مملكة الله… لماذا تقوم على جثتنا؟

وائل عبد الفتاح وائل عبد الفتاح

كيف كان سيد قطب سيتجول في شوارع حلوان الآن؟

ذهب إليها بحثا عن إستشفاء لرئته المعطوبة. هناك زاره نجيب محفوظ الذي تقول الأساطير أن سيد قطب كان مكتشفه.وهو بالفعل من أوائل النقاد الذين اهتموا بروايات نجىب محفوظ المبكرة، خاصة رواية “خان الخليلي”. سيد قطب وقتها كان يريد أن يصبح أديبا، كاتباً بالمفهوم الحديث، حاكى “أيام” طه حسين في سيرة ذاتية لم تُقرأ إلا بعد أن اصبح صاحبها نبي التطرف.

الرومانتيكية طاغية

برومانتيكية طاغية كتب سيد قطب سيرته “طفل في القرية”  وأهداها إلى طه حسين قبل أن يحمله الطغيان الرومانتيكي إلي العقاد…المُعبر الأقصى عن التطرف النرجسي الباحث عن العظمة والعبقرية في كل ما يعرفه أو ينتمي إليه وهذه النقطة توافق مشاعر سيد قطب الرسولية/فهو راسم الطريق إلى اليوتوبيا، حامل الواقع إلى مصاف الجنات الارضية.النرجسي الزاعق عاندته علة الجسد والإقامة على هوامش المدينة .كيف تكون معزولاً وأنت رسول هذه المدينة؟

من بيته في ضاحية حلوان أعلن سيد قطب ذات يوم الطريق الي مملكة الله. أعلنها واضحة: نحن في مملكة الشيطان/مجتمع جاهلي/الإسلام غائباً وليس غريباً فقط. إعلانه كان انفجاراً على الورق، إختلطت فيه مفاهيم حداثة الدولة والمجتمع بمفاهيم “الحاكمية لله”، الإخوان في تلك اللحظة (بعد إعتقالات ١٩٥٦) كانت نتف جماعة مازالت تدور حول أفكار حسن البنا البسيطة وهاهو الرومانتيكي ينفجر على الواقع بمهمة الخلاص الكبير. لم يكن الأدب يتسع لهذه الانفجارات ولا للنرجسية الرسولية ولا لإنفعالات تهدد العالم بحرب من “الصحابة الجدد/النخبة المؤمنة” الذين يتجمعون في عصبة يتسربون فيها في المجتمع الجاهلي/الكافر، حتى لحظة تكوين القاعدة. هذا التسرب اسمه التمكين بمعني ما وهي مرحلة وسطى بين الإستضعاف وإعلان مملكة الله أو الدولة التي يكون فيها الحكم لله.

المواقع المعادية للإخوان نشرت هذه الصورة لسيد قطب سنة ١٩٥٣ مع نواف الصفوي احد أعضاء التنظيمات الدينية التي كانت تخطط للثورة علي شاه ايران

أثناء محاكمته قبل إعدامه في سنة ١٩٦٢

هذه النتف العاطفية الإنفعالية بنصوصها الحادة صنعت “معالم على الطريق” الذي اوصل الاخوان في ١٩٦٥ إلى “الجهاز السري” الذي كان هدفه الإستيلاء علي السلطة بقوة السلاح.

لم يتخيل سيد قطب وهو ينفجر برومانتيكياته على الورق أن هذه “الأضغاث” ستتحول في لحظة ضعف جماعته إلى خطة/وسلاح/ومقاتلين سيصطادهم بها نظام عبد الناصر باعتبارهم “أعداء” ينافسونه على حكم “الرعية الشاردة”. وربما لم تكن هذه هي غاية الرسولية االتي إجتاحت سيد قطب، كأحد أعراض المرض و الضعف، لكنها أصبحت نقلة في سيرة حياة المؤمنين بحرب خلاص يعود فيها المجد للمسلمين عن طريق حرب /جهاد بدأ من تلك الفكرة المدمرة عند سيد قطب: “الافكار تغذيها الدماء”.

بدا سيد قطب ضحية مثالية وهو في طريقة إلى منصة الاعدام، ملامح متعبة/لكنها متماسكة/ليست ذاهلة/يعرف طريقه هو الذي كان قبل سنوات من إعدامه مستشارا للضباط الذين حكموا عليه، بل إنه منح بركات لأول إعدام بعد ١٩٥٢ ضد خميس و البقري، بطلا أول صدام للضباط الأحرار مع العمال في كفر الدوار بعد أسابيع قليلة من إزاحة الملك.

سيد قطب كان مستشار مجلس قيادة الثورة العمالي/الثقافي/وتقول الأساطير انه صانع الرؤى الاجتماعية للضباط بكتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” وتقول اسطورة إخوانية أخرى أن قطب كان سيحتل موقع محمد حسنين هيكل بالنسبة لعبد الناصر/ورغم أن سيد قطب كان مقيما في مكتب بمقر القيادة إلا انه لم يقتنص المكان المقرب من “الزعيم” بمحض إرادته. تقول الأسطورة ايضا أنه فعل ذلك لأن موقعه الرسولي المفضل كان اما في وزارة التعليم (المعارف وقتها) او في الإذاعة، حيث أماكن تغيير العقول، وصناعة الوعي.

الكونت ميرابو خطيب الثورة الفرنسية

كاد سيد قطب ان يصبح “الكونت ميرابو” للضباط حسب عشاق التماثل بين يوليو ١٩٥٢والثورة الفرنسية، لكن قطب لم يكمل الدور الذي لعبه اونوريه جابرييل ريكوبتي، الكاتب و الصحفي و الخطيب النزق العليل الذي لعب دوراً في انتقال فرنسا إلى الجمهورية رغم أنه كان مؤمنا بالملكية الدستورية.

قطب لم يكن من الممكن ان يكون “ميرابو” لأن حسية الكونت الفرنسي ولنقل نزقه وولعه بالمغامرات الجنسية لم توقعه في فخ الرسولية التي هي تعبير نرجسي يرى فيه الشخص في نفسه مهام تخليص البشرية من شرورها بدلاً من فهمها والتمعن أكثر في رحلتها.

رحلة سيد قطب قصيرة جدا، أنفاسه مقطوعة في المعرفة وهذا ماجعل صدمته الاولى وتحوله إلى مقاتل ضد الحضارة تبدأ في امريكا حيث عاد من هناك نكوصياً يبحث دخله عن الكنز الذي تركه الأسلاف محطماً الجسور إلى المعرفة بنظرية تقول:” نأخد من الأمريكان خبرات الميكانيكا واالفيزياء والزراعة والعلوم البحتة ونفارقها في النظريات والقيم و الأفكار.”

هذه النظرية النفعية قادته الي فكرة “أن الله سخر لنا الغرب لينتجوا حضارة نستهلكها نحن” وتعددت بعد ذلك إستخدامات هذه النظرية من تبريرالإستهلاك إلى معاداة الغرب بأسلحته وحتى إكتفاء مفاهيم مثل الديمقراطية بدون سياقها رحلتها الفكرية.

وقال له فريد عبد الخالق القيادي الأخواني و هو ملقى على الأرض:`` لماذا فعلت بنا هذا؟``

ليس أقل من نبي جديد بدعوته الي مملكة الله ويوجه دعوته الى الملهوفين و المنتظرين فرصة للخلاص من بؤسهم اليومي ليلعبوا دور “الصحابة/النخبة المؤمنة/الجماعة” وإختار سيد قطب طريق الحشد اللاهب لمقاتلين يحملون السلاح في حرب إسمها الكودي: عودة الاسلام من غيبته. بدت ملامحه غير مريحة، نظرته فيها شر يناقض هيئته الهادئة هكذا رأى نجيب محفوظ سيد قطب في زيارة له بعد التحولات وكالعادة لم يكتب هذه الأوصاف علناً أو صريحةً، لكنه وضعها في بورتريه “عبد الوهاب إسماعيل” ضمن روايته “المرايا”. هذا الشر المقيم المحفور في ملامح طيبة، مشروع جد طيب أو موظف يحكي خبراته لصغار الموظفين باقية في صور سيد قطب التي نراها مظللة بملامح الشجن القاسي ونبرات الألم المكتوم كما يليق بالموت ان يفعل في نفسية المصريين.

تظل هنا صورة فريد عبد الخالق وهو أحد الجيل المؤسس للجماعة والذي إنحاز إلى جناح حسن الهضيبي “دعاة لا قضاة “رداً على إنفجارات الرومانتيكي العنيف سيد قطب علي الورق. فريد حكى وهو في سنته الثمانين ربما عن آخر نظرة تبادلها مع سيد قطب. كان ملقي بجوار الحائط يئن من التعذيب، منهك الروح و البدن، بينما مر قطب و تبادلا نظرة لاتنسي، نظرة لوم : “لماذا فعلت بنا ذلك..ألم نقل لك؟”

كم فريد عبد الخالق سينظر نفس النظرة إلى سيد قطب لو مر اليوم بين جنازات الإخوان في بيوت حلوان وماحولها من عشوائيات تنام فيها جيتوهات الجماعة؟

*الصياغة الأولى أغسطس 2013