رجليه لكي يضطر لاستخدام المقعد المتحرك، ولكن الرجل الذي تركته في محطة برن وصل إلى طاولتنا وهو أيضا يتحرك على كرسي بعجلات. 

اقترب منا، وحيانا بالعامية المصرية، وسأل شارل عن نوع مقعده المتحرك وكيف حصل عليه، فسأله شارل لماذا يسأل. تجهم الرجل وقال إنه ينوي شراء واحد آخر جديد وأنه لاحظ أننا نتكلم بالمصرية وافترض أننا يمكن أن نتحدث حديثًا وديًّا. قال له شارل بتجهم إنه ليس مبررًا. في الواقع أنا رأيته مبررًا. انحزت للرجل ضد شارل، ولكن شارل أصر على موقفه وتحدث معه بغلظة. تغيرت نبرة الرجل وقال لنا إنه سيكون مباشرًا: هو مُكلَّف بمتابعتنا وكتابة أخبارنا، وسأل شارل بقدر من الخشونة إن كانت رجلاه قد أصيبتا في الثورة، هل نحن من أصابك بهذا. رد شارل سؤال الرجل وسخريته بنفس الطريقة وأشار إلى ساقيّ الرجل وسأله إن كانت رجلاه هو قد أصيبتا في الثورة: هل نحن من أصبناك بهذا؟

ضحك الرجل وقال له: لا هذه إصابة في معركة على الأرض، بعد “ثورتكم” وعندما انسحبت الشرطة، ذهبت مع عائلتي الكبيرة لاحتلال إحدى الأراضي في قريتنا، أرض مملوكة لورثة لم يأتوا أبدًا، بينما أمر أنا بجانب سورها كل يوم لأذهب إلى بيتي الضيق حيث أعيش أنا وزوجتي وأمي وأولادي الخمسة في شقة صغيرة ثلاث غرف. قررت أن أحصل أنا وأقربائي على هذه الأرض وأن نبني بها بناية كبيرة بها شقق واسعة فسيحة لنا ولأولادنا، وفي معركة قصيرة مع حارس الأرض أصيبت ساقي؟، لكننا نجحنا في القبض عليه رغم مقاومته وحبسته في بيتي مع زوجتي وأمي وأولادي الخمسة عقابًا له.

قال له شارل: مبروك الأرض، وهل بنيتم بنايتكم الكبيرة؟ 

رد الرجل: للأسف عندما انهزمت ثورتكم وعادت سيطرتنا فقدت أنا السيطرة على الأرض، لم نكن أنا وأقربائي قد بدأنا البناء، لم يكن معنا المال الكافي، تقدم الورثة ببلاغ إلى الشرطة وكنت أنا بنفسي مكلفًا من قسم شرطة القرية بإعادة الأرض التي حاربت من أجلها، إلى هؤلاء الذين حاربتهم. هل تصدق هذا الذي حدث؟

ضحك الرجل وهو يهز رأسه غير مصدق، فضحكنا معه وعزيناه في أرضه وتمنينا له أن يتمكن قريبًا من أن يجد شقة أوسع أو أن يجد طريقة ليترقى إلى موقع أعلى لكي لا يستطيع أحد أن يستعيد شيئًا منه. 

نظر الرجل لنا كأنه ابتهج بتعاطفنا معه. قال لنا إنه يعتذر عن إزعاجنا، واعترف لنا أنه في العادة يكتب أي تقارير بها أي شيء دون أن يتحدث مع أحد، ولكنه شعر بالملل في هذا البلد لأنه لا يجد أحدًا يتكلم معه هنا فقرر أن يتحدث معنا قليلاً وطمأننا أن التقرير لن يكون به أي شيء خطير، سيقول إننا نتسكع بلا جدوى ولا نفعل شيئًا.

ابتسم شارل وقال له: وهذه هي الحقيقة. 

ابتعد الرجل، فتذكرت وسألت شارل عما أصاب رجليه، فقال شارل إنهما على ما يرام، لكنه يحب الجلوس أكثر من أي شيء آخر، كما أعلم، وإنه استيقظ من نومه قبل أيام وفكر أنه سيكون جالسًا طوال الوقت لو اشترى ذلك الكرسي المتحرك، فأمسك تليفونه واشتراه من أحد تلك المواقع ولم يتحرك من على السرير إلا عندما وصل الكرسي. 

أراد شارل أن يطمئنني أكثر فقام من على كرسيه ولكن ركبتاه ارتختا قليلًا، من كثرة الجلوس، فاستند على الطاولة وهو يضحك ويقول: لقد أصبحت ركبتاي كركبتي غزالة.

ركبة كلير

أرسلت لي كلير تسألني إن كان يمكن أن أخبرها كيف يمكنها أن تشاهد أونلاين فيلم “ركبة كلير” وكتبت ضاحكة أنه إذا كان هناك فيلم فعلًا بهذا الاسم يجب أن تشاهده فورًا. لم نكن نتحدث في العادة، باستثناء حوارات مقتضبة وسط حفلات أصدقائنا المشتركين إذ تقضي معظم الوقت في الرقص. هي تحب الرقص أكثر من أي شيء أو أي حد آخر. جعلني ذلك أفكر أنها تحب نفسها كثيرًا، تحب نفسها وهي ترقص. لا يمكنني أن ألومها. وفي نهاية الحفلات لا تكون مهتمة بتجاذب الحوارات كثيرًا. أول ما تتوقف الموسيقى تلملم أشياءها وترحل. وفي الغالب هي لا تسأل فعلًا عن الفيلم، ولكن قلت لها إنها أول مرة أسمع بهذا الفيلم، هل بحثتِ في إيجي بيست؟ 

طبعا بحثت هناك، ولم أجده.

تعجبت أن هناك فيلم لم يقرصنه موقع إيجي بيست، وخمنت أنه في الغالب ليس فيلمًا جماهيريًّا. بحثت فعرفت أنه فيلم لإريك رومير  Éric Rohmer. كانت ليلى قد أعطتني أفلام إريك رومير وقالت لي إنني سأحبها. جربت عشر دقائق من أحدهم ولم أشعر أنه سيعجبني.

أخبرت كلير أن الفيلم موجود عندي على اللابتوب ولكني لم أشاهده. ضحكت وقالت إنها فيما يبدو يجب أن تسافر من دبي للقاهرة لتشاهده معي، وأضافت أنها فعلا ستأتي إلى القاهرة قريبًا وتبحث عن غرفة لبضعة أيام. 

لم تكن تسأل عن الفيلم والآن هي لا تسأل فعلاً عن الغرفة، أو عن غرفة فقط. أخبرتها أن لدي غرفة نوم واحدة هنا، يمكنها أن تأخذها وأنا سأنام في المطبخ، (أرسلت لي الوجه الضاحك الذي تطفر منه الدموع من كثرة الضحك) أو أننا – واصلت رسالتي- يمكن أن نعتبر رحلتها للقاهرة لقاء عاطفيًّا استكشافيًّا، فكرت فيه كثيرًا من قبل ويبدو أن هذا هو الوقت المناسب، وساعتها يمكننا أن نبيت معًا ونشاهد الفيلم معًا. 

ضحكت (أرسلت الوجه الضاحك مفتوح العينين والفم الذي قد يكون علامة اندهاش مستنكر وقد يكون علامة موافقة عابثة) وقالت إنها موافقة. 

أتت كلير، وبدلاً من بضعة أيام ظلت هنا عامًا كاملاً. كنا سعيدين معظم الوقت، خاصة عندما نذهب للرقص. كانت تريد أن تخرج كل ليلة للرقص، وأنا يمكنني أن أخرج للرقص مرة كل أسبوع أو أسبوعين، ربما شهر، بالرغم من أنني يمكن أن أقول إن مشاهدتها ترقص كان الشيء الذي يجعلني أتجاوز كل خلافاتنا الصغيرة. قد لا يبدو ذلك سطحيًّا وشهوانيًّا إذا أضفت أنني أرى أنها تضع فيه كل ما هو جميل في جسدها وروحها. كانت انثناءات ركبتها في أثناء الرقص تذكرني كيف بدأ ذلك وأبتسم.

ثم حدثت مشاجرة كبيرة بسبب خلاف صغير، ولكنه كان كافيًا لكي يصل بنا إلى الحقيقة التي حاولنا تجاهلها كثيرًا: أنا لست مستعدًا للسفر والعيش معها في دبي وهي ليست مستعدة لترك حياتها في دبي لتعيش معي في القاهرة. رحلت. لم نكن قد شاهدنا فيلم ركبة كلير طوال هذا العام. شاهدته وحدي. أعجبني. شاهدت كل أفلام إريك رومير. أعجبني معظمها، وأصبح من المخرجين المفضلين عندي. قالت لي ليلى: قلت لك إنه سيعجبك.

عندما عرفت أن من بين الأماكن المتاحة للإقامة الفنية في منحة بروهلفتسيا مكان قرب لوزان ورأيت صوره، قلت إن هذا هو غالبًا المكان الذي صور فيه إريك رومير فيلمه “ركبة كلير”، هذه غالبًا هي البحيرة، وهذه هي جبال الألب في الخلفية، كما أن الفيلم من إنتاج شركة أفلام لوزان، وفي الفيلم كاتبة تقضي فترة هناك بجوار البحيرة لكتابة رواية. أنا أؤمن بالإشارات، ليس على طريقة باولو كويلهو، ولكن على طريقة خوان خوسيه مياس: الحياة مليئة بالإشارات الغامضة المضللة مثل تلك الإشارات في مطار فرانكفورت التي تدوخ المسافرين وتجعلهم يقطعون رحلات متعرجة بعيدًا عن هدفهم. وأنا أحب التواءات المصادفات بعيدًا عن الطريق المفترض، إن كان موجودًا.

اخترت هذا المكان على البحيرة قرب لوزان، الذي كان لابيك، وفيه شاهدت فيلم ركبة كلير بتركيز أكبر وعرفت أن الفيلم قد تم تصويره بجوار بحيرة أخرى وسلسلة أخرى من جبال الألب في فرنسا، كان ذلك قبل يومين من اليوم الذي أتت الغزالة فيه إلى تراس شقتي.

ولكن لماذا اختارت الغزالة أن تقطع سباحتها لتخرج إلى لابيك تحديدًا؟

اختيار كلير

لا أظن أن غزالة تسبح في البحيرة هربًا من غرابتها وسط الناس قد تفكر في اختيار رشيد للمكان الذي ستعود فيه إلى الأرض. ربما كانت هناك بعض العلامات التي قادتها إلى أن تضل طريقها إلى مكان معين. ربما يبدو من شاطئ المكان أن الأشجار والحشائش هنا ليست مقلمة ومرتبة مثل حدائق الفيلات والقصور، الحديقة برية نوعًا ما. السور بين الحديقة والبحيرة واطئ. كل هذه العلامات قادتها إلى أكثر الأماكن في الأرجاء شبهًا بطبيعة برية وأقلها شبهًا بالسكن الخاص.

بالتأكيد فوجئت بالشقق المتناثرة فيها، وربما ارتبكت عندما رأت على أسقفها تربة مزروعة بكامل المسطح وكأنها جزء من الحديقة. أتخيل أن صورة من أعلى بالطائرة ستبدو فيها الحديقة مقسمة إلى نوعين من المساحات المزروعة بشكل مختلف، لكن لن يظهر أية أسطح خرسانية، هل يخدع ذلك الطيور المحلقة على ارتفاع بعيد؟ 

الطابع الفني للحديقة ملائم تمامًا لكي يضل كائن ما طريقه إلى الطبيعة. الفن مساحة ملائمة للهرب من مساحات التنظيم المتوقع للواقع. الفن قد يكون هو المسطحات المائية وسط يابسة الواقع، أو ما نظنه كذلك. يقف معظم الناس على حدوده يتفرجون عليه ويتطلعون إلى أفقه، وأحيانًا بوعي أو دون وعي يخوضون غماره، لتجرب أقدامهم أن تظل لفترة ما بدون أرض.

لو فكرنا مرة أخرى سنجد أن المسطحات المائية في الواقع هي التي تحيط باليابسة من كل اتجاه وتتخللها فوق السطح وتحت السطح.

لهذا رأيت الكرسي المتحرك لشارل عملًا فنيًّا، وكذلك “ثورتنا”، وتواطؤ المخبر، ورحلة الغزالة، وبالتأكيد “ركبة كلير” ورقص كلير وكيف اختارت كلير فيلم “ركبة كلير” لتفتح حوارًا وتقفز إلى حياة الشخص الوحيد الذي اكتفى بابتسامات إعجاب طبيعية من بعيد، لديها منها الكثير، ولكنه كان الشخص الوحيد، في الغالب، الذي لم يطاردها، فأتت إلى شقته كغزالة شاردة وظلت هناك للحظات قبل أن تشعر أنها ينبغي أن تعود إلى مكان ما.

لا أدري إن كان كل ذلك قد يشكل معًا حكاية ما، ولكن تخطر لي دائما تلك الفكرة: أن كل حكاية هي ذات علاقة بكل الحكايات الأخرى. أحيانًا يكون ذلك واضحًا. أحيانًا لا، وفي تلك الحالة أفكر ما الذي يمكن عمله لكي أصنع تلك العلاقة، ربما بالقفز من أرض الحكاية إلى مياه ما هي بالضرورة متصلة بالمياه التي تحيط بأرض الحكاية الأخرى، كما فعلت الغزالة، وكما تحاول أن تفعل هذه المسودة. 

***

*رسم الغلاف: أمنية نجيب

**المقتطفات من باقة اختارها وحررها: وائل عشري